المطلب الرابع: التوارث بالمعاقدة والحلف
ذهب جمع من أهل العلم إلى أن التوارث بالمعاقدة (١)، والحلف (٢)، كان في أول الإسلام، ثم نُسخ ذلك، وجعل التوارث بالنسب والقرابة.
وممن صرح بالنسخ وقال به: ابن عباس (٣) ﵁، والحسن (٤)، وقتادة (٥)، وسفيان الثوري (٦)، والأوزاعي (٧)، ومالك (٨)، والشافعي (٩)، وأحمد بن حنبل (١٠)، وأبو داود السجستاني (١١)، و الببيهقي (١٢)، وابن السمعاني (١٣)، وابن قدامة (١٤).
стр. 2032
وذهب بعض أهل العلم إلى أن التوارث بالمعاقدة والحلف ليس بمنسوخ من الأصل، ولكن جُعل ذوى الأرحام أولى من موالي المعاقدة، فنُسخ ميراثهم في حال وجود القرابات، وهو باق لهم إذا فقد الأقرباء على الأصل الذي كان عليه. وممن قال بهذا: أبو بكر الجصاص الرازي (١).
ويظهر مما سبق أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة هو اختلافهم في مفهوم الأدلة التي تدل على نسخ التوارث باالمعاقدة والحلف، هل هو نسخ له مطلقاً أو هو نسخ له عند عدم وجود غيرهم من الورثة؟
ويستدل للقول بنسخ الميراث بالموالاة والمعاقدة مطلقاً بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ (٢).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ
стр. 2033
اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (١).
رابعاً: عن ابن عباس-﵄ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثة، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من النصر والرفادة (٢) والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له) (٣).
وفي رواية عنه ﵁ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال: (كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى
رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت) (٤).
стр. 2034
خامساً: عن ابن عباس-﵄-قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ كان الرجل يحالف الرجل، ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك الأنفال، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥] (١).
سادساً: عن ابن عباس-﵂ قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [سورة الأحزاب: ٦]. يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف (٢).
فهذه الأدلة تدل على أنه كان الرجل في أول الإسلام يتوارث بالمعاقدة والحلف والإخاء، ثم نسخ الله ذلك وجعل التوارث بالرحم والنسب والقرابة، وبقي للأولياء والحلفاء فعل المعروف من النصر والرفادة والنصيحة والوصية (٣).
стр. 2035
ويستدل لمن قال بنسخ التوارث بالمعاقدة والحلف عند وجود القرابات، وعدم نسخه عند عدمهم بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٢).
ثانياً: عن ابن عباس-﵂ قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [سورة الأحزاب: ٦]. يقول: إلا
стр. 2036
أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف (١).
رابعاً: عن تميم الداري ﵁ أنه قال: يا رسول الله ما السنة في رجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته» (٢).
стр. 2037
ويستدل من هذه الأدلة على نسخ التوارث بالحلف والمعاقدة عند وجود القرابات وعدم النسخ عند عدم القرابات: بأن بعض هذه الأدلة يدل على أنه كان في أول الإسلام التوارث بالحلف والمعاقدة، ثم نسخ الله ذلك فجعل التوارث بالنسب والقرابة، لكن هذا النسخ لم يكن كلياً بل جعل أولوا الأرحام أولى منهم؛ حيث قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. فدل ذلك أن عند وجود أولي الأرحام لا يتوارث الحلفاء؛ لأن أولوا الأرحام أولى منهم، أما عند عدم وجود القرابة وأولي الأرحام فإن الحلفاء يرثون، بدلالة هذه الآية، وكذلك بدلالة حديث تميم المذكور؛ حيث جاء فيه: (هو أولى الناس بمحياه ومماته)، فهو يقتضي أن يكون أولاهم بميراثه، إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في الميراث (١).
واعترض عليه: بأن التوارث الذي كان في الجاهلية وأول الإسلام بالحلف والمعاقدة والإخاء قد نسخ، ولا حلف بعد ذلك في الإسلام، فعن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة» (٢).
وعن عبد الله بن عمرو-﵄-أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم فتح مكة: «فوا بحلف، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا تحدثوا
стр. 2038
حلفاً في الإسلام» (١).
وإذا جاء النهي عن الحلف في الإسلام فكيف يتوارث به؟ (٢).
وأجيب عنه: بأن النهي إنما جاء عن الحلف بمعنى حلف الجاهلية، أما غيره فليس بمنهي عنه، بدليل الأحاديث الأخرى (٣).
واعترض على هذا الجواب: بأن الأحاديث التي جاء فيها ما يدل على جواز الحلف في الإسلام، فإنها تحتمل أن تكون منسوخة بالأحاديث التي تدل على أنه لا حلف في الإسلام (٤).
أما حديث تميم ﵁ فمع ما فيه من كلام لأهل العلم- ليس بصريح في التوارث، بل قوله: (هو أولى الناس بمحياه ومماته) يحتمل أن يراد به رعي الذمام والإيثار بالبر، ونحوهما من الأمور (٥).
وأجيب عن هذا: بأنه يحمل النهي عن الحلف في الإسلام بما كان بمعنى حلف الجاهلية، ولا يكون النسخ لمطلق الحلف والمعاقدة بدليل أحاديث الجواز؛ وذلك جمعاً بين هذه الأحاديث كلها.
وأن حديث تميم الداري ﵁ وإن ضعفه بعض أهل العلم فقد صححه
стр. 2039
بعض الآخرين، وهو وإن لم يكن صريحاً في أحقية الحليف بالميراث إلا أن احتمال ذلك احتمال أقوى وأولى من غيره؛ حيث ابتدر هذا الاحتمال إلى فهم الأكثرين، وقضى به عمر بن الخطاب ﵁ (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في التوارث بالحلف والمعاقدة بعد اتفاقهم على عدم التوارث به ما دام يوجد أحد من الأقارب وذوي الأرحام (٢)، على قولين:
القول الأول: يُتوارث بالحلف والمعاقدة إذا لم يوجد الوارث من الأقارب وذوي الأرحام.
وهو مذهب الحنفية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، وقول الحكم، وحماد، وإسحاق بن راهوية. وروى نحوه عن عمر بن الخطاب وابن مسعود-﵄ وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم النخعي (٥).
стр. 2040
وقد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (١).
القول الثاني: لا يتوارث به.
وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول جمهور أهل العلم (٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو التوارث بالحلف والمعاقدة عند عدم وجود أحد من القرابات وذوي الأرحام- بأدلة منها ما سبق في دليل القول بنسخ التوارث بالحلف والمعاقدة عند وجود أحد من الأقارب وذوي الأرحام.
ووجه الاستدلال منها هو: أن تلك الأدلة تدل على التوارث بالحلف والمعاقدة إلا أنه جُعلت الأقاربُ وذووا الأرحام أولى منهم، فدل ذلك على توارثهم عند عدم وجود أحد من الأقارب وذوي الأرحام (٦).
стр. 2041
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو عدم التوارث بالحلف والمعاقدة-بأدلة منها ما سبق في دليل القول بنسخ ما يدل على التوارث بالحلف والمعاقدة.
ووجه الاستدلال منها هو: أن تلك الأدلة تدل على أن التوارث بالحلف والمعاقدة قد نسخ، لذلك فلا يُتوارثُ به (١).
الراجح
بعد ذكر القولين في المسألة وأدلة كل قول يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو التوارث بالحلف والمعاقدة عند عدم وجود الأقارب وذوي الأرحام، كما هو القول الأول، وذلك لما يلي:
أولاً: لأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين الأدلة جميعاً؛ وذلك بحمل ما يدل على نسخ التوارث بالحلف والمعاقدة على ما إذا كان يوجد أحد من الأقارب وذوي الأرحام، وحمل ما يدل على التوارث به على ما إذا لم يوجد أحد منهم. والجمع بين الأدلة أولى من إلغاء بعضها. كما أن النسخ لا يصار إليه عند إمكان الجمع بين الأدلة (٢).
ثانياً: إن التوارث به جاء فيه بعض الآثار، وعضد ذلك قضاء عمر
стр. 2042
بن الخطاب ﵁، وهو مما يدل على أن التوارث بالحلف والمعاقدة لم ينسخ مطلقاً، بل يُتوارث به عند فقد الأقارب وذوي الأرحام، وإلا لما قضى به عمر بن الخطاب ﵁ (١).
ثالثاً: إن قول النبي ﷺ : «لا حلف في الإسلام» قاله ﷺ عند فتح مكة، كما جاء التصريح به في بعض الروايات، وحديث تميم الداري بعده؛ لأن تميم الداري ﵁ أسلم سنة تسع (٢)، ويظهر من روايات حديثه أنه سمع هذا الحديث من النبي ﷺ بعد إسلامه، فيكون فيه دلالة على أن نسخ التوارث بالحلف والمعاقدة ليس مطلقاً وكلياً، بل عند وجود أحد من الأقارب وذوي الأرحام، وأنه يتوارث به عند عدم وجود أحد منهم.
والله أعلم.
стр. 2043
المبحث الثاني: أحكام الرقيق
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عتق العبد إذا اسلم ومولاه كافر.
المطلب الثاني: بيع أمهات الأولاد.
стр. 2044
المطلب الأول: عتق العبد إذا اسلم ومولاه كافر
ذهب ابن حزم إلى أن العبد إذا أسلم وسيده كافر فإنه يصير حراً، وأن عدم عتق سلمان الفارسي ﵁ حين أسلم وسيده كافر حتى كاتب مولاه، قد نُسخ (١).
ولم أجد من صرح بالنسخ في المسألة غير ابن حزم، لكن لا خلاف بين أهل العلم في أن العبد إذا أسلم قبل سيده ولحق بالمسلمين أنه يصير حراً (٢).
وإن أسلم رقيق أهل الذمة فيجب عليهم بيعهم، ولا يبقون تحت ملكهم (٣).
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٤).
ثانياً: عن ابن عباس ﵁: حدثني سلمان الفارسي، فذكر حديثاً طويلاً وفيه: فقدم رجل من بني قريظة فابتاعني، ثم ذكر خبراً وفيه: فأسلمت وشغلني الرق حتى فاتتني بدر، ثم قال لي رسول الله ﷺ : «كاتب (٥). فسألت صاحبي ذلك، فلم أزل به حتى كاتبني على أن أحيي
стр. 2045
له ثلاثمائة نخلة، وبأربعين أوقية (١) من ذهب، فأخبرت رسول الله ﷺ بذلك، فقال لي: «اذهب ففقر (٢) لها، فإذا أردت أن تضعها فلا تضعها حتى تأتيني فتؤذنني فأكون أنا الذي أضعها بيدي» قال: فقمت بتفقيري وأعانني أصحابي حتى فقرت لها سربها ثلاثمائة سربة (٣)، وجاء كل رجل بما أعانني به من النخل، ثم جاء رسول الله ﷺ فجعل يضعه بيده ويسوي عليها ترابها ويبرك حتى فرغ منها، فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية (٤)، وبقيت الذهب فبينا رسول الله ﷺ إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابها من بعض المعادن، فقال ﵊: «ما فعل الفارسي المسكين المكاتب؟ أدعوه لي» فدعيت فجئت، فقال: «اذهب بهذه فأدها بما عليك من المال» فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليّ؟ فقال: «إن الله سيؤدي عنك ما عليك من المال» قال: فوالذي نفسي بيده لقد وزنت له منها أربعين أوقية حتى أوفيته الذي
стр. 2046
عليّ، قال: فأُعتق سلمان، وشهد الخندق وبقية مشاهد رسول الله ﷺ (١).
ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف فخرج إليه عبدان فأعتقهما، أحدهما أبو بكرة، وكان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا خرجوا إليه (٢).
وفي رواية عنه ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا جاؤوا قبل مواليهم) (٣).
رابعاً: عن الشعبي، عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسول الله ﷺ أن يرد إلينا أبا بكرة، فأبى علينا وقال: «هو طليق الله، وطليق رسوله» (٤).
ووجه الاستلال منها هو: أن حديث سلمان ﵁ يدل على عدم عتق العبد إذا أسلم ومولاه كافر، والآية الكريمة تدل على أن الله لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً. والأحاديث المذكورة تدل على أن النبي ﷺ كان يعتق من أسلم من عبيد الكفار ولحق بالمسلمين قبل أن يسلم موالاه. فتكون الآية الكريمة وهذه الأحاديث ناسخة لما يدل عليه
стр. 2047
حديث سلمان ﵁؛ لتأخرها عليه؛ لأن ما يدل عليه حديث سلمان ﵁ كان قبل غزوة الخندق، وحديث ابن عباس ﵁ والشعبي جاء فيه ذكر الطائف، وهو كان بعد فتح مكة. فثبت منه نسخ ما يدل عليه حديث سلمان ﵁، وأن العبد إذا أسلم قبل مولاه ولحق بالمسلمين أنه يصير حراً (١).
والله أعلم.
стр. 2048
المطلب الثاني: بيع أمهات الأولاد
ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز بيع أمهات الأولاد (١)، وأن ما ورد مما يدل على جواز بيعهن فإنه قد نسخ.
وممن صرح بنسخه: النووي (٢).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٣).
стр. 2049
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن جابر ﵁ يقول: (كنا نبيع سرارينا أمهات أولادنا، والنبي ﷺ فينا حيّ، لا نرى بذلك بأساً) (١).
وفي رواية عنه ﵁ قال: (بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا) (٢).
وفي رواية ثالثة عنه ﵁ قال: (كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ والنبي ﷺ بين أظهرنا، ثم ذُكر لي أنه زجر عن بيعهن بعد ذلك، وكان عمر يشتد في بيعهن) (٣).
стр. 2050
ثانياً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ (١).
ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما رجل ولدت أمته منه فهي معتقة عن دبر منه» (٢).
стр. 2051
رابعاً: عن ابن عباس ﵁ قال: ذُكرت أم إبراهيم (١) عند رسول الله ﷺ فقال: «أعتقها ولدها» (٢).
خامساً: عن ابن عمر-﵄-قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع أمهات الأولاد، لا يبعن، ولا يوهبن، ولا يورثن، يستمتع بها سيدها ما بدا له، فإذا مات فهي حرة) (٣).
стр. 2052
وفي رواية عنه ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبعها، ولا يهبها، ولا يُوَرِّثُها، وهو يستمتع بها، فإذا مات فهي حرة) (١).
سادساً: عن سعيد بن المسيب: أن عمر ﵁ أعتق أمهات الأولاد، وقال عمر: «أعتقهن النبي ﷺ ) (٢).
وفي رواية عنه أنه قال لما قيل له: أعمر أعتق أمهات الأولاد؟ قال:
стр. 2053
(لا، ولكن أعتقهن رسول الله ﷺ ) (١).
ويستدل منها على نسخ جواز بيع أمهات الأولاد بالوجهين التاليين:
أولاً: إن حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وكذلك الرواية الأولى والثانية لحديث جابر ﵁ يدل على جواز بيع أمهات الأولاد، وبقية الأحاديث تدل على عدم الجواز، فتكون أحاديث النهي ناسخة لما يدل على الجواز؛ لأن مع أحاديث النهي ما يدل على تأخرها على أحاديث الجواز؛ وهو ما جاء في إحدى طرق حديث جابر ﵁: (ثم ذُكر لي أنه زجر عن بيعهن بعد ذلك) (٢).
ثانياً: إن الأحاديث السابقة بعضها يدل على جواز بيع أمهات الأولاد، وبعضها يدل على عدم الجواز، فيكون ما يدل على عدم الجواز ناسخاً لما يدل على الجواز؛ لأن الصحابة-﵃ في زمن عمر ﵁ أجمعوا على منع بيع أمهات الأولاد، وما روي عن علي ﵁ من القول بالجواز في عهد خلافته فإنه قد رجع عن ذلك (٣)، كما أجمع أهل العلم
стр. 2054
في عصر التابعين على عدم جواز بيعهن، وانعقاد الإجماع على خلاف حكم ثابت يدل على نسخه (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في بيع أمهات الأولاد على قولين:
القول الأول: لا يجوز بيعهن.
وهو قول جمهور أهل العلم ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة (٢).
وممن روي عنه أو قال به: عمر، وعثمان، وعائشة-﵃، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وسالم، وإبراهيم النخعي، والزهري، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، والحسن بن حي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن حزم (٣).
القول الثاني: يجوز بيع أمهات الأولاد.
وهو قول داود الظاهري. وممن روي عنه ذلك أو قال به: علي، وابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري-رضي
стр. 2055
الله عنهم- (١).
الأدلة
أما القول الأول فيستدل لها بأدلة، منها ما يلي:
أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ، من الأدلة التي تدل على عدم جواز بيع أمهات الأولاد (٢).
ثانياً: إن الصحابة-﵃-أجمعوا على عدم جواز بيع أمهات الأولاد في عهد عمر ﵁، فعن عبيدة السلماني قال: سمعت علياً يقول: (اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، قال: ثم رأيت بعد أن يبعن). قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إليّ من رأيك وحدك في الفرقة-أو قال في الفتنة- قال: فضحك علي (٣).
وفي رواية عنه قال: خطب علي الناس فقال: (شاورني عمر بن الخطاب في أمهات الأولاد، فرأيت أنا وعمر أن أعتقهن، فقضى به عمر حياته، وعثمان حياته، فلما وليت رأيت أن أرقهن). قال عبيدة: فرأي
стр. 2056
عمر وعلي في الجماعة أحب إليّ من رأي عليّ وحده (١).
ففي هذا الأثر أن الصحابة-﵃ أجمعوا على عدم جواز بيع أمهات الأولاد، في عهد عمر بن الخطاب ﵁، وهذا الإجماع وإن لم يكن من الإجماع المقطوع به؛ حيث خالفه البعض بعد ذلك، إلا أنه حجة، ورأي الموافق في زمن الاتفاق خير من رأيه في الخلاف بعده، فيكون الاتفاق حجة على المخالف له منهم كما هو حجة على غيره (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو جواز بيع أمهات الأولاد-بحديث جابر، وأبي سعيد الخدري-﵄-وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ؛ فإنهما يدلان على جواز بيع أمهات الأولاد (٣).
ويعترض عليه: بأن ما يدل على الجواز يحتمل أنه كان قبل النهي عن بيعهن، ثم جاء النهي عن بيعهن، كما يدل على ذلك بعض الروايات، وإجماع الصحابة-﵃ على عدم جواز بيعهن في عهد عمر
стр. 2057
-﵁ يقوى هذا الاحتمال (١).
الراجح
بعد عرض القولين في المسألة وما استدل به لكل قول يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الأول، وهو عدم جواز بيع أمهات الأولاد، وذلك لما يلي:
أ- لأن الأدلة التي يستدل بها لهذا القول من الأخبار المرفوعة وإن كان كل منها لا تخلو من مقال، إلا أنها بمجموعها تدل على أن لها أصلاً، ويقويها أثر عمر ﵁، وكذلك اتفاق الصحابة-﵃ على وفقها في زمنه.
ب- ولأن الصحابة-﵃-أجمعوا على عدم جواز بيعهن في عهد عمر ﵁، كما سبق ذكره، وهو وإن لم يكن من الإجماع القطعي إلا أنه حجة، ورأي الموافق في زمن الاتفاق خير من رأيه في الخلاف بعده، فيكون الاتفاق حجة على المخالف له منهم كما هو حجة على غيره (٢).
стр. 2058
ج- ولأن الأحوط أن يجتنب عن بيعهن؛ لأن أقل أحواله أن يكون من الأمور المشتبهة، والمؤمنون وقّافون عندها (١)؛ فإن النبي ﷺ قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢).
ثانياً: إن القول بنسخ ما يدل على جواز بيعهن، له وجه واحتمال قوي؛ لأن مع الأدلة التي تدل على عدم جواز بيعهن ما يدل على تأخرها على ما يدل على جواز بيعهن، فتكون ناسخة له، وهو ما جاء في إحدى طرق حديث جابر ﵁ (ثم ذُكر لي أنه زجر عن بيعهن بعد ذلك)، ويقوى هذا باتفاق الصحابة-﵃-على عدم جواز البيع في عهد عمر ﵁؛ والإجماع لا ينسخ به، لكنه يدل على وجود ناسخ، كما سبق بيانه.
والله أعلم.
المطلب الأول: عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ .
ذهب بعض أهل العلم إلى أن عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١). قد نسخ، وأن المحرمات نكاحهن (٢) ليست محصورة فيما ذكر في هذه الآية وفيما قبلها من الآيات.
وممن صرح بالنسخ أو روي عنه: عطاء (٣)، وأبو جعفر النحاس (٤)، وابن الهمام (٥).
ولا خلاف بين أهل العلم في أن المحرمات نكاحهن المذكورات في هذه الآيات ليست كل المحرمات نكاحهن، وأن السنة جاءت فيها زيادة على المحرمات المذكورات في هذه الآيات. لكنهم اختلفوا في هذه الزيادة هل هو نسخ لعموم هذه الآية، أو تخصيص له (٦).
стр. 2062
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (١).
ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها» (٢).
ثالثاً: عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تُنكح المرأة على عمتها أو خالتها) (٣).
رابعاً: عن عائشة-﵂-قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» (٤).
стр. 2063
خامساً: عن ابن عباس-﵄-قال: قال النبي ﷺ في بنت حمزة: «لا تحل لي، يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، هي ابنة أخي من الرضاعة» (١).
ويستدل من هذه الأدلة على النسخ بالوجهين التاليين:
أولاً: أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ناسخ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ لأن عمومه يدل على جواز نكاح المشركات، ولا خلاف في عدم جواز نكاح المشركات الآن، فيثبت منه نسخ عمومه به؛ إذ لو تقدم قوله ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ على قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فإنه يلزم منه حل المشركات وهو منتف، أو تكرار النسخ وحاصله خلاف الأصل (٢).
ثانياً: أن قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يدل بعمومه على جواز نكاح غير من ذكرن في الآيات السابقة على هذه الآية، وقد
стр. 2064
جاء في هذه الأحاديث محرمات زائدة على المذكورات في تلك الآيات، فتكون هذه الأحاديث ناسخة لعموم هذه الآية (١).
واعترض عليهما: بأن عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ خص بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وبالأحاديث السابقة التي جاء فيها ذكر محرمات غير ما ذكر في الآيات السابقة على الآية المذكورة، وهذا تخصيص وليس نسخاً (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم نكاح من ذكرن في الآيات القرآنية وما ثبت في الأحاديث النبوية الصحيحة (٣).
وذلك لأدلة كثيرة، منها ما ذكر في دليل القول بالنسخ (٤).
стр. 2065
الراجح
والذي يترجح عندي-والله أعلم بالصواب-هو أن تخصيص عموم الآية بغيرها من الأدلة أولى من القول بالنسخ؛ لأنه لا تعارض بين العام والخاص، فيعمل بالعام إلا فيما خص منه، وبذلك يجمع بين تلك الأدلة كلها، وما دام الجمع بين الأدلة ممكناً فإنه لا يصار معه إلى القول بالنسخ (١).
والله أعلم.
стр. 2066
المطلب الثاني: المرأة إذا نكحت نفسها بغير ولي
ذهب بعض الحنفية إلى جواز أن تنكح المرأة نفسها بغير وليها، وأن ما يستدل منه على عدم جواز ذلك فإن بعضه محتمل لأكثر من احتمال، وبعضه منسوخ (١).
وذهب ابن حزم إلى عدم جواز أن تنكح المرأة نفسها بغير وليها، وأن ما يستدل منه على جواز ذلك فإنه منسوخ (٢).
وظهر منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن السبب الآخر لاختلافهم فيها هو تعارض الأدلة، وكونها محتملة لأكثر من معنى، والخلاف في صحة بعضها (٣).
ويستدل للقول بنسخ ما يستدل منه على عدم جواز أن تنكح المرأة نفسها بغير ولي بما يلي:
أولاً: عن عائشة-﵂-أن رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا
ثانياً: عن أم سلمة-﵂-قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ بعد وفاة أبي سلمة (١)، فخطبني إلى نفسي، فقلت: يا رسول الله إنه ليس أحد من أوليائي شاهداً، فقال: «إنه ليس منهم شاهد ولا غائب يكره ذلك» قالت: قم يا عمر، فزَوِّج النبي ﷺ ، فتزوجها (٢).
стр. 2069
ثالثاً: عن ابن عباس-﵄: (أن النبي ﷺ نكح ميمونة وهو محرم، جعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها إياه) (١).
رابعاً: عن أنس ﵁: (أن أبا طلحة ﵁ خطب أم سليم، فقالت: يا
стр. 2070
أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد خشبة نبتت من الأرض نجّرها حبشي بني فلان؟ إن أنت أسلمت لم أرد منك من الصداق غيره. قال: حتى أنظر في أمري. قال: فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ، قالت: يا أنس زوج أبا طلحة) (١).
خامساً: عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة-﵂-زوج النبي ﷺ زوجت حفصة بنت عبد الرحمن (٢)، المنذر بن الزبير (٣)، وعبد الرحمن غائب بالشام، فلما قدم عبد الرحمن قال: ومثلي يصنع هذا به؟ ومثلي يفتات عليه؟ فكلمت عائشة المنذر بن الزبير، فقال المنذر: فإن ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت لأرُدّ أمراً