← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كما أن بعضها تدل على ضرب من الإباحة، وليس المراد منها الطهارة كما سبق، فلم يبق إلا نوع من الانتفاع، وخص ذلك في اليابس؛ لأنه لا يصل إليه بشيء من النجاسة، بخلاف الرطب (١). ويعترض عليه بما يلي: أولاً: أن الآية المستدل بها عامة، لكن الأحاديث الصحيحة جاءت عن النبي ﷺ ، وبينت المراد من التحريم المذكور في الآية الكريمة، حيث قال: (إنما حرم أكلها) (٢). كما جاءت أحاديث كثيرة تدل على طهارة جلد الميتة بعد الدباغ (٣). وبهذه الأحاديث يكون الجلد بشرط الدباغ مخصوصاً من جملة تحريم الميتة (٤). ثانياً: أن حديث «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» وحديث «أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت» كل منهما عام، فالأول يدل على عدم جواز الانتفاع من الميتة بشيء، والثاني يدل على جواز الانتفاع بجلودها

стр. 247

إذا دبغت من غير تخصيص بشيء دون شيء، فإما أن يقال بعموم الأول، وإما بعموم الثاني، والقول بجواز الانتفاع بها في شيء دون شيء لا يدل عليه أي منهما، بل هما يخالفانه، وإذاً فهو دعوى لا يطابقه الدليل، وتفصيل لا دليل عليه (١). دليل القول الرابع: ويستدل للقول الرابع -وهو أنه يجوز الانتفاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ- بما يلي: أولاً: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بشاة ميتة فقال: «هلا استمتعتم بإهابها؟) قالوا: إنها ميتة. قال: (إنما حرم أكلها» (٢). ثانياً: عن ابن عباس ﵁ يقول: مرّ النبي ﷺ بعنزة ميتة فقال: «ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها» (٣). ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ أن ميمونة-﵂ أخبرته أن داجنة كانت لبعض نساء رسول الله ﷺ فماتت، فقال رسول الله ﷺ : «ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به» (٤).

стр. 248

وفي رواية عنه ﵁ أن النبي ﷺ مرّ بشاة لمولاة لميمونة فقال: «ألا انتفعتم بإهابها» (١). وجه الاستدلال من هذه الأدلة: ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأحاديث تدل على جواز الانتفاع بجلود الميتة مطلقاً، دبغت أم لا؛ وذلك لأنه ليس فيها ذكر الدباغ، فهي مطلقة، فيجوز الانتفاع بها ولو لم تدبغ (٢). واعترض عليه: بأنه قد صح التقييد بالدباغ من طرق أخرى، وليس في تقصير من قصر عن ذكر الدباغ في هذه الأحاديث حجة على من ذكره، لأن من أثبت شيئاً هو حجة على من سكت عنه، كما أن من حفظ شيئاً حجة على من لم يحفظه (٣). وقد روي عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في الانتفاع بجلود الميتة بشرط الدباغ (٤).

стр. 249

الراجح بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والعلم عند الله تعالى- أن الراجح في هذه المسألة هو القول الأول، وهو أنه يجوز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ وأنها تطهر بذلك. وأن الآثار الواردة في ذلك ثابتة صحيحة في الجملة محكمة غير منسوخة، وأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث وحديث عبد الله بن عكيم بالطرق الأتية: الطريقة الأولى: أن الإهاب هو الجلد قبل الدباغ فيحمل النهي على ذلك، أي لا ينتفع به ما دام إهاباً، ويحمل الأحاديث التي تدل على جواز الانتفاع به على ما بعد الدباغ، فيستعمل الإهاب بعد الدباغ ويحظر قبل ذلك. وهذا مبني على القول بالفرق بين الإهاب والجلد، أي أن الإهاب هو الجلد قبل الدباغ، أما إذا دبغ فلا يسمى إهاباً، وإنما يسمى جلداً، أوقربة، أو شناً، وغير ذلك. والقول بالفرق بينهما هو قول أكثر أهل اللغة (١). وبهذه الطريقة جمع بين هذه الأخبار غير واحد من أهل العلم. (٢) قال ابن حزم بعد ذكر حديث عبد الله بن عكيم: (هذا خبر

стр. 250

صحيح ولا يخالف ما قبله، بل هو حق، لا يحل أن ينتفع من الميتة بإهاب إلا حتى يدبغ كما جاء في الأحاديث الأخر، إذ ضم أقواله ﵇ بعضها لبعض فرض ولا يحل ضرب بعضها ببعض، لأنها كلها حق من عند الله (١). وقال الحازمي: (فالمصير إلى حديث ابن عباس أولى لوجوه من الترجيحات، ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يسمى إهاباً وبعد الدباغ يسمى جلداً ولا يسمىإهاباً، وهذا معروف عند أهل اللغة، فيكون جمعاً بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضاد عن الأخبار) (٢). الطريق الثاني: أن حديث عبد الله بن عكيم عام في النهي، والأحاديث الدالة على التطهير بالدباغ مخصصة للنهي بما قبل الدباغ، مصرحة بجواز الانتفاع بعد الدباغ، والخاص يقدم على العام، فيبني العام على الخاص (٣). الطريق الثالث: أنه كان يباح أول الأمر الانتفاع بأهب الميتة دبغت أم لا، ثم جاء النهي عن الانتفاع بها قبل الدباغ، وبقي الأمر في المدبوغ على الرخصة السابقة، فالمنسوخ هو الانتفاع بالإهاب قبل الدباغ، أما بعد الدباغ فلا يشمله النهي، ولم يحرم ذلك قط، فلا يكون منسوخاً. وإذن فلا تعارض بين حديث عبد الله بن عكيم والأحاديث الدالة على

стр. 251

الانتفاع بجلود الميتة إذا دبغت؛ لأن حديث عبد الله بن عكيم ليس فيه نهي عن استعمال المدبوغ، وإنما فيه النهي عن استعمال ما لم يدبغ، وهذا ما يبينه ويوافقه الأحاديث الدالة على الانتفاع بها بعد الدباغ. وهذا ما يدل عليه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀؛ حيث قال: (وتحقيق الجواب أن يقال: حديث ابن عكيم ليس فيه نهي عن استعمال المدبوع. وأما الرخصة المتقدمة فقد قيل: إنها كانت للمدبوغ وغيره، ولهذا ذهب طائفة -منهم الزهري وغيره- إلى جواز استعمال جلود الميتة قبل الدباغ تمسكا بقوله المطلق في حديث ميمونة، وقوله: «إنما حرم من الميتة أكلها» (١) فإن هذا اللفظ يدل على التحريم، ثم لم يتناول الجلد. وقد رواه الإمام أحمد في المسند عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم ماتت فلانة، تعني الشاة. فقال: «فلو لا أخذتم مسكها؟» فقالت: آخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال لها رسول الله ﷺ : «إنما قال ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ وإنكم لا تطعمونه. إن تدبغوه تنتفعوا به» فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها (٢). فهذا الحديث يدل على أن التحريم لم يتناول الجلد، وإنما ذكر الدباغ لإبقاء الجلد وحفظه، لا لكونه شرطاً في الحل. وإذا كان كذلك فتكون الرخصة

стр. 252

لجهينة في هذا، والنسخ عن هذا، فإن الله تعالى ذكر تحريم الميتة في سورتين مكيتين: الأنعام والنحل. ثم في سورتين مدنيتين: البقرة والمائدة، والمائدة من آخر القرآن نزولاً كما روي: (المائدة آخر القرآن نزولاً، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها) (١) وقد ذكر الله فيها من التحريم ما لم يذكره في غيرها. وحرم النبي ﷺ أشياء مثل: أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وإذا كان التحريم زاد بعد ذلك على ما في السورة المكية التي استندت إليها الرخصة المطلقة: فيمكن أن يكون تحريم الانتفاع بالعصب والإهاب قبل الدباغ ثبت بالنصوص المتأخرة، وأما بعد الدباغ فلم يحرم ذلك قط، بل بين أن دباغه طهوره وذكاته، وهذا يبين أن لا يباح بدون الدباغ) (٢). والله أعلم.

стр. 253

المطلب الرابع: سؤر الهرة ذهب بعض أهل العلم إلى أن سؤر (١) الهر طاهر، وأن الآثار الدالة على نجاسة الهرة منسوخة بالآثار الدالة على طهارتها. ويظهر هذا من صنيع ابن شاهين في كتابه " ناسخ الحديث ومنسوخه" (٢)، كما أشار إلى ذلك ابن الجوزي في كتابه " إعلام العالم بعد رسوخه بحقائق ناسخ الحديث ومنسوخه" (٣). وذكر الكاساني (٤): أن ماروي من الحديث - أي في طهارة الهرة-يحتمل أنه كان قبل تحريم السباع، ثم نسخ على مذهب الطحاوي (٥).

стр. 254

وتبين منه أنه ليس للقول بالنسخ في هذه المسألة أي أثر في اختلاف الفقهاء فيها، وإنما سبب الاختلاف فيها هو اختلاف الأدلة الواردة فيها، كما سيظهر ذلك من عرض الأقوال والأدلة. ويستدل لمن قال بنسخ ما ورد في نجاسة الهرة بما يلي: أولاً: عن كبشة بنت كعب بن مالك (١)، -وكانت تحت ابن أبي قتادة-أن أبا قتادة (٢) دخل، فسكبت له وضوءاً فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات (٣) (٤).

стр. 255

وفي رواية عنها قالت: دخل علي أبو قتادة فسأل الوضوء، فمرت به الهرة فأصغى الإناء إليها، فجعلتُ أنظر كأني أنكر ما يصنع، فقال: يا ابنة أخي إن رسول الله ﷺ قال لنا: «إنها ليست بنجسة؛ إنها من الطوافين والطوافات» (١). وأعل: بأن قوله في الحديث: (إنها ليست بنجس) من قول أبي قتادة؛ لما جاء في رواية لهذا الحديث وفيه: عن أبي قتادة أنها ليست بنجس، وقال: قال رسول الله ﷺ : (هي من الطوافين عليكم) فلم يضفه إلى رسول الله ﷺ (٢).

стр. 256

كما أن قوله: (ليست بنجس) يحتمل أن يكون أريد به كونها في البيوت ومماستها الثياب لا في طهارة سؤرها (١). وأجيب عنه: بأنه اعتلال عليل لا معنى له؛ وذلك لأن الحديث من طريق الإمام مالك-وهو أصح الناس له نقلاً- فيه: أن رسول الله ﷺ قال: (إنها ليست بنجس) (٢). ويؤكد كون ذلك من كلام رسول الله ﷺ لا من قول أبي قتادة الروايات والأدلة الآتية، كما أن فيها دلالة على أن المراد بذلك طهارة سؤرها، لا في كونها في البيوت ومماستها الثياب (٣). ثانياً: عن عبد الله بن أبي قتادة (٤) عن أبيه أنه كان يتوضأ فمرت به هرة فأصغى إليها وقال: إن رسول الله ﷺ قال: «ليست بنجسة» (٥). وفي رواية عنه قال: كان أبو قتادة يصغي الإناء للهر فيشرب ثم يتوضأ به، فقيل له في ذلك، فقال: «ما صنعت إلا ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع» (٦).

стр. 257

ثالثاً: عن أبي أسيد (١)، قال: إن أبا قتادة كان يصغي الإناء للهرة فتشرب منه ثم يتوضأ بفضلها، فقيل له: أتوضأ بفضلها؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم» (٢). رابعاً: عن أم داود بن صالح (٣) أن مولاتها أرسلتها بهريسة (٤) إلى عائشة ﵂ فوجدتها تصلي، فأشارت إليَّ أن ضعيها، فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة، فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم. وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها» (٥).

стр. 258

خامساً: عن عائشة-﵂ قالت: «كنت أتوضأ أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد قد أصابت منه الهرة قبل ذلك» (١). وفي رواية عنها-﵂ أن النبي ﷺ قال: «إنها ليست بنجس هو كبعض أهل البيت» (٢) -يعني الهر-.

стр. 259

وفي رواية أخرى عنها-﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ تمرّ به الهرة فيصغي لها الإناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها» (١). سادساً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يضع

стр. 260

الإناء للسنور فيلغ فيه ثم يتوضأ من فضله» (١). سابعاً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى أرض بالمدينة يقال لها بطحان، فقال: «يا أنس اسكب لي وضوءاً» فسكبت له فلما قضى رسول الله ﷺ حاجته أقبل إلى الإناء وقد أتى هر فولغ في الإناء فوقف له رسول الله ﷺ وقفة حتى شرب الهر، ثم توضأ، فذكرت لرسول الله ﷺ أمر الهر، فقال: «يا أنس إن الهر من متاع البيت لن يقذر شيئاً ولن ينجسه» (٢). ويستدل من هذه الأدلة: بأنها تدل على طهارة الهرة وسؤرها (٣)، ولعل بعض من قال بطهارة سؤرها يرى أن هذه الأدلة متأخرة وناسخة للأحاديث الواردة في غسل الإناء من ولوغ الهرة (٤). ويعترض عليه: بأنه ليس في هذه الأدلة ما يدل على أنها متأخرة عن

стр. 261

الأدلة التي تدل على غسل الإناء من ولوغ الهرة حتى تكون ناسخة لها (١). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم سؤرالهرة على أربعة أقوال: القول الأول: أن سؤر الهرة مكروه، ويستحب أن لا يتوضأ به، فإن توضأ به أجزأه. وهو قول أبي حنيفة، ومحمد (٢)، ومذهب الحنفية (٣). والقول بالكراهة رواية عن أبي هريرة، وابن عمر-﵄ (٤). وهو كذلك قول يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أبي ليلى (٥)،

стр. 262

ورواية عن سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وسفيان الثوري (١). القول الثاني: أن سؤر الهر طاهر. وهو قول أبي يوسف (٢) من الحنفية (٣)، ومذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). وبه قال من الصحابة: العباس بن عبد المطلب (٧)، وعلى ابن أبي

стр. 263

طالب، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة (١)، وأبو قتادة، والحسن (٢)، والحسين (٣)، وعمار بن ياسر (٤)، وأبو أمامة (٥) ﵃. وهو كذلك رواية عن ابن عمر، وأبي هريرة-﵄ (٦). وهو

стр. 264

كذلك قول علقمة (١)، وإبراهيم النخعي، .............................. وعكرمة (٢)، وعطاء بن يسار (٣)، والليث ابن سعد، والأوزاعي، وأبي عبيد، وأبي ثور، و الحسن

стр. 265

بن صالح، وإسحاق بن راهوية، وابن المنذر. وهو رواية عن الحسن البصري، وسفيان الثوري (١). القول الثالث: أن سؤر الهر نجس، ويغسل الإناء منه سبعاً كما يغسل من الكلب. وهو رواية عن أبي هريرة ﵁، وقول مجاهد، وطاوس (٢). القول الرابع: أنه يراق ما ولغ فيه الهر، ويغسل الإناء منه مرة أو مرتين. وهو قول عطاء ابن أبي رباح، ورواية عن أبي هريرة ﵁، وسعيد بن الميسب، ومحمد بن سيرين، والحسن البصري، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٣). الأدلة: ويستدل للقول الأول- وهو أن سؤر الهرة مكروه- بما يلي: أولاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة

стр. 266

غسل مرة» (١). وفي رواية عنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين» -قرة شك- (٢). فهذا الحديث يدل على نجاسة سؤر الهرة، كدلالته على نجاسة سؤر الكلب، وإن كان يخالفه فيما يطهر منهما، فجُعل في الكلب سبعاً، وفي الهر مرة (٣). واعترض عليه بما يلي: أ-أن ذكر الهر في هذه الروايات مرفوعاً مدرج من بعض الرواة،

стр. 267

والصحيح وقفه، يدل على ذلك ويوضحه رواية نصر بن علي (١) الجهضمي، فإن فيها: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب» ثم ذكر أبو هريرة الهر لا أدري قال: مرة أو مرتين. (٢). قال نصر بن علي: وجدته في كتاب أبي (٣) في موضع آخر عن قرة عن ابن سيرين عن أبي هريرة في الكلب مرفوعاً وفي الهر موقوفاً (٤).

стр. 268

وأجيب عنه: بأن الحديث رواه غير واحد عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً، فهم زادوا الرفع، وزيادة الثقة مقبولة (١). وأن وقف من وقفه على أبي هريرة لا يضر؛ لأن محمد بن سيرين كان يفعل هذا في حديث أبي هريرة يوقفها عليه، فإذا سئل عنها رفعها، وكان يقول: كل حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ (٢).

стр. 269

ب- أن الروايات عن أبي هريرة ﵁ في ولوغ الهر مختلف فيها، فروي عنه أنه يغسل الإناء من ولوغ الهر مرة، وروي عنه: مرة أو مرتين، وروي عنه: سبع مرات، وروي عنه الرخصة في ذلك. وبعض هذه الروايات مرفوعة، وبعضها موقوفة، وبعضها رويت مرة مرفوعة ومرة موقوفة، ولو كان عنده رواية صحيحة عن النبي ﷺ لم يختلف قوله فيها (١). وإذاً فالواجب الرجوع إلى ما ثبت عن رسول الله ﷺ في الهرة وسؤرها وهو حديث أبي قتادة ﵁. ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الهر سبع» (٢).

стр. 270

وجه الدلالة منه: أن الحديث يدل على أن الهر من السباع، ولحم كل ذي ناب من السباع منهي عنه ومحرم، وكان معقولاً أن ما ماس من الماء شيئاً كان لذلك الماء حكم ذلك الشيء في طهارته وفي نجاسته، فثبت بذلك كراهة سؤر الهر؛ لأنه ماس لحماً حراماً (١). واعترض عليه بما يلي: أولاً: بأنه حديث غير صحيح، فلا يصح التعلق به ولا الاستدلال منه (٢). ثانياً: أن هذا الحديث فيه أن الهر سبع، وليس فيه ذكر حكم سؤره هل هو طاهر أو مكروه أو حرام، وقد ورد أحاديث تدل على أن سؤر السباع طاهر، ومنها ما يلي: ١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة منها،

стр. 271

فقال: «لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر طهور» (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال سئل رسول الله ﷺ عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة فقيل له: إن الكلاب والسباع ترد عليها، فقال: «لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور» (٢). ٣ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: «نعم وبما أفضلت السباع كلها» (٣).

стр. 272

وفي رواية عنه ﵁ قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: «وبما أفضلت السباع» (١).

стр. 273

دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني بما سبق في أدلة القول بالنسخ ووجه الاستدلال منها: هو أنها تدل على طهارة الهرة وسؤرها (١). دليل القول الثالث: ويستدل للقول الثالث- وهو أن سؤر الهر نجس ويغسل الإناء منه سبعاً كما يغسل من الكلب- بما يلي: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب» (٢). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال في السنور إذا ولغ في الإناء، قال:

стр. 274

(يغسل سبع مرات) (١). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: (يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب) (٢). فهذه الأدلة تدل على أن سؤر الهر نجس، ويغسل الإناء منه كما يغسل من الكلب (٣). واعترض عليه بما يلي: ١ - أنه لا يصح شيئ من ذلك مرفوعاً إلى النبي ﷺ (٤). ٢ - أما الموقوف على أبي هريرة فهو من فتياه، وقد اختلف عنه في ذلك -كما سبق ذلك- ثم هو قد روى عن النبي ﷺ ما هو حجة عليه في ذلك، وهو: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الهر من متاع البيت» (٥).

стр. 275

على أنه محجوج بما تقدم من حديث أبي قتادة وعائشة وغيرهما عن النبي ﷺ (١). دليل القول الرابع: ويستدل للقول الرابع- وهو أنه يراق ما ولغ فيه الهر ويغسل الإناء منه مرة أو مرتين- بما يلي: أولاً: حديث أبي هريرة مرفوعاً، وفيه: «وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة» (٢). ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين» - قرة شك- (٣). ووجه الدلالة من الروايتين ظاهر؛ حيث أن فيهما ذكر الغسل من ولوغ الهرة مرة أو مرتين. وقد سبق الكلام على هذين الروايتين، وما يعترض به على وجه

стр. 276

الاستدلال منهما، في دليل القول بالنسخ. الراجح: بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: أن الراجح هو القول الثاني، وهو طهارة سؤر الهرة، وذلك: لكثرة ما استدلوا به، وقوته، وصراحته، وصحته بالنسبة إلى أدلة الأقوال الأخرى. أما أدلة الأقوال الأخرى التي تدل على غسل الإناء من ولوغ الهر فهي كلها تدور على أبي هريرة ﵁، وقد اختلف عليه في ذلك، فروي عنه مرفوعاً، وروي عنه موقوفاً، وروي عنه: مرة، وروي عنه: مرة أو مرتين. وروي عنه: سبع مرات. وروي عنه: كما يغسل من الكلب. وري عنه الرخصة في ذلك (١). وأصح هذه الرويات مرفوعاً رواية الغسل مرة، ثم هي مختلف فيها بين الرفع والوقف، وبين إدراجها من بعض الرواة، ووهمهم في ذلك، ولو كان عنده في ذلك رواية صحيحة عن النبي ﷺ لم يختلف قوله فيها (٢). ثم هذه الروايات عن أبي هريرة ﵁ في غسل الإناء من ولوغ الهرة معارضة بما روى من الرخصة في ذلك، فقد روي عنه حديثان مرفوعان

стр. 277

يدلان على عدم غسل الإناء من ولوغ الهرة، وهما: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الهر من متاع البيت» (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الحياض التي تكون فيما بين مكة والمدينة فقيل له: إن الكلاب والسباع ترد عليها، فقال: «لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شراب وطهور» (٢). والحديثان في إسنادهما كلام على بعض الرواة (٣) إلا أنه إذا انضم إليهما حديث جابر وأبي سعيد الخدري في سؤر السباع أخذت قوة، وفي معناه حديث أبي قتادة، وقد صححه غير واحد من الأئمة (٤). وبهذا كله يتبين ترجيح القول بطهارة سؤر الهر. ثانياً: أن ادعاء نسخ ما ورد في نجاسة الهر وسؤره، غير صحيح لوجهين: الأول: أنه قد سبق أن الروايات في ذلك مختلف في صحتها وضعفها، ورفعها ووقفها على أبي هريرة ﵁، والنسخ إنما يكون لحكم شرعي ثابت عن النبي ﷺ .

стр. 278

الثاني: أنه على تقدير صحة ورفع ما ورد في نجاسة الهر وسؤره، فليس هناك دليل يدل على أن ما ورد في طهارته متأخرة عن ذلك، كما أنه لا دليل على عكس ذلك، حتى يكون أحد الدليلين ناسخا للآخر، لذلك لا يصح القول في المسألة بالنسخ. والله أعلم.

стр. 279

المبحث الثاني: آداب قضاء الحاجة، والوضوء، ونواقضه وفيه أحد عشر مطلباً: المطلب الأول: البول قائماً. المطلب الثاني: استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة. المطلب الثالث: الوضوء بفضل وضوء المرأة. المطلب الرابع: الوضوء بنبيذ التمر. المطلب الخامس: الوضوء لكل صلاة. المطلب السادس: ذكر الله تعالى بغير وضوء. المطلب السابع: الوضوء للجنب إذا أراد النوم. المطلب الثامن: الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود إلى الجماع. المطلب التاسع: الوضوء مما مست النار. المطلب العاشر: الوضوء من مس الذكر. المطلب الحادي عشر: الوضوء من مس المرأة.

стр. 280

المطلب الأول: البول قائماً ذهب أبو عوانة (١) إلى أن البول قائماً منسوخ من فعله ﷺ (٢)؛ لذلك يكون البول قائماً من غير عذر مكروهاً. وقد ظهر منه أنه ليس للقول بالنسخ في هذه المسألة أثر بارز في اختلاف الفقهاء فيها، إلا أنه أحد أسباب الاختلاف عند من قال به؛ حيث أنه رأى ما ورد في البول قائماً منسوخاً بما ورد في النهي عن ذلك (٣). ومع هذا فإن أصل سبب الاختلاف في المسألة هو اختلاف الأحاديث الواردة فيها، كما سيتبين ذلك من خلال دراسة الأدلة في

стр. 281

المسألة. ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عائشة- ﵂ قالت: «من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً» (١). وفي رواية عنها ﵂ قالت: «ما بال رسول الله ﷺ قائماً منذ أنُزل عليه القرآن» (٢). ثانياً: عن شريح (٣)، قال سمعت عائشة-﵂-تقسم بالله

стр. 282

«مارأى أحد رسول الله ﷺ يبول قائماً منذ أُنزل عليه الفرقان» (١). ثالثاً: عبد الرحمن بن حسنة (٢) ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كهيئة الدرقة (٣) فوضعها ثم جلس خلفها فبال إليها، فقال بعض القوم: انظروا يبول كما تبول المرأة، فسمعه فقال: «أوما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل، كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره» (٤).

стр. 283

رابعاً: عن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من الجفاء (١): أن يبول الرجل وهو قائم، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده» (٢).

стр. 284

خامساً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أربع من الجفاء: يبول الرجل قائماً، أو يكثر مسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو يسمع المؤذن يؤذن فلا يقول مثل ما يقول، أو يصلي بسبيل من يقطع صلاته» (١). سادساً: عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول: (أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائماً، وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره، ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه في قوله) (٢).

стр. 285

سابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يبول قائماً» (١).
следующие страницы →