رضعات معلومات يحرِّمن﴾ ثم نسخن: ﴿بخمس معلومات﴾ فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يُقرأ من القرآن).
وفي رواية عنها-﵂ قالت: أنزل في القرآن: ﴿عشر رضعات معلومات﴾، فنسخ من ذلك خمس وصار إلى ﴿خمس رضعات معلومات﴾ فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك.
ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة-﵂-في قصة سالم وقول النبي ﷺ لسهلة: «أرضعيه خمس رضعات».
ثالثاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة وأم سلمة-﵄ -أن النبي ﷺ قال لسهلة: «أرضعيه». فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة.
رابعاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة، وأم الفضل، وعبد الله بن الزبير، والزبير، وأبي هريرة ﵃ الدال على أنه لا تحرم الرضعة والرضعتان ولا المصة والمصتان، ولا الإملاجة والإملاجتان.
ووجه الاستدلال منها: أن بعض هذه الأحاديث يدل على عدم حصول
стр. 2172
التحريم بأقل من خمس رضعات، وبعضها يدل على أنه لا يحرم الرضعة والرضعتان والإملاجة والإملاجتان. وهذا النوع من الأحاديث وإن كانت تدل بمفهومها على حصول التحريم بما فوق الرضعتين، إلا أنها جاءت في جواب سؤال سائل كما سبق بيانه؛ لذلك فهي ليست معارضة لما يدل على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات، وإن قدر على أن المقصود بها حصول التحريم بما فوق الرضعتين، فهذا المقصود يدل عليه مفهوم تلك الأحاديث، والنوع الأول من الأحاديث تنص على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات، والنص مقدم على المفهوم، وقد صرح حديث عائشة ﵂ على بقاء هذا الحكم-وهو عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات- إلى وفاة رسول الله ﷺ (١).
وقد سبق ما يعترض به على الأحاديث التي تدل صراحة على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات، كما سبق ما أجيب به عنه.
واعترض على الأحاديث التي تنص على عدم حصول التحريم بالرضعة والرضعتين، و الإملاجة والإملاجتين، بأن هذه الأحاديث فيها اضطراباً؛ لأن ابن الزبير ﵁ مرة يرويه عن النبي ﷺ ، ومرة يرويه عن عائشة عن النبي ﷺ ، ومرة عن أبيه عن النبي ﷺ ، وهو مما يضعف الحديث (٢).
стр. 2173
وأجيب عنه بما يلي:
أ-بأن ابن الزبير ﵁ سمع أباه، وخالته أم المؤمنين، فرواه عن كل واحد منهما، وله أيضاً صحبة، فما المانع من أن يكون سمعه من النبي ﷺ كذلك؟، فرواية الخبر من عدة طرق يعتبر
قوة له لا ضعفاً (١).
ب-إن حديث عائشة-﵂ عن النبي ﷺ ، في عدم التحريم بالمصة والمصتين، كما رواه عنها ابن الزبير ﵁ رواه عنها كذلك غيره؛ وهو مما يقوي ويثبت صحته، وبعده عن الاضطراب (٢).
ج-إن دعوى الاضطراب لا يصح في حديث أم الفضل-﵂؛ لأنه مروي من غير طريق ابن الزبير، وهو حديث لا شك في صحته ورفعه (٣).
كما أن حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ روي من طريق عبد الله بن الزبير، ومن غير طريقه، وهو وإن اختلف في رفعه ووقفه، إلا أن الذي رفعه ثقة (٤).
стр. 2174
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن التحريم يحصل بثلاث رضعات فصاعداً- بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١).
ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة، وأم الفضل، وعبد الله بن الزبير، والزبير، وأبي هريرة ﵃ الدال على أنه لا تحرم الرضعة والرضعتان ولا المصة والمصتان، ولا الإملاجة والإملاجتان.
ووجه الاستدلال منها: أن تلك الأحاديث تنص على عدم حصول التحريم بالرضعتين والمصتين، والإملاجتين، وتدل بمفهومها على حصول التحريم بالثلاث رضعات فما فوق، ويشمله عموم الآية الكريمة، لذلك يكون الثلاث رضعات فما فوق هي المحرمة (٢).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث وإن كانت تدل بمفهومها على
стр. 2175
حصول التحريم بما فوق الرضعتين، إلا أنها جاءت في جواب سؤال سائل كما سبق بيانه؛ لذلك فهي ليست معارضة لما يدل على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات، وإن قدر على أن المقصود بها حصول التحريم بما فوق الرضعتين، فهذا المقصود يدل عليه مفهوم هذه الأحاديث، وقد جاء من الأحاديث ما تنص على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات، والنص مقدم على المفهوم، لذلك يكون الأخذ بها أولى، وخاصة أن عائشة ﵂-قد صرحت ببقاء هذا الحكم-وهو عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات-إلى وفاة رسول الله ﷺ (١).
الراجح
بعد ذكر الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن القول بأن التحريم كان بعشر رضعات معلومات، ثم نسخ ذلك بخمس رضعات معلومات، قول صحيح؛ لأن حديث عائشة-﵂-نص صريح فيه، كما سبق بيانه.
ولا يصح قول من قال بنسخ ما يدل على عدم حصول التحريم بأقل من ثلاث رضعات أو بأقل من خمس رضعات؛ لأنه ليس له مستند لا من الكتاب ولا من السنة، كما سبق بيانه.
стр. 2176
كما لا يصح قول من قال بنسخ ما يدل على التحريم بأقل من خمس رضعات بالأحاديث التي تدل على عدم التحريم بأقل من خمس رضعات؛ لأنه لا تعارض بين تلك الأحاديث كلها، ويمكن الجمع بينها، كما سبق ذكره.
ثانياً: إن الراجح هو قول من قال بعدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات، وذلك لما يلي:
أ-لأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين جميع الأدلة الواردة في المسألة؛ وذلك لأن الأدلة التي تدل على عدم حصول التحريم بأقل من خمس رضعات نص صريح في المسالة، والأدلة التي تنص على عدم التحريم بالرضعة والرضعتين، خرجت في جواب سؤال، كما سبق بيانه؛ لذلك فهي ليست معارضة لما تنص على عدم التحريم بأقل من خمس رضعات، ثم مجموع تلك الأحاديث مقيدة ومفسرة ومبينة للأدلة المطلقة التي ليس فيها ذكر للقدر المحرم من الرضاعة، كالآية الكريمة، وحديث عقبة بن الحارث ﵁ ونحوه.
بخلاف القول الأول، والثالث؛ حيث إن الأول يخالف جميع الأحاديث التي تدل على اعتبار عدد الرضاعة في التحريم، والقول الثالث يخالف الأحاديث التي تدل على عدم التحريم بأقل من خمس رضعات (١).
ب-لأن أدلة هذا القول كثيرة وصحيحة، ثم بعضها نص صريح في المسألة، كما سبق بيانه، بخلاف القول الأول والثالث؛ فإن أدلتهما ليست بهذه
стр. 2177
المكانة.
ج-إنه روي عن جماعة من الصحابة-﵃-ما يدل على عدم التحريم بمطلق الرضاع، ومن هذه الآثار:
١ - عن عمرو بن شعيب (١)، أن سفيان بن عبد الله (٢)، كتب إلى عمر ﵁ يسأله ما يحرم من الرضاع؟ فكتب إليه: (أنه لا يحرم منها الضرار، والعفافة، والملجة. والضرار: أن ترضع
الولدين كي يحرم بينهما. والعفافة: الشيء اليسير الذي يبقى في الثدي (٣). والملجة: اختلاس المرأة ولد غيرها فلتقمه ثديها) (٤).
قال ابن جريج: وأخبرني محمد بن عجلان (٥)، أن عمر بن الخطاب ﵁
стр. 2178
أُتي بغلام وجارية- أرادوا أن يناكحوا بينهما-قد علموا أن امرأة أرضعت إحداهما، فقال لها عمر: (كيف أرضعت الآخر؟) قالت: مرت به وهو يبكي فأرضعته أو قالت: فأمصصته، فقال عمر: (ناكحوا بينهما، فإنما الرضاعة الخصابة (١)(٢).
٢ - عن عائشة ﵂ قالت: (لا يحرم دون خمس رضعات معلومات) (٣).
وفي رواية عنها-﵂-قالت: (ليس بالمصة ولا بالمصتين بأس، إنما الرضاع ما فتق الأمعاء) (٤).
стр. 2179
٣ - عن زيد بن ثابت ﵁ قال: (لا تحرم الرضعة والرضعتان والثلاث) (١).
٤ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (لا تحرم الغبقة (٢)، ولا الغبقتان) (٣).
٥ - عن ابن الزبير-﵄-قال: (لا تحرم المصة ولا المصتان) (٤).
فهذه الآثار تدل على أن مطلق الرضاع ليس مما يحرم، وإذاً فلا بد له من ضابط، و الضابط هو الخمس رضعات، كما ينص عليه حديث عائشة-﵂.
وتقييد الرضاع المحرم بالخمس ليس بغريب في أصول الشريعة، بل له أصول كثيرة؛ حيث إن الإسلام بني على خمس، والصلوات المفروضات خمس، وليس فيما دون خمس صدقة (٥).
ومما يدل على أن هذه الآثار عن الصحابة ليس المراد بها أن الأقل من خمس رضعات يحرم أن عائشة وابن الزبير ﵄ رويا حديث
стр. 2180
عدم التحريم بالرضعة والرضعتين، ثم نقل عنهما القول بعدم التحريم بأقل من خمس رضعات.
والله أعلم.
стр. 2181
المطلب السابع: الحرمة برضاع الكبير
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الحرمة لا تحصل برضاع الكبير، وأن الأحاديث التي تدل على حصول الحرمة به قد نسخت (١).
وممن صرح بالنسخ: الجصاص الرازي (٢)، و الحازمي (٣)، وأبو حامد الرازي (٤)، وأبو إسحاق الجعبري (٥)، وابن الهمام (٦).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٧).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عائشة-﵂-أن أبا حذيفة تبنى سالماً-وهو مولى
стр. 2182
امرأة من الأنصار- كما تبنى النبي ﷺ زيداً، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس ابنه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب: ٥]. فردوا إلى آبائهم، ومن لم يعرف له أب فمولًى وأخ في الدين، فجاءت سهلة، فقالت: يا رسول الله! إنا كنا نرى سالماً ولداً، يأوي معي ومع أبي حذيفة، ويراني فُضُلاً، وقد أنزل الله فيه ما قد علمت، فقال النبي ﷺ : «أرضعيه
خمس رضعات»، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة (١).
وفي رواية لعروة عنها-﵂-قالت: (أتت سهلة بنت سهيل بن عمرو-وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة-رسول الله ﷺ فقالت: إن سالماً مولى أبي حذيفة يدخل علينا وأنا فضل، وإنا كنا نراه ولداً-وكان أبو حذيفة تبناه كما تبنى رسول الله زيداً، فأنزل الله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. فأمرها رسول الله ﷺ عند ذلك أن ترضع سالماً، فأرضعته خمس رضعات، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة. فبذلك كانت عائشة تأمر أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها، ويدخل عليها، وإن كان كبيراً، خمس رضعات ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ أن يُدخِلن عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس حتى يرضع في المهد، وقلنا لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رخصة من رسول الله ﷺ لسالم دون الناس) (٢).
стр. 2183
ثانياً: عن عائشة زوج النبي ﷺ وأم سلمة، أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، كان تبنى سالماً، وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله ﷺ زيداً، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله في ذلك: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولىً وأخاً في الدين. فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي، ثم العامري، وهي أمرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولداً، فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فُضلاً، وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي ﷺ : «أرضعيه». فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة. فبذلك كانت عائشة-﵂ تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيراً، خمس رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ أن يُدخِلن عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس حتى يرضع في المهد، وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي ﷺ لسالم دون الناس؟! (١).
ثالثاً: عن عائشة-﵂-قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ
стр. 2184
وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، قالت: فقلت: يا رسول الله! إنه أخي من الرضاعة. قالت: فقال: «انظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة» (١).
رابعاً: عن أم سلمة-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يحرِّم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام» (٢).
خامساً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحرم من الرضاع المصة و المصتان، ولا يحرم منه إلا ما فتق الأمعاء من اللبن» (٣).
سادساً: عن ابن عباس ﵄-قال رسول الله ﷺ : «لا
стр. 2185
رضاع إلا ما كان في الحولين» (١).
سابعاً: عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخول على النساء»، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو (٢)؟ قال: «الحمو الموت (٣)(٤).
стр. 2186
ويستدل منها على النسخ بالوجوه التالية:
الوجه الأول: إن حديث عائشة-﵂-فيه أن النبي ﷺ أمر سهلة أن ترضع سالماً، وهو قد كان بلغ مبلغ الرجال، فهو يدل على حصول الحرمة برضاع الكبير، لكن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة؛ لأنها كانت عقيب نزول قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهذه الآية نزلت في أوائل الهجرة، فيكون حديث عائشة منسوخاً بحديث أبي هريرة وابن عباس-﵃، وما في معناه؛ لأن أبا هريرة وابن عباس-﵃-أسلما بعد نزول هذه الآية وبعد قصة سالم، وقد رويا عن النبي ﷺ ما يدل على عدم حصول الحرمة برضاع الكبير، فيكون فيه دلالة على نسخ حديثها (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ-بأنه لا يلزم من تأخر إسلام الراوي ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدماً، وإن أبا هريرة وابن عباس-﵃-لم يصرحا بسماع حديثهما من النبي ﷺ ، فيحتمل أنهما سمعاه عن غيره من الصحابة-﵃، فلا يكون في حديثهما دلالة على تأخر ما روياه على حديث عائشة-﵂ في قصة سالم (٢).
стр. 2187
ب- إن أزواج النبي ﷺ لم تحتج واحدة منهن، بل ولا غيرهن على عائشة ﵂ بالنسخ، بل سلكن في الحديث بتخصيصه بسالم، فلو كان ما رواه أم سلمة ﵂ وغيرها ناسخاً لحديث عائشة-﵂-لاحتجت به أحد من الصحابة-﵃-على عائشة-﵂، وعدم ذلك دليل على عدم صحة القول بالنسخ (١).
ج- إن عائشة ﵂ روت الحديث في رضاع سالم، وروت حديث: (إنما الرضاعة من المجاعة)، فلو كان حديثها في قصة سالم منسوخاً لكانت قد أخذت وعملت به، وتركت الناسخ، أو خفي عليها تقدمه، مع كونها هي الراوية له، وكلا الأمرين في غاية البعد (٢).
الوجه الثاني للنسخ، هو: أن النبي ﷺ أمر سلهة أن ترضع سالماً لأن زوجها تبناه، وكان يدخل عليها، فكان في احتجابها منه مشقة، لذلك أمرها رسول الله ﷺ أن ترضعه مع أنه كبير، وقد نسخ الله التبني بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فيكون رضاع الكبير منسوخاً بنسخ التبني (٣).
стр. 2188
واعترض عليه: بأن النبي ﷺ أمر سهلة برضاع سالم بعد قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ فكان ذلك بعد نسخ التبني، فلا يصح الاستدلال من نسخ التبني على نسخ رضاع الكبير؛ لأنه بعده (١).
وهذا قد يجاب عنه: بأن رضاع سالم وإن كان بعد نزول الآية ونسخ التبني، إلا أنه كان
بسبب التبني، فيكون في نسخ سببه نسخه، وإنما كان رضاع سالم بالسبب المتقدم.
الوجه الثالث للنسخ، هو: أن حديث عائشة ﵂ في قصة سالم يدل على ثبوت الحرمة برضاع الكبير، وحديث عقبة بن عامر ﵁ يدل على النهي عن الخلوة بالمرأة، وفيه أن الحمو الموت، والحمو هو أقارب الزوج يدخل على امرأته، وهذا فيه حاجة عامة للدخول، فيكون حديث سالم منسوخاً بهذا الحكم؛ لأنه لو كانت الحاجة مبيحة لرضاع الكبير لأرشد النبي ﷺ إليه (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في ثبوت الحرمة برضاعة الكبير على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا تثبت الحرمة برضاعة الكبير.
стр. 2189
وإليه ذهب أصحاب المذاهب الأربعة (١). وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأزواج النبي ﷺ سوى عائشة-﵃ (٢).
وبه قال: سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن شبرمة، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن جرير الطبري، وجمهور أهل العلم (٣).
القول الثاني: يثبت الحرمة برضاع الكبير.
وهو قول عائشة-﵂، وعطاء بن أبي رباح، والليث بن سعد، وابن حزم (٤).
القول الثالث: إن الرضاع يعتبر في الصغر، إلا فيما دعت إليه
стр. 2190
الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها عنه.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو عدم ثبوت الحرمة برضاع الكبير- بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٢).
ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة-﵂ عن النبي ﷺ : «انظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة».
ثالثاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أم سلمة، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃-الدال على أنه لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء من اللبن، وكان قبل الفطام، وتمام الحولين.
رابعاً: عن عبد الله بن الزبير-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء» (٣).
стр. 2191
خامساً: عن زينب بنت أبي سلمة أن أمها أم سلمة زوج النبي ﷺ كانت تقول: (أبى سائر أزواج النبي ﷺ أن يُدخلن عليهن أحد بتلك الرضاعة. وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة، ولا رائينا) (١).
سادساً: عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا رضاع بعد فصال، ولا يُتم بعد احتلام … ) الحديث (٢).
ووجه الاستدلال منها: أن الآية الكريمة تدل على أن تمام الرضاعة الحولان، فدل ذلك على أن ما زاد على ذلك لا حكم له، وليس من الرضاعة المعتبرة، فلا يتعلق به التحريم، وهذه المدة هي مدة المجاعة التي ذكرها رسول الله ﷺ وقصر الرضاعة المحرمة عليها، فقال: «إنما الرضاعة من المجاعة»، وهي كذلك مدة الثدي الذي قال فيه: (لا يحرِّم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي) أي في زمن الثدي، والمراد به زمن الرضاع قبل الفطام، وحديث ابن عباس ﵁ أصرح شيء فيه؛ حيث قال: (لا رضاع إلا ما كان في الحولين).
فمجموع هذه الأحاديث تفيد أن الرضاع المحرم له ثلاثة أوصاف: أن
стр. 2192
يكون من المجاعة، وأن يكون في زمن الثدي قبل الفطام، وأن يفتق به الأمعاء. ورضاع الكبير عار من جميع هذه الأوصاف، فلا يحصل برضاعه حرمة (١).
كما أن أم سلمة ﵂ قد بينت أن أمر النبي ﷺ سهلة برضاع سالم كان رخصة له خاصة. فإذا كان ذلك لسالم خاصة فالخاص لا يكون إلا مخرجاً من حكم العام، وإذا كان مخرجاً من حكم العام، فالخاص غير العام، ولا يجوز في العام إلا أن يكون رضاع الكبير لا يحرم (٢).
واعترض عليه: بأن الآية الكريمة ليس فيها تحريم الرضاعة بعد الحولين، ولا أن التحريم ينقطع بتمام الحولين.
أما حديث (إنما الرضاعة من المجاعة) فليس فيه ما ينافي رضاع الكبير؛ لأن للكبير من الرضاعة في طرد المجاعة نحو ما للصغير، فهو عموم لكل رضاع.
أما بقية الأحاديث فمتكلم فيها من حيث الرفع والوقف، والانقطاع، وغيره، فلا تتم بها
الاستدلال على عدم ثبوت الحرمة برضاع الكبير (٣).
وأجيب عنه: بأنه جعل تمام الرضاعة حولان، فهو يدل على أنه لا حكم لها بعدهما، وفسر ذلك وبينه أحاديث الرسول ﷺ بأنه لا رضاع بعد فصال (٤).
стр. 2193
أما تفسير حديث: (إنما الرضاعة من المجاعة) بأنه يطرد الجوع عن الكبير، كما تطرد الجوع عن الصغير، فكلام باطل، وتفسير في غاية البعد من اللفظ، ولا تتبادر إليه أفهام المخاطبين، ولا يظهر به الفائدة من الحديث؛ لاستواء الكبير والصغير في الرضاعة. بل معناه-على ما ذكره أهل العلم-: أن الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن إنما هو الصبي، فأما الذي شبعه من جوعه الطعام فإن رضاعه ليس برضاع (١).
أما الطعن في حديث أم سلمة، وأبي هريرة، وابن عباس-﵃ بالضعف فتعسف بارد، بل هي صحيحة، وصريحة في أنه لا رضاع بعد فصال وبعد الحولين (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو ثبوت الحرمة برضاع الكبير- بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٣).
ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة وأم سلمة ﵄-من أمر النبي ﷺ لسهلة أن ترضع سالماً مع أنه كبير فتحرم عليه بلبنها، ففعلت وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة.
стр. 2194
ثالثاً: عن زينب بنت أم سلمة قالت: قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل عليّ. قال: فقالت عائشة: أما لك في رسول الله ﷺ أسوة؟ قالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله إن سالماً يدخل عليّ وهو رجل، وفي نفس أبي
حذيفة منه شيء. فقال رسول الله ﷺ : «أرضعيه حتى يدخل عليك» (١).
وفي رواية عنها قالت: سمعت أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول لعائشة: والله ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرضاعة. قالت: ولمَ؟ قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! والله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، قالت: فقال رسول الله ﷺ : أرضعيه» فقالت: إنه ذو لحية. فقال: «أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة» (٢).
ووجه الاستدلال منها: أن الآية الكريمة مطلقة تشمل رضاع الصغير والكبير، و الأحاديث المذكورة صريحة في الحرمة برضاع الكبير، وقد سكتت أم سلمة ﵂-لما قال لها عائشة-﵂: أما لك في رسول الله ﷺ أسوة؟، فلو كان عندها دليل من رسول الله ﷺ في خصوصية
стр. 2195
سالم لذكرها لعائشة-﵂. فثبت من كل هذا أن رضاع الكبير كرضاع الصغير في ثبوت الحرمة (١).
واعترض عليه: بأن تلك الآية الكريمة وإن كانت مطلقة إلا أن سنة رسول الله فسرتها وقيدتها برضاع الصغير. كما أن تلك الأحاديث كان فيها ما يدل على أن حديث سهلة على الخصوص، كما يحتمل كونه منسوخاً بها (٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو أن الرضاع يعتبر في الصغر، إلا فيما دعت إليه الحاجة-بالأحاديث التي سبقت في دليل القول الأول، والتي تدل على أن لا رضاع إلا ما كان في الصغر، وكذلك بحديث عائشة وأم سلمة في رضاع سالم، وقد سبق ذكرهما كذلك.
ووجه الاستدلال منها: أن النوع الأول من الأحاديث والتي تدل على أن لا رضاع إلا ما كان في الصغر، إما مطلقة فتقيد بحديث سهلة، أو عامة في الأحوال فتخصيص هذه الحال
من عمومها. وبذلك يعمل بجميع الأحاديث من الجانبين (٣).
стр. 2196
واعترض عليه:: بأن النبي ﷺ لم يرشد لرضاع الكبير في الحاجات العامة للدخول على المرأة؛ حيث بين أن الحمو الموت، ولو كانت الحاجة مبيحة لرضاع الكبير لأرشد النبي ﷺ إليه، فدل ذلك أن حديث سالم إما منسوخ أو خاص به (١).
الراجح
بعد ذكر الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إنه لا يوجد دليل صريح يدل على أن ما يدل على حصول الحرمة برضاع الصغير دون الكبير متأخر على ما يدل على حصول الحرمة برضاع الكبير، إلا أن القول بنسخ ما يدل على حصول الحرمة برضاع الكبير له وجه واحتمال، وذلك لأن ممن روى ما يدل على حصر الحرمة برضاع الصغير، أبو هريرة وابن عباس ﵃، وهما أسلما ولقيا النبي ﷺ بعد قصة رضاع سالم (٢).
ثانياً: إن الراجح هو القول الأول-وهو عدم ثبوت الحرمة برضاع الكبير؛ وذلك لما يلي:
أ- لأن أدلة هذا القول كثيرة، وأكثرها صحيحة وصريحة، بخلاف أدلة
стр. 2197
القول المعارض له؛ حيث إنها لا تبلغ هذا المبلغ.
ب- ولأن الحديث في قصة سالم لا يخلو من احتمالين هما: أن يكون خاصاً به، كما صرحت به أم سلمة وغيرها من أزواج النبي ﷺ غير عائشة، وتكون الأحاديث المعارضة له دالة على أنه خاص به. أو أن يكون منسوخاً بالأحاديث التي تعارضه (١).
ج-ولأنه روي عن جمع من الصحابة-﵃-بعد النبي ﷺ آثار تدل على عدم حصول الحرمة برضاع الكبير، ومن تلك الآثار:
١ - عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني كانت لي وليدة، وكنت أطؤها، فعمدت امرأتي إليها فارضعتها، فدخلت عليها، فقالت: دونك، فقد والله أرضعتها. فقال عمر: (أوجعها، وأت جاريتك فإنما الرضاعة رضاعة الصغير) (٢).
٢ - عن ابن مسعود ﵁ قال: (لا رضاع إلا ما شد العظم، وأنبت اللحم) (٣).
стр. 2198
٣ - عن نافع أن عبد الله بن عمر-﵄-كان يقول: (لا رضاعة إلا لمن أرضع في الصغر، ولا رضاعة لكبير) (١).
٤ - عن ابن عباس-﵄-أنه قال: (لا رضاع بعد حولين كاملين) (٢).
٥ - عن أم سلمة-﵂-أنها سُئلت ما يحرم من الرضاع؟ فقالت: (ما كان في الثدي قبل الفطام) (٣).
وهذه الآثار منهم تدل على أنهم إما كانوا يرون الحديث في قصة سالم على أنه كان خاصاً به، أو كانوا يرون نسخه.
والله أعلم.
стр. 2199
المطلب الثامن: حضانة الكافرة للولد المسلم
ذهب بعض أهل العلم، منهم أبو إسحاق الشيرازي (١)، إلى أن الحضانة (٢) لا تثبت للكافرة على الولد المسلم، وأن ما يدل على ثبوت ذلك لها فإنه قد نسخ (٣).
والقول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، إلا أن السبب الأصلي لاختلافهم فيها هو اختلافهم في صحة الأثر الوارد فيها، مع معارضته لعموم الكتاب (٤).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن رافع بن سنان (٥) ﵁ أنه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت
стр. 2200
النبي ﷺ ، فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي. فقال له النبي ﷺ : «أقعد ناحية» وقال لها: «أقعدي ناحية» وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: «أدعواها» فمالت الصبية إلى أمها، فقال النبي ﷺ : «اللهم اهدها» فمالت إلى أبيها، فأخذها (١).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٢).
ثالثاً: الإجماع؛ فإن الأمة أجمعت على أنه لا يسلم الصبي المسلم
стр. 2201
إلى الكافر (١).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث رافع بن سنان ﵁ يدل على جواز حضانة الكافرة للولد المسلم، والآية الكريمة تدل على أن الله تعالى لم يجعل للكافر على المسلم سبيلاً وولاية، وقد أجمعت الأمة على أنه لا يسلم الصبي المسلم إلى الكافر، فيكون في الآية الكريمة وإجماع أهل العلم دلالة على نسخ حديث رافع بن سنان ﵁ الدال على جواز حضانة الكافرة للولد المسلم (٢).
وقد يعترض عليه: بأن الإجماع غير صحيح؛ للاختلاف في المسألة كما سيأتي، والآية عامة، ولا يوجد ما يدل على تأخر نزولها عن الحديث، والحديث صححه جماعة من أهل العلم.
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في حضانة الكافرة للولد المسلم على قولين:
القول الأول: أن الكافرة لها حق حضانة ولدها المسلم، ما لم يعقل الأديان، أو يخاف أن يألف الكفر.
وهو مذهب الحنفية (٣)، والمشهور عند المالكية (٤)، وبه قال بعض
стр. 2202
الشافعية (١). وأبو ثور (٢).
القول الثاني: ليس للكافرة حق حضانة ولدها المسلم.
وهو قول عند المالكية (٣)، ومذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن الكافرة لها حق حضانة الولد المسلم- بحديث رافع بن سنان ﵁ فإنه يدل على أن النبي ﷺ خير الولد بين أبيه المسلم وأمه الكافرة، فلو لم يكن لها الحق في حضانته لما خير الولد، ولقضى به للأب (٦).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو عدم ثبوت الحضانة للكافرة على ولدها المسلم- بما يلي:
أولاً: الآية الكريمة التي سبقت ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ فإنها تدل
стр. 2203
على أن الله تعالى لم يجعل للكافر ولاية على مسلم، والحضانة نوع ولاية (١).
ثانياً: ولأنها إذا لم تثبت للفاسق فالكافر أولى؛ فإن ضرره أكثر، فإنه يفتنه عن دينه، ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر، وتزيينه له، وتربيته عليه، وهذا أعظم الضرر، والحضانة إنما
تثبت لحظ الولد، فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه (٢).
الراجح
الذي يظهر لي في المسألة- والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولاً: إن القول بالنسخ في المسألة ضعيف؛ وذلك لأن الآية التي يستدل بها على النسخ عامة، والحديث خاص، ثم لا يوجد ما يدل على تأخرها عليه.
ثانياً: إن الكافرة لها حق في حضانة ولدها المسلم ما لم يعقل الدين أو يخف عليه من تأليف الكفر؛ وذلك لحديث رافع بن سنان ﵁.
أما إذا عقل الدين أو خيف عليه تأليف الكفر فإنه ينزع منها؛ وذلك لأن الحضانة إنما تثبت لحظ الولد، فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه، كما سبق بيانه.
والله أعلم.
стр. 2204
المبحث الثاني الطلاق، والخلع، والظهار، والعدة .
وفيه تسعة مطالب:
المطلب الأول: حصر الطلاق بعدد.
المطلب الثاني: جعل الطلقات الثلاث واحدة.
المطلب الثالث: إذا أسلمت المرأة قبل زوجها.
المطلب الرابع: أخذ الفدية في الخلع.
المطلب الخامس: كون الظهار طلاقاً.
المطلب السادس: مدة حداد المرأة على الزوج.
السابع: متاع المتوفى عنها زوجها.
المطلب الثامن: مدة عدة المتوفى عنها زوجها.
المطلب التاسع: أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟.
стр. 2205
المطلب الأول: حصر الطلاق بعدد
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الطلاق (١) في أول الإسلام لم يكن محصوراً بعدد، فكان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك، وإن طلقها ألف مرة، فنسخ الله ذلك بأن من طلق زوجته ثلاثاً لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، و إن طلقها واحدة أو اثنتين كانت له الرجعة ما دامت في العدة.
وممن صرح بالنسخ: ابن عباس ﵁ (٢)، وقتادة (٣)، وأبو داود (٤)، والجصاص الرازي (٥)، والحازمي (٦)، وأبو حامد الرازي (٧)، وأبو إسحاق الجعبري (٨).
وسائر أهل العلم وإن لم يذهبوا إلى القول بالنسخ أو لم يصرحوا به، إلا أنه لا خلاف بين الجميع في أن الطلاق محصور بعدد، وأنه ليس للزوج
стр. 2206
مراجعة زوجته بعد الطلقة الثالثة إلا أن تنكح زوجاً غيره (١).
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولاً: عن ابن عباس ﵁ قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ
يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، الآية (٢)، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً، فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية، [البقرة: ٢٢٩] (٣).
ثانياً: عن عائشة-﵂ قالت: (كان الناس، والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني، ولا آويك أبداً. قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة، فأخبرتها فسكتت عائشة حتى جاء النبي ﷺ ، فأخبرته، فسكت النبي ﷺ
стр. 2207
حتى نزل القرآن: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلاً، من كان طلق، ومن لم يكن طلق) (١).
ثالثاً: عن عروة قال: (كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها، حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، ثم قال: لا، والله لا آويك إليّ ولا تحلين أبداً. فأنزل الله ﵎: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذ، من كان طلق منهم أو لم يطلق) (٢).
رابعاً: عن عائشة ﵂ أن امرأة رفاعة القرظي (٣)، جاءت
стр. 2208
إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزَبِير القرظي (١)، وإنما معه مثل الهدبة (٢). قال رسول الله ﷺ : «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته» (٣).
وفي رواية عنها-﵂ قالت: إن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير. فجاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنها كانت تحت رفاعة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنه والله ما معه إلا مثل الهدبة، وأخذت بهدبة من جلبابها. قال: فتبسم رسول الله ﷺ ضاحكاً، فقال: «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة. لا، حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته» (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن الأحاديث الثلاثة الأولى تدل على أنه كان في الجاهلية، وكذلك في صدر الإسلام أن الرجل إذا طلق زوجته ثم راجعها قبل انقضاء العدة فإنها لا تبين منه ولو زاد طلاقه على ثلاث، ثم نسخ الله ذلك بقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وجعل الطلاق التي يصح رجوع الزوج فيها إلى زوجته قبل انقضاء
стр. 2209
العدة طلقتان، وأن الثالث تبينه منه، ويدل على هذا كذلك حديث عائشة-﵂ في
امرأة رفاعة القرظي (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
ولا خلاف بين أهل العلم في أن الطلاق محصور بعدد، وأنه ليس للزوج مراجعة زوجته بعد الطلقة الثالثة إلا أن تنكح زوجاً غيره.
إلا أن بعضهم لم يذهب في المسألة إلى القول بالنسخ، بل اعتبر عدم حصر الطلاق بعدد من عادة الجاهلية، وأن الإسلام إنما جاء فيه بشرع جديد فأبطل ما كان عليه أهل الجاهلية من عدم حصر الطلاق بعدد، وجعل للزوج حق المراجعة في الطلقتين ما لم تنقض العدة، وأنه ليس له حق المراجعة إذا طلقها آخر ثلاث تطليقات حتى تنكح زوجاً غيره (٢).
لكن الذي يظهر هو صحة القول بالنسخ، وذلك لما يلي:
أ- لتصريح ابن عباس-﵄-بالنسخ، كما سبق ذكره.
ب-إن البعض من الروايات السابقة يفهم منه تقرير النبي ﷺ لبعض المسلمين ممن عمل نحو هذا العمل، ثم نزلت الآية ونسخ ذلك الحكم، وجاءت السنة مفسرة للكتاب (٣).
والله أعلم.
стр. 2210
المطلب الثاني: جعل الطلقات الثلاث واحدة
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الطلقات الثلاث-وهو أن يقول الرجل لزوجته: أنت طالق ثلاثاً- تقع ثلاثة، وأن جعلها واحدة قد نسخ.
وممن قال بنحو هذا: الإمام الشافعي (١)، والطحاوي (٢)، وأبو إسحاق الجعبري (٣)، وابن حجر (٤)، وابن الهمام (٥).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، إلا أن السبب الأصلي لاختلافهم فيها، هو اختلاف الآثار الواردة فيها (٦).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن ابن عباس-﵄-قال: (كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو