← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المبحث الأول: المياه والأواني . وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً. المطلب الثاني: الانتباذ في الحنتم والدباء والمزفت والنقير، والشرب منها. المطلب الثالث: الانتفاع بجلود الميتة. المطلب الرابع: سؤر الهرة.

стр. 177

المطلب الأول: غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً ذهب بعض الحنفية ومنهم الطحاوي، إلى أن وجوب غسل الإناء من ولوغ (١) الكلب سبعاً منسوخ بالغسل ثلاثاً (٢). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة؛ حيث إن بعض الحنفية لم يقولوا بالتسبيع لأنهم اعتبروا ما ورد في ذلك منسوخاً بما روي في الغسل ثلاثاً. والسبب الآخر للاختلاف في المسألة-وهو السبب الرئيس للاختلاف-هو اختلاف ما ورد في المسألة من الأحاديث والآثار (٣). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» (٤).

стр. 178

ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الكلب يلغ في الإناء: «أنه يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً» (١).

стр. 179

ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات» (١). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاهرقه ثم اغسله ثلاث مرات) (٢).

стр. 180

ويستدل من هذه الأدلة على النسخ بوجهين: الوجه الأول: أن الراوي لحديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً أبو هريرة، وهو قد أفتى بالغسل ثلاثاً، فيدل ذلك على أنه علم الناسخ والمنسوخ فأفتى بالناسخ (١). قال الطحاوي: (فلما كان أبوهريرة قد رأى أن الثلاث يطهر الإناء من ولوغ الكلب فيه وقد روى عن النبي ﷺ ما ذكرنا ثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنا نحسن الظن به، فلا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي ﷺ إلا إلى مثله وإلا سقطت عدالته فلم يقبل قوله ولا روايته) (٢).

стр. 181

واعترض عليه بما يلي: أولاً: أن هذه الأحاديث المروية عن أبي هريرة ﵁ كلها متكلم فيها غير الحديث الأول، وذلك على النحو التالي: -الحديث الثاني، ومما تكلم فيه: ١ - أنه حديث ضعيف (١) فلا يصح التعلق به، ولا الاستدلال (٢). ٢ - أنه يحتمل أن يكون شكاً من الراوي فلا يبقى حجة (٣). ٣ - أن هذا حديث ضعيف فلا يعارض الحديث الصحيح (٤) المتفق على صحته في الأمر بتسبيع الغسل (٥). -الحديث الثالث، وتكلم فيه: بأنه حديث مختلف في رفعه (٦) ووقفه (٧) على أبي هريرة ﵁

стр. 182

ولم يرفعه غير الكرابيسي (١). أما الآخرون فرووه بعضهم موقوفاً على أبي هريرة ﵁ من قوله، وبعضهم موقوفاً عليه من فعله (٢)، فلا يعارض به الحديث الصحيح المرفوع المتفق على صحته في الأمر بتسبيع الغسل (٣). -الحديث الرابع وهو الرواية الموقوفة علىأبي هريرة ﵁، وتكلم فيه: بأن الرواية عن أبي هريرة ﵁ بلفظ (ثلاث مرات) مختلف فيه فروي من فعل أبي هريرة ﵁ وروي من قوله، كما أنه تفرد به عبد الملك (٤) من

стр. 183

بين أصحاب عطاء فرواه بلفظ (ثلاث مرات) والحفاظ الثقات رووه بلفظ (سبع مرات) وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات. (١) ثانياً: أن أبا هريرة ﵁ كما روي عنه أنه قال بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً، فإنه روي عنه كذلك أنه قال بغسل الإناء من ولوغه سبعاً، روى ذلك عنه ابن المنذر (٢)، وابن حزم وغيرهما مسندًا (٣)، وذكر

стр. 184

ابن عبد البر (١) أنه ممن روي ذلك عنه بالطرق الصحاح. (٢) وإذا روي عنه هذا وذاك فإما أن نقول بتساقط ما روي عنه في ذلك للتعارض، ونرجع إلى ما روي في ذلك عن النبي ﷺ وثبت عنه بالطرق الصحاح المتفق على صحته، وهو غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً. وإما نرجح بين ما روي عن أبي هريرة في ذلك، فنقول: قوله وفتواه الموافق لما ثبت عن رسول الله ﷺ بالطرق الصحاح أولى بالترجيح، بل هو المتعين؛ لأنه لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ ، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا هو ﷺ (٣). ثالثاً: أن ما ذكر من وجه استدلال للنسخ، احتمال والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٤). رابعاً: ولأنه يمكن أن يكون لأبي هريرة عذراً في مخالفته للحديث،

стр. 185

إما أنه نسي ما رواه، أو أنه اعتقد ندبية السبع لا وجوبها، أو غير ذلك فلا يتعين النسخ، وإذا أمكن أن تكون المخالفة عن رأي واجتهاد، وهو مأجور مغفور، فالعبرة حينئذ لما روى لا لما رأى؛ فإن ما رواه ثابت عن قائل معصوم، وما روي عنه ثابت عن قائل غير معصوم (١). خامساً: أنه لو صح عن أبي هريرة ﵁ خلاف ما رواه عن النبي ﷺ ، فقد رواه من الصحابة غير أبي هريرة كابن عمر وعبد الله بن المغفل (٢) ﵃ وهم لم ينقل عنهم مخالفة لما رووه عن النبي ﷺ (٣)، بل جاء عن بعضهم القول موافقًا لما رووه عن النبي ﷺ منهم ابن عمر ﵁ (٤). فلا يكون مخالفة فتياه قادحة في مروي غيره (٥). الوجه الثاني من وجهي النسخ: أن مع رواية السبع قرينة تدل على أنه كان في أول الأمر حين كان التشديد في أمر الكلاب، قالوا: (إن

стр. 186

رواية أبي هريرة في التثليث وكذلك فتياه بذلك تعارض روايته بالسبع فيقدم عليه؛ لأن مع حديث السبع دلالة التقدم للعلم بما كان من التشديد في أمر الكلاب أول الأمر حتى أمر بقتلها، والتشديد في سؤره يناسب كونه إذ ذاك، وقد ثبت نسخ ذلك فيتبعه حكم ما كان معه) (١). واعترض عليه: بأن الأمر بقتل الكلاب كان في أوائل الهجرة، أما الأمر بالغسل سبعًا فهو متأخر جدًا يدل عليه أمران: ١ - أن الأمر بالغسل سبعاً من رواية أبي هريرة ﵁، والأمر به ثمانياً من رواية عبد الله ابن المغفل ﵁، وهما أسلما سنة سبع من الهجرة (٢). ٢ - أن عبد الله بن المغفل ﵁ ذكر أنه سمع من النبي ﷺ يأمر بالغسل، وسياق حديثه ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب، بل بعد أن رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، فثبت بذلك أن الأمر بالغسل سبعًا متأخر عن نسخ الأمر بقتلها. (٣) هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في عدد غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب على خمسة أقوال: القول الأول: يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات.

стр. 187

وهو مذهب الحنفية (١)، ورواية عن أبي هريرة ﵁ (٢)، وقول عطاء (٣)، والزهري (٤). القول الثاني: أنه يغسل الإناء من ولوغ الكلب بلا حد، بل حتى يغلب على الظن طهارته كسائر النجاسات. وهو قول نسبه الطحاوي إلى الإمام أبي حنيفة، وأصحابه (٥)، وقول

стр. 188

سفيان الثوري (١)، والليث بن سعد (٢) (٣). القول الثالث: أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا. وهو قول للإمام مالك (٤)، ومذهب الشافعية (٥)، والصحيح من المذهب عند الحنابلة (٦).

стр. 189

وهو رواية عن أبي هريرة ﵁، وقول ابن عمر، وابن عباس-﵄ وقول عروة بن الزبير (١)، وسعيد بن المسيب (٢)، ................................ ومحمد بن سيرين (٣)، وطاووس (٤)، وعمرو بن دينار (٥)، والأوزاعي (٦)،

стр. 190

وأبي عبيد، وإسحاق بن راهوية (١)، وأبي ثور (٢)، وداوود الظاهري (٣)، وابن المنذر، وابن حزم (٤). القول الرابع: أنه يستحب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً تعبداً ولا يجب ذلك.

стр. 191

وهو قول آخر للإمام مالك، وهو الراجح في المذهب عند المالكية، وهو الذي استقر عليه المذهب. (١) القول الخامس: أنه إذا ولغ الكلب في الإناء غُسل سبع مرات الثامنة بالتراب. وهو رواية عن الإمام أحمد (٢)، وقول الحسن البصري (٣). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا- بما يلي: أولاً: ما سبق من الأحاديث والآثار في أدلة القول بالنسخ. وقد سبق وجه الاستدلال منها، وما يعترض عليه. ثانياً: وقياساً على سائر النجاسات، وذلك لأن البول والغائط وهما أغلظ النجاسات يطهر منها بالغسل ثلاث مرات، فكان أحرى أن يطهر

стр. 192

بما هو دون ذلك من النجاسات. (١) واعترض عليه: بأنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار. (٢) دليل القول الثاني أما القول الثاني وهو أنه يغسل الإناء من ولوغ الكلب حتى يغلب على الظن طهارته من دون تحديد عدد في ذلك، فمن أدلته ما يلي: ١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الكلب يلغ في الإناء: «أنه يغسله ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا» (٣). وجه الاستدلال منه: هو أنه خيره بين الثلاث والخمس والسبع، وهذا يدل على أنه علقه على غلبة الظن، ولو كان التسبيع واجباً لما خيره (٤). وقد سبق ما يعترض به على هذا الدليل. ٢ - وقياساً على سائر النجاسات (٥). وقد سبق ما يعترض به على هذا الدليل.

стр. 193

دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث وهو أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً، بما يلي: أولاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات» (٢). وفي رواية أخرى عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» (٣). ثانياً: عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات» (٤). ثالثاً: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو لا أن الكلاب أمة

стр. 194

من الأمم أمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم، ومن اقتنى كلباً لغير صيد ولا زرع ولا غنم آوى إليه كل يوم قيراط من الإثم مثل أحد، وإذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالبطحاء (١) (٢). رابعاً: عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبع مرات» (٣). وجه الاستدلال من هذه الأدلة ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث ظاهر؛ حيث فيها الأمر بالغسل من ولوغ الكلب سبع مرات (٤). واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث فيها اضطرابًا (٥)؛ ففي رواية

стр. 195

(أولاهن بالتراب) وفي رواية (أخراهن) وفي رواية (إحداهن) وفي رواية (السابعة) وفي رواية (الثامنة) وهو عيب عظيم في هذا الباب، فيجب الاطراح لها (١). وأجيب عنه بما يلي: ١ - أن الاضطراب لا يكون قادحاً إلا مع استواء الروايات وعدم إمكان الترجيح، والترجيح هنا ممكن، فإن رواية (أولاهن) أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضاً؛ لأن تتريب الآخرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه (٢). ٢ - أنه يرجح رواية (الثامنة) لأن الأخذ بها يستلزم الأخذ ببقية الروايات، دون العكس، ففيها زيادة، وهو مجمع على صحته، وزيادة الثقة مقبولة، ويتعين المصير إليها إذا لم تقع منافية (٣). ٣ - أنه لا يكون وجه لتعليل الخبر بالاضطراب إذا حمل اختلاف الروايات في محل التراب على التخيير وأن المراد حصول التراب في إحدى الغسلات (٤).

стр. 196

دليل القول الرابع يستدل للقول الرابع وهو أنه يستحب غسل الإناء من ولوغ الكب سبعاً ولا يجب، بحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» (١). وجه الاستدلال منه: هو أن الأمر في قوله: (سبعًا) للاستحباب، أو للوجوب لكن هاهنا قرائن وأدلة صرفته عنه وهي الأدلة التي تدل على طهارة الكلب، ومنها قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢)؛ حيث فيها الأمر بالأكل مما صاده الكلب من غير ذكر غسل أثر فمه، فلو كان الغسل واجبا لأمر به (٣). واعترض عليه بما يلي أن عدم التعرض للغسل في الآية لا يدل على عدم وجوب ذلك، بل المراد أكل الصيد بعد الغسل، بدليل: ١ - عموم الأدلة الدالة على تطهير النجس (٤). ٢ - أمر الرسول ﷺ بغسل ما ولغ فيه الكلب (٥).

стр. 197

والدليل على نجاسة أثر فم الكلب: ١ - ما سبق في دليل القول الثالث من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب». وجه الاستدلال منه: أنه لا يكون الطهور إلا في محل الطهارة، والطهارة تكون عن حدث أو نجس، وليس هنا حدث فتعين النجس (١). ويؤكد أن الغسل منه من أجل النجاسة ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسله فإنه رجس ثم اشرب فيه وتوضأ) (٢). ٢ - ما سبق في دليل القول الثالث من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات». وجه الاستدلال منه: أن ما ولغ فيه الكلب لو كان طاهراً لم يأمرنا الشرع بإراقته؛ لأنه ضياع للمال وقد نهينا عن ضياعة المال (٣).

стр. 198

دليل القول الخامس أما القول الخامس وهو أنه يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً والثامنة بالتراب فدليله: حديث عبد الله بن المغفل ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب ثم قال: «ما بالهم وبال الكلاب» ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب» (١). ووجه الاستدلال منه ظاهر؛ حيث فيه الأمر بالغسل سبعًا والثامنة بالتراب (٢). الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب-ما يلي: أولاً: أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً، ويستحب غسله ثمانياً، وتكون الثامنة بالتراب؛ وذلك: أما وجوب السبع فلصحة الروايات في ذلك بالاتفاق، فقد روي ذلك مرفوعاً عن أبي هريرة، وابن عمر، وعلي ابن أبي طالب، وابن

стр. 199

عباس ﵃. أما رواية أبي هريرة فهي صحيحة بالاتفاق، ورواية ابن عمر صحيحة كذلك. أما رواية علي ابن أبي طالب، وابن عباس ففي بعض رواتهما كلام، لكن معناهما ثابت من رواية أبي هريرة وابن عمر، وهما يعضدان رواية أبي هريرة وابن عمر. وعلى هذا فيجمع بين هذه الروايات ورواية عبد الله بن المغفل بأن المراد: إغسلوه سبعًا واحدة منهن بالتراب مع الماء، فيكون التعفير بالتراب في إحداهن تطهير ثامن إلى السبع غسلات، ويكون التراب مع الماء بمنزلة الغسلتين (١). وبذلك يكون رواية عبد الله بن المغفل موافقة لرواية أبي هريرة وغيره في السبع، وهي كذلك صحيحة. فيكون مجموع ما روي في الغسل من ولوغ الكلب سبعاً مرفوعاً عن خمس من الصحابة. أما استحباب الغسل ثمانياً إحداهن بالتراب؛ فلظاهر حديث عبد الله بن المغفل، حيث فيه التصريح بالثمانية، ويرجح هذه الرواية على روايات السبع، بأن الأخذ بها يستلزم الأخذ ببقية الروايات دون العكس، ففيها زيادة وهو مجمع على صحته، وزيادة الثقة يتعين المصير إليها إذا لم تقع منافية (٢).

стр. 200

ولولا الاحتمال الذي ذكر في الجمع بين هذه الرواية وروايات السبع لكان القول بوجوب الغسل ثمانيا أرجح. ثانيا: أن القول بنسخ ما يدل على غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً قول ضعيف بل مردود، وذلك لما يلي: ١ - أن ما استدلوا به لا يخلوا عن كلام إما في إسناده أو في رفعه، بخلاف ما روي في السبع فهي صحيحة وقوية. ٢ - أن ما استدلوا به مروي عن أبي هريرة فقط، إما مرفوعاً أو موقوفاً، أما روايات السبع فهي مروية عن أربعة أو خمسة من الصحابة كلها مرفوعة، ثم هي أصح من روايات الغسل ثلاثاً بالاتفاق. ٣ - أن وجه الاستدلال مما استدلوا به على النسخ غير ظاهر، وغير صحيح، لأن غاية ذلك أمران: الأول: أن أبا هريرة ﵁ أفتى بالثلاث، وهو راوي السبع، وهو لا يخالف إلا إلى ما علم نسخه. ويرد على هذا بما يلي: ١ - أن أبا هريرة ﵁ كما روي عنه أنه أفتى بالغسل ثلاثا فكذلك قد صح عنه أنه قال بالغسل سبعًا، وهذا أصح سندًا، وكذلك نظرًا؛ لموافقة فتياه لما رواه مرفوعًا. (١) ٢ - أن أبا هريرة ﵁ ليس وحده من روى الغسل سبعًا، بل قد

стр. 201

روي ذلك عن ثلاثة أو أربعة من الصحابة غير أبي هريرة ﵁. وغير أبي هريرة ﵁ لم يرو عن أحد منهم أنه خالف ما رواه، بل قد نقل عن بعضهم أنه أفتى وقال بالغسل سبعًا موافقًا لما رواه، فلماذا يترك قولهم ورواياتهم بفتيا أبي هريرة ﵁ في الثلاث؟ مع أن العكس صحيح بل لازم؛ لأنه لا حجة في قول أحد مع رسول الله ﷺ . ولما ذا يؤخذ بفتيا أبي هريرة ﵁ في الثلاث، ويترك قوله وفتياه بالسبع موافقًا رأيه لما رواه؟ مع أن العكس صحيح بل لازم؛ لأن كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ . الأمر الثاني مما بنوا عليه النسخ: أن التشديد كان في أمر الكلاب في أول الأمر؛ حيث أمر بقتلها فكان ذلك يناسب التشديد في سؤرها فكان الغسل من ولوغها سبعًا، فلما نسخ الأمر بقتلها خفف في سؤرها فجعل الغسل منه ثلاثا، ونسخ الغسل سبعاً. ويرد على هذا: أن أبا هريرة وابن المغفل ممن روى السبع وهما أسلما سنة سبع من الهجرة، والأمر بقتل الكلاب كان في أوائل الهجرة، على أن في حديث ابن المغفل ما يدل على أن الأمر بالغسل سبعًا بعد نسخ الأمر بقتل الكلاب، وعلى هذا فلا يصح الاستدلال مما قالوه على النسخ (١). والله أعلم.

стр. 202

المطلب الثاني الانتباذ في الحنتم والدباء والمزفت والنقير، والشرب منها ذهب جمهور أهل العلم (١)، إلى أن النهي عن الانتباذ (٢) في الأواني كالحنتم (٣) والدباء (٤) والمزفت (٥) والنقير (٦)، والشرب منها، قد نسخ، فيجوز الانتباذ والشرب في جميع الأواني مما قد جاء النهي عن الانتباذ فيها، وأن الحظر كان أول الأمر، ثم نسخ ذلك. وممن قال به: الحنيفة (٧)، والشافعية (٨)، وهو كذلك مذهب

стр. 203

الحنابلة (١)، واختاره ابن حزم (٢). وقد ظهر منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد الأسباب الرئيسية لاختلاف الفقهاء فيها؛ حيث أن من لم يبلغه النسخ أو لم يثبته من الصحابة فمن بعدهم نهى عن الانتباذ في الأوعية، ومن اعتقد ثبوته وأنه ناسخ رخص في الانتباذ فيها، كما أن اختلاف ظواهر الآثار الواردة في المسألة سبب آخر لاختلافهم فيها (٣). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الظروف» فقالت الأنصار: إنه لا بد لنا منها، قال: «فلا إذاً» (٤). ثانياً: عن بريدة ﵁ (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : «نهيتكم عن النبيذ

стр. 204

إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا» (١). ثالثاً: عن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «نهيتكم عن الظروف وإن الظروف- أو ظرفاً- لا يحل شيئاً ولا يحرمه وكل مسكر حرام» (٢). رابعاً: عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً» (٣).

стр. 205

خامساً: عن عبد الله بن مسعود ﵁ (١) أن رسول الله ﷺ قال: «إني كنت نهيتكم عن نبيذ الأوعية ألا وإن وعاءً لا يحرم شيئاً، كل مسكر حرام» (٢). سادساً: عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن هذه الأوعية فاشربوا فيها، واجتنوا كل ما أسكر» (٣).

стр. 206

سابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني كنت نهيتكم أن تنبذوا في الدباء والحنتم والمزفت فانتبذوا ولا أحل مسكراً» (١). ثامناً: عن أبي بردة بن نيار الأنصاري ﵁ (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : «إني كنت نهيتكم عن الشرب في الأوعية فاشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا» (٣).

стр. 207

تاسعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: لما قفل وفد عبد القيس قال النبي ﷺ : «كل امرئ حسيب نفسه لينتبذ كل قوم فيما بدا لهم» (١). عاشراً: عن عبد الله بن المغفل المزني ﵁ قال: أنا شهدت رسول الله ﷺ حين نهى عن نبيذ الجر، وأنا شهدته حين رخص فيه، قال: «واجتنبوا المسكر» (٢).

стр. 208

حادي عشر: عن ابن عباس ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن هذه الظروف ثم رخص فيها، نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت ثم رخص فيها»، وقال: «اشربوا فيما شئتم واجتنبوا كل مسكر» (١). وجه الاستدلال من هذه الأحاديث ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأحاديث تدل على جواز الانتباذ في الأوعية كلها، ويستدل منها على نسخ النهي الوارد عن ذلك بوجهين: الأول: أن هذه الأحاديث فيها التصريح بأن الأمر بجواز الانتباذ في الأوعية كلها كان بعد النهي عن الانتباذ فيها، فيكون ذلك ناسخاً للنهي السابق (٢).

стр. 209

الثاني: أن بعض هذه الأحاديث فيه التصريح بأن النهي عن الانتباذ كان في بعض الظروف، ثم جاء الأمر بالجواز عاماً في الظروف كلها، فيكون ذلك ناسخاً للنهي السابق (١). واعترض عليه: بأن النهي كان ورد عن الظروف كلها، ثم نسخ منها ظروف الأدم، وما عداها باق على أصل الحظر، والدليل على ذلك: ١ - عن عبد الله بن عمرو (٢) ﵄-قال: «لما نهى النبي ﷺ عن الأسقية قيل للنبي ﷺ : ليس كل الناس يجد سقاءً فرخص لهم في الجرّ غير المزفت» (٣). ٢ - عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: «لما نهى رسول الله ﷺ عن النبيذ في الأوعية قالوا: ليس كل الناس يجد، فأرخص لهم في الجر غير المزفت» (٤).

стр. 210

٣ - عن ابن عمر-﵄ يقول: «نهى رسول الله ﷺ عن الجر والدباء والمزفت، وقال: (انتبذوا في الأسقية» (١). فالنهي في حديث عبد الله بن عمرو ﵁ عمم الأوعية كلها، فشمل ذلك الأسقية وغيرها، وحديث عبد الله بن عمر ﵁ فصل بين ما هو باق على أصل الحظر وما نسخ من ذلك (٢). وأجيب عنه بما يلي: ١ - بأنه لا يصح الاستدلال من حديث ابن عمر ﵁ على ما قيل؛ لأنه قصر في الحديث ورواه مختصراً على ما سمعه، وغيره رواه أحسن سياقاً منه، وأتم من حديثه، وممن رواه أتم بريدة ﵁ وفي روايته قال: قال رسول الله ﷺ «نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً» (٣). فعمم الجواز في الأوعية كلها سواء كانت من الأدم أو غيرها (٤). ٢ - أنه يحتمل أن النهي كان مطلقاً عن الظروف كلها ثم رخص لهم في ظروف الأدم فقط، ثم رخص لهم في الظروف كلها، وبذلك يمكن الجمع

стр. 211

بين الأحاديث كلها سيماً بين حديث ابن عمر وبريدة ﵄ (١). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقداختلف أهل العلم في حكم الانتباذ في الأوعية المذكورة والشرب منها على أربعة أقوال: القول الأول: يجوز الانتباذ فيها، والشرب منها، وأن النهي عن الانتباذ فيها قد نسخ. وهو مذهب الحنيفة (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول جمهور أهل العلم (٥). القول الثاني: يكره الانتباذ في الدباء والمزفت، ويجوز فيما عداهما، وأن النهي الوارد في ذلك لم ينسخ. وهو قول الإمام مالك، ومذهب المالكية (٦).

стр. 212

القول الثالث: أنه يكره الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت. وهو رواية عن الإمام أحمد (١)، وقول سفيان الثوري، وإسحاق بن راهوية (٢). القول الرابع: أنه يحرم الانتباذ فيما صح النهي عن الانتباذ فيه من الدباء والحنتم والمزفت والنقير وغيرها. وهو رواية عن الإمام أحمد (٣). وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلى بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري (٤)، وابن عمر، وابن عباس-﵃ (٥). الأدلة: ويستدل للقول الأول-وهو جواز الشرب والانتباذ في الحنتم والدباء والمزفت والنقير-بالأحاديث التي سبقت في دليل القول

стр. 213

بالنسخ؛ حيث إنها تدل على جواز ذلك، وعلى نسخ النهي الوارد عنها، كما سبق ذكره. دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يكره الانتباذ في الدباء والمزفت فقط- بما يلي: أولاً: عن علي ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ عن الدباء والمزفت» (١). ثانيا: عن أنس بن مالك ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء والمزفت أن ينبذ فيه» (٢). ثالثاً: عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ نهى عن الدباء والمزفت» (٣). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تنتبذوا في

стр. 214

الدباء ولا في المزفت» ثم يقول أبو هريرة: (واجتنبوا الحناتم) (١). وجه الاستدلال من هذه الأحاديث: ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث فيها النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت. قالوا: والنهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت غير منسوخ، بل إن عموم الرخصة مخصوص بذلك (٢). واعترض عليه بما يلي: ١ - أن الرخصة في الانتباذ في الأوعية متأخرة عن النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت، وغير ذلك، وهي عامة فيشمل الدباء والمزفت وغيرهما مما كان محظور الانتباذ فيه، ويدل على هذا الأحاديث المتقدمة في دليل القول بالنسخ (٣). ٢ - أن النهي ورد عن الانتباذ في الدباء والمزفت وغيرهما في أحاديث صحيحة صريحة، فإما أن يقال بالنهي عن الانتباذ في كل ذلك، ولا يقال بالنسخ في شيء منها، وإما أن يقال بالنسخ في كل ذلك، وتخصيص الدباء والمزفت بالنهي فقط تخصيص بلا مخصص.

стр. 215

دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو أنه يكره الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت-بما يلي: أولاً: الأحاديث المذكورة في أدلة القول الثاني؛ حيث جاء فيها النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت. ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: «أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير، والحنتم المزادة المجبوبة، ولكن اشرب في سقائك وأوكه» (١). ثالثاً: عن عائشة ﵂ قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت» (٢). رابعاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ «نهى عن الدباء
следующие страницы →