ثالثاً: إن أقوى أدلة القول الثاني من جهة الاستدلال خروج صفوان بن أمية مع النبي ﷺ في غزوة حنين، مع أنه لم يسلم بعد، كما ذكره غير واحد من أهل العلم (١)، لكن يحتمل أن النبي ﷺ لم يمنعه من الخروج معه لأنه كان من مؤلفة القلوب، وكان رسول الله ﷺ يرغب في إسلامه وهدايته؛ ولذلك أعطى له النبي ﷺ من الغنائم شيئاً كثيراً حتى أدخل الله عليه الإسلام، ولم يكن المراد من خروجه مع المسلمين الاستعانة به (٢).
رابعاً: إن خروج صفوان بن أمية ﵁ مع النبي ﷺ كان في غزوة حنين، وقول النبي ﷺ لمن خرج معه ولم يسلم: «فارجع، فلن أستعين بمشرك». كان في غزوة بدر وغزوة أحد، وغزوة حنين بعد بدر وأحد بلا شك (٣)، لكن في الاستدلال منه على النسخ نظر؛ لأن خروج صفوان ﵁ مع النبي ﷺ محتمل لأمور، وليس متعيناً أن ذلك كان للاستعانة به، بل لم يكن شهوده الغزو بأمر رسول الله ﷺ (٤).
أما الأحاديث التي جاء فيها التصريح بأن النبي ﷺ استعان ببعض الكافرين على قتال المشركين، فهي غير صحيحة (٥).
والله أعلم.
стр. 1787
المطلب الثامن: أخذ السلب من غير بينة
ذهب بعض أهل العلم إلى أن السلب لا يُعطى القاتل بغير بينة، وأن ما يدل على جواز الإعطاء من غير بينة قد نسخ.
وممن قال بنحو هذا: أبو حامد الرازي (١)، وأبو إسحاق الجعبري (٢). ونسبه الحازمي إلى طائفة من أهل الحديث (٣).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الأدلة سبب آخر لاختلافهم فيها (٤).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن سعد ﵁ قال: جئت إلى النبي ﷺ يوم بدر بسيف، فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو، فهب لي هذا السيف، قال: «إن هذا السيف ليس لي ولا لك». فذهبت وأنا أقول: يُعطاه اليوم من لم يبل بلائي! فبينما أنا إذ جاءني الرسول، فقال: أجب، فظننت أنه نزل فيّ شيء بكلامي، فجئت فقال لي النبي ﷺ : «إنك سألتني هذا السيف، وليس هو لي ولا لك، وإن الله قد جعله لي، فهو لك» ثم
стр. 1788
قرأ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى آخر الآية [سورة الأنفال: ١]) (١).
وفي رواية عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما كان يوم بدر قتلت سعيد بن العاص-وقال غيره: العاص بن سعيد (٢)، قال أبو عبيد: هذا عندنا هو المحفوظ، قتل العاص- قال:
وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به رسول الله ﷺ وقد قُتل أخي عمير (٣) قبل ذلك-فقال لي رسول الله ﷺ : «اذهب به فألقه في القبض» فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله، من قتل أخي، وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قريباً حتى نزلت
стр. 1789
سورة الأنفال، فقال رسول الله ﷺ : «اذهب فخذ سيفك» (١).
ثانياً: عن أبي قتادة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلاً من المشركين علا رجلاً من المسلمين، فاستدبرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه. فأقبل عليّ فضمّني ضمّة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا، وجلس النبي ﷺ فقال: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه» فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه»، فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال الثالثة مثله، فقمت، فقال رسول الله ﷺ : «مالك يا أبا قتادة؟» فاقتصصت عليه القصة. فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلبه عندي فأرضه عنّي. فقال أبو بكر الصديق ﵁: لاها الله (٢)، إذاً لا يعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه، فقال النبي ﷺ : «صدق» فأعطاه، فبعت الدرع فابتعت به مخرفاً (٣) في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته (٤) في الإسلام (٥).
стр. 1790
ثالثاً: عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينما نحن نتضحّى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه، ثم انتزع طلقاً (١) من حقبه فقيد به الجمل. ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظَّهْر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه وقعد عليه، فأثاره، فاشتد به الجمل، فأتبعه رجل على ناقة ورقاء (٢). قال سلمة: وخرجت أشتد، فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل، فندر (٣)، ثم جئت بالجمل أقوده، عليه رحله وسلاحه. فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه، فقال: «من قتل الرجل؟» قالوا: ابن الأكوع. قال: «له سلبه أجمع» (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث سعد ﵁ يدل على أخذ السلب من غير بينة؛ حيث إن النبي ﷺ لم يطلب منه بينة، وحديث أبي
стр. 1791
قتادة، وسلمة بن الأكوع ﵄-يدلان على أن السلب لا يعطى للقاتل إلا ببينة، فيكون حديث أبي قتادة وسلمة بن الأكوع-﵄-ناسخاً لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁؛ لأن أخذه السلب من غير بينة كان في غزوة بدر، وحديث أبي قتادة وسلمة بن الأكوع-﵄ كان في غزوة حنين، وهي بعد بدر، فيكون أخذ السلب من غير بينة في حديث سعد ﵁ منسوخاً بحديثهما (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في أخذ السلب من غير بينة على قولين:
القول الأول: لا يُعطى السلب للقاتل إلا بينة.
وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول الليث بن سعد، وجمهور أهل العلم (٤).
القول الثاني: يُعطى القاتل السلب ولا يُسأل عن بينة.
وهو قول بعض أهل العلم، منهم الأوزاعي (٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو عدم استحقاق القاتل السلب إلا ببينة-
стр. 1792
بقول النبي ﷺ في حديث أبي قتادة ﵁: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه». فإنه صريح على أن السلب للقاتل إذا كان له بينة، ومفهومه أنه إذا لم تكن له بينة فلا يقبل قوله، ولا يعطى السلب، وسياق واقعة أبي قتادة ﵁ يدل على ذلك (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن السلب للقاتل وإن لم تكن له بينة- بما يلي:
أولاً: حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وقد سبق ذكره في دليل القول بالنسخ؛ فإنه يدل على إعطاء السلب للقاتل ولا يطلب منه بينة؛ لأن النبي ﷺ أعطاه السيف ولم يطلب منه بينة (٢).
ويعترض عليه بما يلي:
أ-بأن إعطاء النبي ﷺ لسعد ﵁ السيف يحتمل أنه كان لأنه القاتل ويستحق سلب المقتول، لكنه يحتمل كذلك أن النبي ﷺ أعطاه السيف نفلاً، لا لكونه سلباً، وهذا يدل
عليه ظاهر الحديث، وللأمير أن ينفل لمن يراه مستحقاً، بما يراه مستحقاً به (٣).
стр. 1793
ب- إنه على تقدير أنه ﷺ أعطاه على أنه سلب ولم يطلب منه بينة، فهو متقدم؛ حيث كان ذلك في غزوة بدر، وحديث أبي قتادة ﵁ يدل على أن القاتل يعطى السلب بالبينة، فيكون حديث أبي قتادة ﵁ ناسخاً له (١).
ثانياً: حديث أبي قتادة ﵁ السابق.
ووجه الاستدلال منه هو: أن النبي ﷺ أعطى السلب لأبي قتادة ﵁ بغير شهادة رجلين (٢).
واعترض عليه بما يلي:
أ- إنه جاء في بعض الروايات أنه شهد له بذلك بعض الناس (٣).
ب-إن النبي ﷺ علم بطريق من الطرق أنه القاتل، وقد صرح بالبينة فلا تلغى (٤).
الراجح
الذي يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لما يلي:
стр. 1794
أولَا: لأن دليل هذا القول صريح في أن القاتل لا يُعطى السلب إلا ببينة، بخلاف دليل القول الثاني؛ حيث إنه يحتمل أكثر من احتمال كما سبق بيانه.
ثانياً: إن دليل القول الثاني على تقدير صحة الاستدلال منه يحتمل أن يكون منسوخاً؛ لأن حديث أبي قتادة ﵁ بعده كما سبق بيانه في وجه الاستدلال منه على النسخ.
والله أعلم.
стр. 1795
المطلب التاسع: إعطاء النفل من الغنيمة
ذهب بعض أهل العلم إلى أن النفل (١) يُعطى من خمس الخمس، ولا يُعطى من الغنيمة؛ لأن ذلك كان لكنه نسخ.
وممن صرح به: الحازمي (٢)، وأبو إسحاق الجعبري (٣).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسالة، لكن السبب الأصلي لاختلافهم فيها هو اختلاف الأدلة والاختلاف في مفهومها (٤).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عبد الله بن عمرو-﵄ (أن النبي ﷺ كان ينفل قبل أن تنزل فريضة الخمس في المغنم، فلما نزلت الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [سورة الأنفال: ٤١] ترك النفل الذي كان ينفل، وصار
стр. 1796
ذلك إلى خمس الخمس، من سهم الله وسهم النبي ﷺ (١).
ثانياً: عن عمرو بن عبسة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير، ثم قال: «ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا، إلا الخمس، والخمس
مردود فيكم» (٢).
ثالثاً: حديث عبد الله بن عمرو-﵄-عن رسول الله ﷺ في وفد هوازن لما جاءه مسلمين، قال: فقال رسول الله ﷺ : «ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن مسك بشيء من هذا الفيء فإن له به ست فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا»، ثم دنا-يعني النبي ﷺ من بعير، فأخذ وبرة من سنامه، ثم قال: يا أيها الناس، إنه ليس لي من هذا الفيء شيء، ولا هذا» ورفع إصبعيه «إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمِخْيَط» الحديث (٣).
стр. 1797
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عبد الله بن عمرو-﵄-الأول يدل على أن النبي ﷺ كان يعطي النفل من الغنيمة، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ترك النفل من الغنيمة، وأعطاه من خمس الخمس، فدل ذلك على أن إعطاء النفل من الغنيمة قد نسخ بذلك، ويؤيد ذلك حديث عبد الله بن عمرو الثاني، وكذلك حديث عمرو بن عبسة-﵃؛ حيث إن النبي ﷺ قال بعد غزوة حنين: إنه ليس له من الغنيمة إلا الخمس، وأن الخمس مردود عليهم. فثبت من ذلك أن النفل يُعطى من خمس الخمس، وهو الذي كان حقاً للنبي ﷺ ، ولا يعطى من الغنمية؛ لأن ذلك قد نسخ (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ- إن حديث عبد الله بن عمرو ﵁ الذي استدل منه على النسخ يدل على ذلك، لكنه حديث مختلف في رفعه وانقطاعه، والأحاديث المعارضة له أقوى منه وأصح بلا خلاف؛ لذلك
فهو لا يقوى على معارضتها فكيف ينسخها (٢).
стр. 1798
ب- إن حديث عبد الله بن عمرو ﵁ هذا جاء فيه أن النفل جُعل من خمس الخمس بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١). وهذه الآية نزلت بعد غزوة بدر (٢)، وقد أعطى رسول الله ﷺ بعد ذلك النفل من غير خمس الخمس، فهو مما يضعف الاستدلال من ذلك الحديث على النسخ.
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في النفل هل يعطى من الغنيمة أم من الخمس أم من غيره، على أقوال أشهرها أربعة، وهي:
القول الأول: إن النفل قبل إحراز الغنيمة، يكون من أصل الغنيمة بعد الخمس، وبعد إحراز الغنيمة، يكون من الخمس.
وهو مذهب الحنفية (٣)، ونحوه قول أبي عبيد (٤).
القول الثاني: لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة، ولا نفل إلا من الخمس.
وهو مذهب المالكية (٥).
стр. 1799
القول الثالث: يجوز النفل قبل إحراز الغنيمة وبعدها، ولا يكون إلا من خمس الخمس.
وهو الأصح عند الشافعية (١).
القول الرابع: يجوز النفل قبل إحراز الغنيمة وبعدها، ويكون من أصل الغنيمة بعد إخراج الخمس منها.
وهو مذهب الحنابلة (٢)، وقول الحسن البصري، و إسحاق بن راهوية، والأوزاعي، و أبي ثور (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن النفل قبل إحراز الغنيمة، يكون من أصل الغنيمة بعد الخمس، وبعد إحراز الغنيمة، يكون من الخمس- بما يلي:
أولاً: حديث عمرو بن عبسة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وفيه: «ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا، إلا الخمس، والخمس مردود فيكم» (٤).
стр. 1800
ثانياً: حديث عبد الله بن عمرو-﵄-عن رسول الله ﷺ وفيه: ثم دنا-يعني النبي ﷺ من بعير، فأخذ وبرة من سنامه، ثم قال: يا أيها الناس، إنه ليس لي من هذا الفيء شيء، ولا هذا» ورفع إصبعيه «إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمِخْيَط» الحديث (١).
ثالثاً: حديث أبي قتادة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه» (٢).
رابعاً: عن ابن عمر-﵄-قال: (بعث النبي ﷺ سرية قِبل نجد فكنت فيها، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيراً، ونُفِّلنا بعيراً بعيراً، فرجعنا بثلاثة عشر بعيراً) (٣).
خامساً: عن ابن عمر-﵄ (أن رسول الله ﷺ قد كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش، والخمس في ذلك واجب كله) (٤).
стр. 1801
سادساً: عن حبيب بن مسلمة (١) ﵁: (أن رسول الله ﷺ نفَّل الربع بعد الخمس في بدأته، ونفَّل الثلث بعد الخمس في رجعته) (٢).
سابعاً: عن عبادة بن الصامت ﵁: (أن النبي ﷺ كان ينفل في البدأة الربع، وفي القفول الثلث) (٣).
ووجه الاستدلال منها هو: أن حديث عمرو بن عبسة، وعبد الله بن عمرو-﵄ يدلان على أن الأمير ليس له أن يتصرف
стр. 1802
في الغنيمة بعد إحرازها إلا في الخمس؛ لأن أربعة أخماسه صارت للمقاتلين، فله أن ينفل من الخمس لا من أصل الغنيمة.
وحديث ابن عمر ﵁ الأول يدل على أنهم نفلوا من الخمس بعد إحراز الغنيمة.
وحديث أبي قتادة، وحبيب بن مسلمة، وعبادة بن الصامت-﵃، وكذلك حديث ابن عمر-﵄-الثاني تدل على أن للأمير أن يجعل وينفل شيئاً من الغنيمة قبل إحرازها، لمن يراه مستحقاً له حسب اجتهاده؛ وذلك تحريضاً على القتال والجهاد، لكن بعد إخراج الخمس منه.
فيثبت من مجموع هذه الأحاديث: أن النفل قبل إحراز الغنيمة، يكون من أصل الغنيمة بعد إخراج الخمس منها، وبعد إحراز الغنيمة، يكون من الخمس (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن النفل يكون بعد إحراز الغنيمة، ولا يكون إلا من الخمس- بما يلي:
أولاً: حديث عمرو بن عبسة، وعبد الله بن عمرو، و أبي قتادة-رضي
стр. 1803
الله عنهم- عن رسول الله ﷺ ، وقد سبق ذكرها في دليل القول السابق.
ثانياً: حديث ابن عمر-﵄ (بعث النبي ﷺ سرية قِبل نجد فكنت فيها، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيراً، ونُفِّلنا بعيراً بعيراً، فرجعنا بثلاثة عشر بعيراً) (١).
ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: (لا نفل بعد رسول الله ﷺ ، يرُدُّ المسلمون قويُّهم على ضعيفهم) (٢).
رابعاً: عن أبي موسى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٣).
ووجه الاستدلال منها هو: أن حديث أبي قتادة وابن عمر-﵄-يدلان على أنه يجوز للإمام أن ينفل بعد إحراز الغنيمة، لكن يكون ذلك من الخمس؛ لأن حديثي عبد الله بن عمرو، وكذلك حديث عمرو بن عبسة-﵃-تدل على أن الإمام ليس له التصرف
стр. 1804
إلا في الخمس، فالخمس مردود قسمته إلى اجتهاد الإمام، فله أن ينفل منه، أما غير الخمس فلا ينفل منه لأن أهله معينون.
أما أنه لا ينفل قبل إحراز الغنيمة؛ فلئلا يرغب الناس في العطاء فتفسد نياتهم في الجهاد، والجهاد إنما هو لإعلاء كلمة الله كما يدل عليه حديث أبي موسى ﵁ (١).
واعترض عليه: بأنه يجوز التنفيل قبل إحراز الغنيمة، ومن غير الخمس، بدليل حديث حبيب بن مسلمة، وعبادة بن الصامت-﵄ وغيرهما، وذلك للتحريض على القتال (٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-هو جواز التنفيل قبل إحراز الغنيمة وبعدها، ولا يكون إلا من خمس الخمس- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: حديث عمرو بن عبسة، وبمعناه حديث عبد الله بن عمرو-﵃ عن رسول الله ﷺ : «ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا، إلا الخمس، والخمس مردود فيكم» (٣).
ثانياً: حديث ابن عمر ﵁ (بعث النبي ﷺ سرية قِبل نجد فكنت فيها، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيراً، ونُفِّلنا بعيراً بعيراً، فرجعنا بثلاثة
стр. 1805
عشر بعيراً) (١).
ثالثاً: حديث حبيب بن مسلمة ﵁: (أن رسول الله ﷺ نفَّل الربع بعد الخمس في بدأته، ونفَّل الثلث بعد الخمس في رجعته) (٢).
رابعاً: حديث عبادة بن الصامت ﵁: (أن النبي ﷺ كان ينفل في البدأة الربع، وفي القفول الثلث) (٣).
خامساً: عن عبد الله بن عمرو-﵄ (أن النبي ﷺ كان ينفل قبل أن تنزل فريضة الخمس في المغنم، فلما نزلت الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [سورة الأنفال: ٤١] ترك النفل الذي كان ينفل، وصار ذلك إلى خمس الخمس، من سهم الله وسهم النبي ﷺ (٤).
ووجه الاستدلال منها هو: أن حديثي ابن عمرو، وحبيب بن مسلمة، وعبادة-﵃ تدل على جواز التنفيل قبل إحراز الغنيمة وبعده، لكن يكون ذلك من خمس الخمس؛ لأن الإمام ليس له أن يتصرف في غير الخمس لحديث عمرو بن عبسة وعبد الله بن عمرو-﵃، ثم أربعة أخماس الخمس لمن سمى الله تعالى،
стр. 1806
فيكون النفل من خمس الخمس الذي هو سهم النبي ﷺ ، كما يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو ﵁ الأخير (١).
واعترض عليه: بأنه يجوز التنفيل من غير خمس الخمس، يدل عليه حديث عمرو بن عبسة، وعبد الله بن عمرو، وحبيب بن مسلمة، وعبادة-﵃ (٢)، كما يدل عليه حديث ابن عمر ﵁؛ حيث أن سهم كل واحد منهم كان اثني عشر بعيراً، ونفلوا بعيراً بعيراً، فقد نفلوا نصف السدس، وهو أكثر من خمس الخمس (٣).
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع-وهو أن النفل يكون من أصل الغنيمة بعد إخراج الخمس منها-بأدلة منها ما يلي:
أولاً: حديث حبيب بن مسلمة ﵁: (أن رسول الله ﷺ نفَّل الربع بعد الخمس في بدأته، ونفَّل الثلث بعد الخمس في رجعته) (٤).
ثانياً: حديث عبادة بن الصامت ﵁: (أن النبي ﷺ كان ينفل في
стр. 1807
البدأة الربع، وفي القفول الثلث) (١).
ثالثاً: حديث ابن عمر-﵄ (أن رسول الله ﷺ قد كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش، والخمس في ذلك واجب كله) (٢).
رابعاً: عن معن بن يزيد (٣) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نفل إلا بعد الخمس» (٤).
ووجه الاستدلال منها هو: أن حديث ابن عمر، وحبيب بن مسلمة، وعبادة-﵃ تدل على جواز التنفيل قبل إحراز الغنيمة وبعدها.
وحديث ابن عمر، وحبيب بن مسلمة، ومعن بن يزيد-رضي الله
стр. 1808
عنهم-تدل على أن النفل يكون بعد إخراج الخمس من الغنيمة.
فيثبت من مجموعها جواز التنفيل من الغنيمة بعد إخراج الخمس منها، وجواز التنفيل قبل إحراز الغنيمة وبعدها (١).
واعترض عليه: بأن حديث ابن عمر ﵁ (بعث النبي ﷺ سرية قِبل نجد فكنت فيها، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيراً، ونُفِّلنا بعيراً بعيراً، فرجعنا بثلاثة عشر بعيراً) (٢). يدل على أنهم أعطوا النفل من الخمس؛ لذلك يكون الفرق بين إعطاء النفل قبل إحراز الغنيمة من الغنيمة بعد الخمس، وبين إعطائه من الخمس بعد إحراز الغنيمة أولى؛ لأنه يمكن أن يجمع به بين هذه الآثار كلها (٣).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الأول، وهو جواز التنفيل قبل إحراز الغنيمة وبعدها، وأن ما كان قبل إحراز الغنيمة فإنه يخرج من الغنيمة بعد الخمس، وما كان بعد إحراز الغنيمة فإنه يكون من الخمس؛ وذلك لأن
стр. 1809
هذا القول يمكن أن يجمع به بين هذه الأحاديث؛ حيث إن حديث حبيب بن مسلمة، وعبادة-﵄-يدلان على أن النبي ﷺ كان ينفل السرية الربع في البدأة، والثلث في الرجوع، أي أنه ﷺ كان يرسل سرية من الجيش في الخروج للغزو، فيقول لهم: إن ما غنمتم فلكم ربعه بعد الخمس. ويرسل سرية من الجيش عند الرجوع من الغزو، فيقول لهم: إن ما غنمتم فلكم ثلثه بعد الخمس (١).
فهذا تنفيل قبل إحراز الغنيمة، وهو من الغنيمة بعد الخمس، وليس من الخمس (٢).
أما إذا أحرزت الغنائم، وأراد الأمير أن ينفل أحداً، فينفله من الخمس؛ لأن حق المقاتلين قد تعينت في أربعة أخماس الغنيمة، وله أن يتصرف في الخمس، كما يدل عليه حديث عمرو بن عبسة، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما-﵃ (٣).
قال أبو عبيد: (وفي هذا النفل الذي ينفله الإمام سنن أربع، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى.
فإحداهن في النفل الذي لا خمس فيه. والثانية: في النفل الذي يكون
стр. 1810
من الغنيمة بعد إخراج الخمس. والثالثة: في النفل الذي يكون من الخمس نفسه. والرابعة: في النفل من جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء.
فأما الذي لا خمس فيه فإنه السلب، وذلك أن ينفرد الرجل بقتل المشرك، فيكون له سلبه مسلماً، من غير أن يخمس أو يشركه فيه أحد من أهل العسكر.
وأما الذي يكون من الغنيمة بعد الخمس، فهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع، أو الثلث بعد الخمس.
وأما الثالث فأن تحاز الغنيمة كلها ثم تخمس، فإذا صار الخمس في يدي الإمام نفل منه بقدر ما يرى.
وأما الذي يكون من جملة الغنيمة فما يُعطى الأدلاء على عورة العدو، ورعاء الماشية والسواق لها، وذلك أن هذا منفعة لأهل العسكر جميعاً) (١).
ثانياً: إن القول بأن إعطاء النفل من الغنيمة قد نسخ بالإعطاء من خمس الخمس، فهو وإن كان حديث عبد الله بن عمرو ﵁ الذي استدل منه على النسخ يدل على ذلك، لكنه قول ضعيف، وذلك لما يلي:
أ-لأن ذلك الحديث مختلف في رفعه وانقطاعه، أما الأحاديث المخالفة له فهي أقوى منه وأصح بلا خلاف؛ لذلك فهو لا يقوى
стр. 1811
على معارضتها (١).
ب- إن حديث عبد الله بن عمرو ﵁ الذي استدل منه على النسخ، جاء فيه أن النفل جُعل من خمس الخمس بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢).
وهذه الآية تزلت بعد غزوة بدر (٣)، وقد أعطى رسول الله ﷺ بعد ذلك النفل من غير خمس الخمس كما يدل عليه بعض الأحاديث السابقة، وهو مما يضعف الاستدلال من ذلك الحديث على النسخ.
والله أعلم.
стр. 1812
المطلب العاشر: المن بأسرى الكفار ومفادتهم
ذهب بعض أهل العلم إلى أن أسرى الكفار لا يُمَنُّ عليهم ولا يفادون، وأن ما يدل على مفادتهم أو المن بهم قد نسخ.
وممن صرح بالنسخ: ابن جريج (١)، والسدي (٢)، وقتادة (٣)، والجصاص (٤)، والمرغيناني (٥). وروي نحوه عن ابن عباس ﵁ (٦).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الأدلة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٧).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا
стр. 1813
أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (١).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٢).
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
رابعاً: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن الآية الأولى تدل على أن الكفار إذا أسرهم المسلمون، فيجوز لهم أن يمنوا عليهم ويطلقوا سراحهم، ويجوز لهم أن يفادوا بهم، والآيات الثلاثة بعدها فيها الأمر بقتل المشركين، فتكون الآية الأولى منسوخة بها؛ لأنها في سورة محمد، والآيات الثلاثة في سورة الأنفال والتوبة، وهما بعد سورة محمد، فيكون الأمر بقتل المشركين والكافرين ناسخاً لجواز المن بهم، أو أن يفادوا بهم (٥).
стр. 1814
واعترض عليه: بأن هذه الأدلة التي يستدل منها على النسخ عامة، والأدلة التي تدل على جواز المنّ والفداء على أسرى الكفار خاصة، والعام لا يُنسخ به الخاص؛ لأن الجمع بينهما ممكن، وذلك بتنزيل العام على ما عدا المخصوص، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة تعذر ادعاء النسخ (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في المنّ والفداء على أسرى الكفار على قولين:
القول الأول: لا يمنّ عليهم، ولا يفادون بالمال، ويفادى بهم أسارى المسلمين.
وهو قول الحنفية (٢).
القول الثاني: إن للإمام أن يمنّ على أسرى الكفار، وأن يفادى بهم بالمال أو بأسرى المسلمين.
وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وقول
стр. 1815
الأوزاعي، وأبي ثور (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أن الإمام ليس له المن بأسرى الكفار ولا الفداء بالأموال- بما يلي:
أولاً: ما سبق ذكره من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣). و قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٤).
ثانياً: عن عمران بن حصين ﵁ قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عُقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من بني عُقيل، وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق، قال: يا محمد! فأتاه فقال: «ما شأنك؟» فقال: بم أخذتني؟ وبم أخذت سابقة الحاج؟ فقال إعظاماً لذلك: «أخذت بجريرة حلفائك ثقيف»، ثم انصرف عنه فناداه فقال: يا محمد! وكان
стр. 1816
رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً، فرجع إليه فقال: «ما شأنك؟» قال: إني مسلم. قال: «لوقلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح» ثم انصرف، فناداه فقال: يا محمد! يا محمد! فأتاه فقال: «ما شأنك» قال إني جائع فأطعمني، وظمآن فأسقني. قال: «هذه حاجتك» ففُدي بالرجلين. الحديث (١).
ثالثاً: عن سلمة (٢) ﵁ قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر، أمّره رسول الله ﷺ علينا. فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شنّ الغارة فورد الماء، فقتل من قتل عليه، وسبى، وأنظرُ إلى عنق (٣) من الناس، فيهم الذراري. فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا. فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم، (قال: القشع النطع) معها ابنة لها من أحسن العرب. فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر. فنفلني أبو بكر ابنتها. فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوباً. فلقيني رسول الله ﷺ في السوق، فقال: «يا سلمة هب لي المرأة» فقلت: يا رسول الله! والله لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوباً. ثم لقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق،
стр. 1817
فقال لي: «يا سلمة! هب لي المرأة، لله أبوك» فقلت: هي لك يا رسول الله! فوالله ما كشفت لها ثوباً. فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، ففدى بها ناساً من المسلمين كانوا أسروا بمكة (١).
ووجه الاستدلال منها: هو أن الآيات المذكورة تدل على وجوب قتال الكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية، والمن عليهم بإطلاق سراحهم، أومفادتهم بالمال ينافي ذلك. وما يدل على المن عليهم أو فدائهم بالمال فإنه قد نسخ، لذلك لا يمن الإمام عليهم ولا يفادوهم بالمال، لكن يجوز مفادتهم بأسرى المسلمين، بدليل الأحاديث المذكورة (٢).
واعترض عليه: بأن الآيات المذكورة عامة، والأدلة التي تدل على جواز المنّ والفداء على أسرى الكفار خاصة، والجمع بينهما ممكن، بحمل العام على ما عدا محل الخصوص، كما حمل على الخصوص في الفداء بالأسارى من المسلمين؛ لذلك لا يصح ادعاء النسخ، ولا التعارض بين الأدلة الواردة في المسألة (٣).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يجوز للإمام المن بأسرى الكفار
стр. 1818
وفداؤهم بأسرى المسلمين، وبالمال- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (١).
ثانياً: حديث عمران بن حصين، وسلمة بن الأكوع-﵄-الدالان على جواز فداء أسرى الكفار بأسارى المسلمين، وقد سبق ذكرهما في دليل القول السابق.
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال (٢)، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: «ما ذا عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسله منه ما شئت، فتُرك حتى كان الغد، ثم قال له: «ما عندك يا ثمامة؟»، فقال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي ما قلت لك. فقال: «أطلقوا ثمامة» فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد،
стр. 1819
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، الحديث (١).
رابعاً: عن جبير ﵁ أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي (٢) حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له» (٣).
خامساً: عن أنس بن مالك ﵁ أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرّة النبي ﷺ وأصحابه، فأخذهم سلماً فاستحياهم، فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفتح: ٢٤] (٤).
سادساً: عن ابن عباس-﵄: (أن النبي ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة) (٥).
стр. 1820
ووجه الاستدلال منها هو: أن الآية الكريمة تدل على جواز المن بأسرى الكفار، وفداؤهم بالمال أو بالأسارى.
وحديث عمران بن حصين، وسلمة بن الأكوع-﵄-يدلان على جواز فداء أسرى الكفار بأسارى المسلمين.
وحديث أبي هريرة، وجبير بن مطعم، وأنس-﵃-تدل على جواز المن بأسرى الكفار.
وحديث ابن عباس-﵄-يدل على جواز فداء أسرى الكفار بالمال.
فيثبت من مجموع هذه الأدلة أن للإمام أن يمن بأسرى الكفار ويطلق سراحهم، وله أن يفاديهم بالمال، أو بالأسارى من المسلمين (١).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الثاني، وهو أنه يجوز للإمام إذا رأى المصلحة أن يمن على أسرى الكفار، فيطلقهم بدون أي عوض، أو أن يطلق سراحهم مقابل عوض مالي، أو أسارى مسلمين، وذلك لما يلي:
أولاً: لأن أدلة هذا القول مع كثرتها وصحتها، صريحة في الدلالة على المراد بها، بخلاف أدلة القول الأول؛ حيث إنها تدل على قتل
стр. 1821
المشركين، أو فداء أسراهم بأسرى المسلمين، وليست صريحة في النهي عن المن على أسراهم أو فدائهم بالمال.
ثانياً: ولأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين الأدلة كلها، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار إلى ترك بعضها ولا إلى القول بالنسخ.
ثالثاً: ولأن القول بنسخ ما يدل على المن على أسرى الكفار أو فدائهم بالمال ضعيف، لما يلي:
أ-لأنه يمكن الجمع بين الأدلة الواردة في المسألة، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة يتعذر إدعاء النسخ (١).
ب- ولأن قوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢). ونحوه مما سبق ذكره وإن كان بعد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٣). إلا أنه لا يسلم أن جميع الأدلة التي تدل على جواز المن بأسرى الكفار وافتدائهم بالمال، متقدمة على تلك الآيات حتى تكون هي ناسخة لها، بل كان من سيرته ﷺ منذ أن أذن الله له بحرب الكفار إلى أن قبضه الله، قتل بعض أسرى الكفار، ومنّ على بعضهم، وأخذ الفداء من بعضهم (٤).
والله أعلم.
стр. 1822
المطلب الحادي عشر: مبايعة النساء باليد
ذهب بعض أهل العلم إلى أن ما يدل على جواز مبايعة النساء باليد-إن ثبت- فهو منسوخ؛ لذلك لا يجوز مبايعتهن باليد، وإنما يُبايعن بالقول.
وممن صرح به: الحازمي (١)، وأبو حامد الرازي (٢)، وأبو إسحاق الجعبري (٣).
وجمهور أهل العلم وإن لم يذهبوا إلى القول بالنسخ، إلا أنه لا خلاف بين الجميع في أن مبايعة النساء يكون بالقول لا باليد (٤).
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولاً: عن عامر الشعبي قال: كان رسول الله ﷺ يبايع النساء، فيضع ثوباً على يده، فلما كان بعد، كُنّ يجئن النساء فيقرأ هذه الآية عليهن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا
стр. 1823
يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]. فإذا أقررن، قال: «قد بايعتكن» حتى جاءت هند (١) امرأة أبي سفيان (٢) أم معاوية، فلما قال: «ولا يزنين» قالت: أو تزني الحرة؟ لقد كنا نستحي من ذلك في الجاهلية فكيف في الإسلام، فقال: «ولا يقتلن أولادهن» فقالت: أنت قتلت آباءهم وتوصينا بأولادهم، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: «ولا يسرقن» فقالت: يا رسول الله إني أصيب من مال أبي سفيان، قال: فرخص لها (٣).
ثانياً: عن معقل بن يسار ﵁: (أن النبي ﷺ كان يصافح النساء من
стр. 1824
تحت الثوب) (١).
ثالثاً: عن إبراهيم قال: (كان رسول الله ﷺ يصافح النساء وعلى يده ثوب) (٢).
رابعاً: عن أم عطية-﵂-قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، فأرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم علينا، فرددنا ﵇، ثم قال: أنا رسول رسول الله إليكنّ، قالت: فقلنا: مرحباً برسول الله، وبرسول رسول الله، فقال: (تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تزنين ولا تسرقن) الآية، قالت: فقلنا: نعم، قالت: (فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت)، ثم قال: (اللهم اشهد)، قالت: وأمرنا بالعيد وأن نخرج فيه الحيض والعتق، ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنازة) (٣).
стр. 1825
وفي رواية عنها-﵂-قالت: بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]. ونهانا عن النياحة. فقبضت امرأة يدها فقالت: أسعدتني فلانة فأريد أن أجزيها، فما قال لها النبي ﷺ شيئاً، فانطلقت ورجعت فبايعها (١).
خامساً: عن عروة أن عائشة أخبرته عن بيعة النساء، قالت: ما مس رسول الله بيده امرأة قطُّ إلا أن يأخذ عليها، فإذا أخذ عليها فأعطته، قال: «اذهبي فقد بايعتك» (٢).
سادساً: عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ ، يمتحنهنّ بقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢]. إلى آخر الآية، قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة. وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهنّ، قال لهن رسول الله ﷺ : «انطلقن فقد بايعتكنّ» ولا، والله ما مسّت يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط. غير أنه يبايعهنّ بالكلام.
قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قط إلا بما أمره