بين الأحاديث كلها سيماً بين حديث ابن عمر وبريدة ﵄ (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقداختلف أهل العلم في حكم الانتباذ في الأوعية المذكورة والشرب منها على أربعة أقوال:
القول الأول: يجوز الانتباذ فيها، والشرب منها، وأن النهي عن الانتباذ فيها قد نسخ.
وهو مذهب الحنيفة (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول جمهور أهل العلم (٥).
القول الثاني: يكره الانتباذ في الدباء والمزفت، ويجوز فيما عداهما، وأن النهي الوارد في ذلك لم ينسخ.
وهو قول الإمام مالك، ومذهب المالكية (٦).
стр. 212
القول الثالث: أنه يكره الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت.
وهو رواية عن الإمام أحمد (١)، وقول سفيان الثوري، وإسحاق بن راهوية (٢).
القول الرابع: أنه يحرم الانتباذ فيما صح النهي عن الانتباذ فيه من الدباء والحنتم والمزفت والنقير وغيرها.
وهو رواية عن الإمام أحمد (٣). وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلى بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري (٤)، وابن عمر، وابن عباس-﵃ (٥).
الأدلة:
ويستدل للقول الأول-وهو جواز الشرب والانتباذ في الحنتم والدباء والمزفت والنقير-بالأحاديث التي سبقت في دليل القول
стр. 213
بالنسخ؛ حيث إنها تدل على جواز ذلك، وعلى نسخ النهي الوارد عنها، كما سبق ذكره.
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يكره الانتباذ في الدباء والمزفت فقط- بما يلي:
أولاً: عن علي ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ عن الدباء والمزفت» (١).
ثانيا: عن أنس بن مالك ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء والمزفت أن ينبذ فيه» (٢).
ثالثاً: عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ نهى عن الدباء والمزفت» (٣).
رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تنتبذوا في
стр. 214
الدباء ولا في المزفت» ثم يقول أبو هريرة: (واجتنبوا الحناتم) (١).
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث:
ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث فيها النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت.
قالوا: والنهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت غير منسوخ، بل إن عموم الرخصة مخصوص بذلك (٢).
واعترض عليه بما يلي:
١ - أن الرخصة في الانتباذ في الأوعية متأخرة عن النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت، وغير ذلك، وهي عامة فيشمل الدباء والمزفت وغيرهما مما كان محظور الانتباذ فيه، ويدل على هذا الأحاديث المتقدمة في دليل القول بالنسخ (٣).
٢ - أن النهي ورد عن الانتباذ في الدباء والمزفت وغيرهما في أحاديث صحيحة صريحة، فإما أن يقال بالنهي عن الانتباذ في كل ذلك، ولا يقال بالنسخ في شيء منها، وإما أن يقال بالنسخ في كل ذلك، وتخصيص الدباء والمزفت بالنهي فقط تخصيص بلا مخصص.
стр. 215
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو أنه يكره الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت-بما يلي:
أولاً: الأحاديث المذكورة في أدلة القول الثاني؛ حيث جاء فيها النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت.
ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: «أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير، والحنتم المزادة المجبوبة، ولكن اشرب في سقائك وأوكه» (١).
ثالثاً: عن عائشة ﵂ قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت» (٢).
رابعاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ «نهى عن الدباء
стр. 216
والحنتم والنقير والمزفت» (١).
خامساً: عن ابن عمر وابن عباس ﵃-أنهما شهدا أن رسول الله ﷺ «نهى عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير» (٢).
سادسًا: عن ابن عمر-﵄-قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الحنتم وهي الجرة، وعن الدباء وهي القرعة، وعن المزفت وهو المقير، وعن النقير وهي النخلة تنسح نسحاً وتنقر نقراً، وأمر أن ينتبذ في الأسقية» (٣).
سابعًا: عن جابر بن عبد الله ﵁ يقول: «نهى رسول الله ﷺ عن الجر والمزفت والنقير، وكان رسول الله ﷺ إذا لم يجد شيئاً ينبذ له فيه نُبذ له في تورمن حجارة» (٤).
ثامنًا: عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ «نهى عن الدباء والحنتم والجر» (٥).
стр. 217
وجه الاستدلال من هذه الأدلة:
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث جاء فيها النهي عن الانتباذ والشرب في هذه الأوعية.
وأصحاب هذا القول حملوا النهي الوارد في هذه الأحاديث على الكراهة (١).
واعترض على هذا الاستدلال: بأن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية ثابت في أحاديث صحيحة ثابتة، لكن الرخصة وردت في الانتباذ في جميع الأوعية بعد ذلك، ويدل على ذلك الأحاديث المذكورة في دليل القول بالنسخ. وعلى هذا فتكون الأحاديث الواردة في النهي منسوخة بالأحاديث التي فيها الرخصة، وبناءً عليه فلا يصح منها الاستدلال على الكراهة ولا على التحريم (٢).
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع بما سبق من الأحاديث في دليل القول الثاني والثالث.
وهؤلاء حملوا النهي الوارد في تلك الأحاديث على التحريم (٣).
ويقال في الاعتراض على استدلالهم ما قيل في الاعتراض على استدلال القول الثاني.
стр. 218
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو أنه يجوز الانتباذ والشرب من الدباء والحنتم والنقير والمزفت، وغيرها من الأوعية التي جاء النهي عن الانتباذ فيها، وأن النهي الوارد في ذلك قد نسخ بالرخصة التي وردت بعد ذلك، وأن الأحاديث الواردة في الرخصة فيها أحاديث ثابتة صحيحة، تصرح وتنص على النسخ (١).
قال الحازمي: (دلت الأحاديث الثابتة على أن النهي كان مطلقاً عن الظروف كلها ودل بعضها أيضاً على السبب الذي لأجله رخص فيها وأنهم شكوا إليه الحاجة إليها، فرخص لهم في ظروف الأدم لا غير، ثم إنهم شكوا إليه أن ليس كل أحد يجد سقاءً فرخص لهم في الظروف كلها، فيكون جمعاً بين الأحاديث كلها سيماً بين حديث بريدة من الوجه الذي سقناه وبين حديث ابن عمر) (٢).
وقال النووي (٣): (ومختصر القول فيه أنه كان الانتباذ في هذه الأوعية
стр. 219
منهياً عنه في أول الإسلام خوفاً من أن يصير مسكراً فيها ولا نعلم به لكثافتها، فتتلف ماليته، وربما شربه الإنسان ظانا أنه لم يصر مسكراً، فيصير شارباً للمسكر، وكان العهد قريباً بإباحة المسكر، فلما طال الزمان واشتهر تحريم الخمر وتقرر ذلك في نفوسهم نسخ ذلك وأبيح لهم الانتباذ في كل وعاء بشرط أن لا تشربوا مسكراً، وهذا صريح) (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وروي عنه أنه ﷺ رخص بعد هذا في الانتباذ في الأوعية وقال: «كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا ولا تشربوا مسكراً» (٢) فاختلف الصحابة ومن بعدهم من العلماء، منهم من لم يبلغه النسخ أو لم يثبته فنهى عن الانتباذ في الأوعية، ومنهم من اعتقد ثبوته وأنه ناسخ فرخص في الانتباذ في الأوعية) (٣).
والخلاصة: أن النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية كان في أول الإسلام، وكان ذلك بعد تحريم الخمر، وكأن النهي عن ذلك كان سداً للذريعة، فلما تمكن في نفوسهم تحريم الخمر، ولم يكن كل الناس يجد سقاءً رخص لهم -رفعاً للحرج- في الانتباذ والشرب في الأوعية كلها،
стр. 220
وبين لهم أن الظروف لا تحل شيئاً ولا تحرمه وأن المحرم هو المسكر، فثبت بذلك نسخ النهي عن الانتباذ في تلك الأوعية، وتحقق قاعدة رفع الحرج عن الأمة، وتقرر تحريم المسكر على ما كان عليه من قبل، وتحصيل ذلك ورسوخه عندهم كان هو الغاية في البداية والنهاية (١).
والله أعلم.
стр. 221
المطلب الثالث: الانتفاع بجلود الميتة
ذهب بعض أهل الحديث وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن الأحاديث الواردة في الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ قد نسخت بما ورد في النهي عن ذلك (١).
وتبين منه أن أحد أسباب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة هو القول بالنسخ؛ حيث إن بعض من قال بعدم الانتفاع بجلود الميتة مطلقاً رأى أن الأحاديث الواردة في جواز ذلك منسوخة بحديث عبد الله بن عكيم (٢)، وغيره الدال على منع الانتفاع بها. كما أن اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة في المسألة سبب آخر لاختلافهم فيها (٣).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولاً: حديث عبد الله بن عكيم، وقد روي بطرق وألفاظ مختلفة
стр. 222
منها ما يلي:
أ- عن عبد الله بن عكيم قال: قُرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ بأرض جهينة وأنا غلام شاب: «أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب (١) ولا عصب (٢)(٣).
ب- عن عبد الله بن عُكَيْم أن رسول الله ﷺ كتب إلى جهينة قبل موته بشهر: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (٤).
стр. 223
ج- عن عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ : «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (١).
د-عن عبد الله بن عكيم قال: كتب إلينا رسول الله ﷺ : «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (٢).
هـ- عن عبد الله بن عكيم الجهني قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ بأرض جهينة، قال: وأنا غلام شاب، قبل وفاته بشهر أو شهرين: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (٣).
стр. 224
و- عن عبد الله بن عكيم قال: حدثنا مشيخة لنا من جهينة أن النبي ﷺ كتب إليهم: «أن لا تنتفعوا من الميتة بشيء» (١).
ز- عن عبد الله بن عكيم قال: جاءنا كتاب رسول الله ﷺ ونحن في أرض جهنة: «إني كنت رخصت لكم في إهاب الميتة وعصبها فلا تنتفعوا بعصب ولا إهاب» (٢).
стр. 225
ثانياً: عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن ينتفع من الميتة بعصب أو إهاب» (١).
ثالثاً: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» (٢).
стр. 226
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث على النسخ:
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة بعضها يدل بعمومه على تحريم الميتة، وبعضها فيه النهي عن الانتفاع من الميتة بشيء، وبعضها فيه النهي عن الانتفاع من الميتة بإهاب أو عصب.
ثم إن بعض هذه الأدلة يصرح بأن هذا النهي كان قبل موت رسول الله ﷺ بشهر، أو قبل موته بشهر أو شهرين، كما أن بعضها يصرح بأن هذا النهي كان بعد الرخصة في الانتفاع من أهب الميتة.
فثبت من هذا كله أن النهي من الانتفاع بجلود الميتة آخر شيء، وأن الرخصة في الانتفاع بها كان قبل النهي عن الانتفاع بها، فنسخت به؛ لأنه إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (١).
واعترض عليه بما يلي:
أولاً: إن هذه الأحاديث متكلم فيها، ومما تكلم فيها:
стр. 227
أ-حديث عبد الله بن عكيم ﵁، وتكلم فيه بما يلي:
١ - إنه حديث مرسل (١)، وذلك لأن عبد الله بن عكيم لم يسمعه من النبي ﷺ ، فهو أدرك زمن النبي ﷺ ولكن لا يعرف له سماع صحيح، ولا يعرف حامل الكتاب من هو (٢).
وأجيب عنه: بأن عبد الله بن عكيم سمع كتاب النبي ﷺ إلى جهينة، وكتاب النبي ﷺ كلفظه، ولذلك كتب إلى ملوك الأطراف وإلى غيرهم، فلزمتهم الحجة وحصل له البلاغ، ولو لم يكن كذلك لكان لهم عذراً في ترك الإجابة؛ لجهلهم بحامل الكتاب وعدالته (٣).
وعلى تقدير أن عبد الله بن عكيم لم يسمع الكتاب بنفسه فلا يضر ذلك؛ لأنه قد حدثه بذلك أشياخ جهينة من الصحابة فلا يضر الجهل بأسمائهم (٤).
стр. 228
٢ - إنه مضطرب سنداً ومتناً:
أما الاضطراب في السند: فهو أنه تارة قال: عن كتاب النبي ﷺ ، وتارة عن مشيخة من جهينة، وتارة عمن قرأ الكتاب (١).
ولذلك روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه ترك هذا الحديث أو توقف فيه، لما رأى تزلزل الرواة فيه واضطرابهم في إسناده، وقد أعله بذلك غير واحد من أهل العلم (٢).
وأجيب عنه: بأن عبد الله بن عكيم سمع الكتاب يقرأ، وكذلك سمعه من مشائخ جهينة يقولون ذلك، فأدى مرة ما شاهد وأخرى ما سمع، من غير أن يكون في الخبر انقطاع أو اضطراب (٣).
وأما الاضطراب في المتن: فهو أنه رواه الأكثر من غير قيد، ومنهم من رواه بقيد (شهر) أو (شهرين) أو (أربعين يوما) أو (ثلاثة أيام) (٤).
وأجيب عنه: بأن من شرط الاضطراب تقابل الروايات المضطربة قوة وكثرة، وهذا غير موجود هنا، على أن الاضطراب ليس واقعاً في كل
стр. 229
الطرق، بل طريق حديث ابن عكيم عن أشياخ جهينة أن النبي ﷺ كتب إليهم: «أن لا تنتفعوا من الميتة بشيء» لا اضطراب فيها، مع صحة إسنادها (١).
ب-وتكلم في حديث ابن عمر ﵁ بأن في سنده راو مجهول (٢).
ج-وتكلم في حديث جابر ﵁: بأن تلك الرواية مختصرة، وقد جاءت مفصلة يوضح المراد من قوله: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء) وأن المراد منه النهي عن الانتفاع بشحومها (٣).
والدليل على ذلك: عن جابر ﵁ يقول: بينما أنا عند رسول الله ﷺ إذ جاءه ناس من أهل البحر فقالوا: يا رسول الله إن لنا سفينة نعمل فيها في البحر، وقد رثت واحتاجت إلى الدهن، وقد وجدنا ناقة كثيرة الشحم ميتة فأردنا أن نأخذ من شحمها فندهن به سفينتنا وهي عود بحري في البحر، فقال رسول الله ﷺ : «لا تنتفعوا من الميتة بشيء». أو قال: «لا ينتفع من الميتة بشيء» (٤).
ثانياً: ويعترض على الاستدلال منها على النسخ: بأن العمدة فيما
стр. 230
ذكر من وجه الاستدلال شيئان:
الأول: تقيد بعض الروايات بأن هذا النهي كان قبل موت رسول الله ﷺ بشهر أو شهرين، مما يدل على أنه كان آخر الأمرين.
الثاني: أن بعض الروايات ورد فيها لفظ: (رخصت لكم) مما يدل على أن النهي متأخر عن الرخصة فتكون منسوخة به.
فيعترض على الأول: بأنه يجوز أن تكون أحاديث الإباحة قبل موته ﷺ بجمعة أو يومين، أويوم؛ لأنها مطلقة فيجوز أن يكون بعضها قبل وفاته ﷺ بجمعة أو دون جمعة (١).
ويعترض على الثاني: بأن لفظة: (كنت رخصت لكم) ليست في أكثر الروايات، ثم هذه الرواية مختلف في صحتها، ثم يحتمل أن يكون رخص في ذلك ثم نهى ثم رخص (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ على أربعة أقوال:
القول الأول: أنه يجوز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ، وأنها تطهر بذلك، وأن الأحاديث الواردة في ذلك محكمة غير منسوخة.
стр. 231
وهو مذهب الحنفية (١)، وقول للإمام مالك، اختاره ابن وهب (٢) من أصحابه، وقول مرجوح في مذهب المالكية (٣).
وهو كذلك مذهب الشافعية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قوله الأخير كما ذكره غير واحد من أهل العلم (٥)، واختاره جماعة عن الحنابلة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٦).
وهو كذلك قول ابن مسعود، وروي ذلك عن عمر، وعائشة،
стр. 232
وابن عمر-﵃ (١).
وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، والشعبي (٢)، وسالم بن عبد الله (٣)، وإبراهيم النخعي (٤)، وقتادة، والضحاك (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٧)،
стр. 233
والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك (١)، وإسحاق بن راهويه، والحسن بن حي (٢)، وعبيد الله بن الحسن العنبري (٣)، وداود الظاهري، وابن جرير الطبري، وابن حزم (٤).
قال ابن عبد البر: (والذي عليه أكثر أهل العلم من التابعين ومن بعدهم من أئمة الفتوى أن جلد الميتة دباغه طهور كامل له، تجوز
стр. 234
بذلك الصلاة عليه، والوضوء، والاستقاء، والبيع، وسائر وجوه الانتفاع، وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة والكوفيين، وقول الأوزاعي في جماعة أهل الشام، وقول الشافعي وأصحابه، وابن المبارك وإسحاق، وهو قول عبيد الله بن الحسن والبصريين، وقول داود والطبري، وقول جمهور أهل المدينة، إلا أن مالكاً كان يرخص في الانتفاع فيها بعد الدباغ، ولا يرى الصلاة فيها، ويكره بيعها وشراءها، وعلى ذلك أصحابه إلا ابن وهب فإنه يذهب إلى أن دباغ الإهاب طهور كامل له في الصلاة والوضوء والبيع وكل شيء) (١).
القول الثاني: أن جلود الميتة نجسة ولا يعمل الدباغ في تطهيرها، لكن تستعمل في اليابسات لا المائعات عدا الماء، وأنه يكره الصلاة عليه وبيعه.
وهو قول الإمام مالك المشهور والمذهب عند المالكية (٢).
القول الثالث: لا يطهر جلد الميتة بالدباغ، إلا أنه يجوز استعماله في اليابسات بعد الدباغ، وكذلك بيعه.
وهذا هو القول المشهور عن الإمام أحمد، وهو مذهب الحنابلة (٣).
стр. 235
وروي القول بنجاسة جلود الميتة- وإن دبغت- عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، و عمران بن حصين (١)، وعائشة ﵃ (٢).
القول الرابع: أنه يجوز الانتفاع بجلد الميتة وإن لم يدبغ.
وهو قول الزهري، وروي عن الليث مثله (٣).
الأدلة:
ويستدل للقول الأول -وهو أنه يجوز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ- بما يلي:
أولاً: عن ابن عباس ﵁ قال: تُصدق على مولاة لميمونة (٤) -رضي
стр. 236
الله عنها- بشاة فماتت فمر بها رسول الله ﷺ فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟» فقالوا: إنها ميتة، فقال: «إنما حرم أكلها» (١).
ثانياً: عن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» (٢).
ثالثاً: عن سودة (٣) زوج النبي ﷺ قالت: «ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها (٤)، ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صارت شنًّا (٥)(٦).
стр. 237
رابعاً: عن ابن عباس ﵁ قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة-تعني الشاة- قال: «فلولا أخذتم مسكها؟» فقالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت؟! فقال لها رسول الله ﷺ : «إنما قال الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فإنكم أن تدبغوه فتنتفعوا به» فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها) (١).
خامساً: عن عائشة-﵂-زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ «أمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دبغت» (٢).
стр. 238
سادساً: عن عائشة-﵂ قالت: سُئل النبي ﷺ عن جلود الميتة فقال: «دباغها طهورها» (١).
سابعاً: عن سلمة بن المحبق (٢) ﵁ أن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أتى على بيت فإذا قربة معلقة فسأل الماء فقالوا: إنها ميتة، فقال: «دباغها
стр. 239
طهورها» (١).
ثامناً: عن ابن عباس ﵁ قال: أراد النبي ﷺ أن يتوضأ من سقاء فقيل له: إنه ميتة. قال: «دباغه يذهب خبثه، أو رجسه، أو نجسه» (٢).
стр. 240
تاسعاً: عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما إهاب دبغ فقد طهر» (١).
عاشراً: عن زيد بن ثابت (٢) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «دباغ جلود الميتة طهورها» (٣).
حادي عشر: عن ميمونة ﵂ قالت: مرّ على رسول الله ﷺ رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار فقال لهم رسول الله ﷺ : «لو أخذتم إهابها!» قالوا: إنها ميتة! فقال رسول الله ﷺ : «يطهرها الماء والقرظ (٤)(٥).
стр. 241
ثاني عشر: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كنا نصيب مع النبي ﷺ في مغانمنا من المشركين الأسقية والأوعية فنقسمها وكلها ميتة» (١).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة:
ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأدلة جاءت متواترة في طهور جلد الميتة بالدباغ، وأنه يجوز الانتفاع بها بعد ذلك، وهي ظاهرة المعنى، كما أن بعضها يدل على أن رخصة الانتفاع بها كانت بعد تحريم الميتة، وأنه حكم مخصوص من جملة تحريم الميتة (٢).
وقد قال بعض من قال بهذا القول في الجواب عن الاعتراض على هذه الأدلة بحديث عبد الله بن عكيم وأنه متأخر: بأنه ليس مخالفاً لهذه الأدلة، وأنه يمكن الجمع بينه وبين هذه الأدلة؛ وذلك بحمل حديث عبد
стр. 242
الله بن عكيم على ما قبل الدباغ، وحمل هذه الأدلة على ما بعد الدباغ؛ وذلك لأنه قد قال غير واحد من أهل اللغة: أن الإهاب هو الجلد قبل دباغه، ولا يسمى إهاباً بعده (١).
وعلى تقدير أن الإهاب يطلق على الجلد قبل الدباغ وبعده- كما قاله بعض أهل اللغة- (٢) فكذلك لا معارضة بينه وبين أدلة جواز الانتفاع بها؛ وذلك لأن حديث عبد الله بن عكيم عام (٣) يشمل الجلد قبل الدباغ وبعده، وأدلة جواز الانتفاع به خاصة (٤) بما بعد الدباغ، فتكون
стр. 243
هذه الأدلة مخصصة لعمومه، والخاص مقدم على العام (١).
وأما ما ورد في بعض طرق حديث عبد الله بن عكيم (إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب) (٢).
فهو بهذا اللفظ مخالف للطرق السابقة ذكرها، وهي أقوى وأصح وأكثر. ولعله بهذا اللفظ من تعبير بعض الرواة.
ثم هو بهذا اللفظ ضعيف فلا تقوم به الحجة (٣).
دليل القول الثاني، والقول الثالث
ويستدل للقول الثاني والثالث - وهو أنه لا يطهر جلد الميتة بالدباغ- بما يلي:
أولاً: الأحاديث السابقة في أدلة القول بالنسخ.
стр. 244
ثانياً: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١).
وجه الاستدلال منه: أن الله حرم الميتة تحريماً عاماً لم يخص منها شيئاً بعد شيء، فكان ذلك واقعاً على الجلد واللحم جميعاً؛ لأن الجلد جزء منها، فلم يطهر بالدباغ كاللحم (٢).
واعترض عليه: بأنه قد ثبت بالسنة الصحيحة تخصيص الجلد بشرط الدباغ من جملة تحريم الميتة، والسنة هي المبينة عن الله مراده من مجملات خطابه، وإذا كان كذلك فلا يصح الاستدلال من عموم الآية على تحريم الانتفاع من جلود الميتة بعد الدبغ (٣).
ثالثاً: قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (٤).
فإنه قد روي أن نعلي موسى ﵇ كانتا من جلد حمار ميت (٥).
واعترض عليه: بأن نعليه لم تكن من جلد مدبوغ (٦).
стр. 245
وعلى تقدير كونهما من جلد مدبوغ فهي شرع من قبلنا، وقد جاء شرعنا بخلاف ذلك (١).
رابعاً: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ «أمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دبغت» (٢).
خامساً: ولأن الجلد جزء من الميتة فلم يطهر بالدباغ كاللحم (٣).
واعترض عليه بما يلي:
١ - أنه قياس في مقابلة النص فلا يلتفت إليه (٤).
٢ - أن الدباغ في اللحم لا يتأتى، وليس فيه مصلحة له بل يمحقه، بخلاف الجلد، فإنه ينظفه ويطيبه ويصلبه (٥).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة
ووجه الاستدلال منها: هو أن بعض هذه الأدلة تدل على تحريم الميتة ونجاستها بالموت، وجلدها جزء منها فلم يطهر بالدباغ كاللحم،
стр. 246
كما أن بعضها تدل على ضرب من الإباحة، وليس المراد منها الطهارة كما سبق، فلم يبق إلا نوع من الانتفاع، وخص ذلك في اليابس؛ لأنه لا يصل إليه بشيء من النجاسة، بخلاف الرطب (١).
ويعترض عليه بما يلي:
أولاً: أن الآية المستدل بها عامة، لكن الأحاديث الصحيحة جاءت عن النبي ﷺ ، وبينت المراد من التحريم المذكور في الآية الكريمة، حيث قال: (إنما حرم أكلها) (٢).
كما جاءت أحاديث كثيرة تدل على طهارة جلد الميتة بعد الدباغ (٣).
وبهذه الأحاديث يكون الجلد بشرط الدباغ مخصوصاً من جملة تحريم الميتة (٤).
ثانياً: أن حديث «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» وحديث «أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت» كل منهما عام، فالأول يدل على عدم جواز الانتفاع من الميتة بشيء، والثاني يدل على جواز الانتفاع بجلودها
стр. 247
إذا دبغت من غير تخصيص بشيء دون شيء، فإما أن يقال بعموم الأول، وإما بعموم الثاني، والقول بجواز الانتفاع بها في شيء دون شيء لا يدل عليه أي منهما، بل هما يخالفانه، وإذاً فهو دعوى لا يطابقه الدليل، وتفصيل لا دليل عليه (١).
دليل القول الرابع:
ويستدل للقول الرابع -وهو أنه يجوز الانتفاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ- بما يلي:
أولاً: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بشاة ميتة فقال: «هلا استمتعتم بإهابها؟) قالوا: إنها ميتة. قال: (إنما حرم أكلها» (٢).
ثانياً: عن ابن عباس ﵁ يقول: مرّ النبي ﷺ بعنزة ميتة فقال: «ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها» (٣).
ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ أن ميمونة-﵂ أخبرته أن داجنة كانت لبعض نساء رسول الله ﷺ فماتت، فقال رسول الله ﷺ : «ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به» (٤).
стр. 248
وفي رواية عنه ﵁ أن النبي ﷺ مرّ بشاة لمولاة لميمونة فقال: «ألا انتفعتم بإهابها» (١).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة:
ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأحاديث تدل على جواز الانتفاع بجلود الميتة مطلقاً، دبغت أم لا؛ وذلك لأنه ليس فيها ذكر الدباغ، فهي مطلقة، فيجوز الانتفاع بها ولو لم تدبغ (٢).
واعترض عليه: بأنه قد صح التقييد بالدباغ من طرق أخرى، وليس في تقصير من قصر عن ذكر الدباغ في هذه الأحاديث حجة على من ذكره، لأن من أثبت شيئاً هو حجة على من سكت عنه، كما أن من حفظ شيئاً حجة على من لم يحفظه (٣).
وقد روي عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في الانتفاع بجلود الميتة بشرط الدباغ (٤).
стр. 249
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والعلم عند الله تعالى- أن الراجح في هذه المسألة هو القول الأول، وهو أنه يجوز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ وأنها تطهر بذلك. وأن الآثار الواردة في ذلك ثابتة صحيحة في الجملة محكمة غير منسوخة، وأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث وحديث عبد الله بن عكيم بالطرق الأتية:
الطريقة الأولى: أن الإهاب هو الجلد قبل الدباغ فيحمل النهي على ذلك، أي لا ينتفع به ما دام إهاباً، ويحمل الأحاديث التي تدل على جواز الانتفاع به على ما بعد الدباغ، فيستعمل الإهاب بعد الدباغ ويحظر قبل ذلك.
وهذا مبني على القول بالفرق بين الإهاب والجلد، أي أن الإهاب هو الجلد قبل الدباغ، أما إذا دبغ فلا يسمى إهاباً، وإنما يسمى جلداً، أوقربة، أو شناً، وغير ذلك.
والقول بالفرق بينهما هو قول أكثر أهل اللغة (١).
وبهذه الطريقة جمع بين هذه الأخبار غير واحد من أهل العلم. (٢)
قال ابن حزم بعد ذكر حديث عبد الله بن عكيم: (هذا خبر
стр. 250
صحيح ولا يخالف ما قبله، بل هو حق، لا يحل أن ينتفع من الميتة بإهاب إلا حتى يدبغ كما جاء في الأحاديث الأخر، إذ ضم أقواله ﵇ بعضها لبعض فرض ولا يحل ضرب بعضها ببعض، لأنها كلها حق من عند الله (١).
وقال الحازمي: (فالمصير إلى حديث ابن عباس أولى لوجوه من الترجيحات، ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يسمى إهاباً وبعد الدباغ يسمى جلداً ولا يسمىإهاباً، وهذا معروف عند أهل اللغة، فيكون جمعاً بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضاد عن الأخبار) (٢).
الطريق الثاني: أن حديث عبد الله بن عكيم عام في النهي، والأحاديث الدالة على التطهير بالدباغ مخصصة للنهي بما قبل الدباغ، مصرحة بجواز الانتفاع بعد الدباغ، والخاص يقدم على العام، فيبني العام على الخاص (٣).
الطريق الثالث: أنه كان يباح أول الأمر الانتفاع بأهب الميتة دبغت أم لا، ثم جاء النهي عن الانتفاع بها قبل الدباغ، وبقي الأمر في المدبوغ على الرخصة السابقة، فالمنسوخ هو الانتفاع بالإهاب قبل الدباغ، أما بعد الدباغ فلا يشمله النهي، ولم يحرم ذلك قط، فلا يكون منسوخاً. وإذن فلا تعارض بين حديث عبد الله بن عكيم والأحاديث الدالة على