المشركين، أو فداء أسراهم بأسرى المسلمين، وليست صريحة في النهي عن المن على أسراهم أو فدائهم بالمال.
ثانياً: ولأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين الأدلة كلها، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار إلى ترك بعضها ولا إلى القول بالنسخ.
ثالثاً: ولأن القول بنسخ ما يدل على المن على أسرى الكفار أو فدائهم بالمال ضعيف، لما يلي:
أ-لأنه يمكن الجمع بين الأدلة الواردة في المسألة، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة يتعذر إدعاء النسخ (١).
ب- ولأن قوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢). ونحوه مما سبق ذكره وإن كان بعد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٣). إلا أنه لا يسلم أن جميع الأدلة التي تدل على جواز المن بأسرى الكفار وافتدائهم بالمال، متقدمة على تلك الآيات حتى تكون هي ناسخة لها، بل كان من سيرته ﷺ منذ أن أذن الله له بحرب الكفار إلى أن قبضه الله، قتل بعض أسرى الكفار، ومنّ على بعضهم، وأخذ الفداء من بعضهم (٤).
والله أعلم.
стр. 1822
المطلب الحادي عشر: مبايعة النساء باليد
ذهب بعض أهل العلم إلى أن ما يدل على جواز مبايعة النساء باليد-إن ثبت- فهو منسوخ؛ لذلك لا يجوز مبايعتهن باليد، وإنما يُبايعن بالقول.
وممن صرح به: الحازمي (١)، وأبو حامد الرازي (٢)، وأبو إسحاق الجعبري (٣).
وجمهور أهل العلم وإن لم يذهبوا إلى القول بالنسخ، إلا أنه لا خلاف بين الجميع في أن مبايعة النساء يكون بالقول لا باليد (٤).
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولاً: عن عامر الشعبي قال: كان رسول الله ﷺ يبايع النساء، فيضع ثوباً على يده، فلما كان بعد، كُنّ يجئن النساء فيقرأ هذه الآية عليهن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا
стр. 1823
يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]. فإذا أقررن، قال: «قد بايعتكن» حتى جاءت هند (١) امرأة أبي سفيان (٢) أم معاوية، فلما قال: «ولا يزنين» قالت: أو تزني الحرة؟ لقد كنا نستحي من ذلك في الجاهلية فكيف في الإسلام، فقال: «ولا يقتلن أولادهن» فقالت: أنت قتلت آباءهم وتوصينا بأولادهم، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: «ولا يسرقن» فقالت: يا رسول الله إني أصيب من مال أبي سفيان، قال: فرخص لها (٣).
ثانياً: عن معقل بن يسار ﵁: (أن النبي ﷺ كان يصافح النساء من
стр. 1824
تحت الثوب) (١).
ثالثاً: عن إبراهيم قال: (كان رسول الله ﷺ يصافح النساء وعلى يده ثوب) (٢).
رابعاً: عن أم عطية-﵂-قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، فأرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم علينا، فرددنا ﵇، ثم قال: أنا رسول رسول الله إليكنّ، قالت: فقلنا: مرحباً برسول الله، وبرسول رسول الله، فقال: (تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تزنين ولا تسرقن) الآية، قالت: فقلنا: نعم، قالت: (فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت)، ثم قال: (اللهم اشهد)، قالت: وأمرنا بالعيد وأن نخرج فيه الحيض والعتق، ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنازة) (٣).
стр. 1825
وفي رواية عنها-﵂-قالت: بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]. ونهانا عن النياحة. فقبضت امرأة يدها فقالت: أسعدتني فلانة فأريد أن أجزيها، فما قال لها النبي ﷺ شيئاً، فانطلقت ورجعت فبايعها (١).
خامساً: عن عروة أن عائشة أخبرته عن بيعة النساء، قالت: ما مس رسول الله بيده امرأة قطُّ إلا أن يأخذ عليها، فإذا أخذ عليها فأعطته، قال: «اذهبي فقد بايعتك» (٢).
سادساً: عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ ، يمتحنهنّ بقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢]. إلى آخر الآية، قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة. وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهنّ، قال لهن رسول الله ﷺ : «انطلقن فقد بايعتكنّ» ولا، والله ما مسّت يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط. غير أنه يبايعهنّ بالكلام.
قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قط إلا بما أمره
стр. 1826
الله تعالى، وما مسّت كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط. وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: «قد بايعتكنّ» كلاماً (١).
سابعاً: عن أميمة بنت رقيقة (٢) ﵂ أنها قالت: أتيت النبي ﷺ في نسوة من الأنصار نبايعه، فقلنا: يا رسول الله! نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، قال: «فيما استطعتنّ وأطقتنّ»، قال: قلنا: الله ورسوله أرحم بنا؛ هلم نبايعك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة-أو مثل قولي لامرأة واحدة-» (٣).
стр. 1827
ويستدل منها على النسخ: بأن ما روي عن معقل بن يسار ﵁، والشعبي، وإبراهيم النخعي يدل على أن النبي ﷺ كان يبايع النساء باليد، ويضع عليه ثوباً.
وما روي عن أم عطية-﵂-يحتمل كذلك مبايعة النساء باليد؛ حيث جاء فيما روي عنها: مد اليد، وقبضه (١).
وما روي عن عائشة، وأميمة-﵄-يدل على أن النبي ﷺ لم يكن يبايع النساء باليد، بل إنما كان يبايعهن بالكلام.
فيكون ما يدل على النهي عن مبايعة النساء باليد ناسخاً لما يدل على جوازه؛ لتأخره عليه، يدل على ذلك حديث الشعبي: كان رسول الله ﷺ يبايع النساء، فيضع ثوباً على يده، فلما كان بعد، كن يجئن النساء فيقرأ هذه الآية عليهن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]. فإذا أقررن، قال: «قد بايعتكن» (٢).
ولا خلاف بين أهل العلم- كما سبق-أن مبايعة النساء يكون بالكلام لا باليد؛ لحديث عائشة، وأميمة-﵄-وغيره، لكن بعض أهل العلم لم يصحح ما روي في بيعة النساء باليد، لذلك لم يتعرض
стр. 1828
إلى القول بالنسخ في المسألة، لكن مجموع ما روي في المسألة يقوى بعضه بالبعض، وبالتالي يتقوى احتمال أن بيعة النساء كان باليد، ثم نسخ بالبيعة بالكلام (١) والله أعلم.
стр. 1829
المطلب الثاني عشر: حرق متاع الغال
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الغال (١) لا يحرق متاعه، وأن ما يدل على حرق متاعه إن صح يحتمل أنه كان حين كانت العقوبات في الأموال، وقد نسخ ذلك، فيكون حرق متاع الغال مثله (٢).
وممن صرح به: الطحاوي (٣)، وابن العربي (٤)، والرافعي (٥).
وتبين منه أن القول به أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، لكن السبب الأصلي لاختلافهم فيها هو تعارض ظواهر الآثار، والاختلاف في صحة بعضها (٦).
стр. 1830
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا وجدتم الرجل قد غلَّ فأحرقوا متاعه واضربوه» (١).
ثانياً: عن عبد الله بن عمرو-﵄: «أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه» (٢).
стр. 1831
ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كركرة (١)، فمات، فقال النبي ﷺ : «هو في النار». فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها (٢).
رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ يقول: افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهباً ولا فضة، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى، ومعه عبد له يقال له: مدعم (٣)، أهداه له أحد بني الضباب (٤)، فبينما هو يحطُّ رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم عائر (٥) حتى أصاب ذلك العبد. فقال الناس: هنيئاً له الشهادة، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 1832
«بل والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً». فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي ﷺ بشراك أو شراكين، فقال: هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول الله ﷺ : «شراك أو شراكان من النار» (١).
خامساً: عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم» (٢).
سادساً: عن أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٣).
سابعاً: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجته: «ألا وإن المسلم أخو المسلم، لا يحل له دمه ولا شيء من ماله إلا بطيب نفسه … » (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن الحديثين الأول والثاني-إن صحا وثبتا-تدلان على حرق متاع الغال.
стр. 1833
ويستفاد من الأحاديث الثلاثة الأخيرة عدم العقوبة بالمال؛ حيث إنها تدل على عدم جواز أخذ مال المسلم إلا بطيب نفس منه.
فتكون هذه الأحاديث وما في معناها ناسخة لحرق متاع الغال، ويؤيد ذلك الحديث الثالث والرابع؛ حيث لم يذكر فيهما أن النبي ﷺ حرق متاع كركرة، ومدعم (١).
واعترض عليه: بأنه لا يوجد ما يصرح بالنسخ، وما ذكر احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في حرق متاع الغال على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يعاقب الغال بالتعزير، ولا يحرق متاعه.
وهو قول جمهور أهل العلم، منهم: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)،
стр. 1834
والشافعية (١)، والليث بن سعد (٢).
القول الثاني: يلزم حرق متاع الغال كله إلا المصحف وما فيه الروح.
وهو مذهب الحنابلة (٣)، ونحوه قول الحسن، ومكحول، والأوزاعي، وإسحاق (٤).
القول الثالث: إن تحريق متاع الغال من باب التعزير الراجع إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى الإمام المصلحة في التحريق حرق متاعه، وإلا فلا.
وهو اختيار بعض الحنابلة، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو عدم تحريق متاع الغال- بما يلي:
стр. 1835
أولاً: عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كركرة، فمات، فقال النبي ﷺ : «هو في النار». فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها (١).
ثانياً: حديث أبي هريرة ﵁ في فتح خيبر وفيه: فقال رسول الله ﷺ : «بل والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً». فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي ﷺ بشراك أو شراكين، فقال: هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول الله ﷺ : «شراك أو شراكان من النار» (٢).
ثالثاً: الأحاديث الدالة على عدم حل مال المسلم إلا بطيب نفس منه، ومنها:
أ-حديث عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم» (٣).
ب-حديث أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٤).
ج-حديث ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في
стр. 1836
حجته: «ألا وإن المسلم أخو المسلم، لا يحل له دمه ولا شيء من ماله إلا بطيب نفسه … » (١).
ووجه الاستدلال منها، هو: أن الحديثين الأولين ليس فيهما ذكر تحريق متاع الغال، ولو كان الغال يحرق متاعه لذكر فيهما ذلك، وهما أصح من الأحاديث التي جاء فيها ذكر تحريق متاع الغال (٢).
والأحاديث الثلاثة الباقية تدل على عدم التعرض لمال المسلم إلا بطيب نفس منه، فيستدل منها على عدم العقوبة بالمال، وهي عامة تشمل الغال وغيره (٣).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن الغال يحرق متاعه إلا المصحف والحيوان- بحديث عمر بن الخطاب، وحديث عبد الله بن عمرو-﵃، وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ؛ فإنهما يدلان على حرق متاع الغال؛ لأن حديث عمر ﵁ يدل على أن
стр. 1837
النبي ﷺ أمر بحرق متاع الغال، وحديث عبد الله بن عمرو-﵄-يدل على أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر-﵄-حرقوا متاع الغال (١).
واعترض عليه: بأن كلا الحديثين صريحين في الدلالة على المسألة، لكنهما ضعيفان؛ ضعفهما غير واحد من الأئمة، وعلى تقدير أن يكونا صحيحين فإنهما يحتملان أن يكونا منسوخين بالأحاديث الدالة على تحريم التعرض لمال المسلم من غير طيب نفس منه (٢).
وأجيب عنه: بأن من أهل العلم من صححهما. أما ما ذكر من نسخهما، فهو احتمال والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٣).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن تحريق متاع الغال من باب التعزير، فإن رأى الإمام المصلحة في التحريق حرق متاعه، وإلا فلا-بما يلي:
أولاً: حديثا عمر، وعبد الله بن عمرو-﵃-الدالان على تحريق متاع الغال. وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ.
ثانياً: حديثا عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة ﵃-والذين جاء فيهما ذكر من غل، ولم يذكر فيهما تحريق متاع الغال. وقد سبق ذكرهما في أدلة القول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منها، هو: أن الحديثين الأولين يدلان على تحريق
стр. 1838
متاع الغال. و الحديثان الأخيران يدلان على ترك التحريق. فيثبت من مجموعها أن تحريق متاع الغال إلى رأي الإمام فإن رأى المصلحة في التحريق حرق وإلا فلا (١).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الثالث، وذلك لما يلي:
أولاً: لأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين الأحاديث المختلفة، كما سبق بيانه، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث تعين المصير إليه، ويتعذر معه ادعاء النسخ (٢).
ثانياً: ولأن القول بنسخ ما يدل على حرق متاع الغال بأحاديث النهي عن التعرض لمال المسلم أو بغيرها احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٣).
ثالثاً: ولأن القول بنسخ تحريق متاع الغال، أساسه القول بنسخ العقوبات المالية، لكن يقال: إن القول بنسخ العقوبات المالية ليس متفقاً عليه، ولا مجمعاً عليه، لذلك يكون في الاستلال منه على نسخ تحريق متاع الغال نظراً (٤).
والله أعلم.
стр. 1839
المطلب الثالث عشر الصلح مع المشركين على أن يُرد إليهم من جاء منهم مسلماً
ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز اشتراط رد النساء إلى الكفار في الصلح، وأن النبي ﷺ صالح قريشاً على أن يرد إليهم من جاء منهم مسلماً، سواء كان رجلاً أو امرأة، لكن نسخ الله ذلك الحكم في النساء؛ لذلك لا يجوز اشتراط ردهن إلى الكفار (١).
وممن صرح بنسخ ذلك: الإمام الشافعي (٢)، وابن قدامة (٣)، وابن القيم (٤)، ونسبه القرطبي إلى أكثر العلماء (٥).
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز أن يُرد إلى المشركين من جاء منهم مسلماً، سواء كان رجلاً أو امرأة، ولا يصح اشتراط ذلك في
стр. 1840
الصلح، وأن ما يدل على جواز ذلك قد نسخ (١).
وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (٢)، والجصاص (٣)، وأبو حامد الرازي (٤)، وأبو إسحاق الجعبري (٥).
وتبين منه أن القول به أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن الاختلاف في المفهوم من الأدلة الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٦).
ويستدل لمن قال بنسخ جواز اشتراط ردهن إلى الكفار بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٧).
ثانياً: عن عروة بن الزبير: أنه سمع مروان، والمسور بن مخرمة (٨) ﵁
стр. 1841
يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: لما كاتب سهيل بن عمرو (١) يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ : أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه. فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا (٢) منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل (٣) إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلماً. وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط (٤) ممن خرج إلى
стр. 1842
رسول الله ﷺ يومئذ، وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] (١).
ويستدل منهما على النسخ: بأن الحديث المذكور يدل على أن النبي ﷺ صالح قريشاً على أن يرد إليهم من جاء منهم مسلماً، فنسخ الله ذلك الحكم في النساء، يدل عليه آخر الحديث والآية الكريمة؛ حيث نهى الله تعالى عن رد المؤمنات إلى الكفار (٢).
ويستدل لمن قال بنسخ ذلك في الرجال والنساء جميعاً بما يلي:
أولاً: الآية المذكورة في دليل القول السابق.
ثانياً: حديث مروان والمسور بن مخرمة ﵁ وقد سبق ذكره في دليل القول السابق.
ثالثاً: عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى
стр. 1843
خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل، وقال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» قالوا: يا رسول الله لمَ؟ قال: «لا تراءى ناراهما» (١).
رابعاً: عن خالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى ناس من خثعم، فاعتصموا بالسجود، فقتلهم، فوداهم رسول الله ﷺ بنصف الدية، ثم قال: «أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين، لا ترايا ناراهما» (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث مروان والمسور بن مخرمة ﵁ يدل على جواز اشتراط أن يرد إلى الكفار من جاء منهم مسلماً رجلاً كان أو امرأة، ثم نسخ الله ذلك بالنهي عن رد المؤمنات إلى الكفار، كما يدل عليه الآية الكريمة، وآخر ذلك الحديث.
كما نسخ ذلك بحديث جرير بن عبد الله وخالد بن الوليد-﵄؛ لأن في رد المسلم إلى الكفار دلالة على جواز إقامته معهم، وحديثا جرير وخالد-﵄ يدلان على النهي عن الإقامة مع المشركين. وخالد ﵁ أسلم بعد صلح الحديبية، فتكون في حديثيهما دلالة على نسخ رد المسلم إلى الكفار إذا جاء مسلماً؛ لدلالتهما على النهي عن الإقامة مع المشركين (٣).
стр. 1844
واعترض عليه: بأن القول بنسخ ذلك في الرجال احتمال، وليس صريحاً في ذلك، وإذا كانت المصلحة في رده، والحاجة داعية، فليس ما يصرح بالنهي عن ذلك (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الصلح مع المشركين على أن يُرد إليهم من جاء منهم مسلماً على قولين:
القول الأول: لا يجوز رد أحد إلى الكفار إذا جاء مسلماً، ولا يجوز اشتراط ذلك في الصلح، وأن ما يدل على جواز ذلك فإنه قد نسخ.
وهو مذهب الحنفية (٢).
القول الثاني: لا يجوز رد من جاء من النساء إلى الكفار، ولا يصح اشتراط ذلك في الصلح، ويجوز اشتراط رد الرجال في الصلح إذا دعت الحاجة، وكان في الرد مصلحة.
وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 1845
الأدلة
ويستدل للقول الأول بالآية والأحاديث التي سبق ذكرها في دليل من قال بنسخ ما يدل على جواز اشتراط رد المسلم إلى الكفار سواء كان رجلاً أو امرأة.
وقد سبق كذلك وجه الاستدلال منها، وما يرد به عليه.
ويستدل للقول الثاني كذلك بالآية وحديث مروان والمسور بن مخرمة ﵁.
ووجه الاستدلال منهما: أن ذلك الحديث جاء فيه أن النبي ﷺ صالح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء منهم مسلماً، فأنزل الله تعالى الآية الكريمة، ونهى فيها المسلمين عن رد المسلمات إلى الكفار، فبقي الرجال على ما صالح عليه، ولذلك رد النبي ﷺ من جاء منهم مسلماً من الرجال. فثبت من ذلك جواز الصلح مع الكفار على رد من جاء منهم مسلماً من الرجال دون النساء، إذا اقتضاه المصلحة، ودعت إليه الحاجة (١).
الراجح
بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي- والله أعلم
стр. 1846
بالصواب-أن الراجح هو أن جواز اشتراط رد النساء إلى الكفار نسخ، ولم ينسخ اشتراط رد من جاء من الرجال إلى الكفار في الصلح، كما هو القول الثاني، وذلك لما يلي:
أولاً: لأنه ثبت أن النبي ﷺ اشترط مع المشركين رد من جاء منهم مسلماً إليهم، ثم جاء النهي بعد ذلك عن رد النساء، فنسخ به ردهن، ولم يأت ما يصرح على النهي من رد الرجال إذا اشترط ذلك في الصلح، كما سبق بيانه.
ثانياً: ولأن ما استدل به أصحاب القول الأول في نسخ رد الرجال، ليس صريحاً في النسخ، وإنما يدل على النهي عن الإقامة مع المشركين، ولا يلزم منه نسخ رد الرجال عند الضرورة والمصلحة؛ لأن النهي عن الإقامة مع المشركين متقدم على صلح الحديبية؛ لأن الهجرة ومفارقة دار الكفر لمن لا يستطيع إظهار دينه والعمل به فُرض قبل صلح الحديبية بزمن طويل.
ثالثاً: ولأنه يحتمل أن يكون جواز اشتراط رد من جاء منهم مسلماً من الرجال مستثنى من عموم النهي عن الإقامة مع المشركين.
والله أعلم.
стр. 1847
المطلب الرابع عشر: سكنى الكفار بأرض الحجاز
ذهب الإمام الشافعي إلى أن ما روي عن النبي ﷺ من إقرار بعض الكفار بسكنى الحجاز قد نسخ؛ لذلك لا يترك أحد من الكفار يسكن في الحجاز لا بالصلح ولا بغيره، ولا يجوز الصلح معهم على ذلك (١).
وبقية أهل العلم وإن لم يصرحوا بالنسخ إلا أنه لا خلاف بين الجميع في إخراج الكفار- سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم- من الحجاز (٢)، وعدم تمكينهم من السكنى بها، وأضاف بعضهم فقال: بل يُخرجون من جزيرة العرب (٣) كلها. ولا يتركون يسكنون فيها (٤).
стр. 1848
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: بينا نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله ﷺ فقال:
«انطلقوا إلى يهود» فخرجنا معه، حتى جئناهم. فقام رسول الله ﷺ فناداهم، فقال: «يا معشر يهود! أسلموا تسلموا» فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم! فقال لهم رسول الله ﷺ : «ذلك أريد، أسلموا تسلموا». فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم! فقال لهم رسول الله ﷺ : «ذلك أريد» فقال لهم الثالثة، فقال: «اعلموا أنما الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله» (١).
ثانياً: عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس-﵄: يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بلَّ دمعه الحصى. فقلت: يا ابن
стр. 1849
عباس، وما يوم الخميس؟ قال: اشتدَّ برسول الله ﷺ وجعه، فقال: «ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي»، فتنازعوا وما ينبغي عند نبي تنازع، وقالوا: ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه؟ قال: «دعوني، فالذي أنا فيه خير. أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» قال: وسكت عن الثالثة، أو قالها فأنسيتها (١).
ثالثاً: عن ابن عمر-﵄: (أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ ، فأجلى رسول الله ﷺ يهود بني النضير، وأقر قريظة ومَنّ عليهم، حتى حاربت قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا أن بعضهم لحقوا برسول الله ﷺ فآمنهم وأسلموا. وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينة كلهم: بني قينقاع (وهم قوم عبد الله بن سلام)، ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان بالمدينة) (٢).
رابعاً: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجنّ اليهود و النصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلماً» (٣).
стр. 1850
خامساً: عن أبي عبيدة (١) ﵁ قال: آخر ما تكلم به النبي ﷺ : «أخرجوا يهود الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢).
ووجه الاستدلال منها: هو أن النبي ﷺ أقر بعض اليهود والنصاري في الحجاز وجزيرة العرب، ثم أخرج يهود المدينة منها، وأراد أن يخرج جميع المشركين من الحجاز وجزيرة العرب، لكنه ﷺ توفي قبل إخراجهم منها، فأوصى بإخراجهم، وأن لا يبقى في جزيرة العرب غير المسلم.
فيثبت منها نسخ سكنى الكفار بالحجاز، وأنهم لا يقرون بها للسكنى، بل يخرجون منها (٣).
والله أعلم.
стр. 1851
الباب الرابع البيوع، والنكاح، وما يتعلق بهما
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: البيوع، والمزارعة، والمساقاة.
الفصل الثاني: الهبة، والهدية، والوصية، والفرائض، وأحكام العبيد.
الفصل الثالث: النكاح، والرضاع، والطلاق، والخلع، والظهار، والعدة.
стр. 1852
الفصل الأول البيوع، والمزارعة، والمساقاة .
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الخيار، والسلم، والربا، والعرايا، والعارية.
المبحث الثاني: الرهن، والإجارة، والبيوع المنهي عنها.
المبحث الثالث: المزارعة، والمساقاة.
стр. 1853
المبحث الأول الخيار، والسلم، والربا، والعرايا، والعارية
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: خيار المجلس.
المطلب الثاني: رد المصراة مع صاع من تمر.
المطلب الثالث: بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
المطلب الرابع: استقراض الحيوان.
المطلب الخامس: حصر الربا في النسيئة.
المطلب السادس: بيع العرايا.
المطلب السابع: العارية.
стр. 1854
المطلب الأول: خيار المجلس
ذهب بعض أهل العلم إلى أن البيع (١) ينعقد ويتم بالإيجاب والقبول؛ لذلك لا يكون لأي واحد من البائع والمشتري حق خيار المجلس في رد البيع بعد ذلك ما لم يشترطه أحدهما، سواء تفرقا بالأبدان أم لا، وأن ما يدل على ثبوت الخيار لهما ما لم يتفرقا قد نسخ.
وممن صرح به: أشهب (٢)، وابن رشد (٣). ونسبه بعض أهل العلم منهم ابن حجر، إلى طائفة من الحنفية والمالكية (٤).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن الاختلاف في المفهوم من الأدلة الواردة في المسألة سبب آخر
стр. 1855
لاختلافهم فيها (١).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣).
ثالثاً: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: «المسلمون على شروطهم» (٤).
стр. 1856
رابعاً: عن عبد الملك بن عبيد (١)، قال: حضرنا أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود، أتاه رجلان تبايعا سلعة، فقال أحدهما: أخذتها بكذا وبكذا، وقال هذا: بعتها بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة: أُتي ابن مسعود في مثل هذا، فقال: حضرت رسول الله ﷺ أُتي في مثل هذا، (فأمر البائع أن يستحلف، ثم يختار المبتاع، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك) (٢).
стр. 1857
خامساً: ولأن أهل المدينة استمروا على ترك العمل بما يدل على ثبوت خيار المجلس (١).
ويستدل منها على النسخ بالوجوه التالية:
أولاً: إن الآية الأولى فيها الأمر بالإشهاد عند البيع، ولو ثبت خيار المجلس لكانت الآية غير مفيدة؛ لأن الإشهاد إن وقع قبل التفرق لم يطابق الأمر، وإن وقع بعد التفرق لم يصادف محلاً.
والآية الثانية فيها الأمر بالوفاء بالعقود، والراجع عن موجب العقد قبل التفرق لم يف به.
والحديث الأول يفيد إثبات الشروط، وثبوت خيار المجلس بعد لزوم العقد يفسد الشرط.
والحديث الثاني يفيد التحالف عند اختلاف المتبايعين، وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت خيار المجلس لكان كافياً في رفع العقد.
فهذه الأدلة تعارض ما يدل على ثبوت خيار المجلس، فتكون ناسخة له؛ لأنها لا خلاف في العمل بها، ولم يقل أحد بنسخها، وسورة المائدة من آخر ما نزل، وكل هذا مما يدل على تأخرها على ما يدل على ثبوت خيار المجلس (٢).
стр. 1858
واعترض عليه بما يلي:
أ-بأن ما ذكر احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (١).
ب- إن الجمع بين هذه الأدلة وبين ما يدل خيار المجلس ممكن بدون تكلف، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار معه إلى القول بالنسخ ولا إلى الترجيح (٢).
ثانياً: إن أهل المدينة استمروا على خلاف العمل بما يدل على ثبوت خيار المجلس، فهو مما يدل على نسخه (٣).
واعترض عليه: بأنه لم يتفق أهل المدينة على ترك العمل بما يدل على ثبوت خيار المجلس؛
حيث إن بعض أهل المدينة، منهم: سعيد بن المسيب، والزهري يريان العمل بما يدل على ثبوت خيار المجلس (٤).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في ثبوت خيار المجلس للمتبايعين على قولين:
القول الأول: إنه لا خيار إذا وجبت الصفقة.
وهو مذهب الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، وقول إبراهيم النخعي، وربيعة بن
стр. 1859
أبي عبد الرحمن (١).
القول الثاني: إن كل واحد من المتبايعين بالخيار في إمضاء البيع أو رده ما لم يتفرقا.
وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول جمهور أهل العلم، وممن روي عنه ذلك أو قال به: عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبو برزة، وأبو هريرة-﵃، وسعيد بن المسيب، وشريح القاضي، والشعبي، وعطاء، والحسن البصري، وطاوس، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور (٤).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو عدم ثبوت خيار المجلس للمتبايعين- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٥).
стр. 1860
ثانياً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١).
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢).
رابعاً: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «المسلمون على شروطهم» (٣).
خامساً: حديث ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ وفيه: (فأمر البائع أن يستحلف، ثم يختار المبتاع، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك) (٤).
وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فالقول ما يقول صاحب السلعة، أو يترادَّان» (٥).