← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

رابعاً: عن عبد الملك بن عبيد (١)، قال: حضرنا أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود، أتاه رجلان تبايعا سلعة، فقال أحدهما: أخذتها بكذا وبكذا، وقال هذا: بعتها بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة: أُتي ابن مسعود في مثل هذا، فقال: حضرت رسول الله ﷺ أُتي في مثل هذا، (فأمر البائع أن يستحلف، ثم يختار المبتاع، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك) (٢).

стр. 1857

خامساً: ولأن أهل المدينة استمروا على ترك العمل بما يدل على ثبوت خيار المجلس (١). ويستدل منها على النسخ بالوجوه التالية: أولاً: إن الآية الأولى فيها الأمر بالإشهاد عند البيع، ولو ثبت خيار المجلس لكانت الآية غير مفيدة؛ لأن الإشهاد إن وقع قبل التفرق لم يطابق الأمر، وإن وقع بعد التفرق لم يصادف محلاً. والآية الثانية فيها الأمر بالوفاء بالعقود، والراجع عن موجب العقد قبل التفرق لم يف به. والحديث الأول يفيد إثبات الشروط، وثبوت خيار المجلس بعد لزوم العقد يفسد الشرط. والحديث الثاني يفيد التحالف عند اختلاف المتبايعين، وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت خيار المجلس لكان كافياً في رفع العقد. فهذه الأدلة تعارض ما يدل على ثبوت خيار المجلس، فتكون ناسخة له؛ لأنها لا خلاف في العمل بها، ولم يقل أحد بنسخها، وسورة المائدة من آخر ما نزل، وكل هذا مما يدل على تأخرها على ما يدل على ثبوت خيار المجلس (٢).

стр. 1858

واعترض عليه بما يلي: أ-بأن ما ذكر احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (١). ب- إن الجمع بين هذه الأدلة وبين ما يدل خيار المجلس ممكن بدون تكلف، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار معه إلى القول بالنسخ ولا إلى الترجيح (٢). ثانياً: إن أهل المدينة استمروا على خلاف العمل بما يدل على ثبوت خيار المجلس، فهو مما يدل على نسخه (٣). واعترض عليه: بأنه لم يتفق أهل المدينة على ترك العمل بما يدل على ثبوت خيار المجلس؛ حيث إن بعض أهل المدينة، منهم: سعيد بن المسيب، والزهري يريان العمل بما يدل على ثبوت خيار المجلس (٤). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في ثبوت خيار المجلس للمتبايعين على قولين: القول الأول: إنه لا خيار إذا وجبت الصفقة. وهو مذهب الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، وقول إبراهيم النخعي، وربيعة بن

стр. 1859

أبي عبد الرحمن (١). القول الثاني: إن كل واحد من المتبايعين بالخيار في إمضاء البيع أو رده ما لم يتفرقا. وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول جمهور أهل العلم، وممن روي عنه ذلك أو قال به: عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبو برزة، وأبو هريرة-﵃، وسعيد بن المسيب، وشريح القاضي، والشعبي، وعطاء، والحسن البصري، وطاوس، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو عدم ثبوت خيار المجلس للمتبايعين- بأدلة منها ما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٥).

стр. 1860

ثانياً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١). ثالثاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). رابعاً: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «المسلمون على شروطهم» (٣). خامساً: حديث ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ وفيه: (فأمر البائع أن يستحلف، ثم يختار المبتاع، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك) (٤). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فالقول ما يقول صاحب السلعة، أو يترادَّان» (٥).

стр. 1861

سادساً: عن ابن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه ويقبضه» (١). سابعاً: عن ابن عمر-﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر (٢) فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع. ومن ابتاع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع» (٣). ووجه الاستدلال من هذه الأدلة هو: أن الآية الأولى فيها الأمر

стр. 1862

بالإشهاد عند البيع، وهو ينافي ثبوت خيار المجلس؛ لأن الإشهاد إن وقع قبل التفرق لم يطابق الأمر، وإن وقع بعد التفرق لم يصادف محلاً. والآية الثانية فيها الأمر بالوفاء بالعقود، ومن رجع عن موجب العقد قبل التفرق لم يف به. والآية الثالثة تقتضي جواز الأكل بوقوع البيع عن تراض قبل الافتراق؛ لأن عقد البيع هو الإيجاب والقبول. والحديث الأول يفيد إثبات الشروط، وثبوت خيار المجلس بعد لزوم العقد يفسد الشرط. والحديث الثاني يفيد التحالف عند اختلاف المتبايعين، وذلك يستلزم لزوم العقد، وثبوت خيار المجلس مناف له؛ لأنه كاف في رفع العقد. والحديث الثالث والرابع كذلك ينافيان ثبوت خيار المجلس؛ لأن الأول منهما يدل على جواز البيع بعد القبض قبل التفرق. أما الحديث الثاني منهما فإن فيه جُعلت الثمرة ومال العبد للمشتري بالشرط من غير ذكر التفريق، ومحال أن يملكها المشتري قبل ملك الأصل المعقود عليه، فدل ذلك على وقوع الملك للمشتري بنفس العقد. فيثبت من مجموع هذه الأدلة عدم ثبوت خيار المجلس للمتبايعين؛ لأنها منافية له (١).

стр. 1863

واعترض عليه بما يلي: أ- إن هذه الأدلة أدلة عامة وغير صريحة في نفي خيار المجلس، وما يدل على ثبوت خيار المجلس أدلة خاصة وصريحة في ثبوت خيار المجلس، لذلك لا تعارض بينهما؛ لإمكان حمل العامة على ما عدا محل الخصوص (١). ب- إن ما يَرِدُ من هذه الأدلة على ثبوت خيار المجلس، يرد منه ذلك على ثبوت خيار الشرط، ومنكروا خيار المجلس يثبتون خيار الشرط، فما يكون جوابهم من ذاك فهو الجواب ممن يثبت خيار المجلس (٢). دليل القول الثاني: ويستدل للقول الثاني-وهو ثبوت خيار المجلس للمتبايعين- بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن عبد الله بن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار» (٣). ثانياً: عن حكيم بن حزام (٤) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «البيعان بالخيار ما لم

стр. 1864

يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما» (١). ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله» (٢). رابعاً: عن أبي الوضيّ (٣)، قال: غزونا عزوة لنا، فنزلنا منزلاً، فباع صاحب لنا فرساً لغلام، ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما، فلما أصبحا من الغد حضر الرحيل قام إلى فرسه يسرجه بسرجه وندم، فأتي الرجلُ وأخذه

стр. 1865

بالبيع، فأبي الرجل أن يدفعه إليه، فقال: بيني وبينك أبو برزة صاحب النبي ﷺ ، فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر، فقالا له هذه القصة، فقال: أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله ﷺ ؟ قال رسول الله ﷺ : «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» (١). ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إنها تدل نصاً على أن كل واحد من المتبايعين بالخيار في فسخ البيع ما لم يتفرقا إلا أن يختارا البيع (٢). واعترض عليه بما يلي: أولاً: إن المراد بالتفرق في هذه الأحاديث التفرق بالأقوال، فإذا قال البائع: قد بعت منك، وقال المشتري: قد قبلت، فقد تفرقا، وإطلاق التفرق على التفرق بالأقوال وارد في الشرع كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)،

стр. 1866

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١). وبذلك يجمع بين هذه الأدلة وما يدل على عدم ثبوت خيار المجلس؛ لأنها لا تكون مخالفة لها (٢). وأجيب عنه بما يلي: أ-إن هذا الفهم مخالف للمتبادر من التفرق بين البائعين، وقد حمله ابن عمر وأبو برزة-﵃ على التفرق بالأبدان، ولا مخالف لهما من الصحابة، وأصحاب رسول الله أعلم بمراد ما رووه عن رسول الله ﷺ (٣). ب- إن ذلك يبطل فائدة الحديث؛ إذ قد عُلم أنهما بالخيار قبل العقد في إنشائه وإتمامه، أو تركه (٤). ج- يقال لمن يقول بأن المراد بالتفرق في هذه الأحاديث التفرق بالأقوال، يقال لهم: (خبرونا عن الكلام الذي وقع به الاجتماع، وتم به البيع، أهو الكلام الذي أريد به الافتراق أم غيره؟ فإن قالوا: هو غيره، فقد أحالوا وجاءوا بما لا يعقل؛ لأنه ليس ثم كلام غير ذلك، وإن قالوا: هو ذلك الكلام بعينه، قيل لهم: كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به اجتمعا به افتراقا به نفسه، هذا عين المحال والفاسد من المقال) (٥).

стр. 1867

ثانياً: إن المراد بالمتبايعين في هذه الأدلة المتساومين، وأطلق عليهما المتبايعين لمباشرتهما للبيع (١). وأجيب عنه: بأن حمل المتبايعين على المتساومين في هذه الأدلة تؤدي إلى خلوها من فائدة؛ لأنه معلوم أن المتساومين بالخيار كل واحد منهما على صاحبه ما لم يقع الإيجاب بالبيع والعقد والتراضي، فكيف ترد هذه الأخبار بما لا يفيد فائدة؟ وهذا مما لا يظنه ذو لب على رسول الله ﷺ (٢). الراجح الذي يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الثاني، وهو أن كل واحد من المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا، وأن ذلك ليس بمنسوخ، وذلك لما يلي: أولاً: لأن أدلة هذا القول مع صحتها نصوص صريحة تدل على أن كل واحد من المتبايعين بالخيار في فسخ البيع ما لم يتفرقا، بخلاف أدلة القول المخالف له؛ فإنها أدلة عامة، وليست نصاً في نفي خيار المتبايعين، كما أنه لا يوجد ما يصرح على نسخ ما يدل على ثبوت خيار المتبايعين، كما سبق بيانه. ثانياً: إنه يمكن الجمع بين هذه الأدلة كلها، كما سبق بيانه، وإذا

стр. 1868

أمكن الجميع بين الأدلة لا يصار إلى النسخ، ولا إلى ترك بعضها (١). ثالثاً: أن أدلة القول الأول أدلة عامة كما سبق بيانه، والاستدلال منها على نفي خيار المتبايعين لا يخلو من تكلف وتعسف، لذلك لا يجوز معارضتها للأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على ثبوت خيار المتبايعين لكل واحد منهما ما لم يتفرقا؛ ولذلك قال ابن عبد البر: (قد أكثر المتأخرون من المالكيين والحنفيين من الاحتجاج لمذهبهما في رد هذا الحديث بما يطول ذكره، وأكثره تشغيب لا يحصل منه على شيء لازم لا مدفع له) (٢). والله أعلم.

стр. 1869

المطلب الثاني: رد المصراة مع صاع من تمر ذهب بعض أهل العلم إلى أن من اشترى شاة مصراة (١)، أو بقرة، أو لقحة مصراة، فإنه ليس له ردها بالعيب، ولكنه يرجع على البائع بنقصان العيب. وأن ما روي عن رسول الله ﷺ من الأحاديث التي تدل على ردها بالعيب مع صاع من تمر فإنه قد نسخ. وممن قال بذلك: أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن (٢)، والطحاوي (٣). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن تعارض حديث المصراة مع الأصول المتفق عليها سبب آخر للاختلاف فيها (٤). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عبد الله بن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1870

«المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار» (١). ثانياً: عن حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما» (٢). ثالثاً: عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم» (٣). رابعاً: عن أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٤). خامساً: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجته: «ألا وإن المسلم أخو المسلم، لا يحل له دمه ولا شيء من ماله إلا بطيب نفسه» (٥). سادساً: عن عائشة-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1871

«الخراج بالضمان» (١). سابعاً: عن ابن عمر-﵄: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ) يعني" الدين بالدين" (٢).

стр. 1872

ويستدل من هذه الأدلة على النسخ بالوجوه التالية: أولاً: إن حديث المصراة يدل على بقاء الخيار بعد التفرق، وحديثا ابن عمر، وحكيم بن حزام-﵄-يدلان على قطع الخيار بعد التفرق إلا عن بيع الخيار، فيكون حديث قطع الخيار بعد التفرق ناسخاً لحديث المصراة (١). واعترض عليه بما يلي: أ-بأن الخيار الذي في المصراة من خيار الرد بالعيب، وخيار الرد بالعيب لا تقطعه الفرقة (٢). ب-بأن ما ذكر احتمال، ولا يوجد ما يدل على تأخرها على حديث المصراة، والنسخ لا يثبت بمثله (٣). ثانياً: بأن حديث المصراة كان حين كانت العقوبات بالذنوب يؤخذ بها الأموال، وقد نسخ ذلك؛ لأن حديث أبي حميد وابن عباس-﵃ وما في معناه يدل على عدم حل مال المسلم إلا بطيب نفس منه، فيكون

стр. 1873

حديث المصراة منسوخاً بما نسخ به العقوبات المالية (١). واعترض عليه: بأنه لا يصح الاستدلال من نسخ العقوبات المالية على نسخ حديث المصراة؛ لأن الذنب وهو التصرية وجدت من البائع، فكان اللازم على قانون العقوبات المالية معاقبة البائع وتغريمه؛ لأنه المذنب، وحديث المصراة إن فرض أنه من العقوبات المالية يقتضي تغريم المشترى ومعاقبته، وهو ليس معتد، بل هو معتدى عليه فافترقا (٢). ثالثاً: إن حديث المصراة يدل على تغريم المشتري بدل اللبن الذي حلبه، فيكون منسوخاً بحديث: (الخراج بالضمان)؛ لأن اللبن فضلة من فضلات المصراة، ولو هلكت لكان من ضمان المشترى، فكذلك فضلاتها تكون له، فلا يغرم بدلها للبائع، وهو خبر قد تلقاه العلماء بالقبول (٣). واعترض عليه بما يلي: أ-إنه لا دليل على أن حديث (الخراج بالضمان) متأخر على حديث المصراة، حتى يكون ناسخاً له (٤). ب-إنه إنما يصار إلى القول بالنسخ عند التعارض وعدم إمكان الجمع، ولا تعارض بين حديث المصراة وحديث (الخراج بالضمان)؛ لأن المشتري في حديث المصراة لم يؤمر بغرامة ما حدث في ملكه، بل بغرامة اللبن الذي ورد

стр. 1874

عليه العقد ولم يدخل في العقد (١). رابعاً: إن حديث المصراة منسوخ بحديث النهي عن بيع الدين بالدين؛ لأن لبن المصراة يصير ديناً في ذمة المشتري، فإذا ألزم بصاع من تمر نسيئة صار ديناً بدين (٢). واعترض عليه بما يلي: أ-إن هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، فلا يقوى على نسخ الحديث الصحيح باتفاق، وهو حديث المصراة (٣). ب-إن التمر إنما شرع في مقابل الحلب سواء كان اللبن موجوداً أو غير موجود، فلم يتعين في كونه من الدين بالدين (٤). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم فيمن اشترى مصراة فحلبها فلم يرض بها على قولين: القول الأول: ليس للمشترى رد المصراة بالعيب، ولكنه يرجع على البائع بنقصان العيب.

стр. 1875

وهو مذهب الحنفية (١). القول الثاني: إن من اشترى مصراة ولم يعلم تصريتها ثم علم فهو بالخيار بين إمساكها وبين ردها مع صاع من تمر. وهو قول أبي يوسف (٢)، ومذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس-﵃ (٦)، وقال به عامة أهل العلم (٧). الأدلة ويستدل للقول الأول بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٨).

стр. 1876

فهذه الآية تدل على أن المعاقبة تكون بالمثل، والأصل في المتلفات إما القيم وإما المثل، وإعطاء صاع من تمر في لبن ليس قيمة ولا مثلاً (١). واعترض عليه بما يلي: أ- بأن الآية عامة، وحديث المصراة خاص فيستثنى منه (٢). ب- إن رد الصاع في لبن المصراة ليس من باب القيمة، بل ذلك عبادة لقطع شعب الخصومة؛ ولذلك جعل الصاع في لبن كل من الشاة، والبقرة، والناقة مع اختلاف كمية اللبن (٣). ثانياً: قول النبي ﷺ : «الخراج بالضمان» (٤). فهذا الحديث يدل على أن الخراج بالضمان، واللبن فضلة من فضلات المصراة، ولو هلكت لكان من ضمان المشترى، فكذلك فضلاتها تكون له، فلا يغرم بدلها للبائع (٥). واعترض عليه: بأن المشتري في حديث المصراة لم يؤمر بغرامة ما حدث في ملكه، بل بغرامة اللبن الذي ورد عليه العقد ولم يدخل في العقد (٦). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن من اشترى مصراة فإن شاء أمسكها وإن

стр. 1877

شاء ردها وصاعاً من تمر- بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعدُ فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعاً من تمر» (١). ثانياً: عن ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد، ومن اشترى مصراة فهو فيها بآخر النظرين، إن ردها رد معها صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر» (٢). ثالثاً: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعاً من تمر، ونهى النبي ﷺ أن تلقى البيوع) (٣).

стр. 1878

فهذه الأحاديث تدل نصاً على أن من اشترى مصراة وحلبها، ثم أراد أن يردها فإنه يرد معها صاعاً من تمر (١). الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي-والله أعلم بالصواب-أن الراجح هو أن من اشترى مصراة فحلبها ولم يرضها فإنه يردها ويرد معها صاعاً من تمر، وأن ذلك ليس بمنسوخ، كما هو القول الثاني، وذلك لما يلي: أولاً: لأن أدلة هذا القول مع صحتها نصوص صريحة على أن من اشترى مصراة فحلبها فلم يرضها أنه يردها ويرد معها صاعاً من تمر، بخلاف أدلة

стр. 1879

القول المخالف له؛ حيث إنها أدلة عامة، والنص الصحيح الصريح مقدم عليها (١). ثانياً: ولأنه يمكن الجمع بين هذه الأدلة؛ لأن حديث المصراة دليل خاص، وما يعارض به ذلك أدلة عامة، فيحمل العام على ما عدا محل الخصوص (٢). ثالثاً: ولأن القول بأن حديث المصراة قد نسخ غير صحيح، وذلك: أ-لأنه إذا أمكن الجمع بين الأدلة فإنه لا يصار معها إلى النسخ، والجمع بين الأدلة هنا ممكن كما سبق بيانه (٣). ب-ولأنه لا يوجد دليل يدل على أن ما استُدل به على النسخ متأخرة على حديث المصراة، وما ذكر من وجوه النسخ تشغيب ومجرد احتمال، والنسخ لا يثبت به (٤). والله أعلم.

стр. 1880

المطلب الثالث: بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وأن ما يدل على جواز ذلك فإنه قد نسخ (١). وممن صرح بنسخه: الطحاوي (٢). وتبين منه، ومما يأتي من الأدلة في المسألة أن سبب الاختلاف في المسألة شيئان: القول بالنسخ، واختلاف الآثار (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عبد الله بن عمرو-﵄: (أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشاً، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ من قلائص (٤) الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة) (٥).

стр. 1881

وفي رواية عنه ﵁: (أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشاً، قال عبد الله بن عمرو: وليس عندنا ظهر، قال: فأمره النبي ﷺ أن يبتاع ظهراً إلى خروج المصدق، فابتاع عبد الله بن عمرو البعير بالبعيرين إلى خروج المصدق بأمر رسول الله ﷺ (١). ثانياً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). ثالثاً: عن سمرة ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة» (٣).

стр. 1882

رابعاً: عن ابن عباس-﵄-قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) (١).

стр. 1883

خامساً: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نسيئاً ولا بأس به يداً بيد» (١). سادساً: عن ابن عمر-﵄: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) (٢).

стр. 1884

ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عبد الله بن عمرو-﵄-يدل على جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وفيه المعنى الذي حُرم به الربا، والأحاديث المذكورة بعده تدل على النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فتكون آية الربا وهذه الأحاديث ناسخة لما يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو-﵄؛ لأن النص الموجب للحظر يكون متأخراً عن النص الموجب للإباحة (١). واعترض عليه: بأن الاستدلال من هذه الأدلة على النسخ احتمال، وليس صريحاً فيه (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة على أقوال أشهرها ثلاثة، وهي: القول الأول: لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وهو مذهب الحنفية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، وقول محمد بن

стр. 1885

الحنفية، وعطاء، والثوري، والحسن بن حي. وروي ذلك عن عمار، وابن عمر-﵃. ونسبه الترمذي إلى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم (١). القول الثاني: لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة إلا أن تختلف الأغراض فيجوز. وهو مذهب المالكية (٢)، وقول ابن سيرين، وقتادة (٣). القول الثالث: يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وهو مذهب الشافعية (٤)، والصحيح من المذهب عند الحنابلة (٥)، وقول سعيد بن المسيب، والزهري، وأبي ثور، وداود. وروي ذلك عن ابن عباس، ورافع بن خديج ﵃ (٦). وذكر النووي أنه قول جمهور أهل

стр. 1886

العلم (١). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو عدم جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة- بما سبق في دليل القول بالنسخ من آية الربا والأحاديث التي جاء فيها النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث إنها تدل على تحريم الربا وعدم جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو عدم جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة إذا اتفق المنافع، وجوازه عند اختلاف المنافع-بالأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ. ووجه الاستدلال منها: هو أن حديث عبد الله بن عمرو-﵄-يدل على جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وحديث سمرة ﵁

стр. 1887

وما في معناه يدل على عدم جوازه، فيجمع بينهما، وذلك بحمل حديث عبد الله بن عمرو-﵄-على الجواز عند اختلاف المنافع، وحديث سمرة ﵁ وما في معناه على المنع إذا اتفقت المنافع (١). ويعترض عليه: بأن كلا النوعين من تلك الأدلة ليس فيها ما يدل على الفرق بين اختلاف الأغراض والمنافع وعدمها. دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة- بما يلي: أولاً: حديث عبد الله بن عمرو-﵄، وقد سبق ذكره في دليل القول في النسخ. ثانياً: ما روي: (أن علي ابن أبي طالب ﵁ باع جملاً له يُدعى عصيفيراً بعشرين بعيراً إلى أجل) (٢). ثالثاً: عن نافع: (أن ابن عمر-﵄-اشترى راحلة بأربعة

стр. 1888

أبعرة مضمونة عليه، يوفيها صاحبها بالربذة) (١). فهذه الأدلة تدل على جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٢). واعترض عليه بما يلي: أ- إن حديث عبد الله بن عمرو ﵁ معارض بأحاديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهي أكثر وأقوى بمجموعها من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ (٣). ب- إن ما روي عن بعض الصحابة من الآثار التي تدل على جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة فهي معارض بمثلها (٤)؛ فقد روي عن علي ﵁: (أنه كره بعيراً ببعيرين نسيئة) (٥). وعن طاووس: (أنه سأل ابن عمر ﵁ عن بعير ببعيرين نظرة، فقال: لا، وكرهه، فسأل ابن عباس ﵁ فقال: قد يكون البعير خيراً من البعيرين) (٦). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به يظهر لي- والله

стр. 1889

أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول-وهو عدم جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة- وذلك لما يلي: أولاً: لأن أدلة هذا القول بمجموعها أقوى وأصح من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ الذي يدل على جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (١). ثانياً: ولأن الأحاديث الدالة على النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة صريحة في ذلك ولا تحتمل أكثر من احتمال، بخلاف ما يدل على جوازه حيث يحتمل أن يكون ذلك قبل النهي عنه فيكون قد نسخ به (٢). ثالثاً: ولأن حديث عبد الله بن عمرو ﵁ يدل على جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وحديث سمرة ﵁ وما في معناه يد على عدم جوازه، وعند تعارض الحاظر والمبيح يقدم الحاظر على المبيح (٣). رابعاً: ولأن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة مظنة الربا، فكان تركه أولى؛ لقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٤). والله أعلم.

стр. 1890

المطلب الرابع: استقراض الحيوان ذهب بعض أهل العلم (١)، إلى عدم جواز استقراض الحيوان، وأن ما يدل على جواز ذلك فإنه قد نسخ. وممن صرح به: الطحاوي (٢). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤). ثانياً: عن سمرة ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة» (٥). ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) (٦). رابعاً: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحيوان اثنان بواحد لا

стр. 1891

يصلح نسيئاً ولا بأس به يداً بيد» (١). خامساً: عن ابن عمر-﵄: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن آية الربا تحرم كل فضل خال عن العوض، وتحرم كل قرض جر منفعة، وقرض الحيوان نوع من البيع يوجد فيه المعنى الذي حرم من أجله الربا. فيكون ما يدل على جواز استقراض الحيوان منسوخاً بآية الربا، وبالنهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٣). واعترض عليه بما يلي: أ- إن ما ذكر لا دليل عليه، وإنما هو احتمال والنسخ لا يثبت به (٤). ب-إن الاستقراض لا يراد به البيع؛ يدل عليه أن بيع الحنطة بعضها ببعض نسيئة لا يجوز؛ لما فيه من الربا، ويجوز استقراضها بلا خلاف، ولم يدخل أحد ذلك في الربا ولم ينسخه به، فكذلك الحيوان (٥). ج-على تقدير أن استقراض الحيوان يشمله النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فإنه يكون ما يدل على استقراضه مخصصاً لعموم النهي،

стр. 1892

ومستثنى منه (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في استقراض الحيوان على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز استقراض الحيوان. وهو مذهب الحنفية (٢)، وقول الثوري، وروي ذلك عن ابن مسعود، وحذيفة، وعبد الرحمن بن سمرة-﵃ (٣). القول الثاني: يجوز استقراض الحيوان إلا الإماء لمن يملك وطأها. وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وقول الليث، والأوزاعي، وجمهور أهل العلم (٧).

стр. 1893

القول الثالث: يجوز استقراض الحيوان بدون فرق بين الإماء وغيرها. وهو وجه عند الحنابلة (١)، وقول داود الظاهري، وابن جرير الطبري (٢). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو عدم جواز استقراض الحيوان- بما سبق في دليل القول بالنسخ، وقد سبق وجه استدلالهم منها، وما يرد به عليه. ومما عللوا به قولهم كذلك هو: أن الحيوان مما لا يمكن صفته، ولا يوقف على مثله؛ لذلك لا يجوز استقراضه (٣). واعترض عليه: بأن القول بأن الحيوان لا يمكن صفته غير مسلم، بل هو ممكن ويأتي الواصف منها بما يدفع الإشكال، ويوجب الفرق بين الموصوف وغيره كسائر الموصوفات من غير الحيوان (٤). كما أنه هذا التعليل يرده الأحاديث التي جاء فيها أن النبي ﷺ استقرض جملاً ورد خيراً منه عند قضائه (٥). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو جواز استقراض الحيوان إلا الإماء لمن يلك

стр. 1894

وطأها- بما يلي: أولاً: عن أبي هريرة ﵁: أن رجلاً تقاضى رسول الله ﷺ فأغلظ له، فهمّ به أصحابه فقال: «دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً واشتروا له بعيراً فأعطوه إياه»، وقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه قال: «اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: استقرض رسول الله ﷺ سنّاً فأعطى سنّاً فوقه، وقال: «خياركم محاسنكم قضاء» (٢). ثانياً: عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعيّاً، فقال: «أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء» (٣). فهذه الأدلة تدل على جواز استقراض الحيوان، إلا أن الأمة لا يجوز استقراضها لمن يملك وطأها؛ لأن الفروج محظورة لا تستباح إلا بنكاح أو

стр. 1895

ملك يمين، واستقراضها قد يؤدي إلى وطئها بغير نكاح ولا ملك يمين؛ لأن القرض ليس بعقد لازم من جهة المقترض، لأنه يرده متى شاء، فأشبه الجارية المشتراة بالخيار، ولا يجوز وطؤها بإجماع حتى تنقضي أيام الخيار (١). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو جواز استقراض الحيوان بدون استثناء أي نوع منه- بما سبق من حديث أبي هريرة، وأبي رافع-﵄؛ حيث إنهما يدلان على جواز استقراض الحيوان. وملك المستقرض صحيح يجوِّز له فيه التصرف كله، ولم يحظر الله استقراض الإماء، ولا رسوله، ولا اتفق الجميع على المنع منه، والأصل الإباحة حتى يصح المنع من وجه لا معارض له. الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب-أن الراجح ما يلي: أولاً: إنه لا بأس باستقراض الحيوان، وذلك: أ-لحديث أبي هريرة، وأبي رافع-﵄، وعدم وجود ما يعارض ذلك صريحاً. ب-لأن الإقراض فعل من أفعال البر، ويراد به البر، ولا يراد به الربح؛ لذلك يكون ما جره من النفع ربا إذا اشترطه المقرض، بخلاف البيع فإنه إنما يراد به الربح لذلك يكون بيع الحنطة-مثلاً-بعضها ببعض نسيئة غير جائز لما
следующие страницы →