← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

يصلح نسيئاً ولا بأس به يداً بيد» (١). خامساً: عن ابن عمر-﵄: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن آية الربا تحرم كل فضل خال عن العوض، وتحرم كل قرض جر منفعة، وقرض الحيوان نوع من البيع يوجد فيه المعنى الذي حرم من أجله الربا. فيكون ما يدل على جواز استقراض الحيوان منسوخاً بآية الربا، وبالنهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٣). واعترض عليه بما يلي: أ- إن ما ذكر لا دليل عليه، وإنما هو احتمال والنسخ لا يثبت به (٤). ب-إن الاستقراض لا يراد به البيع؛ يدل عليه أن بيع الحنطة بعضها ببعض نسيئة لا يجوز؛ لما فيه من الربا، ويجوز استقراضها بلا خلاف، ولم يدخل أحد ذلك في الربا ولم ينسخه به، فكذلك الحيوان (٥). ج-على تقدير أن استقراض الحيوان يشمله النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فإنه يكون ما يدل على استقراضه مخصصاً لعموم النهي،

стр. 1892

ومستثنى منه (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في استقراض الحيوان على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز استقراض الحيوان. وهو مذهب الحنفية (٢)، وقول الثوري، وروي ذلك عن ابن مسعود، وحذيفة، وعبد الرحمن بن سمرة-﵃ (٣). القول الثاني: يجوز استقراض الحيوان إلا الإماء لمن يملك وطأها. وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وقول الليث، والأوزاعي، وجمهور أهل العلم (٧).

стр. 1893

القول الثالث: يجوز استقراض الحيوان بدون فرق بين الإماء وغيرها. وهو وجه عند الحنابلة (١)، وقول داود الظاهري، وابن جرير الطبري (٢). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو عدم جواز استقراض الحيوان- بما سبق في دليل القول بالنسخ، وقد سبق وجه استدلالهم منها، وما يرد به عليه. ومما عللوا به قولهم كذلك هو: أن الحيوان مما لا يمكن صفته، ولا يوقف على مثله؛ لذلك لا يجوز استقراضه (٣). واعترض عليه: بأن القول بأن الحيوان لا يمكن صفته غير مسلم، بل هو ممكن ويأتي الواصف منها بما يدفع الإشكال، ويوجب الفرق بين الموصوف وغيره كسائر الموصوفات من غير الحيوان (٤). كما أنه هذا التعليل يرده الأحاديث التي جاء فيها أن النبي ﷺ استقرض جملاً ورد خيراً منه عند قضائه (٥). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو جواز استقراض الحيوان إلا الإماء لمن يلك

стр. 1894

وطأها- بما يلي: أولاً: عن أبي هريرة ﵁: أن رجلاً تقاضى رسول الله ﷺ فأغلظ له، فهمّ به أصحابه فقال: «دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً واشتروا له بعيراً فأعطوه إياه»، وقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه قال: «اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: استقرض رسول الله ﷺ سنّاً فأعطى سنّاً فوقه، وقال: «خياركم محاسنكم قضاء» (٢). ثانياً: عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعيّاً، فقال: «أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء» (٣). فهذه الأدلة تدل على جواز استقراض الحيوان، إلا أن الأمة لا يجوز استقراضها لمن يملك وطأها؛ لأن الفروج محظورة لا تستباح إلا بنكاح أو

стр. 1895

ملك يمين، واستقراضها قد يؤدي إلى وطئها بغير نكاح ولا ملك يمين؛ لأن القرض ليس بعقد لازم من جهة المقترض، لأنه يرده متى شاء، فأشبه الجارية المشتراة بالخيار، ولا يجوز وطؤها بإجماع حتى تنقضي أيام الخيار (١). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو جواز استقراض الحيوان بدون استثناء أي نوع منه- بما سبق من حديث أبي هريرة، وأبي رافع-﵄؛ حيث إنهما يدلان على جواز استقراض الحيوان. وملك المستقرض صحيح يجوِّز له فيه التصرف كله، ولم يحظر الله استقراض الإماء، ولا رسوله، ولا اتفق الجميع على المنع منه، والأصل الإباحة حتى يصح المنع من وجه لا معارض له. الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب-أن الراجح ما يلي: أولاً: إنه لا بأس باستقراض الحيوان، وذلك: أ-لحديث أبي هريرة، وأبي رافع-﵄، وعدم وجود ما يعارض ذلك صريحاً. ب-لأن الإقراض فعل من أفعال البر، ويراد به البر، ولا يراد به الربح؛ لذلك يكون ما جره من النفع ربا إذا اشترطه المقرض، بخلاف البيع فإنه إنما يراد به الربح لذلك يكون بيع الحنطة-مثلاً-بعضها ببعض نسيئة غير جائز لما

стр. 1896

فيه من الربا بخلاف ما لو استقرض حنطة فلا يكون فيه رباً، وبهذا يفرق بين البيع والاستقراض (١). ثانياً: لا يصح ادعاء نسخ ما يدل على جواز استقراض الحيوان، وذلك لما يلي: أ-لأنه ليس عليه دليل، وإنما هو احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٢). ب-إنه لا تعارض بين ما يدل على جواز استقراض الحيوان، وبين ما يدل على النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة حتى يكون ذلك النهي ناسخاً للجواز؛ لأن الاستقراض غير البيع، كما سبق بيانه، وعلى تقدير أن استقراض الحيوان يشمله النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فإنه يكون ما يدل على استقراضه مخصصاً لعموم النهي، ومستثنى منه (٣). والله أعلم.

стр. 1897

المطلب الخامس: حصر الربا في النسيئة ذهب بعض أهل العلم إلى أن الربا (١) كما يكون في النسيئة يكون كذلك في الفضل، ولو كان يداً بيد، وأن ما يدل على حصر الربا في النسيئة قد نسخ. وممن صرح به: الحميدي (٢)، وابن شاهين (٣)، والماوردي (٤)، والحازمي (٥)، والنووي (٦)، وأبو حامد الرازي (٧)، وأبو إسحاق الجعبري (٨). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن الاختلاف في مفهوم الأحاديث الدالة على حصر الربا في النسيئة سبب آخر

стр. 1898

للاختلاف فيها (١). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عمرو بن دينار أن أبا صالح الزيات (٢) أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، فقلت له: إن ابن عباس لا يقوله، فقال أبو سعيد: سألته فقلت: سمعته من النبي ﷺ أو وجدته في كتاب الله تعالى؟ فقال: كل ذلك لا أقول وأنتم أعلم برسول الله ﷺ مني، ولكنّي أخبرني أسامة أن النبي ﷺ قال: «لا ربا إلا في النسيئة» (٣). ثانياً: عن عطاء بن أبي رباح أن أبا سعيد الخدري ﵁ لقي ابن عباس ﵁ فقال له: أرأيت قولك في الصرف، أشيئاً سمعته من رسول الله ﷺ ، أم شيئاً وجدته في كتاب الله ؟ فقال ابن عباس ﵁: كلاً لا أقول، أما رسول الله ﷺ فأنتم أعلم به، وأما كتاب الله فلا أعلمه، ولكن

стр. 1899

حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إنما الربا في النسيئة» (١). ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ عن أسامة بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ربا فيما كان يداً بيد» (٢). رابعاً: عن أبي المنهال (٣) قال: اشتريت أنا وشريك لي شيئاً يداً بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: «ما كان يداً بيد فخذوه، وما كان نسيئة فردوه» (٤). وفي رواية عن أبي المنهال قال: باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل، فقلت: ما أرى هذا يصلح. فقال: لقد بعتها في السوق فما عاب ذلك عليّ أحد. فأتيت البراء بن عازب فسألته، قال: قدم النبي ﷺ المدينة

стр. 1900

وتجارتنا هكذا، فقال: «ما كان يداً بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فلا خير فيه» وأت زيد بن أرقم فإنه كان أعظم تجارة مني، فأتيته فذكرت ذلك له، فقال: صدق البراء (١). خامساً: عن فضالة بن عبيد (٢) الأنصاري ﵁ يقول: أُتيَ رسولُ الله ﷺ وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب وزناً بوزن» (٣). وفي رواية عنه ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر نبايع اليهود الوُقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا الذهب إلا وزناً بوزن» (٤).

стр. 1901

سادساً: عن أبي الأشعث (١) قال: غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ (ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء عيناً بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى). فرد الناس ما أخذوا. فبلغ ذلك معاوية فقام خطيباً فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث، قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة. ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ وإن كره معاوية (أو قال: وإن رغم). ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء (٢). وفي رواية عن عبادة ﵁ قال: نهانا رسول الله ﷺ يوم خيبر أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب العين، وتبر الفضة بالفضة العين، قال: وقال:

стр. 1902

«ابتاعوا تبر الذهب بالورق العين، وتبر الفضة بالذهب العين» (١). سابعاً: عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء، والفضة بالفضة إلا سواء بسواء، وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم» (٢). وفي رواية عنه ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن الصرف قبل موته بشهرين) (٣). ثامناً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» (٤). تاسعاً: عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الدينار

стр. 1903

بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين» (١). عاشراً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب وزناً بوزن، مثلاً بمثل، والفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا» (٢). ويستدل من هذه الأدلة على النسخ: بأن حديث ابن عباس ﵁ عن أسامة بن زيد ﵁ بمجموع طرقه وألفاظه يدل على حصر الربا في النسيئة، وينفي أن يكون في الفضل رباً. وبنحوه يدل إحدى طرق رواية أبي المنهال عن البراء ﵁، لكنه يدل كذلك على أن ذلك كان تجارتهم عند قدوم النبي ﷺ المدينة (٣). ويدل حديث فضالة بن عبيد ﵁ وكذلك إحدى رواية حديث عبادة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن ربا الفضل يوم خيبر. وحديث أبي بكرة ﵁ يدل على النهي عن ربا الفضل، وهو قد أسلم بعد فتح مكة، وإحدى روايتيه تدل على أن النبي ﷺ نهى عن ربا الفضل قبل موته بشهرين. وبقية الأحاديث تدل على أن الربا في الفضل كما في النسيئة وأنه مما نهي عنه.

стр. 1904

فيثبت من مجموع هذه الأحاديث أن ما يدل على نفي الربا في الفضل، وحصره في النسيئة، كان قبل النهي عن ربا الفضل، وأن أحاديث النهي عن ربا الفضل متأخرة عليها فتكون هي ناسخة للأحاديث الدالة على حصر الربا في النسيئة (١). ويؤكد كونها ناسخة إجماع أهل العلم بعد عصر الصحابة على ترك العمل بظاهر ما يدل على حصر الربا في النسيئة (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد أجمع أهل العلم بعد عصر الصحابة-﵃ على تحريم ربا الفضل كتحريم ربا النسيئة. مستدلين بأحاديث كثيرة بلغت التواتر تدل على تحريم ربا الفضل، ومنها بعض ما سبق في دليل القول بالنسخ (٣). وقد كان بعض الصحابة-﵃-لا يرون الربا في الفضل،

стр. 1905

ويرون حصره في النسيئة، حُكي ذلك عن ابن عباس، وأسامة، وزيد بن أرقم، وابن الزبير-﵃؛ وذلك لبعض الروايات التي سبقت في دليل القول بالنسخ، منها حديث أسامة بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة». والمشهور من ذلك قول ابن عباس ﵁، وقد اختلف في رجوعه عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فنقل غير واحد من أهل العلم أنه قد رجع قبل موته إلى قول الجماعة (١). الراجح ولا شك أن الراجح هو قول جمهور أهل العلم، وهو أن ربا الفضل محرم كما يحرم ربا النسيئة، وليس الربا منحصراً في النسيئة، وذلك لما يلي: أولاً: لأن أدلة هذا القول مع صحتها، وكثرتها حتى بلغت التواتر، نصوص صريحة تدل على حرمة ربا الفضل، ولا تحتمل غير ذلك. بخلاف أدلة من يقول بحصر الربا في النسيئة، فإن تلك الأدلة وردت بألفاظ مختلفة، وتحتمل أموراً منها: أ-قال الإمام الشافعي: (قد يكون أسامة بن زيد سمع رسول الله ﷺ يُسالُ عن الصنفين المختلفين مثل الذهب والورق، والتمر والحنطة، أو ما اختلف جنسه متفاضلاً يداً بيد، فقال: إنما الربا في النسيئة. أو تكون المسألة

стр. 1906

سبقته بهذا فأدرك الجواب، فروى الجواب ولم يحفظ المسالة، أو شك فيها) (١). ب-قال الطحاوي: ( … وكانت الحجة لهم في تأويل حديث ابن عباس-﵄ عن أسامة ﵁ الذي ذكرنا في الفصل الأول أن ذلك الربا إنما عنى به ربا القرآن الذي كان أصله في النسيئة، وذلك أن الرجل كان يكون له على صاحبه الدين، فيقول له: أجلني منه إلى كذا وكذا بكذا وكذا درهماً أزيدكها في دينك، فيكون مشترياً لأجل بمال، فنهاهم الله عن ذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). ثم جاءت السنة بعد ذلك بتحريم الربا في التفاضل، في الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وسائر الأشياء المكيلات والموزونات على ما ذكره عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ ، فيما رويناه عنه فيما تقدم من كتابنا هذا في" باب بيع الحنطة بالشعير" فكان ذلك ربا حرم بالسنة، وتواترت به الآثار عن رسول الله ﷺ حتى قامت بها الحجة. والدليل على أن ذلك الربا المحرم في هذه الآثار، هو غير الربا والذي رواه ابن عباس عن أسامة-﵃-عن رسول الله ﷺ رجوع ابن عباس-﵄ إلى ما حدثه به أبو سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ ، مما قد ذكرناه في هذا الباب. فلو كان ما حدثه به أبو سعيد ﵁ من ذلك في المعنى الذي كان أسامة ﵁ حدثه به إذاً لما كان حديث أبي سعيد عنده بأولى من حديث أسامة ﵁.

стр. 1907

ولكنه لم يكن علم بتحريم رسول الله ﷺ هذا الربا حتى حدثه به أبو سعيد ﵁. فعلم أن ما كان حدثه به أسامة ﵁ عن رسول الله ﷺ كان في ربا غير ذلك الربا) (١). ثانياً: إن ما يُستدل منه على حصر الربا في النسيئة ونفيه عن الفضل قد ورد بألفاظ مختلفة، لكن إن كان المقصود به حصر الربا في النسيئة، ونفيه عن الفضل فإنه يكون منسوخاً بالأحاديث الدالة على حرمة الربا في الفضل؛ لتأخرها عليه؛ لأن إحدى طرق حديث البراء ﵁ جاء فيه ما يدل على أن ذلك-أي عدم الربا في الفضل-كان في أوائل الهجرة حين مقدم النبي ﷺ المدينة، وقد جاء في حديث فضالة بن عبيد، وعبادة بن الصامت-﵄-أن النبي ﷺ نهى عن ربا الفضل بعد فتح خيبر. والمتأخر يكون ناسخاً للمتقدم (٢). ثالثاً: ولأن أهل العلم بعد عصر الصحابة-﵃ أجمعوا على حرمة ربا الفضل كحرمة ربا النسيئة، كما سبق بيانه، وإجماعهم ذلك يدل على أحد أمرين: إما لأن ما يستدل منها على حصر الربا في النسيئة، ليس المقصود منها الحصر ونفي الربا في الفضل. وإما أنها تدل على ذلك إلا أنها قد نسخت فأجمع أهل العلم على ترك العمل بها. والله أعلم.

стр. 1908

المطلب السادس: بيع العرايا ذهب بعض الحنفية إلى أن بيع العرية (١) بمعنى أن يبع صاحب العرية ثمرة عريته بالتمر خرصاً، قد نسخ؛ لذلك لا يجوز بيع العرايا (٢). والقول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، لكن السبب الأصلي لاختلاف أهل العلم فيها هو اختلافهم في المفهوم من الأحاديث الواردة في العرايا (٣).

стр. 1909

ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عبد الله بن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الثمر حتى يبدوَ صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر» (١). وفي رواية عنه ﵁ (أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة). والمزابنة (٢) بيع الثمر بالتمر كيلاً، وبيع الكرم بالزبيب كيلاً (٣). ثانياً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ يقول: (نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة والمحاقلة). والمزابنة اشتراء الثمر في رؤوس النخل، والمحاقلة (٤) كراء الأرض (٥).

стр. 1910

ثالثاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ (ينهى عن المزابنة والحقول). فقال جابر بن عبد الله ﵁: المزابنة الثمر بالتمر، والحقول كراء الأرض (١). رابعاً: عن ابن عباس-﵄-قال: (نهى النبي ﷺ عن المحاقلة والمزابنة) (٢). خامساً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تبتاعوا الثمر حتى يبدوَ صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالتمر» (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على النهي عن بيع الثمر بالتمر، وهو يشمل العرية؛ لأنها يكون فيها بيع الرطب خرصاً بالتمر كيلاً. لذلك يكون ما يدل على جواز بيع العرية منسوخاً بهذه الأحاديث (٤). واعترض عليه: بأن الرخصة في بيع العرية متأخر عن النهي عن بيع الثمر بالتمر، والمنسوخ لا يكون بعد الناسخ (٥).

стр. 1911

هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. ولم يختلف أهل العلم في صحة الأحاديث الواردة في الرخصة في بيع العرايا و تواترها (١)، إلا أنهم اختلفوا في تأويل ذلك على قولين: القول الأول: إن بيع المعرى له ثمرته على رؤوس النخل خرصاً بالتمر كيلاً على المعري أو على غيره لا يجوز؛ لأنه من المزابنة، وهي منهي عنها لما يؤدي إلى الربا. وإنما العرية التي جاءت الرخصة ببيعها هي: أن يعري الرجل الرجل ثمر نخلة من نخله، ويأذن له في أخذها، فلا يفعل حتى يبدو لصاحب النخلة أن يمنعه من ذلك، ويعوضه منها خرصها تمراً. فرخص له أن يحبس ذلك ويعطيه مكانه خرصه تمراً؛ لأن المعرى لم يكن ملكه، فهي رد لعطية لم يقبضها الموهوب له، وإبدالها بغيرها، وهو جائز. وسمي بيعاً لإعطاء العوض عما حبسه. وهذا هو مذهب الحنفية (٢). القول الثاني: إنه يجوز للمعرى بيع العرية بخرصها تمراً. وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وقول الأوزاعي،

стр. 1912

وإسحاق وابن المنذر، وجمهور أهل العلم (١). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو عدم جواز بيع المعرى عريته خرصاً بالتمر كيلاً- بما يلي: أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث ابن عمر، وأبي سعيد، وجابر، وابن عباس، وأبي هريرة-﵃ والتي تدل على النهي عن المزابنة، وبيع الثمر بالتمر. فهي تشمل بيع المعرى له عريته خرصاً بالتمر كيلاً. ثانياً: عن عبد الله بن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الثمر حتى يبدوَ صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر» (٢). قال سالم: وأخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت: (أن رسول الله ﷺ رخص بعد ذلك في بيع العرايا بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غيره) (٣). وفي رواية عن زيد بن ثابت ﵁: (أن رسول الله ﷺ رخص لصاحب

стр. 1913

العرية أن يبيعها بخرصها من التمر) (١). وفي رواية أخرى عنه ﵁: (أن رسول الله ﷺ رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً يأكلونها رطباً) (٢). ثالثاً: عن جابر ﵁ قال: (نهى النبي ﷺ عن بيع الثمر حتى يطيب، ولا يُباع شيء منه إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا) (٣). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق) (٤). خامساً: عن سهل بن أبي حثمة ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: «ذلك الربا، تلك المزابنة» إلا أنه رخص في بيع العرية

стр. 1914

النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً، يأكلونها رطباً (١). ووجه الاستدلال من هذه الأدلة: هو أن هذه الأحاديث تدل على جواز بيع العرية، وما سبق في دليل القول بالنسخ يدل على منعها، فيجمع بينهما بأن يحمل ما يدل على الجواز على أن يعري الرجلُ الرجلَ ثمر نخلة من نخله، ويأذن له في أخذها، فلا يفعل حتى يبدو لصاحب النخلة أن يمنعه من ذلك، ويعوضه منها خرصها تمراً. فرخص له أن يحبس ذلك ويعطيه مكانه تمراً؛ لأن المعرى لم يكن ملكه، فهي رد لعطية لم يقبضها الموهوب له، وإبدالها بغيرها، وهو جائز. وسمي بيعاً لإعطاء العوض عما حبسه (٢). واعترض عليه بما يلي: أ-إنه يفهم مما ذكر أن العرية هي العطية وأنه لا تطلق على غيرها، وهذا غير صحيح؛ لأن العرية لها صور كثيرة، منها: ١ - أن يقول الرجل لصاحب حائط: بعني ثمرات نخلات بأعيانها بخرصها من التمر، فيخرصها ويبيعه ويقبض منه التمر، ويسلم إليه النخلات بالتخلية فينتفع برطبها. ٢ - أن يهب صاحب الحائط لرجل نخلات أو ثمر نخلات معلومة من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها ويشتري منه رطبها بقدر خرصه

стр. 1915

بتمر يعجله له. ٣ - أن يهب صاحب الحائط لرجل نخلات أو ثمر نخلات معلومة من حائطه، فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمراً، ولا يحب أكلها رطباً لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب أو من غيره بتمر يأخذه معجلاً. ٤ - أن يبيع الرجل ثمر حائطه بعد بدو صلاحه، ويستثني منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله وهي التي عفي له عن خرصها في الصدقة، وسميت عرايا لأنها أعريت من أن تخرص في الصدقة، فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها ٥ - أن يعري رجل رجلاً تمر نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها، وهذه هي هبة مخصوصة. وجميع هذه الصور صحيحة عند جمهور أهل العلم، وبالتالي يكون العرية بالهبة والعطية كما يكون بالبيع، وذلك رخصة من الشارع، ومستثناة من المزابنة وبيع الثمر بالتمر، كما يفيده غير ما حديث (١). ب-ولأنه عبر عن بيع العرية بالرخصة، والرخصة لا تكون إلا بعد

стр. 1916

ممنوع، والمنع إنما كان في البيع لا الهبة (١). ج- إن حمل الرخصة في العرية على الهبة بعيد؛ لتصريح الحديث بالبيع واستثناء العرايا منه، فلو كان المراد الهبة لما استثنيت العرية من البيع (٢). د-إن الرخصة قيدت بخمسة أوسق أو مادونها، والهبة لا تتقيد (٣). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو جواز بيع العرية- بما سبق من حديث زيد بن ثابت، وأبي هريرة، وجابر، وسهل بن أبي حثمة-﵃ في دليل القول السابق. ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث إن بعضها يدل على أن بيع العرية رخصة رخص رسول الله ﷺ فيه مع نهيه عن بيع المزابنة وبيع الثمر بالتمر. وبعضها يدل على أن الرخصة في بيع العرايا كان بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر. وبعضها يدل على أن بيع العرايا مستثناة من النهي عن بيع المزابنة وبيع الثمر بالتمر. ثم جملة تلك الأحاديث صريحة في بيع العرية. وبعضها يدل على أن من صورها هي: أن يشتري أهل البيت ثمر النخل بخرصها تمراً ليأكلوها رطباً (٤).

стр. 1917

الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو جواز بيع العرايا، كما هو القول الثاني، وذلك لما يلي: أ-لأن أدلة هذا القول ظاهرة وصريحة في الدلالة على جواز بيع العرايا، وأنه مستثنى من النهي عن المزابنة وبيع الثمر بالتمر. ب-ولأن من أدلة هذا القول ما يدل على أن العرية ليست منحصرة في الهبة والعطية، بل منها ما يكون بشراء الرطب خرصاً بالتمر كيلاً، ليأكلها أهل البيت رطباً. وهو ينافي وجه استدلال القول الأول حيث حصروا العرية في العطية والهبة، وقالوا: إن المراد ببيع العرية هي رد العطية وإعطاء عوض عنها. ج-ولأن حمل الأحاديث الدالة على بيع العرايا على إرجاع الهبة والعطية، بدليل توافقها مع أحاديث النهي عن المزابنة غير صحيح، لما يلي: ١ - لأنه ترك لحقيقة اللفظ وصريحه وحمل له على احتمال بعيد كل البعد (١). ٢ - ولأنه لا تعارض بين الأحاديث الدالة على جواز بيع العرايا وبين أحاديث النهي عن المزابنة وبيع الثمر بالتمر؛ لأن مع الأحاديث الدالة على

стр. 1918

جواز بيع العرايا ما يدل على أنه مستثنى ومخصوص من المزابنة، وأن بيع العرايا رخصة رخص فيه رسول الله ﷺ مع نهيه عن المزابنة أو بعد النهي عن المزابنة، كما يدل عليه بعض الأحاديث. ثانياً: إن القول بأن الأحاديث الدالة على جواز بيع العرايا منسوخة بالنهي عن المزابنة وبيع الثمر بالتمر غير صحيح، وذلك لما يلي: أ- لأن مع الأحاديث الدالة على جواز بيع العرايا ما يدل على أن ذلك كان بعد النهي عن المزابنة وبيع الثمر بالتمر، ولا يصح كون المتقدم ناسخاً للمتأخر بلا خلاف (١). ب- إنه لا تعارض بين أحاديث النهي عن المزابنة وأحاديث جواز بيع العرايا حتى تكون ناسخة لها؛ لأن بيع العرايا رخص فيه رسول الله ﷺ مع النهي عن المزابنة، فهو مستثنى من عموم النهي عن المزابنة، فيحمل العام على ما عدا محل الخصوص. والله أعلم.

стр. 1919

المطلب السابع: العارية ذهب بعض أهل العلم إلى أن العارية (١) كانت واجبة في أول الإسلام، ثم نسخ وجوبها فصارت مستحبة (٢). وممن صرح بالنسخ: الروياني (٣). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، لكن السبب الأصلي لاختلافهم فيها هو تعارض الأدلة (٤). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٥).

стр. 1920

ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابياً أتى النبي ﷺ فقال: دُلّني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: «تعبدُ الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلمّا ولّى قال النبي ﷺ : «من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» (١). ثالثاً: عن طلحة بن عبيد الله ﵁ يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فإذا هو يسأله عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «خمس صلواتٍ في اليوم والليلة» قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطّوّع». فقال رسول الله ﷺ : «وصيام شهر رمضان»، فقال: هل عليّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطّوّع»، قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق» (٢). رابعاً: عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر-﵄، فقال أعرابي: أخبرني عن قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، قال ابن عمر: (من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له. إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلمّا أُنزلت جعلها الله طُهراً للأموال) (٣).

стр. 1921

خامساً: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أديت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك» (١). سادساً: عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شرّه» (٢). سابعاً: عن فاطمة بن قيس-﵂ مرفوعاً: «ليس في المال حق سوى الزكاة» (٣). ثامناً: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نسخ الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة» (٤). ويستدل منها على النسخ: بأن الآية الكريمة تدل على وجوب العارية؛ حيث ذم الله من يمنع العارية؛ لأن الماعون العارية وما فيه منفعة من الفأس، والقدر، والدلو، ونحوه (٥). والأدلة المذكورة بعد الآية الكريمة تدل على أنه ليس في المال حقاً سوى الزكاة، وهي عامة تشمل العارية وغيرها، فتكون تلك الأدلة ناسخة لوجوب العارية؛ لأن تلك الآية الكريمة مكية، ووجوب الزكاة كان بعد الهجرة (٦).

стр. 1922

واعترض عليه: بأن الآية الكريمة اختلف في تأويلها، فقيل: المراد بها العارية، وقيل: المراد بها الزكاة، والصدقة المفروضة. كما قيل أن الآية وردت في المنافقين. ثم إن العارية قد تجب عند الضرورة على ما قاله غير واحد من أهل العلم (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم العارية على قولين: القول الأول: العارية مستحبة ومندوب إليها، وليست واجبة على الأصل. وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة (٢). القول الثاني: العارية واجبة. وهو قول بعض أهل العلم (٣).

стр. 1923

الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أن العارية مستحبة، وليست واجبة- بأدلة منها الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ فإنها تدل على أن المال لا يجب فيه حق سوى الزكاة، وهي عامة تشمل العارية وغيرها، إلا أنها تجب أحياناً عند الضرورة، إلا أن الأصل فيها هو عدم الوجوب (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن العارية تجب- بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢). قال ابن مسعود ﵁: (هو العواري: القدر والدلو، والميزان) (٣). وفي رواية عنه ﵁ أنه قال لما سُئل عن الماعون: (ما يتعاطى الناس بينهم من الفأس والقدر والدلو وأشباه ذلك) (٤). ثانياً: عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يُؤدى حقها، إلا أُقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر، تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذٍ

стр. 1924

جمّاء ولا مكسورة القرن». قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: «إطراق فحلها، وإعارة دلوها. ومنيحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله» الحديث (١). ووجه الاستدلال منهما: هو أن الله ذم مانع العارية، وتوعده رسول الله ﷺ بما ذكر في الخبر، فدلا على وجوب العارية (٢). واعترض عليه بما يلي: أ-بأن الآية الكريمة اختلف في تأويلها، فبعض أهل العلم أولها بالزكاة والصدقات المفروضة، وبعضهم جعلها أعم من ذلك، ثم يمكن أن يكون المراد بالذم فيها من يمنع العارية عند الضرورة، كما تحتمل الحديث هذا الاحتمال (٣). ب- إنهما على تقدير أن يراد بهما وجوب العارية فإنهما تحتملان أن يكونا منسوخين بالأدلة التي تدل على أن المال لا يجب فيه حق سوى الزكاة؛ لأن هذه الآية مكية، وتلك الأدلة بعد وجوب الزكاة، وهو كان بعد الهجرة (٤). الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي- والله أعلم

стр. 1925

بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لما يلي: أولاً: للأدلة التي تدل على أنه لا يجب في المال حق سوى الزكاة، واحتمال أن يراد بأدلة القول الثاني وجوب العارية عند الضرورة، وهو لا ينافي استحبابها؛ لأن الأصل فيها هو الاستحباب، وقد تجب عند الضرورة لأجل الضرورة. ثانياً: ولاحتمال أن يكون ما يستدل منها على وجوبها منسوخاً بما يستدل منها على عدم وجوبها، كما قرره بعض أهل العلم، وقد سبق بيانه. والله أعلم.

стр. 1926

المبحث الثاني الرهن، والإجارة، والبيوع المنهي عنها . وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: الرهن يركب ويحلب بنفقته. المطلب الثاني: كسب الحجام. المطلب الثالث: بيع الحر في الدين. المطلب الرابع: بيع الحاضر للباد. المطلب الخامس: بيع الكلب.

стр. 1927

المطلب الأول: الرهن يركب ويحلب بنفقته ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز للمرتهن أن ينتفع بشيء من الرهن (١)، وأن ما يدل على جواز انتفاعه من الرهن بالركوب والحلب مقابل نفقة الرهن وعلفه فإنه منسوخ. وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (٢)، وأبو بكر الجصاص (٣)، وابن عبد البر (٤)، والسرخسي (٥). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٦). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٧). ثانياً: عن عائشة ﵂ قالت: (لما أنزلت الآيات في سورة البقرة في الربا خرج النبي ﷺ فقرأهن على الناس، ثم حرم تجارة الخمر) (٨).

стр. 1928

وفي رواية عنها ﵂-قالت: (لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله ﷺ على الناس، ثم حرم التجارة في الخمر) (١). ثالثاً: عن عبد الله بن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تُؤتى مشربتُه فتكسر خزانته فينتقل طعامه؟ فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» (٢). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» (٣). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كانت الدابة مرهونة

стр. 1929

فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشربه نفقته، ويركب» (١). ويستدل منها على النسخ بالوجوه التالية: أولاً: إن حديث أبي هريرة ﵁ يدل على أن للمرتهن أن يشرب من لبن الرهن، ويركب ظهره مقابل نفقته، وهذا هو من القرض الذي يجر نفعاً، فيكون حديث أبي هريرة ﵁ في وقت كان الربا مباحاً، ولم ينه عن القرض الذي يجر نفعاً، ثم حرم الربا، وحرم كل قرض جر نفعاً، فيكون حديث أبي هريرة ﵁ منسوخاً بنسخ الربا والنهي عن القرض الذي يجر نفعاً (٢). قالوا: ويؤيد ذلك: أن الشعبي وهو الراوي عن أبي هريرة ﵁ حديث انتفاع المرتهن بالرهن، قد رُوي عنه أنه قال: (لا ينتفع من الرهن بشيء) (٣). فدل مخالفته ذلك لما رواه من الحديث أنه منسوخ عنده وإلا لما خالفه وإلا لكان قدحاً في عدالته، فيرد به ما رواه من الحديث (٤).

стр. 1930

ثانياً: من وجوه النسخ: إن حديث أبي هريرة ﵁ يدل على أن للمرتهن أن يشرب من لبن الرهن ويركب ظهره بدون إذن الراهن، وحديث ابن عمر ﵁ يدل على النهي عن أن يحلب أحد ماشية أحد بغير إذنه، فيكون حديث أبي هريرة ﵁ منسوخاً بحديث ابن عمر ﵁ (١). ويعترض على وجهي النسخ بما يلي: أ- إنه لا يعرف أن حديث ابن عمر ﵁ أوالنهي عن الربا جاء بعد حديث أبي هريرة ﵁ حتى يكون منسوخاً بذلك، وما ذكر احتمال، والنسخ لا يثبت به (٢). ب- إن النهي عن الربا وعن القرض الذي يجر نفعاً، وكذلك عن أن يحلب أحد ماشية أحد بغير إذنه أدلة عامة، وحديث انتفاع المرتهن من الرهن بالحلب والركوب مقابل نفقته خاص، فيحمل العام على ما عدا محل الخصوص، فلا يكون بينهما تعارض ولا يكون هناك داعياً للنسخ (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في ركوب المرتهن الرهن وحلبه إياه مقابل نفقته على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز للمرتهن أن ينتفع من الرهن بالركوب ولا
следующие страницы →