دليل القول بنسخ ما يدل على عدم جواز العزل (١).
ويعترض عليه بما اعترض به على وجه استدلال القول الأول.
الراجح
بعد عرض الأقوال في المسألة وأدلتها، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن قولي النسخ في المسألة غير صحيحين؛ وذلك لعدم وجود ما يدل على تأخر دليل أحد القولين على دليل القول الآخر، وإمكان الجمع بين الأدلة كلها، كما سبق بيانه.
ثانياً: إن الراجح هو القول الثاني، وهو جواز العزل مع الكراهة؛ وذلك لأنه يمكن أن يجمع به بين جميع الأدلة الواردة في المسألة، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار معه إلى غيره (٢).
ثالثاً: إنه لا تعارض بين حديث جدامة-﵂-الدال على أن العزل هو الوأد الخفي، وبين حديث جابر وأبي سعيد-﵄-الدال على تكذيب قول اليهود بأن العزل هو الموءودة الصغرى؛ وذلك لأن الذي كذبت فيه اليهود هو زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلاً، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم في ذلك، وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأداً حقيقة، وإنما سماه وأداً خفياً في
стр. 2137
حديث جدامة؛ لأن الرجل إنما يعزل هرباً من الحمل، فأجري قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة، اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلق بالقصد صرفاً، فلذلك وصفه بكونه خفياً (١) والله أعلم.
стр. 2138
المطلب الخامس: ضرب النساء
ذهب بعض أهل العلم إلى أن النبي ﷺ كان نهى عن ضرب النساء، ثم أذن في ضربهن ضرباً غير مبرح (١)، فكان في ذلك إباحة ضربهن، ونسخاً للنهي عن ضربهن، إلا أن ضربهن خلاف الأولى.
وممن صرح بنحو هذا: الإمام الشافعي (٢)، والحازمي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤).
وسائر أهل العلم وإن لم يذهبوا إلى القول بالنسخ، أو لم يصرحوا به إلا أنه لا خلاف بينهم جميعاً في أن للرجل ضرب زوجها للتأديب، وإذا نشزت (٥)، ولم ترتدع بالوعظ والهجران، لكن ضرباً غير مبرح (٦).
стр. 2139
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (١).
ثانياً: حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ ، وفيه: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» الحديث (٢).
ثالثاً: عن عبد الله بن زمعة (٣) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يجلد أحدكم
стр. 2140
امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم» (١).
رابعاً: عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تضربوا إماء الله» فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرن (٣) النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ : «لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم» (٤).
стр. 2141
خامساً: عن معاوية القشري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت أو اكتسبت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» (١).
سادساً: عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يُسأل الرجلُ فيما ضرب امرأته» (٢).
سابعاً: عن ابن عباس-﵄-أن رجالاً استأذنوا رسول الله ﷺ في ضرب النساء، فأذن لهم، فسمع صوتاً، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: أذنت للرجال في ضرب النساء، فقال رسول الله ﷺ : «خيركم خيركم لأهله، وأنا
стр. 2142
خيركم لأهله» (١).
ثامناً: حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ ، وفيه: «وانفق على عيالك من طولك،
ولا ترفع عنهم عصاك أدباً، وأخِفْهم في الله» (٢).
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة هو: أن الآية الكريمة تدل على جواز ضرب النساء عند نشوزهن.
والأحاديث المذكورة بعدها جاء في بعضها النهي عن ضرب النساء، وأكثرها تدل على جواز ضربهن للتأديب وعند النشوز لكن ضرباً غير مبرح، كما أن بعضها جاء فيه التصريح بأن الرخصة في ضربهن كان بعد النهي عن ضربهن؛ لذلك تكون الأحاديث الدالة على جواز ضربهن ناسخة للنهي عن
стр. 2143
ضربهن، وموافقة للآية الكريمة الدالة على جواز ضربهن عند النشوز (١).
هذا وقد ذهب بعض أهل العلم إلى عدم القول بالنسخ، ثم جمع بعضهم بين هذه الأدلة بحمل ما يدل على الضرب على الجواز، وما يدل على النهي على الكراهة وعلى خلاف الأولى.
وجمع بعضهم بينها بحمل ما يدل على النهي عن ضربهن على الحال الذي لم يوجد فيه السبب المجوز للضرب، وحمل ما يدل على الضرب عند وجود سببه (٢).
الراجح
والذي يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الأحاديث التي جاء فيها النهي عن ضربهن إن كان المراد بالنهي فيها نهي تنزيه وأنه خلاف الأولى، فالقول بعدم النسخ أولى؛ لأنه أمكن الجمع بين هذه الأدلة كلها، بحمل ما يدل على الضرب على الجواز، وحمل ما يدل على النهي عن خلاف الأولى وعلى الكراهة.
وإن كان المراد بالنهي في هذه الأحاديث نهي تحريم، فيكون هذا النهي
стр. 2144
منسوخاً بما يدل على جواز ضربهن للتأديب وعند نشوزهن؛ وذلك لما يلي:
أ-لأن الآية الكريمة محكمة وهي تدل على جواز ضربهن عند النشوز.
ب- إن الأحاديث التي تدل على جواز ضربهن متأخرة عن التي تدل على عدم ضربهن؛ بدليل:
١ - حديث جابر ﵁ فإنه مما يدل على جواز ضربهن، وهو قد قاله ﷺ في حجة الوداع.
٢ - إن بعض هذه الأحاديث جاء فيه الرخصة في ضربهن بعد النهي عن ضربهن، فدل ذلك على أن ما يدل على جواز ضربهن متأخر على ما يخالفه.
لكن الذي يقوي احتمال نسخ النهي عن ضربهن ورود لفظ الرخصة والإذن في ضربهن، بعد النهي عن ضربهن. وكف الصحابة-﵃ عن ضربهن حين نهوا عنه حتى رُخِّص لهم فيه وأذن.
والله أعلم.
стр. 2145
المطلب السادس: مقدار الرضاع المحرم
ذهب بعض أهل العلم إلى أن التحريم يحصل ولو برضعة واحدة، وأن الأحاديث التي جاء فيها عدم التحريم بالرضعتين أو بأقل من خمس رضعات فإنها قد نسخت كما نسخ عدم التحريم بأقل من عشر رضعات.
وقد قال بنحو هذا جماعة من الحنفية، والمالكية، وممن صرح به منهم: الطحاوي (١)، وأبو بكر الجصاص الرازي (٢)، والقاضي عياض (٣)، والكاساني (٤)، وابن الهمام (٥).
وقال به كذلك طاووس (٦). وروى نحوه عن ابن عباس ﵁ (٧).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن التحريم يحصل بخمس رضعات، ولا يحصل بأقل منه، وأن ما يدل على عدم حصول التحريم بأقل من عشر رضعات فإنه قد نسخ.
стр. 2146
وممن قال بنحو هذا: ابن حزم (١)، والنووي (٢)، وروي ذلك عن عائشة-﵂ (٣).
وذهب أبو إسحاق الجعبري إلى أن ما يدل على التحريم بأقل من خمس رضعات فإنه قد نسخ بالتحريم بخمس رضعات (٤).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن معارضة
عموم الكتاب للأحاديث الواردة في التحديد، واختلاف ظواهر الأحاديث في ذلك بعضها بعضاً سبب آخر لاختلافهم فيها (٥).
ويستدل للقول بحصول التحريم ولو برضعة واحدة، ونسخ ما عدا ذلك بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٦).
ثانياً: عن عقبة بن الحارث (٧) ﵁ قال: تزوجت امرأة، فجاءتنا امرأة
стр. 2147
سوداء، فقالت: أرضعتكما. فأتيت النبي ﷺ فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي: إني قد أرضعتكما، وهي كاذبة، فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه، قلت: إنها كاذبة، قال: «كيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما؟ دعها عنك» (١).
ثالثاً: عن عائشة-﵂-قالت: (كان مما نزل من القرآن ثم سقط أن لا يحرم من الرضاع إلا عشر رضعات، ثم نزل بعد خمس رضعات) (٢).
رابعاً: عن عائشة-﵂-قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» (٣).
خامساً: عن عائشة-﵂-قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، قالت: فقلت: يا رسول الله! إنه أخي من
الرضاعة. قالت: فقال: «انظرن إخوتكن
стр. 2148
من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة» (١).
سادساً: عن عطاء قال: قال ابن عمر: لما بلغه عن ابن الزبير أنه يأثر عن عائشة في الرضاع أنه قال: لا يحرم منها دون سبع رضعات. قال: (الله خير من عائشة، قال الله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]، ولم يقل: رضعة ولا رضعتين) (٢).
وعن عمرو بن دينار، أنه سمع ابن عمر ﵁ سأله رجل: أتحرِّم رضعة أو رضعتان؟ فقال: (ما نعلم الأخت من الرضاع إلا حراماً)، فقال رجل: إن أمير المؤمنين-يريد ابن الزبير-يزعم أنه لا تحرم رضعة ولا رضعتان، فقال ابن عمر: (قضاء الله خير من قضائك وقضاء أمير المؤمنين) (٣).
سابعاً: عن طاوس عن ابن عباس ﵁ أنه سئل عن الرضاع، فقلت: إن الناس يقولون: لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان! قال: (قد كان ذاك، فأما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم) (٤).
стр. 2149
ثامناً: عن عبد الكريم (١)، عن طاوس قال: قلت له: إنهم يزعمون أنه لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات، ثم صار ذلك إلى خمس، فقال طاوس: (قد كان ذلك، فحدث بعد ذلك أمر، جاء التحريم، المرة الواحدة تحرم) (٢).
تاسعاً: عن إبراهيم بن عقبة (٣)، أنه سأل سعيد بن المسيب عن الرضاعة؟ فقال سعيد: (كل ما كان في الحولين، وإن كانت قطرة واحدة، فهو يحرم. وما كان بعد الحولين، فإنما هو طعام يأكله). قال إبراهيم بن عقبة: ثم سألت عروة بن الزبير؟ فقال مثل ما قال سعيد بن المسيب (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن الآية الكريمة مطلقة تدل على حصول التحريم بمطلق الرضاع قليله وكثيره، ويدل عليه ما روي عن ابن عمر ﵁.
стр. 2150
كما أن حديث عقبة بن الحارث ﵁، وحديث عائشة في أن الرضاعة يحرم ما يحرم الولادة، وكذلك حديثها في أن الرضاعة من المجاعة، كلها أحاديث مطلقة ليست فيها ما يدل على العدد، ولم يذكر النبي ﷺ فيها عدداً مع بيان الحاجة.
فيثبت منه أن الأحاديث التي تدل على عدم حصول التحريم بأقل من ثلاث أو خمس أو عشر، قد كان أولاً ثم نسخ بالآية الكريمة وبهذه الأحاديث. ويدل على تقدم ما يدل على العدد على ما يدل على حصول التحريم بمطلق الرضاع ما يلي:
أ-ما سبق ذكره من حديث عائشة-﵂: (كان مما نزل من القرآن ثم سقط أن لا يحرم من الرضاع إلا عشر رضعات، ثم نزل بعد خمس رضعات).
وعن سالم قال: زعموا أن عائشة قالت: (لقد كان في كتاب الله عشر رضعات، ثم رُدَّ ذلك إلى خمس، ولكن من كتاب الله ما قُبض مع النبي ﷺ (١).
فهذا يدل على أن حصول التحريم بخمس سقط ونسخ، كما سقط حصول التحريم بعشر (٢).
стр. 2151
ب-ما روي عن ابن عباس ﵁ وطاوس، من أن ما يدل على حصول التحريم بالمرة الواحدة متأخر على ما يخالفه وناسخ له (١).
ج-أن الراوي لما يدل على عدم حصول التحريم بأقل من ثلاث رضعات أو خمس رضعات عن عائشة، وعبد الله بن الزبير-﵃ هو عروة، وهو لم يقل بمقتضى تلك الروايات، بل الثابت عنه هو القول بأن قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم، كما رواه عنه إبراهيم بن عقبة. فيكون عروة مع جلالة قدره وموضعه من العلم لم يدع ما في ذلك عنده عن عائشة أو ابن الزبير عن النبي ﷺ إلى ما يخالفه، إلا وقد ثبت نسخ ذلك عنده؛ لأنه لو لم يكن الأمر كذلك لسقط بذلك عدله، وإذا سقط عدله سقطت روايته، فلا يكون أفتى إلا ما هو أولى عنده، وأنه ناسخ (٢).
واعترض عليه: بأن الآية الكريمة، وتلك الأحاديث وإن كانت مطلقة، لكن جاءت أحاديث أخرى تبين وتفسر الآية الكريمة وتلك الأحاديث وتقيد مطلقهما. كما أن ترك النبي ﷺ بيان ذكر العدد في بعض الأحاديث يحتمل أنه كان لعلمهم بذلك. فالنبي ﷺ فسر ووضح بالسنة المقصود للمُطْلقات المذكورة في كتاب الله ، كبيان وتقيد الرضاعة بسن مخصوص، وبيان مقدار الفدية، ومقادير الصدقات، وبيان مقدار ما يقطع فيه يد السارق. فتقيد
стр. 2152
مقدار الرضاع المحرم من هذا القبيل (١).
أما الاستدلال على أن الآية الكريمة وتلك الأحاديث متأخرة فتكون ناسخة لما يدل على عدم التحريم بمطلق الرضاع، فيعترض عليه بما يلي:
أولاً: إن الاستدلال من حديث عائشة-﵂-على نسخ ما يدل على عدم حصول التحريم بأقل من خمس، غير صحيح؛ لأن المراد من حديثها كما يدل عليه ما جاء صريحاً في روايات أخرى عنها، وما كانت تعمل وتقول به، هو أن عدم حصول التحريم بأقل من عشر رضعات نسخ، بخمس رضعات معلومات، وأن الخمس نسخ لفظه قرب وفاة النبي ﷺ ، فتوفي النبي ﷺ وهن كان مما يقرأ من القرآن؛ لأن بعض الناس لم يبلغهم نسخه. فهو مما نسخ لفظه لا حكمه (٢).
ثانياً: إن ما روي عن ابن عباس ﵁ وطاوس-لو سلم صحة ذلك عنهما-أنه ليس فيما روي عنهما دليل لا من الكتاب ولا من السنة، يدل على نسخ ما يدل على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات (٣).
على أن ابن عباس ﵁ روي عنه ما يدل على عدم حصول التحريم
стр. 2153
برضعة ولا رضعتين. فعن إبراهيم بن عقبة قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرضاع، فقال: (لا أقول كما يقول ابن عباس وابن الزبير، كانا يقولان: (لا تحرم المصة ولا المصتان) (١).
وفي رواية عنه: أنه سأل عروة بن الزبير عن المصة والمصتين، قال: (كانت عائشة-﵂ لا تحرم المصة ولا المصتين، ولا تحرم إلا عشراً فصاعداً). قال: فأتيت سعيد بن المسيب فسألته عن الرضعة والرضعتين، فقال: (أما إني لا أقول فيها كما قال ابن الزبير وابن عباس-﵃-قال: قلت: كيف كانا يقولان، قال: كانا يقولان: لا تحرم المصة ولا المصتان، ولا تحرم دون عشر رضعات فصاعداً) (٢). فكان قول ابن عباس ﵁ هذا معارضاً لقوله السابق.
ثالثاً: إن الزعم بأن عروة خالف ما رواه، فدل على أنه ترك ذلك لناسخ عنده، فيقال في رده:
стр. 2154
أ- إن ما ذكر احتمال والنسخ لا يثبت بالاحتمال (١).
ب-إنه يمكن أن يكون لعروة عذراً في مخالفته للحديث، فلا يتعين النسخ، وإذا أمكن أن تكون المخالفة عن رأي واجتهاد، وهو مأجور مغفور، فالعبرة حينئذ لما روى لا لما رأى؛ فإن ما رواه ثابت عن قائل معصوم، وما روي عنه غير ثابت عن قائل معصوم (٢).
ج-إن عروة روي عنه أنه قال بالتحريم ولو بقطرة، وروي عنه بأنه أحال السائل على قول عائشة، فعن إبراهيم بن عقبة قال: أتيت عروة بن الزبير فسألته عن صبي شرب قليلاً من لبن امرأة، فقال لي عروة: كانت عائشة تقول: (لا يحرم دون سبع رضعات أو خمس)، قال: فأتيت ابن المسيب فسألته، قال: لا أقول قول عائشة، ولا أقول قول ابن عباس، ولكن لو دخلت بطنه قطرة بعد أن يعلم أنها دخلت بطنه حرم) (٣).
ويستدل للقول بحصول التحريم بخمس رضعات ونسخ ما يدل على عدم حصول التحريم بأقل من عشر رضعات، بما يلي:
أولاً: عن عائشة-﵂ أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يحرِّمن) ثم نسخن: (بخمس معلومات). فتوفي
стр. 2155
رسول الله ﷺ وهن فيما يُقرأ من القرآن (١).
وفي رواية عنها-﵂: (كان مما نزل من القرآن ثم سقط أن لا يحرم من الرضاع إلا عشر رضعات، ثم نزل بعد خمس رضعات) (٢).
وفي رواية أخرى عنها ﵂ قالت: أنزل في القرآن: ﴿عشر رضعات معلومات﴾، فنسخ من ذلك خمس وصار إلى ﴿خمس رضعات معلومات﴾ فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك (٣).
وفي رواية أخرى عنها-﵂ أنها قالت: كان مما أنزل الله في القرآن، ثم سقط: (لا يحرِّم إلا عشر رضعات أو خمس معلومات) (٤).
وعن سالم قال: زعموا أن عائشة قالت: (لقد كان في كتاب الله عشر رضعات، ثم رُدَّ ذلك إلى خمس، ولكن من كتاب الله ما قُبض مع النبي ﷺ (٥).
وفي رواية أخرى عنها-﵂ قالت: (لقد نزلت آية الرجم، ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول
стр. 2156
الله ﷺ وتشاغلنا بموته، دخل داجن (١) فأكلها) (٢).
ثانياً: عن عائشة-﵂-أن أبا حذيفة، تبنى سالماً (٣) - وهو مولى امرأة من الأنصار- كما تبنى النبي ﷺ زيداً، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس ابنه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب: ٥]. فردوا إلى آبائهم، ومن لم يعرف له أب فمولًى وأخ في الدين، فجاءت سهلة، فقالت: يا رسول الله! إنا كنا نرى سالماً ولداً، يأوي معي ومع أبي حذيفة، ويراني فُضُلاً (٤)، وقد أنزل الله فيه ما قد علمت، فقال النبي ﷺ : «أرضعيه خمس رضعات»، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة (٥).
стр. 2157
وفي رواية لعروة عنها-﵂-قالت: (أتت سهلة بنت سهيل بن عمرو-وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة-رسول الله ﷺ فقالت: إن سالماً مولى أبي حذيفة يدخل علينا وأنا فضل، وإنا كنا نراه ولداً-وكان أبو حذيفة تبناه كما تبنى رسول الله زيداً، فأنزل الله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. فأمرها رسول الله ﷺ عند ذلك أن ترضع سالماً، فأرضعته خمس رضعات، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة. فبذلك كانت عائشة تأمر أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها، ويدخل عليها، وإن كان كبيراً، خمس رضعات ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ أن يُدخِلن عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس حتى يرضع في المهد، وقلنا لعائشة: والله ما
стр. 2158
ندري لعلها كانت رخصة من رسول الله ﷺ لسالم دون الناس) (١).
وفي رواية عنها-﵂ (أن رسول الله ﷺ أمر امرأة أبي حذيفة فأرضعت سالماً خمس رضعات، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة) (٢).
وفي رواية أخرى عنها ﵂ أن سهلة بنت سهيل أتت النبي ﷺ فقالت له: إن سالماً كان منا حيث علمت، كنا نعده ولداً، وكان يدخل عليّ، فلما أنزل الله فيه وفي أشباهه، أنكرت وجه أبي حذيفة إذ رآه يدخل عليّ، قال: «فأرضعيه عشر رضعات، ثم ليدخل عليك كيف شاء، فإنما هو ابنك» (٣).
стр. 2159
ثالثاً: عن عائشة زوج النبي ﷺ وأم سلمة، أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، كان تبنى سالماً، وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة (١)، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله ﷺ زيداً، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله في ذلك: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولىً وأخاً في الدين. فجاءت سهلة بنت
стр. 2160
سهيل بن عمرو القرشي، ثم العامري، وهي أمرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولداً، فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فُضلاً، وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي ﷺ : «أرضعيه». فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة. فبذلك كانت عائشة ﵂ تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيراً، خمس رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ أن يُدخِلن عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس حتى يرضع في المهد، وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي ﷺ لسالم دون الناس؟! (١).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث بمجموعها تدل على أن المحرمات كان عشر رضعات معلومات، ثم نسخ ذلك بخمس رضعات معلومات، وبذلك أمر رسول الله ﷺ سهلة بنت سهيل أن ترضعه سالماً فتحرم
стр. 2161
به عليه. وقد يحتمل أن يكون رسول الله ﷺ أمرها أن ترضعه عشر رضعات، وكان ذلك قبل نسخها بخمس رضعات، ثم نسخ ذلك قبل أن ترضعه بخمس رضعات فأمرها رسول الله ﷺ بأن ترضعه خمس رضعات. وبقي الأمر على التحريم بخمس رضعات حتى توفي النبي ﷺ . فالتحريم بخمس رضعات ناسخ للتحريم بعشر رضعات على كل حال، إلا أن التحريم بخمس رضعات بقي حكمه، ونسخ لفظه قرب وفاة النبي ﷺ لذلك كان بعض من لم يبلغه نسخه يقرأه من القرآن (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ- إن ما روي عن عائشة-﵂: (كان فيما أنزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يحرِّمن) ثم نسخن: (بخمس معلومات). فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يُقرأ من القرآن). لا يصح عده من القرآن ولا من السنة؛ أما عدم صحة عده من القرآن فلأنه لم يثبت بالتواتر، ولا هو موجود في القرآن الآن، ولو كان من القرآن لكان موجوداً فيه الآن؛ لأن الله قد حفظه من التغيير والتبديل.
أما عدم صحة عده من السنة؛ فلأن عائشة ﵂ لم تنسبه إلى رسول الله ﷺ حتى يكون حديثاً.
وإذا لم يثبت كونه من القرآن ولا من السنة فلا يصح الاستدلال منه
стр. 2162
على عدم التحريم بأقل من خمس رضعات (١).
وأجيب عنه بما يلي:
١ - إن حديث عائشة ﵂ هذا يتضمن شيئين: حكماً، وكونه قرآناً، فما ثبت من الحكم يثبت بالأخبار الصحيحة، وأما ما فيه من كونه قرآناً فهذا لم نثبته ولم نتصور أن ذلك قرآن؛ لأنه مما نسخ رسمه، وبقي حكمه (٢).
٢ - إنه من القراءة الشاذة، والقراءة الشاذة إذا صح النقل بها عن الصحابة فإنه يجوز الاستدلال بها في الأحكام، وقد نقل بعض أهل العلم إجماع العلماء عليه (٣).
ب-إن حديث عائشة-﵂-في رضاعة سالم، ليس في بعض طرقه ذكر العدد، وإنما فيه قوله ﷺ : «أرضعيه»، ثم يحتمل أنه كان في رضاع الكبير؛ لذلك كانت أزواج النبي ﷺ غير عائشة تعتقد خصوصية ذلك بسالم؛ فلذلك لا يصح الاستدلال منه على عدم حصول
التحريم بأقل من
стр. 2163
خمس رضعات (١).
وأجيب عنه: بأن ذكر العدد فيه جاء من طرق الثقات الأثبات، وليس من أجمل كمن أوضح وفصل (٢).
أما دعوى تخصيص ذلك بسالم فغير صحيح؛ لأن الذي كان تعتقده أزواج النبي ﷺ في ذلك الحديث من الخصوصية بسالم، هو حصول الحرمة برضاع الكبير، ولم تكن تعتقد الخصوصية بسالم في عدد الخمس رضعات. ويدل على هذا ما جاء مصرحاً به في حديث عائشة وأم سلمة-﵄ (٣).
ويستدل للقول بنسخ ما يدل على التحريم بأقل من خمس رضعات بما يلي:
أولاً: ما سبق ذكره من حديث عائشة-﵂ أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يحرِّمن) ثم نسخن: (بخمس معلومات). فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يُقرأ من القرآن (٤).
وفي رواية أخرى عنها ﵂ قالت: أنزل في القرآن: ﴿عشر رضعات معلومات﴾، فنسخ من ذلك خمس وصار إلى ﴿خمس
стр. 2164
رضعات معلومات﴾ فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك (١).
ثانياً: حديث عائشة-﵂ في قصة سالم، وفيه قول النبي ﷺ لسهلة: «أرضعيه خمس رضعات» (٢).
ثالثاً: عن عائشة-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا تحرم المصة و
المصتان» (٣).
رابعاً: عن أم الفضل (٤) ﵂ قالت: دخل أعرابيّ على نبي الله ﷺ ، وهو في بيتي، فقال: يا نبي الله! إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحَدْثى رضعة أو رضعتين، فقال نبي الله ﷺ : «لا تحرم الإملاجة (٥) والإملاجتان» (٦).
стр. 2165
وفي رواية عنها-﵂ أن نبي الله ﷺ قال: «لا تحرم الرضعة أو الرضعتان، أو المصة أو المصتان» (١).
خامساً: عن عبد الله بن الزبير-﵄-عن النبي ﷺ قال: «لا يحرُمُ من الرضاعة المصة والمصتان» (٢).
سادساً: عن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحرم المصة ولا المصتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان» (٣).
стр. 2166
سابعاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحرم من الرضاع المصة والمصتان، ولا يحرم منه إلا ما فتق الأمعاء من اللبن» (١).
ثامناً: عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحرم العيفة» قلنا: يا رسول الله وما العيفة؟ قال: «المرأة تلد فتحصر اللبن في ثديها، فترضع لها جارتها المزة (٢) والمزتين» (٣).
стр. 2167
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث- غير الحديثين الأولين- تدل على حصول التحريم بثلاث رضعات فما فوق. والحديثان الأولان يدلان على أن التحريم لا يكون بأقل من خمس، فتكون تلك الأحاديث منسوخة بهما؛ لأنه جاء في أحد طريق حديث عائشة-﵂ (وصار إلى ﴿خمس رضعات معلومات﴾ فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك). فإنه يدل على تأخره على جميع ما يخالفه، فيكون ذلك ناسخاً لها (١).
واعترض عليه: بأن الأحاديث التي تنص على عدم التحريم بالمصة والمصتين، أو الرضعة والرضعتين، ليست معارضة للأحاديث التي تدل على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات؛ لاحتمال كونها مثالاً لما دون الخمس، وكونها جاءت في جواب سؤال، كما يفيده حديث أم الفضل، وليس المقصود بها التحريم بما فوق الرضعتين أو المصتين، وإذا كانت كذلك فلا يصح دعوى نسخها؛ لعدم مخالفتها للأحاديث التي تدل على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة تعذر إدعاء النسخ (٢).
هذه كانت أقوال النسخ في المسألة، وأدلتها.
وقد أختلف أهل العلم في مقدار الرضاع المحرم على أقوال أشهرها
стр. 2168
ثلاثة، وهي:
القول الأول: يثبت التحريم بقليل الرضاع وكثيره.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣).
وروي ذلك عن علي، وابن عمر، وجابر بن عبد الله-﵃، وهو رواية عن ابن مسعود وابن عباس-﵃ (٤).
وبه قال عطاء، وعروة، وطاوس، والحسن، والزهري، ومكحول، وقتادة، وربيعة، والقاسم، وسالم، والأوزاعي، والليث، والثوري وابن جرير الطبري، وجمهور أهل العلم (٥).
القول الثاني: لا يثبت التحريم بأقل من خمس رضعات.
وهو مذهب الشافعية (٦)، والحنابلة (٧). وروي ذلك عن عائشة، وابن
стр. 2169
الزبير، وهو رواية عن ابن مسعود، وابن عباس ﵃. وهو قول لعطاء، وطاوس (١).
القول الثالث: لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات.
وهو رواية عن الإمام أحمد (٢)، وقول سليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم- بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٤).
ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عن عقبة بن الحارث ﵁.
ثالثاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة-﵂-الدال على أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، وحديثها الدال على أن
стр. 2170
الرضاعة من المجاعة.
ووجه الاستدلال منها: بأن الآية الكريمة مطلقة تدل على حصول التحريم بمطلق الرضاعة قليله وكثيره، كما أن حديث عقبة بن الحارث ﵁، وحديث عائشة في أن الرضاعة يحرم ما يحرم الولادة، وكذلك حديثها في أن الرضاعة من المجاعة، كلها أحاديث مطلقة ليست فيها ما يدل على العدد، ولم يذكر النبي ﷺ فيها عدداً مع بيان الحاجة، فدل ذلك على حصول التحريم بمطلق الرضاعة، وأنه لا فرق بين قليله وكثيره في التحريم (١).
واعترض عليه: بأن الآية الكريمة، وتلك الأحاديث وإن كانت مطلقة، لكن جاءت أحاديث أخرى فسرت وقيدت إطلاق الآية الكريمة وتلك الأحاديث. كما أن ترك النبي ﷺ بيان ذكر العدد في بعض الأحاديث يحتمل أنه كان لعلمهم بذلك (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن التحريم لا يثبت بأقل من خمس رضعات- بما يلي:
أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة ﵂ قالت: (كان فيما أنزل من القرآن: ﴿عشر
стр. 2171
رضعات معلومات يحرِّمن﴾ ثم نسخن: ﴿بخمس معلومات﴾ فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يُقرأ من القرآن).
وفي رواية عنها-﵂ قالت: أنزل في القرآن: ﴿عشر رضعات معلومات﴾، فنسخ من ذلك خمس وصار إلى ﴿خمس رضعات معلومات﴾ فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك.
ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة-﵂-في قصة سالم وقول النبي ﷺ لسهلة: «أرضعيه خمس رضعات».
ثالثاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة وأم سلمة-﵄ -أن النبي ﷺ قال لسهلة: «أرضعيه». فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة.
رابعاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة، وأم الفضل، وعبد الله بن الزبير، والزبير، وأبي هريرة ﵃ الدال على أنه لا تحرم الرضعة والرضعتان ولا المصة والمصتان، ولا الإملاجة والإملاجتان.
ووجه الاستدلال منها: أن بعض هذه الأحاديث يدل على عدم حصول
стр. 2172
التحريم بأقل من خمس رضعات، وبعضها يدل على أنه لا يحرم الرضعة والرضعتان والإملاجة والإملاجتان. وهذا النوع من الأحاديث وإن كانت تدل بمفهومها على حصول التحريم بما فوق الرضعتين، إلا أنها جاءت في جواب سؤال سائل كما سبق بيانه؛ لذلك فهي ليست معارضة لما يدل على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات، وإن قدر على أن المقصود بها حصول التحريم بما فوق الرضعتين، فهذا المقصود يدل عليه مفهوم تلك الأحاديث، والنوع الأول من الأحاديث تنص على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات، والنص مقدم على المفهوم، وقد صرح حديث عائشة ﵂ على بقاء هذا الحكم-وهو عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات- إلى وفاة رسول الله ﷺ (١).
وقد سبق ما يعترض به على الأحاديث التي تدل صراحة على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات، كما سبق ما أجيب به عنه.
واعترض على الأحاديث التي تنص على عدم حصول التحريم بالرضعة والرضعتين، و الإملاجة والإملاجتين، بأن هذه الأحاديث فيها اضطراباً؛ لأن ابن الزبير ﵁ مرة يرويه عن النبي ﷺ ، ومرة يرويه عن عائشة عن النبي ﷺ ، ومرة عن أبيه عن النبي ﷺ ، وهو مما يضعف الحديث (٢).
стр. 2173
وأجيب عنه بما يلي:
أ-بأن ابن الزبير ﵁ سمع أباه، وخالته أم المؤمنين، فرواه عن كل واحد منهما، وله أيضاً صحبة، فما المانع من أن يكون سمعه من النبي ﷺ كذلك؟، فرواية الخبر من عدة طرق يعتبر
قوة له لا ضعفاً (١).
ب-إن حديث عائشة-﵂ عن النبي ﷺ ، في عدم التحريم بالمصة والمصتين، كما رواه عنها ابن الزبير ﵁ رواه عنها كذلك غيره؛ وهو مما يقوي ويثبت صحته، وبعده عن الاضطراب (٢).
ج-إن دعوى الاضطراب لا يصح في حديث أم الفضل-﵂؛ لأنه مروي من غير طريق ابن الزبير، وهو حديث لا شك في صحته ورفعه (٣).
كما أن حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ روي من طريق عبد الله بن الزبير، ومن غير طريقه، وهو وإن اختلف في رفعه ووقفه، إلا أن الذي رفعه ثقة (٤).
стр. 2174
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن التحريم يحصل بثلاث رضعات فصاعداً- بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١).
ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة، وأم الفضل، وعبد الله بن الزبير، والزبير، وأبي هريرة ﵃ الدال على أنه لا تحرم الرضعة والرضعتان ولا المصة والمصتان، ولا الإملاجة والإملاجتان.
ووجه الاستدلال منها: أن تلك الأحاديث تنص على عدم حصول التحريم بالرضعتين والمصتين، والإملاجتين، وتدل بمفهومها على حصول التحريم بالثلاث رضعات فما فوق، ويشمله عموم الآية الكريمة، لذلك يكون الثلاث رضعات فما فوق هي المحرمة (٢).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث وإن كانت تدل بمفهومها على
стр. 2175
حصول التحريم بما فوق الرضعتين، إلا أنها جاءت في جواب سؤال سائل كما سبق بيانه؛ لذلك فهي ليست معارضة لما يدل على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات، وإن قدر على أن المقصود بها حصول التحريم بما فوق الرضعتين، فهذا المقصود يدل عليه مفهوم هذه الأحاديث، وقد جاء من الأحاديث ما تنص على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات، والنص مقدم على المفهوم، لذلك يكون الأخذ بها أولى، وخاصة أن عائشة ﵂-قد صرحت ببقاء هذا الحكم-وهو عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات-إلى وفاة رسول الله ﷺ (١).
الراجح
بعد ذكر الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن القول بأن التحريم كان بعشر رضعات معلومات، ثم نسخ ذلك بخمس رضعات معلومات، قول صحيح؛ لأن حديث عائشة-﵂-نص صريح فيه، كما سبق بيانه.
ولا يصح قول من قال بنسخ ما يدل على عدم حصول التحريم بأقل من ثلاث رضعات أو بأقل من خمس رضعات؛ لأنه ليس له مستند لا من الكتاب ولا من السنة، كما سبق بيانه.