← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

اختلاف الآثار الواردة فيها سبب آخر للاختلاف فيها (١). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن جابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع-﵄-قالا: كنا في جيش فأتانا رسول رسول الله ﷺ فقال: «إنه قد أُذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا» (٢). وفي رواية عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس (٣)، في المتعة ثلاثاً، ثم نهى عنها» (٤). ثانياً: عن عبد الله ﵁ يقول: (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة

стр. 2102

بالثوب إلى أجل. ثم قرأ عبد الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة المائدة: ٨٧]) (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فتطول عزبتنا (٢)، فقلنا: ألا نختصي يا رسول الله! فنهانا، ثم رخص لنا أن نتزوج المرأة إلى أجل بالشيء، ثم نهانا عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية) (٣). ثالثاً: عن علي ﵁ أنه قال لابن عباس-﵄: (إن النبي ﷺ نهى عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر) (٤). وفي رواية عنه ﵁ أنه سمع ابن عباس يلين في متعة النساء، فقال: (مهلاً يا ابن عباس! فإن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية) (٥).

стр. 2103

وفي رواية أخرى عنه ﵁ أنه قال لابن عباس ﵁ لما كلمه في متعة النساء: إنك امرؤ تائه (١)، «إن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء في حجة الوداع» (٢). وفي رواية رابعة عنه ﵁ أنه سمع النبي ﷺ ينهى عن متعة النساء، ويقول: «هي حرام إلى يوم القيامة» (٣). وفي رواية خامسة عنه ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المتعة»، وقال: (إنما كانت لمن لم يجد، فلما أنزل الله النكاح، والطلاق، والميراث بين الزوج والمرأة، نُسخت) (٤). رابعاً: عن سبرة الجهني ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ ، فقال: «يا أيها

стр. 2104

الناس! إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخلّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج منها حتى نهانا عنها) (٢). وفي رواية أخرى عنه ﵁ أنه حدث: «أن رسول الله ﷺ نهى عنها في حجة الوداع» (٣). خامساً: عن ابن الشهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: (إن ناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى

стр. 2105

أبصارهم، يفتون بالمتعة. يعرِّض برجل، فناداه فقال: إنك لجلف (١) جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين-يريد رسول الله ﷺ فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك، فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك. قال ابن شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله (٢)، أنه بينا هو جالس عند رجل (٣)، جاءه رجل فاستفتاه في المتعة، فأمره بها، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري (٤): مهلاً. قال: ما هي؟ والله لقد فُعلت في عهد إمام المتقين. قال ابن أبي عمرة: (إنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها، كالميتة والدم ولحم الخنزير، ثم أحكم الله الدين ونهى عنها) (٥). سادساً: عن ابن عمر ﵁ قال: لما وليَ عمر بن الخطاب

стр. 2106

-﵁ خطب الناس، فقال: (إن رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثاً، ثم حرمها، والله لا أعلم أحداً يتمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة، إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله ﷺ أحلها بعد إذ حرمها) (١). سابعاً: عن ابن عمر-﵄-قال: (نهى رسول الله ﷺ عام غزوة خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن متعة النساء، وما كنا مسافحين (٢) (٣).

стр. 2107

ثامناً: عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فنزل ثنية الوداع (١)، فرأى مصابيح ونساء يبكين، فقال: «ما هذا؟» فقيل: نساء تمتع بهن أزواجهن وفارقوهن. فقال رسول الله ﷺ : «إن الله حرم (أو هدم (٢) المتعة بالطلاق والنكاح والعدة والميراث» (٣).

стр. 2108

تاسعاً: عن جابر ﵁ يقول: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك، حتى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام، جئن نسوة فذكرنا تمتعنا وهن يجلنا في رحالنا، أو قال: يطفن في رحالنا، فجاءنا رسول الله ﷺ فنظر إليهن، فقال: «من هؤلاء النسوة؟» فقلنا: يا رسول الله نسوة تمتعنا منهنّ، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، وتمعر لونه، واشتد غضبه، فقام فينا فحمد الله وأثنى عليه، ثم نهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ الرجال والنساء، ولم نعد ولا نعود لها أبداً، فبها سميت يومئذ ثنية الوداع) (١). عاشراً: عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. [سورة النساء: ٢٤]. قال: نسختها ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [سورة الطلاق: ١] (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: (كانت في أول الإسلام متعة النساء، فكان الرجل يقدم بسلعته البلد، ليس له من يحفظ عليه ضيعته، ويضم إليه متاعه،

стр. 2109

فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يقضي حاجته، وقد كانت تُقرأ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ -إلى أجل مسمى- فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. الآية، حتى نزلت: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [سورة النساء: ٢٣ - ٢٤]. فتركت المتعة، وكان الإحصان إذا شاء طلق وإذا شاء أمسك، ويتوارثان، وليس لهما من الأمر شيء) (١). ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إنها تدل بمجموعها على أن المتعة كانت مباحة في صدر الإسلام، وأبيحت في بعض الغزوات، ثم نهى النبي ﷺ عنها، وحرمها بعد فتح مكة تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة، وأكد على تحريمها عند الخروج لغزوة تبوك، ثم في حجة الوداع. فكان هذا النهي والتحريم ناسخاً للإباحة السابقة؛ لذلك يحرم نكاح المتعة ولا يباح في حال من الأحوال (٢).

стр. 2110

هذا وقد اختلف بعض أهل العلم القائلين بنسخ نكاح المتعة في موضعين منه: الأول: في تاريخ نسخ المتعة، وهل نسخت مرة أم تكرر نسخها. والثاني: هل هي من ناسخ القرآن ومنسوخه أي بأنها كانت مباحة بالقرآن ثم نسخت به، أم هي من ناسخ الحديث ومنسوخه. أما الأول: وهو تاريخ نسخ المتعة، فقد اختلف فيه أهل العلم على ثلاثة أقوال، وهي: القول الأول: إن المتعة نسخت مرتين؛ حيث إنها كانت مباحة قبل خيبر، ثم نسخت و حرمت يوم خيبر، كما يدل عليه بعض الأحاديث منه حديث علي ﵁. ثم أبيحت عام فتح مكة، وهو عام أوطاس أيضاً، ثم بعد أيام من الإباحة نسخت وحرمت تحريماً مؤبداً، كما يدل عليه بعض الأحاديث منه حديث سلمة بن الأكوع، وسبرة-﵄. وهذا القول اختاره بعض أهل العلم منهم: الإمام الشافعي، وابن العربي، والنووي (١). القول الثاني: إن المتعة نسخت مرة واحدة؛ حيث إنها كانت مباحة قبل عام الفتح ثم عام الفتح بعد الإذن بها أياماً نسخت وحرمت إلى يوم

стр. 2111

القيامة، كما يدل عليه بعض الأحاديث منه حديث سبرة ﵁. قالوا: وحديث عليّ الذي يدل على تحريمها، فإنه روي بألفاظ مختلفة، والصحيح منه هو الرواية الأولى وهي: (إن النبي ﷺ نهى عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر). فقوله: (نهى عن المتعة) كلام مكتفياً بما فيه، وزمن خيبر يتعلق بلحوم الحمر الأهلية، فتوهم بعض الرواة أن يوم خيبر ظرف لتحريمهن فرواه بغيره من الألفاظ؛ لذلك فلا يكون في حديث عليّ ﵁ دلالة على نسخ المتعة يوم خيبر، بل النهي عنها كان عام فتح مكة، فيكون حديث علي ﵁ موافقاً لحديث سبرة ﵁. وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، منهم: سفيان بن عيينة، وأبو عبيد، واختاره ابن القيم (١). ويعكر على هذا القول: بأنه لا يساعده جميع الروايات لحديث علي ﵁ مع أنها كذلك صحيحة، كما أنه جاءت روايات أخرى عن بعض الصحابة-﵃ غير عليّ ﵁ تدل على أن النهي عنها كان يوم خيبر (٢). القول الثالث: إن المتعة كانت مشروعة في صدر الإسلام وفي حالات أسفارهم؛ لذلك نهاهم عنها غير مرة، ثم أباحها لهم في أوقات

стр. 2112

مختلفة حتى حرمها عليهم في آخر أيامه ﷺ وذلك في حجة الوداع، وكان تحريم تأبيد لا تأقيت، فكان ذلك ناسخاً لما سبقه من الإباحة. وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، منهم الحازمي (١). وهذا القول له وجه؛ لأن الأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ تدل على ما يلي: ١ - إن المتعة كانت مباحة، ثم نهى عنها النبي ﷺ في غزوة خيبر، وهذا يدل عليه حديث علي، وابن مسعود، وابن عمر-﵃. وهي أحاديث صحيحة. ٢ - إن النبي ﷺ أذن عام فتح مكة في المتعة، ثم نهي عنها قبل الخروج منها. وهذا يدل عليه حديث سبرة ﵁، وهو كذلك حديث صحيح. ٣ - إن النبي ﷺ أذن عام أوطاس في المتعة ثم نهى عنها بعد ثلاثة أيام. وهذا يدل عليه حديث سلمة بن الأكوع ﵁، وهو كذلك صحيح. ٤ - إن النبي ﷺ نهى عن المتعة وحرمها عند الخروج لغزوة تبوك. وهذا يدل عليه حديث أبي هريرة، وجابر-﵄، وليس فيهما ما يدل على الإذن فيها. وفي إسناد الحديثين كلام، لكن يقوي بعضهما البعض. ٥ - إن النبي ﷺ نهى عن المتعة في حجة الوداع، وهذا يدل عليه إحدى رواية كل من حديث علي، وحديث سبرة ﵄. وهما حديثان صحيحا الإسناد.

стр. 2113

ثم حديث علي ﵁ ليس فيه ما يدل على الإذن بها. أما حديث سبرة ﵁ فجاء في بعض طرقه الإذن بها ثم النهي عنها. وقد تكلم عليه بعض أهل العلم (١). ٦ - إن النبي ﷺ نهى عن المتعة، وقال: (هي حرام إلى يوم القيامة). وهذا يدل عليه إحدى رواية كل من حديث علي، وحديث سبرة ﵄. ثم حديث علي ﵁ ليس فيه ما يدل على تعين تاريخه. أما حديث سبرة ﵁ فجاء في بعض طرقه أن النبي ﷺ قال ذلك في حجة الوداع (٢)، وفي

стр. 2114

بعضه أنه ﷺ قاله عام فتح مكة (١). فظاهر هذه الأحاديث يدل على أن الإذن بالمتعة ثم النهي عنها ونسخها وقع عدة مرات (٢). لكن قوله ﷺ «هي حرام إلى يوم القيامة» إن كان قاله ﷺ عام فتح مكة فلا يصح الإذن بالمتعة بعد ذلك؛ لأنه يدل على تأبيد التحريم إلى يوم القيامة، لذلك فلا يكون بعد ذلك إباحة لها (٣). أما إن كان ﷺ قاله في حجة الوداع، ولم يقله قبل ذلك فليس ما يمنع من الإذن بها بعد ذلك، ومجرد النهي عنها ليس دليلاً على المنع التأبيدي؛ لأن النهي عنها قد ثبت يوم خيبر ثم ثبت الإذن بها عام فتح مكة، ثم نهى عنها ﷺ بعد ذلك. أما الثاني، وهو هل نسخ المتعة من ناسخ القرآن ومنسوخه أم من ناسخ الحديث ومنسوخه، فقد اختلف فيه أهل العلم كذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن المتعة كانت مباحة بالقرآن، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَا

стр. 2115

اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. (١) فإن المراد به نكاح المتعة؛ لذلك قرأه أبي بن كعب، وابن عباس-﵃-وسعيد بن جبير: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ -إلى أجل مسمى- فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٢)، ثم نسخت بالقرآن، فروي عن عليّ ﵁ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المتعة»، وقال: (إنما كانت لمن لم يجد، فلما أنزل الله النكاح، والطلاق، والميراث بين الزوج والمرأة، نُسخت) (٣). وفي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إن الله حرم (أو هدم) المتعة بالطلاق والنكاح والعدة والميراث» (٤). وعن ابن مسعود ﵁ قال: (نسخها الطلاق والعدة والميراث) (٥). وقال سعيد بن المسيب: (نسخها الميراث) (٦). وروي كذلك نسخ المتعة بالقرآن عن: عائشة، وابن عباس-رضي الله

стр. 2116

عنهم-والقاسم بن محمد، وسالم، وعروة. ونسبه القرطبي إلى الجمهور (١). القول الثاني: إن المتعة دل على إباحتها ثم نسخها سنة النبي ﷺ ، فهي من ناسخ الحديث ومنسوخه، وليست من ناسخ القرآن ومنسوخه. وقد سبق جملة من الأحاديث الدالة على إباحتها ثم نسخها. قالوا: وأما قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. (٢) فليس المراد به نكاح المتعة، بل المراد به عقدة النكاح، وهو النكاح الشرعي الذي يكون بإذن الولي وشاهدين، والمراد بأجورهن الصدقات والمهور، وسياق الآية الكريمة يدل على هذا المعنى. روي هذا عن ابن عباس ﵁، وهو قول الحسن، ومجاهد، ونسبه ابن الجوزي إلى الجمهور (٣). قالوا: أما القراءة التي جاء فيها: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ -إلى أجل

стр. 2117

مسمى- فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فهي قراءة شاذة لا اعتبار لها ولا ينبني عليها حكم (١). القول الثالث: إن المتعة كانت مباحة بالسنة، ثم حرمت ونسخت بالقرآن والسنة. وقد سبق في دليل القول بالنسخ ما يدل على نسخها بالكتاب والسنة، من حديث علي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وسبرة، وغيرهم-﵃. وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو جعفر النحاس (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى إباحة المتعة. روي ذلك عن بعض الصحابة وبعض التابعين، ثم رجعوا عن قولهم ذلك إلا من شذ منهم، فكان كالإجماع على تحريمها (٣).

стр. 2118

قال أبو عبيد: (فالمسلمون اليوم مجمعون على هذا القول: أن متعة النساء قد نسخت بالتحريم، ثم نسخها الكتاب والسنة، على ما ذكرناه في هذه الأحاديث، ولا نعلم أحداً من الصحابة كان يترخص فيها، إلا ما كان من ابن عباس فإنه كان ذلك معروفاً من رأيه، ثم بلغنا أنه رجع عنه-إلى أن قال: -وأما قول أهل العلم اليوم جميعاً من أهل العراق، وأهل الحجاز، وأهل الشام، وأصحاب الأثر، وأصحاب الرأي وغيرهم: أنه لا رخصة فيها لمضطر ولا لغيره، وأنها منسوخة حرام على ما ذكرنا من النبي ﷺ وأصحابه، مع أنه قد روي عن ابن عباس شيء شبيه بالرجوع عن

стр. 2119

قوله الأول) (١). وقد روي عن ابن عباس ﵁ في ذلك ثلاثة أقوال على النحو التالي: القول الأول: إن المتعة مباحة مطلقاً. وهذا قد ثبت عنه وصح، فقد سبق في أدلة القول بالنسخ في رواية الزهري أنه جاءه رجل فاستفتاه في المتعة، فأمره بها، وقال: (والله لقد فُعلت في عهد إمام المتقين) (٢). القول الثاني: إنها تباح عند الضرورة. وهذا ثابت عنه كذلك (٣)، فعن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس ﵁ يُسأل عن متعة النساء فرخص، فقال له مولىً له: (إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة أو نحوه، فقال ابن عباس: نعم) (٤). القول الثالث: إنها محرمة ولا تجوز مطلقاً. وقد روي عنه ﵁ ما يدل على هذا، لكنه لم يثبت عنه صراحة (٥). ومما يدل على قوله هذا ما روي عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَمَا

стр. 2120

اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. قال: نسختها ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١). الراجح والراجح بلا شك هو القول بتحريم نكاح المتعة ونسخها؛ وذلك لما يلي: أولاً: لأن كل مرة ثبت الإذن بإباحة المتعة فإنه جاء بعده النهي عنها، كما ذكر ذلك في حديث ابن مسعود، وسلمة بن الأكوع، وسبرة-﵃. وهو دليل صريح على نسخها وتحريمها. ثانياً: إن حديث سبرة، وعلي-﵄-جاء فيهما قوله ﷺ : «إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة»، فهما يدلان على نسخ المتعة وتأبيد تحريمها إلى يوم القيامة (٢). ثالثاً: إن تحريم المتعة وإن كان فيه شيء من الخلاف في الصدر الأول إلا أنه انقرض بعد مدة، وحصل الإجماع على تحريمها، كما صرح به غير واحد من أهل العلم (٣). رابعاً: إن عمر ﵁ لما نهى عن المتعة وبين نسخها وحرمتها، لم ينكر عليه

стр. 2121

أحد حتى ابن عباس ﵁، فعن ابن عمر ﵁ أنه سُئل عن المتعة، فقال: حرام. فقيل له: إن عباس يفتي بها، فقال: (فهلا تزمزم بها في زمن عمر) (١). وقد نهى عنها عمر على المنبر وبين حرمتها ونسخها، كما سبق ذكره في حديث ابن عمر ﵁، فلو كان عند أحد دليل على إباحتها بعد النهي الأخير لذكره ولأنكر على عمر ﵁ قوله ذلك. خامساً: إن كتاب الله تعالى يدل على تحريم المتعة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٢). فإن من ابتغى غير ما زوَّجَه الله أو ملَّكه فقد عدا، ونكاح المتعة ليست واحدة منهما (٣). والله أعلم.

стр. 2122

المطلب الرابع: حكم العزل ذهب بعض أهل العلم إلى جواز العزل (١)، وأن ما يدل على عدم جوازه فإنه منسوخ. وممن صرح به: الطحاوي (٢). وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز العزل، لا عن حرة، ولا عن أمة، وأن ما ورد مما يدل على إباحته فإنه قد نسخ (٣). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة. كما أن اختلاف الآثار الواردة فيها، والاختلاف في مفهوم تلك الآثار سبب آخر لاختلافهم فيها (٤). ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على عدم جواز العزل بما يلي: أولاً: عن جابر ﵁ قال: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، والقرآن ينزل) (٥).

стр. 2123

وفي رواية عنه ﵁ قال: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينهنا) (١). ثانياً: عن جابر ﵁ أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا (٢)، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال: «اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها»، فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت، فقال: «قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها» (٣). ثالثاً: عن جابر ﵁ قال: قلنا يا رسول الله إنا كنا نعزل، فزعمت اليهود أنها الموءودة (٤) الصغرى، فقال: «كذبت يهود، إن الله إذا أراد أن يخلقه لم يمنعه» (٥).

стр. 2124

رابعاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أصبنا سبياً فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: «أو إنكم لتفعلون؟ -قالها ثلاثاً-ما من نسمة (١) كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة» (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة بلمصطلق فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل، فقلنا: نفعل ذلك ورسول الله ﷺ بين أظهرنا لا نسأله! فسألنا رسول الله ﷺ فقال: «لا عليكم أن لا تفعلوا. ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون» (٣). وفي رواية أخرى عنه ﵁ قال: ذُكر العزل عند رسول الله ﷺ فقال: «ولم يفعل ذلك أحدكم؟ (ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم) فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها» (٤). وفي رواية رابعة عنه ﵁ يقول: سُئل رسول الله ﷺ عن العزل؟

стр. 2125

فقال: «ما من كل الماء يكون منه الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء» (١). خامساً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي جارية وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل موءودة الصغرى، قال: «كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه» (٢). سادساً: عن أبي هريرة ﵁ أن اليهود كانت تقول: إن العزل هو الموءودة الصغرى، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلق خلقاً لم يمنعه-أحسبه قال-شيء» (٣).

стр. 2126

سابعاً: عن جدامة بنت وهب (١)، أخت عكاشة-﵂-قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس، وهو يقول: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة (٢)، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم ذلك شيئاً»، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ : «ذلك الوأد الخفي» (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث غير حديث جدامة-﵂-تدل على جواز العزل، وحديثها يدل على كراهته، فتكون هذه الأحاديث ناسخة لحديثها؛ لأن في حديث جابر وأبي سعيد-﵄-أن اليهود كانت تزعم أن العزل هو الوأد الخفي، فكان ذلك من قولهم، فيحتمل أن يكون رسول الله ﷺ سأل اليهود عن حكم العزل؛ حيث كان ﷺ مأموراً باتباع هداية من قبله من الأنبياء، فذكروا له أنه الوأد الخفي، فأخبر به النبي ﷺ من سأله، وقد كان اليهود أخبروه بذلك فكذبوه، ثم أخبر الله نبيه ﷺ بشريعته، وبين له كذب اليهود، فلما سأله الصحابة بعد ذلك أخبرهم بجواز العزل وأن القول بأنه الوأد الخفي من كذب اليهود، فيكون حديث جدامة-﵂ قاله ﷺ على وفق ما كان عليه الأمر أولاً من

стр. 2127

موافقة أهل الكتاب فيما لم يوح إليه، ثم أعلمه الله بالحكم، فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه، فتكون أحاديث الجواز بعده، وتكون ناسخة لحديث جدامة-﵂ (١). واعترض عليه بما يلي: أ- أن النبي ﷺ لا يجزم بشيء تبعاً لليهود، ثم يصرح بتكذيبهم فيه (٢). ب- إنه لا دليل يدل على تأخر أحد الحديثين على الآخر، حتى يكون ناسخاً له، و النسخ لا بد فيه من ذلك (٣). ج- إنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث بوجوه منها: حمل ما يدل على النهي على الكراهة التنزيهية، وحمل ما يدل على خلافه على الجواز. وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار معه إلى النسخ ولا إلى ترك بعضها (٤). دليل من قال بنسخ ما يدل على جواز العزل ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على جواز العزل، بنفس الأحاديث السابقة في دليل القول السابق. ويستدل منها على النسخ: بأن تلك الأحاديث غير حديث جدامة

стр. 2128

-﵂-تدل على جواز العزل، وحديثها يدل على تحريمه، فتكون تلك الأحاديث منسوخة بحديثها؛ لأن تلك الأحاديث توافق أصل الإباحة، وحديث جدامة ناقل عن الأصل فيكون ناسخاً لها (١). واعترض عليه بما يلي: أ-الاعتراضين الأخيرين اللذين اعترض بهما على وجه استدلال القول السابق. ب- إن مجرد نقل حكم الشيء عن الإباحة السابقة لا يسمى نسخاً له، حتى يوجد ما يدل على أن الإباحة التي نقل منها كان حكماً شرعياً، فمثلاً زيارة القبور كان على الإباحة الأصلية، وقد كان النبي ﷺ نهى عنها، ولم يجعل أحد ذلك النهي بنسخ للإباحة السابقة، ثم لما أمر النبي ﷺ بزيارتها، صار النهي السابق منسوخاً به. هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم العزل على أربعة أقوال: - القول الأول: يجوز العزل، لكن لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها. وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣). وروي الرخصة فيه عن: عليّ،

стр. 2129

وسعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن عباس، والحسن بن علي-﵃، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وعطاء، والنخعي (١). القول الثاني: يكره العزل مطلقاً، ولا يعزل عن الحرة إلا بإذنها. وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وروي كراهته عن: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر-﵃ (٤). القول الثالث: يحرم العزل مطلقاً. وهو قول ابن حزم (٥). القول الرابع: يجوز العزل مطلقاً. وهو قول بعض أهل العلم (٦).

стр. 2130

الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو جواز العزل لكنه لا يكون عن الحرة إلا بإذنها-بما يلي: أولاً: الأحاديث التي سبق ذكره في دليل القول بالنسخ غير حديث جدامة-﵂. ثانياً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يسأل عن العزل، فقال رسول الله ﷺ : «لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولداً أو ليخرج منها، وليخلقن الله ﵎ نفساً هو خالقها» (١). ثالثاً: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها) (٢). رابعاً: عن ابن عباس ﵁ قال: (تستأمر الحرة في العزل، ولا تستأمر

стр. 2131

الأمة) (١). خامساً: عن عبد الله بن عدي بن الخيار (٢)، قال: تذاكر أصحاب رسول الله ﷺ عند عمر العزل، فاختلفوا فيه، فقال عمر: (قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم؟) إذ تناجى رجلان، فقال عمر: (ما هذه المناجاة؟) قال: إن اليهود تزعم أنها الموءودة الصغرى، قال علي: (إنها لا تكون موءودة حتى تمر بالتارات السبع: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إلى أخر الآية [سورة المؤمنون: ١٢].) (٣). وعن رفاعة ﵁ (٤)، قال: جلس إلى عمر عليّ والزبير، وسعد-﵃-في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتذاكروا العزل، فقالوا: لا بأس به، فقال رجل: إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى، فقال عليّ ﵁: (لا تكون

стр. 2132

موءودة حتى تمر عليها التارات السبع: حتى تكون من سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة (١)، ثم تكون مضغة (٢)، ثم تكون عظاماً، ثم تكون لحماً، ثم تكون خلقاً آخر)، فقال عمر ﵁: (صدقت أطال الله بقاءك) (٣). سادساً: عن عطاء أن رجلاً قال لابن عباس: إن ناساً يرون أنها الموءودة الصغرى، يعني العزل، فقال: (سبحان الله، تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاماً، ثم تكسى العظام لحماً، فقال: بيده فجمع أصابعه ثم مدها في السماء، وقال: العزل قبل هذا كله، كيف يكون موءودة؟ ثم ينفخ فيه الروح، فيكون العزل قبل هذا كله) (٤). فهذه الأدلة بعضها يدل على جواز العزل، وبعضها يدل على جوازها لكن بإذن الحرة، فيثبت من مجموعها جواز العزل، وأن الحرة لا يعزل عنها إلا بإذنها (٥). واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث تدل على جواز العزل، لكن في بعضها إشارة إلى الكراهة، كما أن هناك من الأدلة ما يدل على كراهته،

стр. 2133

لذلك يكون القول بالجواز مع الكراهة أولى جمعاً بين الأدلة (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو كراهة العزل، وأنه لا يكون عن الحرة إلا بإذنها- بما يلي: أولاً: الأدلة التي سبق ذكرها في دليل القول السابق. ثانياً: حديث جدامة-﵂، وقد سبق ذكره في دليل القول بالنسخ. ثالثاً: عن ابن مسعود ﵁ قال: (كان نبي الله ﷺ يكره عشرة خلال: الصفرة-يعني الخلوق-وتغيير الشيب، وجر الإزار، والتختم بالذهب، والتبرج بالزينة لغير محلها، والضرب بالكعاب (٢)، والرقى إلا بالمعوذات، وعقد التمائم (٣)، وعزل الماء لغير أو غير محله أو عن محله، وفساد الصبي، غير محرمه) (٤).

стр. 2134

رابعاً: عن معقل بن يسار ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لا»، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم» (١). خامساً: عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا غشي الرجل أهله فليصدقها، فإن قضى حاجته ولم تقض حاجتها فلا يعجلها» (٢). ووجه الاستدلال منها: أن الأدلة التي سبقت في دليل القول السابق تدل على جواز العزل، لكن حديث جدامة وابن مسعود-﵄-ظاهران في النهي عنه، فيحملان على الكراهة التنزيهية؛ جمعاً بين الأدلة كلها. وحديث معقل وأنس-﵄-كذلك فيهما إشارة إلى كراهة

стр. 2135

العزل؛ لأن النبي ﷺ رغب في تزويج الولود لتكثير النسل، والعزل مخالف له، ولا يتحقق كمال قضاء حاجتها مع العزل، وحديث أنس ﵁ يدل على عدم العجلة عن قضاء حاجتها. فيثبت من مجموع هذه الأدلة جواز العزل مع الكراهة (١). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو تحريم العزل مطلقاً- بما سبق ذكره من حديث جدامة ﵂-وما في معناه؛ فإن حديث جدامة-﵂-فيه اعتبار العزل وأداً خفياً، والوأد حرام، فثبت من ذلك حرمة العزل مطلقاً (٢). واعترض عليه: بأن حديث جدامة-﵂-ليس صريحاً في المنع؛ إذ لا يلزم من تسميته وأداً خفياً على طريق التشبيه أن يكون حراماً. ثم يمكن الجمع بين حديثها والأحاديث الدالة على الجواز، وذلك بحمل حديثها على الكراهة، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة فإنه لا يصار معه إلى غيره (٣). دليل القول الرابع ويستدل للقول الرابع-وهو جواز العزل مطلقاً- بما سبق من الأدلة في

стр. 2136

دليل القول بنسخ ما يدل على عدم جواز العزل (١). ويعترض عليه بما اعترض به على وجه استدلال القول الأول. الراجح بعد عرض الأقوال في المسألة وأدلتها، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن قولي النسخ في المسألة غير صحيحين؛ وذلك لعدم وجود ما يدل على تأخر دليل أحد القولين على دليل القول الآخر، وإمكان الجمع بين الأدلة كلها، كما سبق بيانه. ثانياً: إن الراجح هو القول الثاني، وهو جواز العزل مع الكراهة؛ وذلك لأنه يمكن أن يجمع به بين جميع الأدلة الواردة في المسألة، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار معه إلى غيره (٢). ثالثاً: إنه لا تعارض بين حديث جدامة-﵂-الدال على أن العزل هو الوأد الخفي، وبين حديث جابر وأبي سعيد-﵄-الدال على تكذيب قول اليهود بأن العزل هو الموءودة الصغرى؛ وذلك لأن الذي كذبت فيه اليهود هو زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلاً، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم في ذلك، وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأداً حقيقة، وإنما سماه وأداً خفياً في

стр. 2137

حديث جدامة؛ لأن الرجل إنما يعزل هرباً من الحمل، فأجري قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة، اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلق بالقصد صرفاً، فلذلك وصفه بكونه خفياً (١) والله أعلم.

стр. 2138

المطلب الخامس: ضرب النساء ذهب بعض أهل العلم إلى أن النبي ﷺ كان نهى عن ضرب النساء، ثم أذن في ضربهن ضرباً غير مبرح (١)، فكان في ذلك إباحة ضربهن، ونسخاً للنهي عن ضربهن، إلا أن ضربهن خلاف الأولى. وممن صرح بنحو هذا: الإمام الشافعي (٢)، والحازمي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤). وسائر أهل العلم وإن لم يذهبوا إلى القول بالنسخ، أو لم يصرحوا به إلا أنه لا خلاف بينهم جميعاً في أن للرجل ضرب زوجها للتأديب، وإذا نشزت (٥)، ولم ترتدع بالوعظ والهجران، لكن ضرباً غير مبرح (٦).

стр. 2139

ويستدل لما سبق بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (١). ثانياً: حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ ، وفيه: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» الحديث (٢). ثالثاً: عن عبد الله بن زمعة (٣) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يجلد أحدكم

стр. 2140

امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم» (١). رابعاً: عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تضربوا إماء الله» فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرن (٣) النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ : «لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم» (٤).
следующие страницы →