← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

المطلب الثالث: تلقيح النخل ذهب بعض أهل العلم إلى أن النبي ﷺ كان نهى عن تلقيح (١) النخل، ثم أذن فيه، فنُسخ به النهي السابق (٢). ولا خلاف بين أهل العلم في جواز تلقيح النخل، ولكنهم اختلفوا في هذا الأمر هل كان من النبي ﷺ حكماً شرعياً فنسخ؟ أم كان من رأي في أمور الدنيا، فلا يتصف بالنسخ؟ والأظهر رجحان الأمر الثاني (٣). ويستدل لما سبق بما يلي: أولاً: عن طلحة ﵁ قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟» فقالوا: يلقحونه. يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح. فقال رسول الله ﷺ : «ما أظن يغني ذلك شيئاً» قال: فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسولُ الله ﷺ بذلك فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن أكذب

стр. 1997

على الله » (١). ثانياً: عن رافع بن خديج ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يأبرون النخل، يقولون: يلقحون النخل، فقال: «ما تصنعون؟» قالوا: كنا نصنعه، قال: «لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً»، فتركوه، فنفضت أو نقصت. قال: فذكروا ذلك له، فقال: «إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر» (٢). ثالثاً: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ مرّ بقوم يلقحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح»، قال: فخرج شيصاً (٣). فمرّ بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا. قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» (٤). رابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أبصر النبي ﷺ الناس يلقّحون، فقال: «ما للناس؟» قالوا: يلقحون، فقال: «لا لقاح، أو لا أرى اللقاح

стр. 1998

شيئاً»، فقال: فتركوا اللقاح، فخرج ثمر الناس شيصاً، فقال النبي ﷺ : «ما شأنه؟». قالوا: كنت نهيت عن اللقاح، فقال: «ما أنا بزارع ولا صاحب نخل، لقّحوا» (١). استدل منها من قال بالنسخ: بأن حديث جابر ﵁ جاء فيه لفظ النهي: (كنت نهيت عن اللقاح) ثم الأمر والإذن بالتلقيح، فيكون ما يدل على الإذن بالتلقيح ناسخاً للنهي الأول (٢). وقال من لم يقل بالنسخ في هذه المسألة: بأن الأحاديث الصحيحة تدل على أن النبي ﷺ ظنّ ظناً بأن ترك التلقيح قد يكون أنفع وأصلح، ولم يكن ذلك من النبي ﷺ على جهة كونه حكماً شرعياً، والمنسوخ لا بد أن يكون حكماً شرعياً، ولم يرد في هذه الأحاديث لفظ النهي، وما ورد فيه لفظ النهي ففيه ضعف (٣). والله أعلم.

стр. 1999

الفصل الثاني الهبة، والهدية، والوصية، والفرائض، وأحكام الرقيق وفيه مبحثان: المبحث الأول: الهبة، والهدية، والوصايا، والفرائض. المبحث الثاني: أحكام الرقيق.

стр. 2000

المبحث الأول الهبة، والهدية، والوصايا، والفرائض . وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: العمرى. المطلب الثاني: قبول الهدية من المشركين. المطلب الثالث: الوصية للوالدين والأقربين الوارثين. المطلب الرابع: التوارث بالمعاقدة والحلف.

стр. 2001

المطلب الأول: العمرى ذهب جمع من المالكية إلى أن العمرى (١) ترجع للمعطي، وأن ما يدل على أنها لمن أعطيها ولا ترجع إلى المعطي فإنه قد نُسخ (٢). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، لكن السبب الأصلي للاختلاف فيها هو تعارض الآثار الواردة فيها، ومعارضة العمل لها (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: «المسلمون على شروطهم» (٤). ثانياً: عن عبد الرحمن بن القاسم (٥) أنه سمع مكحولاً الدمشقي يسأل

стр. 2002

القاسم بن محمد عن العمرى وما يقول الناس فيها، فقال القاسم بن محمد: (ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم، وفيما أُعطوا) (١). ثالثاً: عن مالك قال: رأيت محمداً (٢) وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فسمعت عبد الله يعاتب محمداً، ومحمد يومئذ قاض، فيقول له: مالك لا تقضي بالحديث الذي جاء عن رسول الله ﷺ في العمرى حديث ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر (٣)؟ فيقول له محمد: (يا أخي لم أجد الناس على هذا، وأباه الناس، فهو يكلمه ومحمد يأباه) (٤). ويستدل منها على النسخ: بأن العمرى هبة مشروطة، وحديث أبي هريرة ﵁ يدل على أن للمشترط ما شرطه، ويؤيده قول القاسم بن محمد بأنه أدرك الناس على ذلك. فيكون حديث أبي هريرة ﵁ ناسخاً لما

стр. 2003

يدل على أن العمرى تكون لمن أعطيه ثم لعقبه، ولا تعود للمعطي؛ ويؤكد ذلك ترك الناس العمل به كما يدل عليه قول محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (١). واعترض عليه بما يلي: أ- إن حديث أبي هريرة ﵁ يدل على اعتبار الشروط لكن الشروط منها ما اعتبره الشارع، ومنها ما ألغاه، واشتراط المعمر عود العمرى له بعد موت المعمَر أو عقبه شرط ألغاه الشارع ولم يعتبره، لذلك لا يصح الاستدلال من حديث أبي هريرة ﵁ على نسخ ما يدل على أن العمرى هبة مبتوتة وأنها لا ترجع للمعطي (٢). ب- إن الأحاديث الدالة على أن العمرى هبة مبتوتة وأنها لا ترجع للمعطي أبداً أحاديث صحيحة ثابتة، فلا يعترض عليها بقول فلان وفلان، فإن النسخ إنما يثبت بما لا مدفع فيه، لا بمثل هذه الأقوال والادعاءات (٣). ج- إن الناس لم يتركوا العمل بالأحاديث التي تدل على أن العمرى لمن أعطيه وأنها لا ترجع للمعطي، بل عمل به جمهور أهل العلم ومنهم بعض أهل المدينة؛ لذلك فلا يصح الاستدلال من ترك بعض الناس العمل به على

стр. 2004

النسخ أوترك العمل بها (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في العمرى هل تعود للمعطي أم هي لمن أعطيها ولعقبه بعد موته على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن العمرى هبة مبتوتة، فتنقل الملك فيها إلى المعمَر، فهي لمن أعطيها ثم لعقبه من بعد موته ولا ترجع للمعطي. وهو مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وروى ذلك عن علي، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عباس ﵃ (٥). وقال به شريح، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وطاوس والثوري، وأبو عبيد، والحسن بن حي، وابن حزم (٦). القول الثاني: إن العمرى ترجع للمعطي إذا مات المعطى له وكان المعطي حياً، فإن كان ميتاً فترجع إلى ورثته، فهي هبة للمنافع طول عمر الموهوب له، فإذا مات رجعت إلى الواهب إن كان حياً وإلى ورثته إن كان ميتاً.

стр. 2005

وهو مذهب المالكية (١)، وقول الليث، والقاسم بن محمد (٢). القول الثالث: إن العمرى تكون ملكاً للمعمَر ولا ترجع للمعطي إذا قال المعمِر: هي لك ولعقبك. فإن لم يذكر العقب عادت العمرى بعد موت المعمَر إلى المعطي أو لورثته. وهو قول الزهري، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي ثور، وداود الظاهري (٣). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أن العمرى لمن أعطيه ولا ترجع للمعطي- بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن جابر ﵁ قال: (قضى النبي ﷺ بالعمرى أنها لمن وهبت له) (٤). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمرى عمرى فهي للذي أعمرها حياً

стр. 2006

وميتاً، ولعقبه» (١). ثانياً: عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أُعمر شيئاً فهو لمعمَره محياه ومماته، ولا ترقبوا فمن أُرقب شيئاً فهو سبيله» (٢). ثالثاً: عن ابن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «لا عمرى ولا رقبى، فمن أُعمر شيئاً أو أُرقبه فهو له حياته ومماته» (٣). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا عمرى، فمن أُعمر شيئاً فهو له» (٤). فهذه الأدلة تدل على أن العمرى لمن وهبت له ثم لعقبه، وأنها لا ترجع

стр. 2007

للمعطي (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن العمرى ترجع للواهب والمعطي بعد موت المعمَر-بالأدلة السابقة في دليل القول بالنسخ. وقد سبق وجه الاستدلال منها، وما يرد به عليه. دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أن العمرى ترجع للمعطي إن لم يذكر العقب، فإن ذكر العقب فهي لمن أعطيه ثم لعقبه- بحديث جابر بن عبد الله-﵄-قال: إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: (هي لك ولعقبك. فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها) (٢). وفي رواية عنه ﵁ أن رسول ا لله ﷺ قال: «أيما رجل أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه، فقال: قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد، فإنها لمن أعطيها، وإنها لا ترجع إلى صاحبها، من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث» (٣). فهذا الحديث مفسر يرتفع معه الإشكال؛ حيث جعل لذكر العقب

стр. 2008

حكماً، وللسكوت عنه حكماً، فثبت منه أن العمرى ترجع للمعطي عند عدم ذكر العقب، ولا ترجع إليه عند ذكره للعقب (١). واعترض عليه: بأن الرواية الأولى من قول جابر ﵁ نفسه. وقيل: إنه من كلام الزهري بعد ذكر (ولعقبك). وقوله في الرواية الثانية: (من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث) فهو زيادة من كلام أبي سلمة بن عبد الرحمن، كما يفسره الروايات الأخرى (٢). وقد روى غير الزهري الحديث عن جابر ﵁ مطلقاً، فالأخذ به أولى لموافقته روايات غيره من الصحابة كما سبق بيانها في دليل القول الأول (٣). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب-ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الأول-وهو أن العمرى لمن وهبت له وأنها لا ترجع للمعطي- وذلك لما يلي: أ-لأحاديث كثيرة وصحيحة-وقد سبق ذكر بعضها-تدل على أن العمرى لمن وهبت له مطلقاً، وأنها لا ترجع للمعطي، وأن اشتراط رجوعها

стр. 2009

للمعطي بعد موت الموهوب له شرط أبطله الشارع (١). ب- إن بعض ألفاظ حديث جابر ﵁ وإن كان يدل على أن العمرى تعود للمعطي إذا لم يذكر العقب، إلا أن تلك الألفاظ مختلف في رفعها إلى النبي ﷺ وبين كونها من زيادة بعض الرواة كما سبق ذكره؛ لذلك يكون الأولى الأخذ بألفاظ حديث جابر ﵁ التي تدل على أنها لا ترجع للمعطي مطلقاً؛ لمطابقتها للأحاديث التي رواها جمع من الصحابة-﵃ غير جابر ﵁، وقد سبق ذكر بعضها في دليل القول الأول. ثانياً: إن القول بنسخ الأحاديث التي تدل على عدم عودة العمرى للمعطي قول ضعيف وغير صحيح، وقد سبق بيان ذلك في الرد على وجه الاستدلال على النسخ. والله أعلم.

стр. 2010

المطلب الثاني: قبول الهدية من المشركين ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز قبول الهدية من أهل الشرك، وأن ما يدل على جواز قبولها منهم فإنه قد نسخ (١). وعكس ذلك بعض أهل العلم، فذهب إلى جواز قبولها من أهل الشرك، وأن ما يدل على عدم قبولها منهم فإنه مما نسخ (٢). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن تعارض الآثار الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٣). ويستدل لمن قال بنسخ جواز قبول الهدية من المشركين بما يلي: أولاً: عن عياض بن حمار (٤) ﵁ قال: أهديتُ للنبي ﷺ ناقة، فقال:

стр. 2011

«أسلمت؟» قلت: لا. قال النبي ﷺ : «إني نهيت عن زبد (١) المشركين» (٢). ثانياً: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك (٣) قال: جاء ملاعب الأسنة (٤) إلى رسول الله ﷺ بهدية، فعرض النبي ﷺ عليه الإسلام، فأبى أن يسلم، فقال النبي ﷺ : «فإني لا أقبل هدية مشرك» (٥).

стр. 2012

ثالثاً: عن حكيم بن حزام ﵁ قال: كان محمد ﷺ أحب رجل إلىّ في الجاهلية، فلما تنبأ وخرج إلى المدينة شهد حكيم بن حزام الموسم وهو كافر،

стр. 2013

فوجد حلة لذي يزن (١) تباع، فاشتراها بخمسين ديناراً ليهديها لرسول الله ﷺ ، فقدم بها عليه المدينة، فأراده على قبضها هدية فأبى، قال عبد الله (٢): حسبته قال: «إنا لا نقبل شيئاً من المشركين، ولكن إن شئت أخذناها بالثمن». فأعطيته حين أبى علىّ الهدية (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على المنع من قبول هدايا المشركين، فتكون ناسخة لما يدل على جواز قبول هداياهم (٤).

стр. 2014

واعترض عليه: بأن ما يدل على قبول هداياهم أكثر وأقوى من هذه الأحاديث، على أنه ليس فيها ما يدل على تأخرها على ما يدل على جواز قبول هداياهم، وإنما هو احتمال والنسخ لا يثبت بالاحتمال (١). ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على عدم جواز قبول هدايا المشركين بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: غزونا مع النبي ﷺ غزوة تبوك، فلمّا جاء وادي القرى إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «اخرصوا» وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق، فقال لها: «أحصي ما يخرج منها» فلمّا أتينا تبوك قال: «أما إنها ستهبُّ الليلة ريح شديدة فلا يقومنّ أحد، ومن كان معه بعير فليعقله» فعقلناها، وهبَّت ريح شديدة فقام رجل فألقته بجبل طيّئ. وأهدى ملك أيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء، وكساه برداً، وكتب له ببحرهم، فلمّا أتى وادي القرى قال للمرأة: «كم جاء حديقتك؟» قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله ﷺ ) الحديث (٢). ثانياً: عن أنس ﵁: (أن أُكيدر (٣) دومة الجندل أهدى لرسول الله

стр. 2015

- ﷺ حُلَّة … ) (١). ثالثاً: عن عبد الرحمن بن أبي بكر-﵄-قال: كنا مع النبي ﷺ ، ثم جاء رجل مشرك مشعان (٢) طويل بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ : «أبيعاً أم عطية؟» أو قال: «أم هبة؟» قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاة (٣). رابعاً: عن عبد الله بن الزبير-﵄-قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزى بنت أسعد (٤)، من بني مالك بن حسل على ابنتها أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية فقدمت على ابنتها بهدايا ضباباً وسمناً وإقطاً، فأبت أسماء أن تأخذ منها وتقبل منها وتدخلها منزلها حتى أرسلت إلى عائشة أن سلي عن هذا رسول الله ﷺ ،

стр. 2016

فأخبرته فأمرها أن تقبل هداياها وتدخلها منزلها، فأنزل الله : ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨، ٩] إلى آخر الآيتين (١). خامساً: عن عبد الله الهوزني (٢)، قال: لقيت بلالاً مؤذن رسول الله ﷺ بحلب (٣)، فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ؟ قال: ما كان له شيء، كنت أنا الذي أَلى ذلك منه، منذ بعثه الله إلى أن توفي، وكان إذا أتاه الإنسان مسلماً فرآه عارياً يأمرني فأنطلق، فأستقرض له واشتري له البردة فأكسوه، وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين فقال يا بلال إن

стр. 2017

عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني، ففعلت. فلما أن كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة، فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار، فلما أن رآني قال: يا حبشيُّ! قلت: يا لبَّاه، فتجهمني (١) وقال لي قولاً غليظاً، وقال: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قال: قلت: قريب، قال: إنما بينك وبينه أربع، فآخذك بالذي عليك فأردك ترعى الغنم، كما كنت قبل ذلك!، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس. حتى إذا صليت العتمة رجع رسول الله ﷺ إلى أهله فاستأذنت عليه، فأذن لي، قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إن المشرك الذي كنت أتدين منه قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني، ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آبِق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله ما يقضي عني! فخرجت حتى إذا أتيت منزلي فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني عند رأسي، حتى إذا انشق عمود الصبح الأول أردت أن أنطلق فإذا إنسان يسعى يدعو: يا بلال أجب رسول الله ﷺ ، فانطلقت حتى أتيته، فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، فاستأذنت، فقال لي رسول الله ﷺ : «أبشر فقد جاء الله بقضائك» ثم قال: «ألم تر الركائب المناخات الأربع؟» فقلت: بلى، فقال: «إن لك رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة وطعاماً أهداه إلىّ عظيم فدك (٢)، فاقبضهن واقض دينك»

стр. 2018

ففعلت، فذكر الحديث .. (١). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على جواز قبول هدايا المشركين، فتكون ناسخة لما يدل على المنع من قبول هدياهم؛ لأن مع هذه الأحاديث ما يدل على تأخرها على ما يدل على المنع؛ وذلك لأن النبي ﷺ قبل الهدية من المشركين في غزوة تبوك وبعدها كما يدل على ذلك حديث أنس، وأبي حميد الساعدي-﵄. وغزوة تبوك كانت سنة تسع من الهجرة (٢). أما ما يدل على المنع، فمنه حديث ملاعب الأسنة، وقد جاء في بعض طرقه ما يدل على أنه قدم على النبي ﷺ قبل واقعة بئر معونة، فعرض عليه النبي ﷺ الإسلام فلم يسلم، وواقعة بئر معونة كانت بعد أحد سنة أربع من الهجرة (٣). ومنه حديث حكيم بن حزام ﵁، وقد صرح فيه أنه قدم على رسول الله

стр. 2019

- ﷺ ليهديه حلة بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة وقبل فتح مكة، فلم يقبل منه الهدية؛ لأنه لم يكن أسلم بعد، وإنما أسلم عام الفتح (١). فيثبت من مجموع ما سبق: أن ما يدل على جواز قبول الهدية من المشركين متأخر فيكون ناسخاً لما يدل على المنع منه؛ لتأخره عليه (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد ذهب جمهور أهل العلم-منهم أصحاب المذاهب الأربعة- إلى جواز قبول هدية الكافر (٣). مستدلين بأحاديث كثيرة منها ما سبق ذكره في دليل القول بنسخ ما يدل على منع قبول هدايا الكفار (٤). وذهب بعض أهل العلم إلى منع وكراهية قبول الهدية منهم (٥).

стр. 2020

مستدلين بالأحاديث السابقة في دليل القول بنسخ ما يدل على جواز قبول هداياهم؛ فإنها تدل على النهي من قبول هداياهم (١). وذهب بعض أهل العلم إلى امتناع قبول هداياهم فيما أهدي له ﷺ خاصة، والقبول فيما أهدي للمسلمين (٢). وذلك بحمل ما يدل على النهي من قبول هداياهم فيما أهدي للنبي ﷺ خاصة، وحمل ما يدل على الجواز فيما أهدي للمسلمين (٣). واعترض عليه: بأن من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له ﷺ خاصة (٤). وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز قبول الهدية ممن يريد بها التودد والموالاة، وجواز قبولها ممن يُرجى من قبول هديته تأنيسه وتأليفه على الإسلام (٥). وذلك بحمل ما يدل على النهي على الحالة الأولى، وحمل ما يدل على الجواز على الحالة الثانية (٦).

стр. 2021

واعترض عليه: بأن الأحاديث الدالة على النهي من قبول هدايا المشركين مطلقة، ولا يوجد ما يدل على أن علة عدم قبوله ﷺ الهدية من بعض الكفار كان من أجل أنه كان يريد بها التودد والموالاة. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز قبول الهدية من كفار أهل الكتاب، وعدم قبولها ممن سواهم من الكافرين والمشركين (١). وهؤلاء حملوا الأحاديث التي جاء فيها قبول النبي ﷺ الهدية من الكفار على كفار أهل الكتاب، وحملوا ما يدل على منع قبول هدايا الكفار على الكفار غير أهل الكتاب (٢). واعترض عليه: بأن النبي ﷺ أذن لأسماء بنت أبي بكر-﵂-أن تقبل هدية أمها، وهي لم تكن من أهل الكتاب، بل كانت من المشركين (٣). الراجح بعد ذكر ما سبق من الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب-أن الراجح هو جواز قبول الهدية من الكافرين والمشركين إذا لم يكن يترتب على ذلك أي ضرر أو مفسدة للإسلام أو المسلمين؛

стр. 2022

وذلك لما يلي: أولاً: لأحاديث كثيرة تدل على أن النبي ﷺ قبل الهدية من الكافرين، وأنه ﷺ أذن في قبولها منهم. ثانياً: ولأن من تلك الأحاديث ما يدل على أن النبي ﷺ قبل الهدية منهم في غزوة تبوك وبعدها. ويوجد مع بعض ما يدل على عدم قبول هداياهم أن ذلك كان قبل فتح مكة؛ لذلك فاحتمال أن تكون أحاديث المنع منسوخة بأحاديث الجواز احتمال راجح وقوي. ثالثاً: إن القول بنسخ ما يدل على جواز قبول هديا المشركين قول ضعيف وغير صحيح، وذلك لما يلي: أ-لأن ما يدل على جواز قبول هداياهم أكثر وأصح مما يدل على المنع والنهي. ب- إنه لا يوجد ما يدل على أن ما يدل على النهي متأخر على ما يدل على الجواز، حتى يكون ناسخاً له، والقول بعكسه أولى لما سبق. والله أعلم.

стр. 2023

المطلب الثالث: الوصية للوالدين والأقربين الوارثين ذهب غير واحد من أهل العلم إلى أنه كان قبل نزول آية المواريث تجب الوصية للوالدين والأقربين، فلما نزلت آية المواريث نُسخ الوصية للوالدين والأقربين الوارثين؛ فلذلك لا وصية لوارث (١). وممن صرح بنسخه: ابن عباس (٢)، وابن عمر (٣) ﵃، والحسن (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، والإمام الشافعي (٦)، وأحمد بن حنبل (٧)، وأبو داود السجستاني (٨)، وأبو بكر الجصاص الرازي (٩)، وابن عبد البر (١٠)، وابن حزم (١١).

стр. 2024

وسبب الاختلاف في المسألة هو اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١). هل المراد به الوالدين والأقربين الوارثين أم المراد به غير الوارثين؟ فالجمهور على أن المراد به الوالدين والأقربين الوارثين، وأن الوصية كانت لهم واجبة، ثم نُسخت ذلك لما نزلت المواريث (٢). وذهب البعض إلى أن المراد به الوالدين والأقربين غير الوارثين، وأن الوصية لهم باقية لم تنسخ (٣). ويُستدل للقول بالنسخ بأدلة منها ما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٤). ثانياً: عن ابن عباس-﵄-قال: (كان المال للولد، وكانت

стр. 2025

الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحبّ فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع) (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (فكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية الميرات) (٢). ثالثاً: عن أبي أمامة الباهلي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (٣). رابعاً: عن عمرو بن خارجة (٤) ﵁ أنه شهد رسول الله ﷺ يخطب الناس على راحلته، وإنها لتقصع (٥) بجرتها (٦)، وإن لعابها ليسيل فقال رسول الله ﷺ في

стр. 2026

خطبته: «إن الله قد قسّم لكل إنسان قسمة من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية» (١). خامساً: عن ابن عمر-﵄-قال: (نسختها آية الميراث يعني ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٢). فهذه الأدلة تدل على أنه كان أولاً وجوب الوصية للوالدين والأقربين، ثم نسخ الله ذلك فجعل لكل واحد منهم نصيباً مفروضاً، وأعطى كل ذي

стр. 2027

حق حقه؛ لذلك فلا وصية للوالدين والأقربين الوارثين (١). وجمهور أهل العلم ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة على أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين قد نُسخ؛ لذلك لا وصية لوارث بدون إذن الورثة (٢). وذلك لأدلة كثيرة منها ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ (٣). وذهب بعض أهل العلم منهم ابن جرير الطبري: إلى أن الوصية للوالدين والأقربين والمذكورة في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٤). غير منسوخة، وأن الآية وإن كانت عامة إلا أن المراد بها

стр. 2028

البعض أي الوالدين والأقربين الذين لا يرثون؛ فلذلك يشرع الوصية لهم (١). قالوا: والأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ ليست منافية ولا معارضة للآية حتى يقال فيها بالنسخ، بل هي مخصصة لعمومها؛ حيث إنها بينت أن الوصية لا تجوز للوارث، أما من لا يرث من الوالدين والأقربين فيوصى له لأجل هذه الآية (٢). واعترض عليه: بأن ما ذكر احتمال، وابن عباس ﵁ قد ذكر أنه كان أولاً وقبل نزول المواريث المال للولد، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، ثم نسخ الله من ذلك ما أحب، وجعل المواريث مقدرة. وقوله هذا وإن كان موقوفاً لفظاً إلا أنه في تفسيره إخبار بما كان من الحكم قبل نزول آية المواريث، فيكون ذلك في حكم المرفوع، فلا يعدل عن تفسيره وقوله هذا؛ ولذلك أخذ به جمهور أهل العلم، وذهبوا إلى نسخ الوصية المذكورة في الآية الكريمة، بل حكاه بعضهم إجماعاً كما سبق ذكره (٣). الراجح والراجح عندي-والله أعلم بالصواب- هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين قد نسخ، لذلك

стр. 2029

فلا وصية لهم، وذلك لما يلي: أولاً: للأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ فإنها تدل على أنه لا وصية لوارث، ويستفاد من بعضها أنه كان في وقت ما مشروعية الوصية لهم، ثم جاء النهي عن ذلك؛ لأن الله قد أعطى كل ذي حق حقه. وإذا كان ذلك كذلك فإن تلك الوصية المشروعة في وقت ما تكون منسوخة بالنهي اللاحق (١). ثانياً: ولما روي عن ابن عباس-﵄ من تأويل الآية وقوله بنسخ الوصية المذكورة فيها. وبمعنى قوله ما روي عن ابن عمر-﵄، وهما أعلم بتفسير كتاب الله وما يراد به ممن بعدهما. وقد ذكرا أن الوصية المذكورة في الآية كانت قبل نزول المواريث، وأنها نسخت بعد نزولها. وبوفق قولهما قال جمهور أهل العلم، بل ذهب البعض إلى أنه إجماع كما سبق ذكره. ثالثاً: ولأن الظاهر من آية الوصية وجوب الوصية للوالدين والأقربين (٢)، وقد أجمع أهل العلم على أن وجوب الوصية للوالدين

стр. 2030

والأقربين منسوخ (١)، وهذا لا يتأتى إلا بأن يكون المراد بالوالدين والأقربين في الآية الوالدان والأقربين الذين يرثون؛ لأنه لا يوجد ما يدل على وجوب الوصية لهم غير هذه الآية. وإذا كان المراد بها الوالدان والأقربين الوارثين فإن الوصية المذكورة فيها تكون منسوخة بآيات المواريث والأحاديث التي جاء فيها النهي عن الوصية للوارث، وبالإجماع الذي نقله غير واحد من أهل العلم. والله أعلم.

стр. 2031

المطلب الرابع: التوارث بالمعاقدة والحلف ذهب جمع من أهل العلم إلى أن التوارث بالمعاقدة (١)، والحلف (٢)، كان في أول الإسلام، ثم نُسخ ذلك، وجعل التوارث بالنسب والقرابة. وممن صرح بالنسخ وقال به: ابن عباس (٣) ﵁، والحسن (٤)، وقتادة (٥)، وسفيان الثوري (٦)، والأوزاعي (٧)، ومالك (٨)، والشافعي (٩)، وأحمد بن حنبل (١٠)، وأبو داود السجستاني (١١)، و الببيهقي (١٢)، وابن السمعاني (١٣)، وابن قدامة (١٤).

стр. 2032

وذهب بعض أهل العلم إلى أن التوارث بالمعاقدة والحلف ليس بمنسوخ من الأصل، ولكن جُعل ذوى الأرحام أولى من موالي المعاقدة، فنُسخ ميراثهم في حال وجود القرابات، وهو باق لهم إذا فقد الأقرباء على الأصل الذي كان عليه. وممن قال بهذا: أبو بكر الجصاص الرازي (١). ويظهر مما سبق أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة هو اختلافهم في مفهوم الأدلة التي تدل على نسخ التوارث باالمعاقدة والحلف، هل هو نسخ له مطلقاً أو هو نسخ له عند عدم وجود غيرهم من الورثة؟ ويستدل للقول بنسخ الميراث بالموالاة والمعاقدة مطلقاً بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ (٢). ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣). ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ

стр. 2033

اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (١). رابعاً: عن ابن عباس-﵄ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثة، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من النصر والرفادة (٢) والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له) (٣). وفي رواية عنه ﵁ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال: (كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت) (٤).

стр. 2034

خامساً: عن ابن عباس-﵄-قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ كان الرجل يحالف الرجل، ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك الأنفال، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥] (١). سادساً: عن ابن عباس-﵂ قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [سورة الأحزاب: ٦]. يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف (٢). فهذه الأدلة تدل على أنه كان الرجل في أول الإسلام يتوارث بالمعاقدة والحلف والإخاء، ثم نسخ الله ذلك وجعل التوارث بالرحم والنسب والقرابة، وبقي للأولياء والحلفاء فعل المعروف من النصر والرفادة والنصيحة والوصية (٣).

стр. 2035

ويستدل لمن قال بنسخ التوارث بالمعاقدة والحلف عند وجود القرابات، وعدم نسخه عند عدمهم بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١). ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٢). ثانياً: عن ابن عباس-﵂ قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [سورة الأحزاب: ٦]. يقول: إلا
следующие страницы →