مراجعة زوجته بعد الطلقة الثالثة إلا أن تنكح زوجاً غيره (١).
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولاً: عن ابن عباس ﵁ قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ
يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، الآية (٢)، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً، فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية، [البقرة: ٢٢٩] (٣).
ثانياً: عن عائشة-﵂ قالت: (كان الناس، والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني، ولا آويك أبداً. قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة، فأخبرتها فسكتت عائشة حتى جاء النبي ﷺ ، فأخبرته، فسكت النبي ﷺ
стр. 2207
حتى نزل القرآن: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلاً، من كان طلق، ومن لم يكن طلق) (١).
ثالثاً: عن عروة قال: (كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها، حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، ثم قال: لا، والله لا آويك إليّ ولا تحلين أبداً. فأنزل الله ﵎: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذ، من كان طلق منهم أو لم يطلق) (٢).
رابعاً: عن عائشة ﵂ أن امرأة رفاعة القرظي (٣)، جاءت
стр. 2208
إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزَبِير القرظي (١)، وإنما معه مثل الهدبة (٢). قال رسول الله ﷺ : «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته» (٣).
وفي رواية عنها-﵂ قالت: إن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير. فجاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنها كانت تحت رفاعة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنه والله ما معه إلا مثل الهدبة، وأخذت بهدبة من جلبابها. قال: فتبسم رسول الله ﷺ ضاحكاً، فقال: «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة. لا، حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته» (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن الأحاديث الثلاثة الأولى تدل على أنه كان في الجاهلية، وكذلك في صدر الإسلام أن الرجل إذا طلق زوجته ثم راجعها قبل انقضاء العدة فإنها لا تبين منه ولو زاد طلاقه على ثلاث، ثم نسخ الله ذلك بقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وجعل الطلاق التي يصح رجوع الزوج فيها إلى زوجته قبل انقضاء
стр. 2209
العدة طلقتان، وأن الثالث تبينه منه، ويدل على هذا كذلك حديث عائشة-﵂ في
امرأة رفاعة القرظي (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
ولا خلاف بين أهل العلم في أن الطلاق محصور بعدد، وأنه ليس للزوج مراجعة زوجته بعد الطلقة الثالثة إلا أن تنكح زوجاً غيره.
إلا أن بعضهم لم يذهب في المسألة إلى القول بالنسخ، بل اعتبر عدم حصر الطلاق بعدد من عادة الجاهلية، وأن الإسلام إنما جاء فيه بشرع جديد فأبطل ما كان عليه أهل الجاهلية من عدم حصر الطلاق بعدد، وجعل للزوج حق المراجعة في الطلقتين ما لم تنقض العدة، وأنه ليس له حق المراجعة إذا طلقها آخر ثلاث تطليقات حتى تنكح زوجاً غيره (٢).
لكن الذي يظهر هو صحة القول بالنسخ، وذلك لما يلي:
أ- لتصريح ابن عباس-﵄-بالنسخ، كما سبق ذكره.
ب-إن البعض من الروايات السابقة يفهم منه تقرير النبي ﷺ لبعض المسلمين ممن عمل نحو هذا العمل، ثم نزلت الآية ونسخ ذلك الحكم، وجاءت السنة مفسرة للكتاب (٣).
والله أعلم.
стр. 2210
المطلب الثاني: جعل الطلقات الثلاث واحدة
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الطلقات الثلاث-وهو أن يقول الرجل لزوجته: أنت طالق ثلاثاً- تقع ثلاثة، وأن جعلها واحدة قد نسخ.
وممن قال بنحو هذا: الإمام الشافعي (١)، والطحاوي (٢)، وأبو إسحاق الجعبري (٣)، وابن حجر (٤)، وابن الهمام (٥).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، إلا أن السبب الأصلي لاختلافهم فيها، هو اختلاف الآثار الواردة فيها (٦).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن ابن عباس-﵄-قال: (كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو
стр. 2211
أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم) (١).
وعن طاوس، أن أبا الصهباء (٢) قال لابن عباس: (أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي ﷺ وأبي بكر، وثلاثاً من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم) (٣).
وفي رواية عنه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: (هات من هناتك (٤). ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك. فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم) (٥).
ثانياً: عن ابن عباس-﵄-قال: طلق ركانة بن عبد يزيد (٦)،
стр. 2212
أخو بني المطلب، امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، قال: فسأله رسول الله ﷺ : «كيف طلقتها؟» قال: طلقتها ثلاثاً. قال: فقال: «في مجلس واحد؟» قال: نعم. قال: «فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت»، قال: فرجعها، فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر (١).
وفي رواية عنه ﵁ قال: طلق عبد يزيد (٢) -أبو ركانة وإخوته-أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبي ﷺ فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة-لشعرة أخذتها من رأسها-ففرق بيني وبينه، فأخذت النبي ﷺ حميَّة، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: «أترون فلاناً يشبه منه كذا وكذا؟ - من عبد يزيد-وفلاناً يشبه منه كذا وكذا» قالوا: نعم. قال النبي ﷺ
стр. 2213
لعبد يزيد: «طلقها» ففعل، ثم قال: «راجع امرأتك أم ركانة وإخوته» فقال: إني طلقتها ثلاثاً يا رسول الله، قال: «قد علمت، راجعها، وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (١).
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢).
رابعاً: حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ في قصة عويمر العجلاني (٣)، وفيه: قال سهل: (فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ ، فلما فرغا قال
стр. 2214
عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله ﷺ (١).
خامساً: عن محمود بن لبيد ﵁ قال: أُخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضباناً، ثم قال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟» حتى قام رجل، وقال: يا رسول الله! ألا أقتله؟ (٢).
سادساً: عن عبد الله بن عمر-﵄-أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرئين الباقيين، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر، فتطلق لكل قرء» فأمرني رسول الله ﷺ فراجعتها، وقال: «إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك» فقلت يا رسول الله أرأيت لو كنت طلقتها ثلاثاً أكان لي أن أراجعها؟ قال: «لا، كانت تبين، وتكون معصية» (٣).
стр. 2215
سابعاً: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: طلق بعض آبائي امرأته ألفاً فانطلق بنوه إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله إن أبانا طلق أُمَّنا ألفاً فهل له من مخرج؟ قال: «إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجاً، بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه» (١).
ثامناً: عن ركانة قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إني طلقت امرأتي البتة، فقال: «ما أردت بها؟» قلت: واحدة. قال: «والله؟» قلت: والله. قال: «فهو ما أردت» (٢).
стр. 2216
تاسعاً: الإجماع، وهو أن عمر ﵁ لما خاطب الناس، وذكر شأن الطلاق الثلاث، و قال لهم: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، ثم أمضاه عليهم، لم ينكر ذلك عليه منهم منكر، ولم يدفعه دافع. فكان ذلك إجماعاً على وقوع الطلاق الثلاث معاً (١).
عاشراً: عن محمد بن إياس (٢)، أن ابن عباس، وأبا هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، سُئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثاً، فكلهم قال: (لا تحل
стр. 2217
له حتى تنكح زوجاً غيره) (١).
وعن مجاهد، قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثاً. قال: فسكت حتى ظننت أنه رادُّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس! يا ابن عباس! وإن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [سورة الطلاق: ٢]. وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجاً، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] في قبل عدتهن (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن الحديثين الأولين المروية عن ابن عباس ﵁ يدلان على أن الطلاق الثلاث كانت تحسب واحدة، والأدلة
стр. 2218
المذكورة بعدهما تدل على وقوع الطلاق الثلاث معاً؛ لأن الآية الكريمة تدل على وقوع الطلاق الثلاث، وليس فيها ما يدل على الفرق بين أن تكون مجموعة أو مفرقة (١).
أما حديث سهل بن سعد ﵁ في قصة عويمر، وكذلك حديث محمود بن لبيد، فإنهما يدلان كذلك على وقوع الثلاث معاً، أما حديث سهل فإنه يدل على وقوع الثلاث معاً وأنه جائز، وإلا لما سكت رسول الله ﷺ ولم يقره على ذلك (٢).
وأما حديث محمود فإنه يدل على لزوم الثلاث (٣).
كما أن حديث ابن عمر، وعبادة، وركانة-﵃-يدل على وقوع الطلاق الثلاث. أما حديث ابن عمر وعبادة فظاهر، وأما حديث ركانة فلأنه ﷺ أحلفه على أنه أراد بالبتة واحدة، فدل أنه لو أراد بها أكثر من ذلك لوقع ما أراده، وإلا لم يكن لتحليفه معنى (٤).
وإجماع الصحابة-﵃، وكذلك الآثار المروية عنهم، يدل كذلك على وقوع الثلاث (٥).
فتكون هذه الأدلة ناسخة لحديثي ابن عباس ﵁، ويدل على ذلك
стр. 2219
ما يلي:
أ-أن ابن عباس ﵁ هو الراوي لحديث جعل الطلقات الثلاثة واحدة، ثم هو يفتى ويقول
بوقوع الطلقات الثلاث مجموعة، فهو يدل على أنه علم شيئاً نسخ ذلك؛ لأنه لا يشبه أن يكون ابن عباس ﵁ يروي عن رسول الله ﷺ شيئاً ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي ﷺ فيه خلاف (١).
واعترض عليه: بأن مخالفته لما رواه يحتمل احتمالات عديدة من نسيان أو تأويل، أو اعتقاد معارض راجح في ظنه، أو اعتقاد أنه منسوخ أو مخصوص، أو غير ذلك من الاحتمالات، فكيف يسوغ ترك روايته مع هذه الاحتمالات؟ وهل هذا إلا ترك معلوم لمظنون أو مجهول؟ (٢).
ب- إن الصحابة ﵃-لما خاطبهم عمر ﵁ وذكر شأن الطلاق الثلاث، و قال لهم: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، ثم أمضاه عليهم، لم ينكر ذلك عليه منهم منكر، ولم يدفعه دافع. فكان ذلك إجماعاً منهم على وقوع الطلاق الثلاث معاً.
والإجماع ليس بناسخ لكنه يدل على وجود ناسخ؛ فيكون في إجماعهم ذلك دليلاً على وجود ناسخ لجعل الطلاق الثلاث واحدة-وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر ﵁ وعلى وقوع الطلقات الثلاث مجموعة (٣).
стр. 2220
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً معاً على قولين:
القول الأول: إنه يقع ثلاثاً.
وهو قول المذاهب الأربعة، وجمهور أهل العلم، بل أجمع عليه الصحابة-﵃ في عهد عمر ﵁؛ حيث لم يحفظ أن أحداً في عهده خالفه فيه (١).
القول الثاني: إن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً معاً، فإنه تقع عليها واحدة.
وهو قول بعض أهل العلم، منهم: طاووس، ومحمد بن إسحاق. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً معاً
стр. 2221
فإنه يقع ثلاثاً- بالأدلة التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ غير حديثي ابن عباس ﵁. وقد سبق وجه الاستدلال منها كذلك.
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً معاً فإنه يقع واحدة- بما يلي:
أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديثي ابن عباس ﵁؛ حيث إنهما يدلان على أن الطلقات الثلاث معاً كانت تجعل واحدة في عهد رسول الله ﷺ .
ثانياً: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١).
فإن معناه: مرة بعد مرة، والله لم يقل: الطلاق طلقتان، بل قال: مرتان، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق اثنتين أو ثلاثاً أو عشراً، لم يكن قد طلقها إلا مرة واحدة، فهو كقول الرجل: سبح ثلاثاً، فلو قال: (سبحان الله ثلاثاً)، فإنه سبح الله مرة، ولم يسبحه ثلاثاً حتى يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله. فكذلك الطلاق (٢).
واعترض عليه: بأنه قد يراد بالمرتين المضاعف معاً (٣)، ومنه قوله
стр. 2222
تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا
مَرَّتَيْنِ﴾ (١).
كما أن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. قد يكون فيه تعليم وإرشاد لما دون الثلاث من الطلاق، وبيان كيفية طلاق السنة (٢)، لكن ذلك لا يمنع من إيقاع طلاق من طلق على خلاف السنة، كما روي ذلك عن عدد من الصحابة-﵃، وقد سبق قول ابن عباس ﵁ في دليل القول بالنسخ، أنه قال لمن طلق زوجته ثلاثاً: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك (٣).
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الأول-وهو وقوع طلاق الثلاث لمن طلق امرأته ثلاثاً معاً-، وذلك لما يلي:
أ-لما سبق من حديث سهل بن سعد، وابن عمر، وعبادة، وركانة-﵃-فإنها تدل على وقوع الطلاق الثلاث لمن طلق ثلاثاً مجموعة، وهي وإن كان في بعضها ضعفاً إلا أنها بمجموعها تقوى وتدل على ثبوت وقوع الطلاق الثلاث معاً.
ب-للآثار الكثيرة المروية عن الصحابة-﵃-والتي تدل على
стр. 2223
وقوع الطلاق الثلاث لمن طلق امرأته ثلاثاً معاً. ومن تلك الآثار:
١ - ما سبق في حديث ابن عباس ﵁ من قول عمر ﵁: (إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم).
وعن زيد بن وهب (١)، أن رجلاً بطالاً كان بالمدينة طلق امرأته ألفاً، فرجع إلى عمر فقال:
إنما كنت ألعب، فعلا عمر رأسه بالدرة وفرق بينهما) (٢).
وفي رواية أنه قال له: (إنما يكفيك من ذلك ثلاثة) (٣).
٢ - عن معاوية بن أبي تحيا (٤)، قال: جاء رجل إلى عثمان فقال: إني طلقت امرأتي مائة، قال: (ثلاث تحرمها عليك، وسبعة وتسعون عدوان) (٥).
٣ - عن حبيب (٦)، عن رجل من أهل مكة، قال: جاء رجل إلى علي
стр. 2224
-﵁ فقال: إني طلقت امرأتي ألفاً، قال: (الثلاث تحرمها عليك، واقسم سائرهن بين أهلك) (١).
٤ - عن علقمة قال: جاء رجل إلى ابن مسعود ﵁ فقال: إني طلقت امرأتي تسعة وتسعين، وإني سألت فقيل لي: قد بانت مني، فقال ابن مسعود: لقد أحبوا أن يفرقوا بينك وبينها. قال: فما تقول رحمك الله؟ -فظن أنه سيرخص له- فقال: (ثلاث تبينها منك، وسائرها عدوان) (٢).
٥ - ٧ - عن محمد بن إياس أن ابن عباس، وأبا هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، سُئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثاً، فكلهم قال: (لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره) (٣).
٨ - عن ابن عمر-﵄-قال: (من طلق امرأته ثلاثاً طلقت، وعصى ربه) (٤).
стр. 2225
٩ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة، فقال: (ثلاث تحرمنها عليه، وسبعة وتسعون فضل) (١).
١٠ - عن أنس ﵁ قال: (لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره) قال: وكان عمر بن الخطاب إذا أوتي برجل طلق امرأته ثلاثاً أوجع ظهره (٢).
فهذه آثار من هؤلاء الصحابة-﵃، ولم يحفظ عن أحد من الصحابة أنه أفتى في عهد عمر أن من طلق امرأته ثلاثاً معاً أنه يقع واحدة (٣).
ج-ولأن لفظ الطلقات الثلاث معاً يحتمل الثلاث، كما يدل عليه ما سبق من أقوال الصحابة-﵃، وقد أراده من تلفظ به، والنبي ﷺ
стр. 2226
قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١).
ثانياً: إن أدلة القول الثاني من الأحاديث وإن كانت صحيحة، إلا أنها تتطرق إليها احتمالات، كالتالي:
أما حديث ابن عباس ﵁ الأول وهو ما يدل على أن الطلاق الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد النبي ﷺ وأبي بكر، وثلاثاً من إمارة عمر. فإنه يتطرق له احتمال:
أ- أنه يراد به الطلاق قبل الدخول (٢)، فعن طاوس أن رجلاً يقال له أبو الصهباء، كان
كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدراً من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدراً من إمارة عمر، فلما أن رأى الناس-يعني عمر-قد تتابعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم (٣).
стр. 2227
٢ - أن قوله: (كان الثلاث واحدة) تحتمل أن يريد به: كان حكم الثلاث إذا وقعت على عهد رسول الله ﷺ تجعل واحدة، وتحتمل أن يريد به: إن الناس في زمن النبي ﷺ كانوا يطلقون واحدة، فلما كان زمن عمر كانوا يطلقون ثلاثاً. وحاصله أن الطلاق الموقع في عهد عمر ﵁ ثلاثاً كان يوقع قبل ذلك واحدة، لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلاً أو كانوا يستعملونها نادراً، وأما في عصر عمر فكثر استعمالهم لها، فأمضاه عليهم عمر وأجازه أي صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله (١).
فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة لا عن تغير الحكم في الواحدة (٢).
٣ - يحتمل أن جعل الطلاق الثلاث واحدة كانت في وقت كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً، وقد نسخ ذلك (٣). فعن ابن عباس ﵁ قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، الآية (٤)، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً، فنسخ ذلك فقال:
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾
стр. 2228
الآية، [البقرة: ٢٢٩] (١).
أما حديث ابن عباس ﵁ الثاني، وهو قول النبي ﷺ لركانة بن عبد يزيد: «كيف طلقتها؟» قال: طلقتها ثلاثاً. قال: فقال: «في مجلس واحد؟» قال: نعم. قال: «فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت». فإنه يتطرق له احتمال: أنه طلق امرأته البتة، كما جاء ذلك في رواية أخرى، وأن بعض الرواة حمل البتة على الثلاث، فقال طلقها ثلاثاً (٢).
ثالثاً: إن القول بنسخ جعل الثلاث واحدة، له وجه؛ لأن الصحابة في عهد عمر ﵁ أجمعوا على إجازة الطلاق الثلاث لمن طلق امرأته ثلاثاً معاً، فيدل إجماعهم ذلك على وجود ناسخ، وإن خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر ﵁ (٣).
ويؤيد ذلك ترك ابن عباس ﵁ لما رواه، وإفتاؤه لمن طلق ثلاثاً معاً، بأنه عصى الله وبانت منه زوجته، كما سبق بيانه (٤).
والله أعلم.
стр. 2229
المطلب الثالث: إذا أسلمت المرأة قبل زوجها
ذهب بعض أهل العلم إلى أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها فإنها تبين منه، وأن ما يدل على تقرير المسلمة تحت المشرك لانتظار إسلامه، فإنه قد نسخ.
وممن صرح به: الطحاوي (١)، وابن عبد البر (٢)، وابن العربي (٣)، وروي نحوه عن قتادة (٤)، والزهري (٥).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٦).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن ابن عباس ﵁ قال: (رد النبي ﷺ ابنته زينب (٧)، على أبي
стр. 2230
العاص بن الربيع (١)، بعد ست سنين، بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحاً) (٢).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٣).
стр. 2231
ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-في اليهودية والنصرانية، تكون تحت النصراني أو اليهودي، فتسلم هي، قال: يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه) (١).
وفي رواية عنه ﵁: (إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه) (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن الآية الكريمة تدل على عدم بقاء المسلمة تحت الكافر؛ لأنها لا تحل له، وحديث ابن عباس ﵁ يدل على بقاء المسلمة تحت المشرك لانتظار لإسلامه؛ حيث إن النبي ﷺ رد زينب ابنته على أبي العاص بالنكاح الأول، وهي قد أسلمت وهاجرت قبل أبي العاص بعدة سنوات. فتكون هذه الآية ناسخة لحديث ابن عباس ﵁، ويؤيد ذلك أن ابن عباس ﵁ هو الراوي لحديث رد زينب على أبي العاص، ثم هو كان يقول ويفتي بأن اليهودية أو النصرانية إذا أسلمت تحت النصراني أو اليهودي أنه يفرق بينهما، فهو يدل على أنه
علم ناسخاً للحديث الذي رواه عن النبي ﷺ في رده زينب ابنته على أبي العاص، وإلا لما خالف لما رواه عن النبي ﷺ (٣).
стр. 2232
واعترض عليه: بأن هذه الآية نزلت بعد صلح الحديبية، وقبل فتح مكة، ثم في فتح مكة أسلمت زوجة عكرمة وصفوان-﵃، وهما قد تأخر إسلامهما، عن إسلامهما، ولم يفرق النبي ﷺ بينهم، ولا هم جددوا أنكحتهم (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الفرقة بين المرأة وزوجها إذا أسلمت قبله على أقوال من أشهرها ما يلي:
القول الأول: إن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر، فإن كانا في دار الحرب فهي امرأته ما لم تنقض العدة، أو تخرج إلى دار الإسلام، فأي ذلك كانت بانت به من زوجها، وإن كانا في دار الإسلام، عُرض عليه الإسلام، فإن أسلم فهي امرأته، وإلا يفرق بينهما.
وهو مذهب الحنفية (٢).
القول الثاني: إن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها، فإن أسلم زوجها قبل انقضاء العدة، فهي امرأته، وإلا وقعت الفرقة منذ اختلف الدينان.
стр. 2233
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقول الزهري، والأوزاعي، والحسن بن حي، وإسحاق، والليث بن سعد (٤).
القول الثالث: إن المرأة إذا أسلمت ولم يسلم معها زوجها تعجل الفرقة وانفسخ النكاح.
وهو رواية عن الإمام أحمد (٥). وروي ذلك عن عمر، وجابر، وابن عباس-﵃، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وطاوس، وعكرمة، وقتادة، والشعبي. واختاره ابن المنذر، والطحاوي، وابن حزم (٦).
القول الرابع: إن المرأة إذا أسلمت قبل الزوج، فالنكاح موقوف فإن أسلم قبل انقضاء عدتها، فهي زوجته، وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت، وإن أحبت انتظرته، فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح.
стр. 2234
ذهب إلى هذا بعض أهل العلم، وروي نحوه عن عمر، وعلي بن أبي طالب-﵄، وإبراهيم النخعي (١). وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٣).
ثانياً: عن عبد الله بن عمرو-﵄ (أن رسول الله ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد، ونكاح جديد) (٤).
стр. 2235
ثالثاً: عن داود بن كردوس (١)، قال: كان رجل منا من بني تغلب نصراني، تحته امرأة نصرانية فأسلمت، فرفعت إلى عمر فقال له: (أسلمت وإلا فرقت بينكما)، فقال له: (لم أدع هذا إلا استحياء من العرب أن يقولوا: إنه أسلم على بضع امرأة)، قال: ففرق عمر بينهما (٢).
ووجه الاستدلال منها: بأن الآية الكريمة تدل على أن اختلاف الدارين-وهو أن يكون أحد الزوجين من أهل دار الحرب، والآخر من أهل دار الإسلام-يوجب الفرقة بين الزوجين؛ حيث جاء فيها: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾. ولو كانت الزوجية باقية لكان الزوج أولى بها بأن تكون معه حيث أراد (٣).
وحديث عبد الله بن عمرو-﵄-يدل على أن خروجها
стр. 2236
من دار الحرب، وكذلك انقضاء العدة، يوجب الفرقة. وما روي عن عمر ﵁ يدل على أن الزوجين إذا كانا في دار الإسلام وأسلمت المرأة قبل زوجها، فإنه يعرض الإسلام على الزوج فإن أسلم وإلا يفرق بينهما (١).
واعترض عليه: بأن الذي يوجب فرقة المسلمة من زوجها هو إسلامها؛ لأن الله قال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. فبين أن العلة عدم الحل بالإسلام. كما أن مراعاة زمن العدة لا دليل عليه لا من الكتاب ولا من السنة، بل حديث ابن عباس ﵁ في رد النبي ﷺ زينب على أبي العاص على النكاح الأول، يدل على عدم اعتباره (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها، فإن أسلم زوجها قبل انقضاء العدة، فهي امرأته، وإلا وقعت الفرقة منذ اختلف الدينان- بما يلي:
أولاً: حديث عبد الله بن عمرو ﵁ الذي سبق ذكره في دليل السابق.
ثانياً: عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: (رد النبي ﷺ على عكرمة بن أبي جهل (٣)، أم حكيم بنت الحارث بن هشام (٤)، بعد
стр. 2237
أشهر، أو قريب من سنة) (١).
ثالثاً: عن ابن شهاب، أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام، حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم، حتى قدمت عليه باليمن، فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله ﷺ عام الفتح، فلما رآه رسول الله ﷺ وثب إليه فرحاً، وما عليه رداء، حتى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك (٢).
رابعاً: عن ابن شهاب أنه قال: (كان بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحو من شهر).
قال ابن شهاب: (ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله، وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدم زوجها مهاجراً قبل أن تنقضي
عدتها) (٣).
стр. 2238
ووجه الاستدلال منها: أن هذه الآثار تدل على أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها قبل انقضاء العدة فهي زوجته، ويدل حديث عبد الله بن عمرو ﵁ على أنه إذا انقضت العدة فإنها لا ترد إليه إلا بنكاح جديد (١).
واعترض عليه: بأن حديث عبد الله بن عمرو ﵁ ضعيف لا تقوم به حجة (٢)، وبقية الآثار تدل على أن المرأة إذا أسلمت ثم أسلم زوجها قبل انقضاء عدتها فإنها زوجها، وليس فيها ما يدل على عدم جواز ردها إليه بعد انقضاء العدة إذا رضيت ولم تنكح زوجاً غيره، والأحاديث الصحيحة تدل على أن ذلك موقوف ما لم تتزوج، فإذا أسلم فهي امرأته (٣).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو أن المرأة إذا أسلمت ولم يسلم معها زوجها تعجل الفرقة وانفسخ النكاح- بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ
стр. 2239
لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١).
ثانياً: عن ابن عباس-﵄-في اليهودية والنصرانية، تكون تحت النصراني أو اليهودي، فتسلم هي، قال: يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه) (٢).
وفي رواية عنه ﵁: (إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه) (٣).
ووجه الاستدلال منهما: أن الآية الكريمة، تدل على تحريم رجوع المؤمنة إلى الكافر، ويدل عليه كذلك أثر ابن عباس ﵁، كما يدل على أنه يفرق بينهما على الفور (٤).
واعترض عليه: بأن هذه الأدلة تدل على حصول الحرمة بينهما وعلى أنه يفرق بينهما، لكن لا تدل على أنه لا يجوز لها أن ترجع إليه إذا أسلم ولم تنكح زوجاً غيره. والأحاديث الصحيحة تدل على أن ذلك موقوف ما لم تتزوج، فإذا أسلم فهي امرأته (٥).
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع-وهو أنها إذا انتظرت ولم تنكح زوجاً غيره حتى
стр. 2240
أسلم فإنها ترد إليه بالنكاح الأول إذا رضيت- بما يلي:
أولاً: عن ابن عباس ﵁ قال: (رد النبي ﷺ ابنته زينب، على أبي العاص بن الربيع، بعد ست سنين، بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحاً) (١).
ثانياً: عن ابن عباس-﵄-قال: (أسلمت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فتزوجت، فجاء زوجها إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد كنت أسلمت، وعلمت بإسلامي، فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجه الآخر، وردها إلى زوجها الأول) (٢).
ثالثاً: عن ابن عباس ﵁: (كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تُخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح،
فإن هاجر زوجها قبل أن
стр. 2241
تنكح ردت إليه) (١).
رابعاً: عن عبد الله بن يزيد الخطمي (٢)، قال: أسلمت امرأة من أهل الحيرة، ولم يسلم زوجها، فكتب فيها عمر بن الخطاب: (أن خيروها فإن شاءت فارقته، وإن شاءت قرّت عنده) (٣).
ووجه الاستدلال منها: أن حديث ابن عباس ﵁ الأول والثالث يدلان على أن المرأة إذا أسلمت ولم تنكح حتى أسلم زوجها فإنها ترد إليه (٤).
وحديث ابن عباس ﵁ الثاني يدل عليه كذلك؛ لأن زوجها الأول أسلم
стр. 2242
قبل أن تنكح زوجه الثاني، وعلمت بإسلامه، فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الثاني وردها إلى الأول، ولم يستفصله هل أسلما معاً أو هل أسلمت قبل أن تنقضى العدة؟ وترك السؤال يدل على أن الجواب عام مطلق في كل ما تناوله صور السؤال (١).
وأثر عمر ﵁ يدل على ذلك كذلك؛ حيث إنه إنما خيرها بين انتظاره إلى أن يسلم،
فتكون زوجته كما هي، أو تفارقه (٢).
الراجح
بعد ذكر الأقوال والأدلة في المسألة يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الرابع، وهو أنها إذا انتظرت ولم تنكح زوجاً غيره حتى أسلم فإنها ترد إليه بالنكاح الأول إذا رضيت، وذلك لما يلي:
أ-لكثرة أدلة هذا القول مع صحتها وصراحتها في الدلالة، بخلاف أدلة الأقوال الأخرى فإن منها ما هو صحيح غير صريح، ومنها ما هو صريح غير صحيح، ومنها ما هو محتمل لأكثر من احتمال.
ب-ولأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين ما صح من الأدلة الواردة في المسألة كلها، بخلاف الأقوال الأخرى، وذلك بحمل أدلة القول الرابع على ما إذا انتظرت ولم تنكح زوجاً غيره حتى أسلم، فإنها ترد إليه بالنكاح الأول إذا
стр. 2243
رضيت. وحمل أدلة الأقوال الأخرى على حصول الحرمة بينهما بمجرد إسلام أحدهما، لكنها لا تمنع من ردها إليه بالنكاح الأول إذا رضيت ولم تنكح زوجاً غيره، سواء انقضت عدتها أم لا.
ثانياً: إنه كان قبل صلح الحديبية جواز بقاء المسلمة في عصمة الكافر، وبعد الصلح أنزل الله تعالى قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١).
فنسخ به بقاء المسلمة تحت الكافر، وبين أنها لا تحل للكافر، ولا يحل الكافر لها (٢)؛ لذلك إذا أسلم أحد الزوجين حرم على الآخر ساعة أسلم حتى يسلم الآخر للآية الكريمة.
لكنه ليس فيه نسخ ولا تحريم أن تنتظر المرأة التي أسلمت حتى ترد إلى زوجها إذا أسلم، سواء انقضت عدتها أم لا، يدل على ذلك ما حصل عند فتح مكة؛ حيث أسلم بعض النساء
وتأخر إسلام أزواجهن، ثم ردت إلى أزواجهن بالنكاح الأول (٣).
ثانياً: إنه لا يصح قول من قال بنسخ ما يدل على رد المرأة إلى زوجها بالنكاح الأول إذا أسلمت وتأخر إسلام زوجها حتى ولو لم تنكح زوجاً غيره، وذلك لما يلي:
стр. 2244
أ-لأنه يمكن الجمع بين الأدلة الواردة في المسألة، كما سبق بيانه، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة فإنه لا يصار معه إلى النسخ (١).
ب- إنه قد أسلمت نساء بعد نزول الآية الكريمة وتأخر إسلام أزواجهن، ومع ذلك فإنهن رددن إلى أزواجهن بالنكاح الأول، كما سبق بيانه، فلو كانت الآية الكريمة ناسخة لردهن إلى أزواجهن بالنكاح الأول، لما صح ردهن إليهم.
ج-إنه قد روي ما يدل على أن النبي ﷺ إنما رد زينب-﵂ إلى زوجها أبي العاص بعد تحريم المؤمنة على الكافر، وهو ما رواه عروة عن عائشة ﵂ قالت: صرخت زينب: أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فذكر الحديث إلى أن قالت: ثم انصرف رسول الله ﷺ فدخل على ابنته زينب فقال: «أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له» (٢).
وقد رد النبي ﷺ ابنته زينب-﵂-على زوجها أبي العاص بعد هذا، فهو مما يدل على بطلان دعوى النسخ، وترجيح القول الرابع.
والله أعلم.
стр. 2245
المطلب الرابع: أخذ الفدية في الخلع
ذهب بكر بن عبد الله المزني (١)، إلى أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ شيئاً عن زوجته في الخلع (٢)، وأن ما يدل على جواز الأخذ فإنه قد نسخ (٣).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٤).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٥).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ