← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

المبحث الثاني الرهن، والإجارة، والبيوع المنهي عنها . وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: الرهن يركب ويحلب بنفقته. المطلب الثاني: كسب الحجام. المطلب الثالث: بيع الحر في الدين. المطلب الرابع: بيع الحاضر للباد. المطلب الخامس: بيع الكلب.

стр. 1927

المطلب الأول: الرهن يركب ويحلب بنفقته ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز للمرتهن أن ينتفع بشيء من الرهن (١)، وأن ما يدل على جواز انتفاعه من الرهن بالركوب والحلب مقابل نفقة الرهن وعلفه فإنه منسوخ. وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (٢)، وأبو بكر الجصاص (٣)، وابن عبد البر (٤)، والسرخسي (٥). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٦). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٧). ثانياً: عن عائشة ﵂ قالت: (لما أنزلت الآيات في سورة البقرة في الربا خرج النبي ﷺ فقرأهن على الناس، ثم حرم تجارة الخمر) (٨).

стр. 1928

وفي رواية عنها ﵂-قالت: (لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله ﷺ على الناس، ثم حرم التجارة في الخمر) (١). ثالثاً: عن عبد الله بن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تُؤتى مشربتُه فتكسر خزانته فينتقل طعامه؟ فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» (٢). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» (٣). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كانت الدابة مرهونة

стр. 1929

فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشربه نفقته، ويركب» (١). ويستدل منها على النسخ بالوجوه التالية: أولاً: إن حديث أبي هريرة ﵁ يدل على أن للمرتهن أن يشرب من لبن الرهن، ويركب ظهره مقابل نفقته، وهذا هو من القرض الذي يجر نفعاً، فيكون حديث أبي هريرة ﵁ في وقت كان الربا مباحاً، ولم ينه عن القرض الذي يجر نفعاً، ثم حرم الربا، وحرم كل قرض جر نفعاً، فيكون حديث أبي هريرة ﵁ منسوخاً بنسخ الربا والنهي عن القرض الذي يجر نفعاً (٢). قالوا: ويؤيد ذلك: أن الشعبي وهو الراوي عن أبي هريرة ﵁ حديث انتفاع المرتهن بالرهن، قد رُوي عنه أنه قال: (لا ينتفع من الرهن بشيء) (٣). فدل مخالفته ذلك لما رواه من الحديث أنه منسوخ عنده وإلا لما خالفه وإلا لكان قدحاً في عدالته، فيرد به ما رواه من الحديث (٤).

стр. 1930

ثانياً: من وجوه النسخ: إن حديث أبي هريرة ﵁ يدل على أن للمرتهن أن يشرب من لبن الرهن ويركب ظهره بدون إذن الراهن، وحديث ابن عمر ﵁ يدل على النهي عن أن يحلب أحد ماشية أحد بغير إذنه، فيكون حديث أبي هريرة ﵁ منسوخاً بحديث ابن عمر ﵁ (١). ويعترض على وجهي النسخ بما يلي: أ- إنه لا يعرف أن حديث ابن عمر ﵁ أوالنهي عن الربا جاء بعد حديث أبي هريرة ﵁ حتى يكون منسوخاً بذلك، وما ذكر احتمال، والنسخ لا يثبت به (٢). ب- إن النهي عن الربا وعن القرض الذي يجر نفعاً، وكذلك عن أن يحلب أحد ماشية أحد بغير إذنه أدلة عامة، وحديث انتفاع المرتهن من الرهن بالحلب والركوب مقابل نفقته خاص، فيحمل العام على ما عدا محل الخصوص، فلا يكون بينهما تعارض ولا يكون هناك داعياً للنسخ (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في ركوب المرتهن الرهن وحلبه إياه مقابل نفقته على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز للمرتهن أن ينتفع من الرهن بالركوب ولا

стр. 1931

بالحلب ولا بغيره. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، وقول جمهور أهل العلم (٥). القول الثاني: للمرتهن أن ينفق عليه، ويركب ويحلب بقدر نفقته متحرياً للعدل في ذلك. وهو مذهب الحنابلة (٦)، وقول إسحاق بن راهوية (٧). القول الثالث: إن الراهن إذا امتنع عن الإنفاق على الرهن فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر النفقة، وإن لم يمتنع عن الإنفاق فليس له ذلك. وهو قول الأوزاعي، والليث، وأبي ثور (٨).

стр. 1932

الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو عدم جواز انتفاع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب وبغيره- بما يلي: أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من الآية الكريمة وحديث عائشة-﵂-الدالان على تحريم الربا. وكل قرض جر نفعاً فهو ربا. ثانياً: حديث ابن عمر-﵂-الدال على نهي أن يحلب أحد ماشية أحد بغير إذنه، وقد سبق ذكره كذلك في دليل القول بالنسخ. ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يغلق الرهن له غنمه، وعليه غرمه» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: «لا يغلق الرهن، والرهن لمن رهنه، له غنمه، وعليه غرمه» (٢).

стр. 1933

ووجه الاستدلال منها: أن انتفاع المرتهن من الرهن بالركوب أو الحلب من القرض الذي يجر نفعاً وهو من الربا، وهو منهي عنه، كما أن فيه حلب ماشية الغير بغير إذنه، وهو كذلك منهي عنه. ولبن الرهن والركوب عليه من غنمه، وهو للراهن كما يدل عليه حديث أبي هريرة ﵁. فيثبت من مجموع هذه الأدلة عدم جواز انتفاع المرتهن من الرهن بشيء؛ لأنه للراهن، وله غنمه، وعليه غرمه (١). واعترض عليه: بأن هذه أدلة عامة، وما يدل على أن للمرتهن أن يركب ويحلب الرهن مقابل نفقته خاص، فيخص عمومها به (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن للمرتهن أن ينفق على الرهن، ويركب ويحلب بقدر نفقته متحرياً للعدل في ذلك- بحديث أبي هريرة ﵁ الدال على أن للمرتهن أن ينتفع من الرهن بالركوب وشرب اللبن مقابل نفقته، وقد سبق ذكره في دليل القول بالنسخ؛ فإنه صريح في الدلالة عليه (٣).

стр. 1934

دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أن الراهن إذا امتنع عن الإنفاق على الرهن فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر النفقة، وإن لم يمتنع عن الإنفاق فليس له ذلك-بأدلة القولين السابقين. وذلك بحمل أدلة القول الأول على ما إذا لم يمتنع الراهن من الإنفاق على الرهن، وحمل دليل القول الثاني على ما إذا امتنع عن الإنفاق عليه (١). ويعترض عليه: بأن الحديث مطلق وليس فيه ما يدل على أن ذلك يكون عند امتناع الراهن من الإنفاق على الرهن (٢). الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الثاني، وهو أن للمرتهن أن ينفق على الرهن، ويركب ويحلب بقدر نفقته متحرياً للعدل في ذلك، وذلك لأن دليل هذا القول مع صحته صريح في الدلالة عليه، وهو دليل خاص، فيكون مخصصاً لعموم ما يخالفه (٣). ثانياً: إن القول بنسخ ما يدل على أن للمرتهن أن ينفق على الرهن،

стр. 1935

ويركب ويحلب بقدر نفقته غير صحيح، وذلك لما يلي: أ- لأنه لا يعرف أن ما يدل على عدم جواز انتفاع المرتهن من الرهن بالحلب والركوب مقابل النفقة متأخر عما يدل على جوازه (١). ب- إن الجمع بين تلك الأدلة كلها ممكن كما سبق بيانه، ومع إمكان الجمع بين الأدلة يتعذر ادعاء النسخ (٢). والله أعلم.

стр. 1936

المطلب الثاني: كسب الحجام ذهب بعض أهل العلم إلى أن كسب الحجام حلال، وأن ما يدل على أنه خبيث أو حرام فإنه قد نسخ. وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (١)، وابن عبد البر (٢)، ومحمد بن أحمد القرطبي (٣)، والرازي (٤)، وأبو إسحاق الجعبري (٥). ونسبه الحازمي إلى أكثر أهل العلم (٦). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن تعارض الآثار الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٧). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن رافع بن خديج ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البغِيِّ خبيث، وكسب الحجام خبيث» (٨).

стр. 1937

ثانياً: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن كسب الحجام) (١). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن كسب الحجام، وكسب البغِيِّ، وثمن الكلب) الحديث (٢). رابعاً: عن عون بن أبي جحيفة (٣)، قال: رأيت أبي (٤) اشترى حجاماً فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألته عن ذلك فقال: (إن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن

стр. 1938

الدم، وثمن الكلب، وكسب الأمة، ولعن الواشمة (١) والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، ولعن المصور) (٢). خامساً: عن محيِّصة (٣) ﵁ أنه استأذن النبي ﷺ في إجارة الحجام، فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال: «اعلفه ناضحك (٤) وأطعمه رقيقك» (٥). وفي رواية عنه ﵁: (أنه استأذن رسول الله ﷺ يعني في كسب الحجام فمنعه إياه من أجل أنه ثمن الدم، فلم يزل يراجع رسول الله ﷺ حتى أذن له

стр. 1939

أن يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه) (١). سادساً: عن ابن عباس-﵄-قال: (احتجم النبي ﷺ وأعطى الذي حجمه، ولو كان حراماً لم يعطه) (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: (حجم النبي ﷺ عبد لبني بياضة، فأعطاه النبي ﷺ أجره، وكلم سيده فخفف عنه من ضريبته، ولو كان سحتاً لم يعطه النبي ﷺ (٣). سابعاً: عن أنس ﵁ قال: (دعا النبي ﷺ غلاماً حجاماً فحجمه، وأمر له بصاع أو صاعين، أو مد أو مدين، وكلم فيه فخُفف من ضريبته) (٤). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث رافع بن خديج، وأبي مسعود البدري، وأبي هريرة، وأبي جحيفة-﵃-يدل على النهي عن كسب الحجام وعلى تحريمه. وحديث ابن عباس، وأنس-﵃-يدل على حله، فيكون ما يدل على الحل ناسخاً لما يدل على النهي والتحريم؛ لأن ما يدل على الحل متأخر؛ يدل على ذلك حديث محيصة؛ حيث إنه يدل

стр. 1940

على أن النبي ﷺ نهاه عن كسب الحجام أولاً، ثم أمره بأن يعلفه ناضحه ورقيقه، فدل ذلك على حله؛ لأن ما يحل أكله للرقيق يحل أكله للأحرار، فثبت منه حل كسب الحجام وتأخره على النهي والتحريم، فيكون ذلك ناسخاً له (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في كسب الحجام وأجره على قولين: القول الأول: أن أجر الحجام وكسبه جائز وحلال، وإن التنزه عنه أولى. وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وقول ابن عباس ﵁، و عكرمة، والقاسم، وربيعة، ويحيى الأنصاري، وجمهور

стр. 1941

أهل العلم (١). القول الثاني: إن كسب الحجام وأجره حرام. وهو رواية عن الإمام أحمد (٢)، وقول بعض أهل الظاهر ونفر من المحدثين (٣). وروى كراهة كسب الحجام عن: عثمان، وأبي هريرة، والحسن، والنخعي (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو حل كسب الحجام وأجره- بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث ابن عباس، وأنس، ومحيصة ﵃؛ حيث إن تلك الأحاديث تدل على أن كسب الحجام وأجره مباح غير حرام؛ إذ لو كان حراماً لما أعطى النبي ﷺ الحجام أجره؛ لأنه ﷺ لا يؤكِّل إلا ما يحل أكله، كما يدل على حله الأمر بإطعامه الرقيق، وهم آدميون يحرم عليهم أكل ما حرمه الله كما يحرم على الأحرار، كما أن الأحرار متعبدون فيهم كما تعبدوا في أنفسهم (٥).

стр. 1942

دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو تحريم كسب الحجام وأجره-بأدلة منها ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث رافع بن خديج، وأبي مسعود البدري، وأبي هريرة، وأبي جحيفة-﵃؛ حيث إنها تدل على النهي عن كسب الحجام، وعلى أنه خبيث، وهو ظاهر في التحريم (١). واعترض عليه بما يلي: أ-بأن تسمية كسب الحجام خبيثاً لا يلزم منه التحريم، فقد سمى النبي ﷺ الثوم والبصل خبيثين، مع أنهما مباحان (٢). وأن النهي قد يكون للتنزيه لا التحريم، وحمله عليه هنا أولى؛ للأحاديث الدالة على الجواز والحل (٣). ب- إنه على تقدير أن المراد بتلك الأحاديث التحريم فإنها تكون منسوخة بما يدل على الحل والجواز؛ لأن معه ما يدل على تأخره كما سبق بيانه (٤). الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة يظهر لي -والله أعلم بالصواب- أن

стр. 1943

الراجح هو القول الأول، وهو أن كسب الحجام وأجره مباح وحلال مع أن التنزه عنه أولى، وذلك لما يلي: أولاً: لأن أدلة هذا القول تدل على حل كسب الحجام وأجره، وهي صحيحة وغير محتملة إلا هذا المعنى. بخلاف أدلة القول الثاني، فإنها تحتمل أن يكون المراد بها التحريم، وتحتمل أن يكون المراد بها التنزيه كما سبق بيانه، وحمله على هذا الاحتمال أولى جمعاً بين الأدلة كلها. ثانياً: إن أدلة القول الثاني إن كان المراد بها التحريم فإنها تكون منسوخة بما يدل على إباحة كسب الحجام وأجره. ويدل على تأخر ما يدل على الجواز حديث محيصة ﵁؛ حيث إن الأمر فيه بإطعامه الرقيق كان بعد النهي عن أجره، كما سبق بيانه. ثالثاً: ولأن بعض أهل العلم حكى الإجماع على حل كسب الحجام وأجره، وهو وإن كان موضع نظر لما سبق من الاختلاف في المسألة، إلا أنه يقوى احتمال كون ما يدل على النهي أن يكون منسوخاً أو محمولاً على الكراهة التنزيهية (١). والله أعلم.

стр. 1944

المطلب الثالث: بيع الحر في الدين . ذهب بعض أهل العلم إلى أنه كان في أول الإسلام يُباع من عليه دين فيما عليه من الدين إذا لم يكن له مال يقضي به دينه، ثم نسخ ذلك؛ لذلك لا يجوز بيع الحر ولا استرقاقه في الدين (١). وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (٢)، وابن الهمام (٣). وجمهور أهل العلم وإن لم يصرحوا بالنسخ أولم يذهبوا إليه إلا أنه لا خلاف بينهم جميعاً في أنه لا يباع الحر في الدين ولا يسترق فيه (٤). ويستدل لما سبق بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٥). ثانياً: عن عبد الرحمن بن البيلماني (٦)، قال: كنت بمصر فقال لي رجل:

стр. 1945

ألا أدلك على رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فذهب بي إلى رجل، فقلت: ممن أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا سُرق (١)، فقلت: رحمك الله، ما ينبغي لك أن تسمى بهذا الاسم وأنت رجل من أصحاب رسول الله ﷺ . فقال: إن رسول الله ﷺ سماني سرق، فلن أدع ذلك أبداً. قلت: ولم سماك سرق؟ قال: لقيت رجلاً من أهل البادية ببعيرين له يبيعهما، فابتعتهما منه، وقلت له: انطلق معي حتى أعطيك، فدخلت بيتي، ثم خرجت من خلف لي، وقضيت بثمن البعيرين حاجتي، وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي قد خرج. فخرجت والأعرابي مقيم، فأخذني فقدمني إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته الخبر. فقال رسول الله ﷺ : «ما حملك على ما صنعت؟» قلت: قضيت بثمنهما حاجتي يا رسول الله، قال: «فاقضه» قال: قلت: ليس عندي، قال: «أنت سرق، اذهب به يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك». قال: فجعل الناس يسوِّمونه فيَّ ويلتفت إليهم فيقول: ما ذا تريدون؟ فيقولون: نريد أن نبتاعه منك. قال: فوالله إن منكم أحد أحوج إليه مني، اذهب فقد أعتقتك (٢).

стр. 1946

ثالثاً: عن زيد بن أسلم، قال: لقيت رجلاً بالأسكندرية، يقال له سُرق، فقلت: ما هذا الاسم؟ فقال: سمانيه رسول الله ﷺ ، قدمت المدينة فأخبرتهم أنه يقدم لي مال فبايعوني، فاستهلكت أموالهم، فأتوا بي النبي ﷺ فقال: «أنت سرق» فباعني بأربعة أبعرة، فقال له غرماؤه: ما يصنع به؟ قال: أعتقه. قالوا: ما نحن بأزهد في الأجر منك، فأعتقوني (١). رابعاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن رسول الله ﷺ باع حراً أفلس) (٢).

стр. 1947

خامساً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه. فقال رسول الله ﷺ : «تصدقوا عليه» فتصدق الناس عليه. فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» (١). سادساً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه. ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» (٢). ويستدل منها على عدم جواز بيع الحر، وعلى نسخ بيعه في الدين: بأن ما روي عن سرق وأبي سعيد الخدري ﵄-يدلان على أن الحر كان يباع في الدين إذا لم يكن له مال يوفي منه دينه، فنسخ الله ذلك وأمر بالانتظار إلى ميسرته، ويؤكد ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الأخير؛ حيث إن الرجل الذي أصيب في ثمار ابتاعها وكثرت ديونه قال رسول الله ﷺ لغرمائه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك»، كما يدل حديث أبي هريرة ﵁ على عدم جواز بيع الحر.

стр. 1948

فيثبت من مجموع هذه الأدلة عدم جواز بيع الحر، وأن ما يدل على جواز بيعه في الدين قد نسخ (١). هذا وإن الأحاديث التي رويت في بيع الحر في الدين وإن صحح بعضها بعض أهل العلم، إلا أن جميعها متكلم فيها، فإن صح منها شيء فتكون منسوخة بالأدلة التي تدل على أن المفلس والمديون الذي لا يجد من المال ما يوفى منه ديونه لا يباع في الدين، بل إن الغرماء يأخذون ما يجدون، وينتظرون ميسرته فيما لا يجدون، وأنه ليس لهم إلا ذلك (٢). والله أعلم.

стр. 1949

المطلب الرابع: بيع الحاضر للباد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز بيع الحاضر للباد، وأن النهي عنه قد نسخ (١). نسب ذلك إلى عطاء، ومجاهد، وأبي حنيفة: النووي (٢)، وابن حجر (٣)، وأيده العيني (٤). ويدل على نحوه رواية عن الإمام أحمد (٥). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن تعارض عموم حديث النصيحة للمسلمين مع أحاديث النهي عن بيع الحاضر للبادي سبب آخر للاختلاف فيها (٦). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن تميم الداري أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة». قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٧).

стр. 1950

ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدين النصيحة» ثلاث مرار. قالوا: يا رسول الله لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١). ثالثاً: عن جرير بن عبد الله ﵁ يقول: بايعت رسول الله ﷺ فاشترط عليّ: «والنصح لكل مسلم» (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: (بايعت النبي ﷺ على السمع والطاعة، فلقَّنني: فيما استطعت، والنصح لكل مسلم) (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث فيها بيان أن الدين النصيحة، وهي عامة تشمل بيع الحاضر للباد وغيره، فتكون هذه الأحاديث ناسخة للنهي عن بيع الحاضر للباد، ويؤيد ذلك أن هذه الأحاديث عمل بها جميع الأمة، بخلاف ما يدل على النهي عن بيع الحاضر للباد؛ حيث لم يعمل الكل بها، فهو مما يدل على نسخها (٤).

стр. 1951

واعترض عليه بما يلي: أ-إنه إنما تصح دعوى النسخ عند العلم بتأخر الناسخ، وليس في هذه المسألة ما يدل على أن أحاديث النصيحة متأخرة على أحاديث النهي عن بيع الحاضر للباد (١). ب-إنه إنما تصح دعوى النسخ عند عدم إمكان الجمع بين الأدلة، وهنا يمكن الجمع بينها فلا حاجة لدعوى النسخ؛ وذلك لأن أحاديث النصيحة عامة، وأحاديث النهي عن بيع الحاضر للباد خاصة، والخاص يقضي على العام، فيعمل على العام فيما عدا محل الخصوص (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في بيع الحاضر للباد على قولين: القول الأول: يكره يبع الحاضر للبادي إن كان فيه ضرر على أهل البلد، وإلا فلا بأس به. وهو مذهب الحنفية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، ونحوه قول عطاء، ومجاهد (٥).

стр. 1952

القول الثاني: لا يجوز بيع الحاضر للبادي. وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وروى ذلك عن طلحة بن عبيد الله، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس بن مالك-﵃. وقال به عمر بن عبد العزيز، والليث، وأكثر أهل العلم (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو جواز بيع الحاضر للبادي إلا أن يكون فيه ضرر على أهل البلد فيكره- بما يلي: أولاً: الأحاديث التي فيها أن الدين النصيحة، وقد سبق ذكر بعضها في دليل القول بالنسخ. ثانياً: الأحاديث التي فيها النهي عن بيع الحاضر للبادي، ومنها: عن عبد الله بن عمر ﵄-قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يبع حاضر لباد) (٥).

стр. 1953

ووجه الاستدلال من هذه الأدلة: هو أن الأحاديث التي فيها أن الدين النصيحة، عامة، تشمل بيع الحاضر للباد وغيره، لذلك يجوز للحاضر أن يبيع للبادي نصحاً له، لكن إن كان في بيعه له ضرر على أهل البلد فيكره بيعه له؛ للأحاديث التي جاء فيها النهي عن بيع الحاضر للباد (١). ويعترض عليه: بأن الأحاديث التي فيها أن الدين النصيحة عامة، وأحاديث النهي عن بيع الحاضر للبادي خاصة، والخاص يقضي على العام، والنهي يكون للتحريم إلا أن يوجد ما يصرفه عنه، وليس هنا ما يصرف النهي عن التحريم إلى غيره (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو عدم جواز أن يبيع حاضر للبادي-بأدلة منها ما يلي: أولاً: حديث ابن عمر-﵄، وقد سبق ذكره في دليل القول السابق. ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: «لا يبع حاضر لباد» (٣).

стр. 1954

ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تلقَّوُا الركبان، ولا يبع حاضر لباد». قال: قلت لابن عباس: ما قوله: «لا يبع حاضر لباد»؟ قال: لا يكون له سمساراً (١). رابعاً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (نهينا أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أخاه أو أباه) (٢). خامساً: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يبع حاضر لباد. دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (٣). ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إنها تدل على نهي وتحريم أن يبيع حاضر لباد، حتى وإن كان أباه أو أخاه (٤).

стр. 1955

الراجح بعد ذكر الأقوال في المسألة وأدلتها، يظهر لي- والله أعلم بالصواب ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الثاني، وهو عدم جواز أن يبيع حاضر لباد، وذلك لما يلي: أ-لأن أدلة هذا القول نصوص صريحة تدل على عدم جواز أن يبيع حاضر لباد، بخلاف أدلة القول الأول. ب-لأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين هذه الأدلة كلها، وذلك لأن أدلة هذا القول أدلة خاصة، وأدلة القول الأول أدلة عامة، فيعمل على العام فيما عدا محل الخصوص (١). ثانياً: إن القول بأن ما يدل على نهي أن يبيع حاضر لباد منسوخ غير صحيح؛ وذلك لما يلي: أ-لأنه يمكن الجمع بين الأدلة في المسألة، كما سبق بيانه، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة تعذر ادعاء النسخ (٢). ب- إنه لا يوجد دليل يدل على أن أحاديث الدين النصيحة متأخرة على أحاديث النهي عن بيع الحاضر للباد، ودعوى النسخ إنما تصح عند العلم بتأخر الناسخ (٣). والله أعلم.

стр. 1956

المطلب الخامس: بيع الكلب ذهب جمع من الحنفية إلى جواز بيع الكلب وحل ثمنه (١)، وأن ما يدل على حرمة ثمنه قد نسخ. وممن صرح به: محمد بن الحسن (٢)، والطحاوي (٣)، والمرغناني (٤)، والعيني (٥)، وأيده ابن الهمام (٦). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن تعارض الأدلة سبب آخر لاختلافهم فيها (٧). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن جابر بن عبد الله-﵄-يقول: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله. ثم نهي النبي ﷺ عن قتلها، وقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان» (٨). ثانياً: عن ابن المغفل ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. ثم

стр. 1957

قال: «ما بالهم وبال الكلاب؟» ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم (١). ثالثاً: عن أبي رافع ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فاستأذن، فأذن له، فأخذ رداءه فخرج. فقال: «قد أذنّا لك يا رسول الله». قال: أجل يا رسول الله، ولكن لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب. فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. فأمر أبا رافع أن لا يدع كلباً بالمدينة إلا قتله، فإذا بامرأة في ناحية المدينة لها كلب يحرس عليها، قال: فرحمتها، فأتيت النبي ﷺ فأمرني بقتله، قال: ثم أتاه ناس من الناس فقالوا: ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [سورة المائدة: ٤] (٢). رابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁: (أن النبي ﷺ نهى ثمن الكلب والسنور) (٣). خامساً: عن جابر بن عبد الله-﵄: (أن رسول الله ﷺ

стр. 1958

نهى عن ثمن السنور، والكلب، إلا كلب صيد) (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب

стр. 1959

إلا الكلب المعلم) (١). سادساً: عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن كسب الحجام، وكسب البغِيِّ، وثمن الكلب) الحديث (٢). سابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد) (٣). ثامناً: عن جابر ﵁: (أنه نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد) (٤). تاسعاً: عن عبد الله بن عمرو-﵄: (أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهماً، وقضى في كلب ماشية بكبش) (٥). ويستدل من هذه الأدلة على النسخ: بأن النبي ﷺ كان أمر أولاً بقتل

стр. 1960

الكلاب، فكان بيعها وثمنها حراماً للأمر بقتلها وعدم الانتفاع بها، ثم نهى عن قتلها، وأذن في كلب صيد وماشية وزرع، فصارت منتفعاً بها فحل بيعها وثمنها، ونسخ بذلك عدم جواز بيعها، وحرمة ثمنها. ويؤكد ذلك ما جاء في بعض الروايات من استثناء ثمن كلب الصيد والكلب المعلم. وقضاء عبد الله بن عمرو ﵁ في الكلاب المقتولة بالقيمة، فلو لم ينسخ حرمة ثمنها لما قضى فيها بذلك. كما يؤكد نسخ حرمة ثمنها وعدم جواز بيعها ما روي عن جابر ﵁ موقوفاً من استثناء ثمن كلب الصيد، مع أنه روى حديث حرمة ثمن الكلب، فدل ذلك أنه علم نسخ حرمة ثمنها (١). ويعترض عليه: بأن الأمر بقتل الكلاب قد نسخ، لكن الاستدلال منه على نسخ عدم جواز بيعها وحرمة ثمنها احتمال، ولا يوجد ما يصرح به. وما جاء فيه استثناء ثمن كلب الصيد أو المعلم من حرمة ثمن الكلاب، فإنه متكلم فيه، والأحاديث التي جاء فيها حرمة ثمنها مطلقاً أصح منه وأقوى، ثم الاستثناء جاء في ثمن كلب الصيد، وليس عاماً في جميع الكلاب. وما صح وثبت عن رسول الله ﷺ مقدم على قول وقضاء كل من خالفه (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.

стр. 1961

وقد اختلف أهل العلم في جواز بيع الكلب وحل ثمنه على أقوال أشهرها أربعة وهي: القول الأول: يجوز بيع الكلب، ويحل ثمنه. وهو مذهب الحنفية (١). القول الثاني: لا يجوز بيع الكلب، ولا يحل ثمنه. وهو قول عند المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول الحسن، وربيعة، وحماد، والأوزاعي، وداود، وجمهور أهل العلم (٥). القول الثالث: يجوز بيع الكلاب التي ينتفع بها فقط. وهو قول آخر عند المالكية (٦).

стр. 1962

القول الرابع: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره. روي ذلك عن جابر ﵁، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي (١). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو جواز بيع الكلاب وحل ثمنها- بالأدلة التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ. وقد سبق كذلك وجه الاستدلال منها، وما يعترض به عليه. دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو عدم جواز بيع الكلب، وعدم حل ثمنه- بأدلة منها ما يلي: أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث جابر، وأبي هريرة-﵄ من نهي النبي ﷺ عن ثمن الكلب. ثانياً: عن رافع بن خديج ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البغِيِّ خبيث، وكسب الحجام خبيث» (٢). ثالثاً: عن عون بن أبي جحيفة، قال: رأيت أبي اشترى حجاماً فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألته عن ذلك فقال: (إن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب الأمة، ولعن الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا

стр. 1963

وموكله، ولعن المصور) (١). رابعاً: عن أبي مسعود الأنصاري ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغِيّ، وحلوان (٢) الكاهن (٣) (٤). خامساً: عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغيِّ» (٥). سادساً: عن ابن عباس ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الخمر، ومهر البغِيِّ، وثمن الكلب، وقال: «إذا جاء صاحبه يطلب ثمنه، فاملأ كفيه تراباً» (٦).

стр. 1964

ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث إن بعض هذه الأحاديث يدل على أن ثمن الكلب خبيث، وبعضها يدل على أن النبي ﷺ نهي عن ثمنه، وبعضها يدل على أن ثمنه لا يحل. فيثبت من مجموعها حرمة بيعها، وعدم حل ثمنها (١). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو جواز بيع الكلاب التي ينتفع بها فقط- بما يلي: أولاً: حديث جابر بن عبد الله-﵄: (أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن السنور، والكلب، إلا كلب صيد) (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا الكلب المعلم) (٣). ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد) (٤). ثالثاً: عن جابر ﵁: (أنه نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد) (٥).

стр. 1965

رابعاً: عن عبد الله بن عمرو-﵄: (أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهماً، وقضى في كلب ماشية بكبش) (١). ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأدلة تدل على حل ثمن الكلب المعلم، وكلب الصيد، وكلب الماشية. فيثبت منها أن ما ينتفع بها من الكلاب يحل بيعها وثمنها. أما ما لا ينتفع بها فلا يحل بيعها ولا ثمنها؛ للأحاديث التي جاء فيها النهي عن ثمنها (٢). واعترض عليه: بأن الروايات التي جاء فيها استثناء ثمن كلب الصيد أو المعلم من حرمة ثمن الكلاب، فإنها متكلم فيها، والأحاديث التي جاء فيها حرمة ثمنها مطلقاً أصح منها وأقوى. أما ما روي عن بعض الصحابة مما يدل على حل ثمن بعض الكلاب، فإن ما ثبت وصح عن رسول الله ﷺ مقدم على قول وقضاء كل من خالفه (٣). دليل القول الرابع ويستدل للقول الرابع- وهو حل ثمن كلب الصيد فقط- بما سبق من حديث جابر، وأبي هريرة ﵄؛ حيث إنهما
следующие страницы →