وقد اختلف أهل العلم في جواز بيع الكلب وحل ثمنه على أقوال أشهرها أربعة وهي:
القول الأول: يجوز بيع الكلب، ويحل ثمنه.
وهو مذهب الحنفية (١).
القول الثاني: لا يجوز بيع الكلب، ولا يحل ثمنه.
وهو قول عند المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول الحسن، وربيعة، وحماد، والأوزاعي، وداود، وجمهور أهل العلم (٥).
القول الثالث: يجوز بيع الكلاب التي ينتفع بها فقط.
وهو قول آخر عند المالكية (٦).
стр. 1962
القول الرابع: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره.
روي ذلك عن جابر ﵁، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو جواز بيع الكلاب وحل ثمنها- بالأدلة التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ.
وقد سبق كذلك وجه الاستدلال منها، وما يعترض به عليه.
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو عدم جواز بيع الكلب، وعدم حل ثمنه- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث جابر، وأبي هريرة-﵄ من نهي النبي ﷺ عن ثمن الكلب.
ثانياً: عن رافع بن خديج ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البغِيِّ خبيث، وكسب الحجام خبيث» (٢).
ثالثاً: عن عون بن أبي جحيفة، قال: رأيت أبي اشترى حجاماً فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألته عن ذلك فقال: (إن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب الأمة، ولعن الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا
стр. 1963
وموكله، ولعن المصور) (١).
رابعاً: عن أبي مسعود الأنصاري ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغِيّ، وحلوان (٢) الكاهن (٣)(٤).
خامساً: عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغيِّ» (٥).
سادساً: عن ابن عباس ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الخمر، ومهر البغِيِّ، وثمن الكلب، وقال: «إذا جاء صاحبه يطلب ثمنه، فاملأ كفيه تراباً» (٦).
стр. 1964
ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث إن بعض هذه الأحاديث يدل على أن ثمن الكلب خبيث، وبعضها يدل على أن النبي ﷺ نهي عن ثمنه، وبعضها يدل على أن ثمنه لا يحل.
فيثبت من مجموعها حرمة بيعها، وعدم حل ثمنها (١).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو جواز بيع الكلاب التي ينتفع بها فقط- بما يلي:
أولاً: حديث جابر بن عبد الله-﵄: (أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن السنور، والكلب، إلا كلب صيد) (٢).
وفي رواية عنه ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا الكلب المعلم) (٣).
ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد) (٤).
ثالثاً: عن جابر ﵁: (أنه نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد) (٥).
стр. 1965
رابعاً: عن عبد الله بن عمرو-﵄: (أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهماً، وقضى في كلب ماشية بكبش) (١).
ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأدلة تدل على حل ثمن الكلب المعلم، وكلب الصيد، وكلب الماشية.
فيثبت منها أن ما ينتفع بها من الكلاب يحل بيعها وثمنها. أما ما لا ينتفع بها فلا يحل بيعها ولا ثمنها؛ للأحاديث التي جاء فيها النهي عن ثمنها (٢).
واعترض عليه: بأن الروايات التي جاء فيها استثناء ثمن كلب الصيد أو المعلم من حرمة ثمن الكلاب، فإنها متكلم فيها، والأحاديث التي جاء فيها حرمة ثمنها مطلقاً أصح منها وأقوى. أما ما روي عن بعض الصحابة مما يدل على حل ثمن بعض الكلاب، فإن ما ثبت وصح عن رسول الله ﷺ مقدم على قول وقضاء كل من خالفه (٣).
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع- وهو حل ثمن كلب الصيد فقط- بما سبق من حديث جابر، وأبي هريرة ﵄؛ حيث إنهما
стр. 1966
يدلان على حل ثمن كلب الصيد دون غيره (١).
وقد سبق ما يعترض به على وجه الاستدلال منهما.
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إنه لا يجوز بيع الكلب، ولا يحل ثمنه، وذلك لما يلي:
أ- للأحاديث الدالة على عدم حل ثمن الكلب، وعلى النهي عنه مطلقاً، مع صحة تلك الأحاديث وكثرتها حتى بلغت التواتر (٢).
ب-ولأن الأحاديث التي جاء فيها استثناء ثمن كلب الصيد أو الكلب المعلم من حرمة ثمن الكلاب خاصة، وليست عامة في جميع الكلاب، ثم هي متكلم فيها؛ لذلك فهي لا تقوى على معارضة الأحاديث الكثيرة الصحيحة الدالة على النهي عن ثمن الكلاب مطلقاً (٣).
ج-ولأن الحظر يقدم على الإباحة عند تعارضهما (٤).
ثانياً: إنه لا يصح دعوى نسخ النهي عن ثمن الكلب، وذلك لما يلي:
أ- لأن الاستدلال على نسخ النهي عن ثمن الكلب بنسخ الأمر بقتله
стр. 1967
احتمال، ولا يوجد ما يصرح به، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (١).
ب-ولأن الأحاديث المعارضة لما يستدل منه على النسخ أقوى وأصرح منه؛ حيث لم يختلف أحد في صحتها ولا في الدلالة على المراد منها، بخلاف ما يستدل منه على النسخ؛ لذلك فما يستدل منه على النسخ لا يقوى على نسخها.
والله أعلم.
المطلب الأول: المزارعة
ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز المزارعة (١) وكراء الأرض ببعض ما يخرج منها، وأن ما يدل على جوازها فإنه قد نسخ.
وممن نقل عنه القول بالنسخ أوصرح به: الإمام أبو حنفية، وزفر (٢)، والإمام الشافعي (٣)، والحازمي (٤)، ومحمد بن أحمد القرطبي (٥)، وأبو حامد الرازي (٦)، وأبو إسحاق الحعبري (٧).
وذهب ابن حزم إلى نسخ ما يدل على النهي عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها (٨).
стр. 1970
وذهب ابن قدامة (١)، وابن القيم (٢)، إلى أن ما يدل على عدم جواز المزارعة مطلقاً إن تعذر الجمع بينه وبين ما يدل على الجواز، فإنه يجب حمل ما يدل على عدم الجواز على أنه منسوخ.
وتبين مما سبق، ومما يأتي من الأدلة: أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة شيئان هما: اختلاف الآثار، والقول بالنسخ (٣).
ويستدل للقول بنسخ ما يدل على جواز المزارعة بما يلي:
أولاً: عن رافع بن خديج ﵁ قال: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﷺ ، فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى. فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعاً. وطواعية رسول الله ﷺ أنفع لنا. (نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يَزرعها أو يُزرِعها، وكره كراءها وما سوى ذلك) (٤).
стр. 1971
ثانياً: عن جابر ﵁ قال: كانوا يزرعونها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها، فإن لم يفعل فليمسك أرضه» (١).
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبي فليمسك أرضه» (٢).
رابعاً: عن نافع أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله ﷺ وفي إمارة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وصدراً من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي ﷺ ، فدخل عليه وأنا معه، فسأله فقال: (كان رسول الله ﷺ ينهى عن كراء المزارع) فتركها ابن عمر بعدُ. وكان إذا سُئل عنها بعدُ قال: زعم رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عنها (٣).
стр. 1972
خامساً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ يقول: (نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة والمحاقلة). والمزابنة اشتراء الثمر في رؤوس النخل، والمحاقلة كراء الأرض (١).
سادساً: عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ (ينهى عن المزابنة والحقول). فقال جابر بن عبد الله ﵁: المزابنة الثمر بالتمر، والحقول كراء الأرض (٢).
وفي رواية عنه ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة (٣) والمحاقلة والمزابنة وعن بيع الثمر حتى تطعم، ولا تباع إلا بالدراهم والدنانير إلا العرايا). قال عطاء: فسر لنا جابر قال: أما المخابرة فالأرض البيضاء يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها، ثم يأخذ من الثمر. وزعم أن المزابنة بيع الرطب في النخل بالتمر كيلاً. والمحاقلة في الزرع على نحو ذلك، يبيع الزرع القائم بالحب كيلاً (٤).
стр. 1973
سابعاً: عن سعيد بن المسيب قال: كان ابن عمر لا يرى بها بأساً، حتى بلغه عن رافع بن خديج حديث، فأتاه فأخبره رافع أن رسول الله ﷺ أتى بني حارثة فرأى زرعاً في أرض ظهير (١)، فقال: «ما أحسن زرع ظهير!» قالوا: ليس لظهير. قال: «أليس أرض ظهير؟» قالوا: بلى، ولكنه زرع فلان، قال: «خذوا زرعكم، وردوا عليه النفقة». قال رافع: فأخذنا زرعنا ورددنا إليه النفقة (٢).
ثامناً: عن رفاعة بن رافع بن خديج (٣)، أن رجلاً كانت له أرض فعجز عنها أن يزرعها، فجاءه رجل فقال له: هل لك أن أزرع أرضك فما خرج منها من شيء كان بيني وبينك؟ فقال: نعم حتى أسأل رسول الله ﷺ ، قال: فأتى رسول الله ﷺ فسأله فلم يرجع إليه شيئاً، قال: فأتيت
стр. 1974
أبا بكر وعمر، فقلت لهما. فقالا: ارجع إليه، فرجعت إليه الثانية فسألته فلم يرد عليّ شيئاً، فرجعت إليهما فقالا: انطلق فازرعها، فإنه لو كان حراماً نهاك عنه، قال: فزرعها الرجل حتى اهتز زرعه واخضرّ، وكانت الأرض على طريق لرسول الله ﷺ ، فمرّ بها يوماً فأبصر الزرع، فقال: «لمن هذه الأرض؟» فقالوا: لفلان زارع بها فلاناً، فقال: «ادعوهما إليّ جميعاً» قال: فأتياه، فقال لصاحب الأرض: «ما أنفق هذا في أرضك فرده عليه، ولك ما أخرجت أرضك» (١).
تاسعاً: عن زيد بن ثابت ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة) قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع (٢).
ويستدل من هذه الأحاديث على نسخ جواز المزارعة بوجهين كما يلي:
الأول: إن بعض هذه الأحاديث يدل على أن الأرض كانت تكرى على عهد رسول الله ﷺ وأن جماعة من الصحابة-﵃-عملوها على عهد رسول الله ﷺ . وسائر الأحاديث المذكورة تدل على النهي عن المزارعة؛
стр. 1975
حيث جاء بعض الأحاديث بلفظ النهي عن كراء الأرض، وبعضها بلفظ النهي عن المحاقلة، وبعضها بلفظ النهي عن المخابرة. فيثبت من جميعها عدم جواز المزارعة وأنها منهي عنها. ويكون هذا النهي ناسخاً لجوازها؛ لتأخر النهي على الجواز؛ بدليل رواية ابن عمر وفعله، ورواية رفاعة بن رافع (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ-بأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر ودفع أرضها إليهم على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، واستمر النبي ﷺ على ذلك حتى توفي، ثم عمل به أبو بكر ﵁، ثم عمر ﵁ حتى أجلى اليهود من خيبر، والنسخ إنما يكون في عهد النبي ﷺ لا بعد موته، فإن كان هناك نسخ فما مات عليه النبي ﷺ يكون ناسخاً لما يخالفه (٢).
ب-إنه يمكن الجمع بين ما ورد في المزارعة كله بما يلي:
١ - بحمل ما يدل على النهي عن المزارعة وكراء الأرض على خلاف الأولى، وحمل ما يخالف ذلك على الجواز (٣).
٢ - حمل ما يدل على النهي على بعض أنواع المزارعة، وهي التي كان
стр. 1976
فيها الجور والظلم والغرر (١).
وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار إلى نسخ بعضها (٢).
الوجه الثاني-للنسخ-: إن بعض هذه الأحاديث جاء فيه النهي عن المخابرة، والمراد بها سنة خيبر وما عامل النبي ﷺ به مع أهل خيبر من المزارعة، فيكون أحاديث النهي عن المخابرة ناسخة لسنة خيبر، وهي المزارعة وكراء الأرض ببعض ما يخرج منها (٣).
واعترض عليه بما يلي:
أ- إنه لا يصح اشتقاق المخابرة من خيبر؛ لأن لفظ المخابرة كان قبل خيبر، ولو كان اشتقاقها من خيبر ونهى عنها النبي ﷺ بعد معاملة خيبر لترك النبي ﷺ العمل بها مع يهود خيبر بعد ذلك ولما عمل بها أبو بكر ولا عمر-﵄-بعد النبي ﷺ (٤).
ب- إنه يمكن الجمع بين الأحاديث الواردة في المزارعة كما سبق بيانه، ومع إمكان الجمع بين الأحاديث يتعذر ادعاء النسخ.
ويستدل للقول بنسخ ما يدل على عدم جواز المزارعة بما يلي:
أولاً: عن نافع أن عبد الله بن عمر-﵄-أخبره (أن النبي
стр. 1977
- ﷺ عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسق تمر، وعشرون وسق شعير). فقسم عمر خيبر فخير أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن من الماء والأرض أو يمضي لهنّ، فمنهن من اختار الأرض، ومنهن من اختار الوسق، وكانت عائشة اختارت الأرض (١).
ثانياً: عن جابر ﵁ أنه قال: (أفاء الله خيبر على رسول الله ﷺ ، فأقرَّهم رسول الله ﷺ كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم) (٢).
ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-قال: (افتتح رسول الله ﷺ خيبر، واشترط أن له الأرض وكل صفراء وبيضاء، قال: أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم، فأعطناها على أن لكم نصف الثمرة، ولنا نصف، فزعم أنه أعطاهم على ذلك) (٣).
ويستدل منها على نسخ ما يدل على النهي عن المزارعة: بأن هذه الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ كان قد أعطى أرض خيبر لما افتتحها لليهود
стр. 1978
على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وعمل رسول الله ﷺ على مقتضى ذلك حتى توفي، ثم عمل به أبو بكر ﵁، ثم عمر ﵁ حتى أجلى اليهود من خيبر. فيكون عمل رسول الله ﷺ هذا ناسخاً لما يدل على النهي عن المزارعة؛ لتأخره عليه؛ حيث إن النبي ﷺ استمر عليه حتى الموت (١).
ويعترض عليه: بأنه يمكن الجمع بين هذه الأدلة كلها كما سبق بيانه، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار إلى نسخ بعضها (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في المزارعة وكراء الأرض على أقوال من أشهرها ما يلي:
القول الأول: يجوز المزارعة وكراء الأرض بالدراهم والدنانير، وما أشبههما من العروض ولا يجوز ببعض ما يخرج منها.
وهو قول أبي حنفية (٣)، ونحوه مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥).
стр. 1979
وروي مثل ذلك عن ابن عمر، ورافع بن خديج، وأبي هريرة-﵃ (١).
القول الثاني: يجوز المزارعة وكراء الأرض بالدينار والدراهم، وببعض ما يخرج منها إذا كان الخارج بينهما مشاعاً.
وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢)، واختاره جماعة من الشافعية (٣)،
وهو مذهب الحنابلة (٤). وروي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب، وسعد، وابن مسعود، وعمار بن ياسر-﵃، والقاسم، وعروة، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والزهري، وطاوس (٥).
القول الثالث: لا يجوز المزارعة وكراء الأرض إلا بالدراهم والدينار.
وهو قول سعيد بن المسيب، وربيعة (٦).
стр. 1980
القول الرابع: لا يجوز المزارعة وكراء الأرض بحال.
روي ذلك عن الحسن البصري، وطاوس (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو عدم جواز المزارعة وكراء الأرض ببعض ما يخرج منها- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: حديث رافع بن خديج ﵁ الدال على النهي عن المحاقلة وكراء الأرض بالثلث الربع، ونحوه حديث جابر، وأبي هريرة-﵄، وقد سبق ذكر هذه الأحاديث في دليل القول بنسخ ما يدل على جواز المزارعة.
ثانياً: حديث أبي سعيد، وجابر-﵄-في النهي عن المحاقلة، وهي كراء الأرض كما ذكرها أبو سعيد وجابر-﵄. وسبق ذكر هذين الحديثين كذلك في دليل القول بنسخ ما يدل على جواز المزارعة.
ثالثاً: حديث زيد بن ثابت ﵁ في النهي عن المخابرة، وهي أخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع، كما ذكره زيد ﵁. وقد سبق ذكر حديثه في دليل القول بنسخ ما يدل على جواز المزارعة.
رابعاً: عن رافع بن خديج ﵁ يقول: (كنا أكثر الأنصار حقلاً، قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج
стр. 1981
هذه، فنهانا عن ذلك. وأما الورق فلم ينهنا) (١).
وفي رواية عنه ﵁ قال: (إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ على الماذيانات (٢)، وأقبال الجداول (٣)، وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا. فلم يكن للناس كراء إلا هذا. فلذلك زُجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به) (٤).
خامساً: عن سعد ﵁ قال: (كنا نكري الأرض بما على السواقي من الزرع وما سعِد بالماء منها، فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، وأمرنا أن نكريها بذهب أو فضة) (٥).
стр. 1982
ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث هو: أن حديث رافع بن خديج ﵁ الأخير، وكذلك حديث سعد ﵁ يدلان على جواز المزارعة وكراء الأرض بالذهب والفضة. وما أشير إلى الأحاديث قبلهما تدل على النهي عن المزارعة وكراء الأرض ببعض ما يخرج منها. فيثبت من مجموعها عدم جواز المزارعة وكراء الأرض ببعض ما يخرج منها، وجوازها بالذهب و الفضة وغيرهما من العروض (١).
واعترض عليه: بأن المحاقلة وكذلك المخابرة اختلف في تأويلهما، لذلك ليس تفسيرهما بالمزارعة واكتراء الأرض بالثلث أو الربع بقطعي (٢).
أما الأحاديث التي جاء فيها النهي عن المزارعة واكتراء الأرض بالثلث أو الربع، فإما النهي فيها للتنزيه وأن منحها للمحتاجين أفضل من إعطاءها بالأجر، أو أن النهي فيها عن بعض أنواع المزارعة كما هو مذكور في حديث رافع بن خديج، وسعد-﵄؛ لذلك فلا يكون بين هذه الأحاديث وبين ما يدل على جواز المزارعة واكتراء الأرض ببعض ما يخرج منها تعارضاً (٣).
стр. 1983
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو جواز المزارعة وكراء الأرض بالدينار والدراهم، وببعض ما يخرج منها إذا كان الخارج بينهما مشاعاً- بما يلي:
أولاً: ما سبق في دليل القول بنسخ ما يدل على النهي عن المزارعة من حديث ابن عمر، وجابر، وابن عباس-﵃ من أن النبي ﷺ أعطى خيبر ليهود خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
ثانياً: ما سبق في دليل القول الأول من حديث رافع بن خديج، وسعد-﵄-الدالان على جواز المزارعة بالذهب والفضة، وعدم جوازها بجزء معين من الأرض كالماذيانات والسواقي.
ثالثاً: عن عمرو عن طاوس أنه كان يخابر، قال عمرو: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن لو تركت هذه المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة. فقال: أي عمرو! أخبرني أعلمهم بذلك (يعني ابن عباس) أن النبي ﷺ لم ينه عنها، إنما قال: «يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خرجاً معلوماً» (١).
وفي رواية عن عمرو، عن طاوس قال: حدثني أعلمهم بذلك، يعني ابن عباس-﵄، أن النبي ﷺ خرج إلى أرض تهتز زرعاً، فقال: «لمن
стр. 1984
هذه؟» فقالوا: اكتراها فلان. فقال: «أما إنه لو منحها إياه كان خيراً له من أن يأخذ عليها أجراً معلوماً» (١).
رابعاً: عن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت ﵁: يغفر الله لرافع بن خديج، أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما قال أتى رجلان النبي ﷺ وقد اقتتلا، فقال: «إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع» فسمع رافع بن خديج قوله: «فلا تكروا المزارع» (٢).
فهذه الأدلة يثبت من مجموعها جواز المزارعة واكتراء الأرض بالذهب والفضة وببعض ما يخرج منها إذا كان مشاعاً، وأن منحها خير من أن يأخذ عليها خراجاً معلوماً، ويحرم ذلك إذا كان على جزء معين من الأرض كالماذيانات والسواقي (٣).
стр. 1985
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو عدم جواز المزارعة وكراء الأرض إلا بالذهب والفضة- بما يلي:
أولاً: ما سبق في دليل القول بنسخ ما يدل على جواز المزارعة واكتراء الأرض ببعض ما يخرج منها من حديث رافع بن خديج، وأبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد، وزيد بن ثابت-﵃؛ حيث إن تلك الأحاديث تدل على عدم جواز المزارعة واكتراء الأرض ببعض ما يخرج منها.
ثانياً: ما سبق في دليل القول الأول من حديثي رافع بن خديج، وسعد-﵄-الدالان على جواز المزارعة بالذهب والفضة.
ثالثاً: عن رافع بن خديج ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة، وقال: «إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل مُنح أرضاً فهو يزرعها، ورجل استكرى أرضاً بذهب أو فضة» (١).
فهذه الأدلة يثبت من مجموعها جواز المزارعة واكتراء الأرض بالذهب
стр. 1986
والفضة، وعدم جوازها ببعض ما يخرج منها (١).
ويعترض على هذا الاستدلال بما اعترض به على وجه استدلال القول الأول.
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع-وهو عدم جواز المزارعة بحال- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: ما سبق في دليل القول بنسخ ما يدل على جواز المزارعة واكتراء الأرض ببعض ما يخرج منها من حديث رافع بن خديج، وأبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد، وزيد بن ثابت-﵃؛ حيث إن بعض تلك الأحاديث يدل على عدم جواز المزارعة واكتراء الأرض ببعض ما يخرج منها، وبعضها يدل على عدم جواز المزارعة واكتراء الأرض مطلقاً.
ثانياً: عن جابر بن عبد الله-﵄: (أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض) (٢).
وفي رواية عنه ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ) (٣).
стр. 1987
ثالثاً: عن نافع قال: ذهبت مع ابن عمر-﵄-إلى رافع بن خديج ﵁، حتى أتاه بالبلاط، فأخبره (أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء المزارع) (١).
فهذه الأحاديث بعضها يدل على النهي عن المزارعة وكراء الأرض ببعض ما يخرج منها، وبعضها يدل على النهي عن كراء الأرض مطلقاً، فيثبت من مجموعها عدم جواز المزارعة وكراء الأرض بأي حال (٢).
ويعترض عليه: بأن المزارعة ثبتت من فعله ﷺ وفعل خلفائه من بعده ﷺ ، والنهي عن المزارعة وكراء الأرض وإن جاء مطلقاً في بعض الأحاديث إلا أن الأحاديث الأخر قد جاءت مفسرة ومبينة للصور المنهي عنها من المزارعة وكراء الأرض، فيجب حمل ما أطلق منها على المقيدة والمفسرة، كما أن النهي في بعض الأحاديث قد يكون للتنزيه وأن منحها أولى من أن يؤخذ عليها خراجاً معلوماً (٣).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله
стр. 1988
أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الأولى والأفضل لمن معه فضول أراضين أن يمنحها أخاه ولا يأخذ عليها خراجاً وأجرة معلومة؛ وذلك لحديث ابن عباس-﵄، وقد سبق بيانه.
ثانياً: إن من معه أرض ويريد المزارعة واكترائها، فالأفضل من اكترائها ببعض ما يخرج منها اكترائها بالثمن والنقود؛ وذلك:
أ-لحديث رافع بن خديج من أن النبي ﷺ لم ينه عنه، وأنه لا بأس به.
ب-لقلة الاختلاف في هذا النوع من المزارعة واكتراء الأرض، كما يظهر ذلك من
الأقوال في المسألة.
ثالثاً: يجوز المزارعة واكتراء الأرض ببعض ما يخرج منها إذا كان ذلك مشاعاً، ولم يكن بجزء معين من الأرض كالماذيانات والسواقي؛ وذلك جمعاً بين ما يدل على النهي عن المزارعة واكتراء الأرض وبين ما يدل على جوازها، بحمل ما عمل به النبي ﷺ من إعطاء خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع على الجواز، وحمل ما جاء فيها النهي عن المزارعة واكتراء الأرض: إما على أن منحها أفضل من أن يأخذ عليها خراجاً معلوماً. وإما حمل ذلك على ما إذا كان ذلك بجزء معين من الأرض كالماذيانات والسواقي، كما جاء ذلك مفسراً في بعض الروايات، وقد سبق ذكرها.
ومما سبق يظهر رجحان القول الثاني؛ حيث يجمع به بين جميع ما ورد في المزارعة واكتراء الأرض، من الأحاديث الدالة على النهي، والأحاديث الدالة
стр. 1989
على الجواز.
رابعاً: إن القول بنسخ ما يدل على جواز المزارعة وكراء الأرض ببعض ما يخرجها غير صحيح، وذلك لما يلي:
أ-لأن الجمع بين ما ورد في النهي عن المزارعة واكتراء الأرض وبين ما ورد في جوازها ممكن كما سبق بيانه. ومع إمكان الجمع بين الأدلة يتعذر ادعاء النسخ (١).
ب- إن من شرط الناسخ تأخره على ما يخالفه، وهذا مما لا يصح ادعاؤه في هذه المسألة؛ لإعطاء النبي ﷺ أرض خيبر ليهود خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وعمله بذلك حتى الموت، والنسخ إنما يكون في حياة النبي ﷺ لا بعد موته (٢).
خامساً: إن القول بنسخ ما يدل على النهي عن المزارعة وكراء الأرض ببعض ما يخرج منها غير صحيح؛ لأن الجمع بين ما ورد في النهي عن المزارعة واكتراء الأرض وبين ما ورد في جوازها ممكن كما سبق بيانه. ومع إمكان الجمع بين الأدلة لا يصح ادعاء النسخ، كما سبق ذكره.
والله أعلم.
стр. 1990
المطلب الثاني: المساقاة
ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز المساقاة بجزء من الثمر، وأن ما يدل على جوازها فإنه قد نسخ.
نسب ذلك ابن عبد البر إلى أبي حنفية، وزفر (١).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن مخالفة ما يدل على جواز المساقاة للأصول سبب آخر للاختلاف فيها (٢).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ يقول: (نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة والمحاقلة). والمزابنة اشتراء الثمر في رؤوس النخل، والمحاقلة كراء الأرض (٣).
ثانياً: عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ (ينهى عن المزابنة والحقول). فقال جابر بن عبد الله ﵁: المزابنة الثمر بالتمر، والحقول كراء الأرض (٤).
وفي رواية عنه ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة وعن بيع الثمر حتى تطعم، ولا تباع إلا بالدراهم والدنانير إلا
стр. 1991
العرايا). قال عطاء: فسر لنا جابر قال: أما المخابرة فالأرض البيضاء يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها، ثم يأخذ من الثمر. وزعم أن المزابنة بيع الرطب في النخل بالتمر كيلاً. والمحاقلة في الزرع على نحو ذلك، يبيع الزرع القائم بالحب كيلاً (١).
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة) (٢).
رابعاً: عن زيد بن ثابت ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة) قلت: وما المخابرة؟
قال: أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع (٣).
خامساً: عن رافع بن خديج ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة، وقال: «إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل مُنح أرضاً فهو يزرعها، ورجل استكرى أرضاً بذهب أو فضة» (٤).
ويستدل من هذه الأدلة على النسخ: بأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على نصف ما تخرجه أرض خيبر من الزرع والثمر، وقد جاء في هذه الأحاديث النهي عن المخابرة، والمراد بها سنة خيبر. كما جاء فيها النهى عن المزابنة وهي بيع الثمر بالتمر كيلاً، وهي تشمل المساقاة بجزء من الثمر. فتكون أحاديث النهي عن المخابرة والمزابنة ناسخة لسنة خيبر وهي
стр. 1992
المساقاة والمعاملة على بعض ما تخرجه الأرض من الثمر؛ لتأخر النهي على ما يدل على الجواز (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ-بأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر ودفع أرضها إليهم على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، واستمر النبي ﷺ على ذلك حتى توفي، ثم عمل به أبو بكر ﵁ ثم عمر ﵁ حتى أجلى اليهود من خيبر، والنسخ إنما يكون في عهد النبي ﷺ لا بعد موته؛ فلذلك لا يصح ادعاء النسخ من هذه الأحاديث لسنة خيبر (٢).
ب- إنه لا يصح اشتقاق المخابرة من خيبر؛ لأن لفظ المخابرة كان قبل خيبر، ولو كان اشتقاقها من خيبر ونهى عنها النبي ﷺ بعد معاملة خيبر لترك النبي ﷺ العمل بها مع يهود خيبر بعد ذلك ولما عمل بها أبو بكر، ولا عمر-﵄-بعد النبي ﷺ (٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ، دليله.
وقد اختلف أهل العلم في المساقاة على جزء من الثمر على قولين:
القول الأول: لا يجوز المساقاة بجزء من الثمر.
стр. 1993
وهو قول أبي حنيفة، وزفر (١).
القول الثاني: يجوز المساقاة بجزء من الثمر مشاعاً.
وهو قول أبي يوسف ومحمد من الحنفية (٢)، ومذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وروي ذلك عن الخلفاء الراشدين. وقال به سعيد بن المسيب، وسالم، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وجمهور أهل العلم (٦).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو عدم جواز المساقاة بجزء من الثمر-بما سبق
стр. 1994
ذكره من الأحاديث في دليل القول بالنسخ، والتي فيها النهي عن المخابرة والمزابنة.
وقد سبق وجه الاستدلال منها، وما يرد به عليه.
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو جواز المساقاة بجزء من الثمر مشاعاً- بما يلي:
أولاً: عن نافع أن عبد الله بن عمر-﵄-أخبره (أن النبي ﷺ عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) الحديث (١).
وفي رواية عن عبد الله بن عمر-﵄-عن رسول الله ﷺ : (أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم، ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها) (٢).
ثانياً: عن ابن عباس-﵄-قال: (افتتح رسول الله ﷺ خيبر، واشترط أن له الأرض وكل صفراء وبيضاء، قال: أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم، فأعطناها على أن لكم نصف الثمرة، ولنا نصف، فزعم أنه أعطاهم على ذلك) (٣).
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إن النبي ﷺ عامل أهل
стр. 1995
خيبر على شطر ما يخرج من أرض خيبر من ثمر وزرع، فدل ذلك على جواز المساقاة بجزء من الثمر (١).
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو جواز المساقاة بجزء من الثمر إذا كان مشاعاً، كما هو القول الثاني، وأن القول بنسخ المساقاة غير صحيح، وذلك لما يلي:
أ-لأن أدلة القول الثاني تدل على جواز المساقاة صراحة وهي غير محتملة لغير ذلك، بخلاف أدلة القول الأول؛ حيث إنها اختلف فيما يراد بها كما سبق بيانه في المسألة السابقة.
ب- إن جمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم رأوا جواز المساقاة مستدلين على ذلك بعمل النبي ﷺ مع أهل خيبر، مع علمهم أو روايتهم للأحاديث التي فيها النهي عن المخابرة والمزابنة. فلو كانت هذه الأحاديث مخالفة لما يدل على جواز المساقاة أو ناسخة لها لما عملوا بها بعد النبي ﷺ .
ج- إن النسخ إنما يكون في حياة النبي ﷺ لا بعد موته، والمساقاة عمل بها النبي ﷺ مع أهل خيبر حتى الموت، ثم عمل بها أبو بكر ﵁ بعد النبي ﷺ ، ثم عمر ﵁ حتى أجلا اليهود من خيبر. وهذا مما يبطل قول من قال بأن ما يدل على جواز المساقاة قد نسخوالله أعلم.
стр. 1996
المطلب الثالث: تلقيح النخل
ذهب بعض أهل العلم إلى أن النبي ﷺ كان نهى عن تلقيح (١) النخل، ثم أذن فيه، فنُسخ به النهي السابق (٢).
ولا خلاف بين أهل العلم في جواز تلقيح النخل، ولكنهم اختلفوا في هذا الأمر هل كان من النبي ﷺ حكماً شرعياً فنسخ؟ أم كان من رأي في أمور الدنيا، فلا يتصف بالنسخ؟ والأظهر رجحان الأمر الثاني (٣).
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولاً: عن طلحة ﵁ قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟» فقالوا: يلقحونه. يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح. فقال رسول الله ﷺ : «ما أظن يغني ذلك شيئاً» قال: فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسولُ الله ﷺ بذلك فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن أكذب
стр. 1997
على الله » (١).
ثانياً: عن رافع بن خديج ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يأبرون النخل، يقولون: يلقحون النخل، فقال: «ما تصنعون؟» قالوا: كنا نصنعه، قال: «لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً»، فتركوه، فنفضت أو نقصت. قال: فذكروا ذلك له، فقال: «إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر» (٢).
ثالثاً: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ مرّ بقوم يلقحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح»، قال: فخرج شيصاً (٣). فمرّ بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا. قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» (٤).
رابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أبصر النبي ﷺ الناس يلقّحون، فقال: «ما للناس؟» قالوا: يلقحون، فقال: «لا لقاح، أو لا أرى اللقاح
стр. 1998
شيئاً»، فقال: فتركوا اللقاح، فخرج ثمر الناس شيصاً، فقال النبي ﷺ : «ما شأنه؟». قالوا: كنت نهيت عن اللقاح، فقال: «ما أنا بزارع ولا صاحب نخل، لقّحوا» (١).
استدل منها من قال بالنسخ: بأن حديث جابر ﵁ جاء فيه لفظ النهي: (كنت نهيت عن اللقاح) ثم الأمر والإذن بالتلقيح، فيكون ما يدل على الإذن بالتلقيح ناسخاً للنهي الأول (٢).
وقال من لم يقل بالنسخ في هذه المسألة: بأن الأحاديث الصحيحة تدل على أن النبي ﷺ ظنّ ظناً بأن ترك التلقيح قد يكون أنفع وأصلح، ولم يكن ذلك من النبي ﷺ على جهة كونه حكماً شرعياً، والمنسوخ لا بد أن يكون حكماً شرعياً، ولم يرد في هذه الأحاديث لفظ النهي، وما ورد فيه لفظ النهي ففيه ضعف (٣).
والله أعلم.
стр. 1999
الفصل الثاني الهبة، والهدية، والوصية، والفرائض، وأحكام الرقيق
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الهبة، والهدية، والوصايا، والفرائض.
المبحث الثاني: أحكام الرقيق.
стр. 2000
المبحث الأول الهبة، والهدية، والوصايا، والفرائض .
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: العمرى.
المطلب الثاني: قبول الهدية من المشركين.
المطلب الثالث: الوصية للوالدين والأقربين الوارثين.
المطلب الرابع: التوارث بالمعاقدة والحلف.