← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

تنكح ردت إليه) (١). رابعاً: عن عبد الله بن يزيد الخطمي (٢)، قال: أسلمت امرأة من أهل الحيرة، ولم يسلم زوجها، فكتب فيها عمر بن الخطاب: (أن خيروها فإن شاءت فارقته، وإن شاءت قرّت عنده) (٣). ووجه الاستدلال منها: أن حديث ابن عباس ﵁ الأول والثالث يدلان على أن المرأة إذا أسلمت ولم تنكح حتى أسلم زوجها فإنها ترد إليه (٤). وحديث ابن عباس ﵁ الثاني يدل عليه كذلك؛ لأن زوجها الأول أسلم

стр. 2242

قبل أن تنكح زوجه الثاني، وعلمت بإسلامه، فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الثاني وردها إلى الأول، ولم يستفصله هل أسلما معاً أو هل أسلمت قبل أن تنقضى العدة؟ وترك السؤال يدل على أن الجواب عام مطلق في كل ما تناوله صور السؤال (١). وأثر عمر ﵁ يدل على ذلك كذلك؛ حيث إنه إنما خيرها بين انتظاره إلى أن يسلم، فتكون زوجته كما هي، أو تفارقه (٢). الراجح بعد ذكر الأقوال والأدلة في المسألة يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الرابع، وهو أنها إذا انتظرت ولم تنكح زوجاً غيره حتى أسلم فإنها ترد إليه بالنكاح الأول إذا رضيت، وذلك لما يلي: أ-لكثرة أدلة هذا القول مع صحتها وصراحتها في الدلالة، بخلاف أدلة الأقوال الأخرى فإن منها ما هو صحيح غير صريح، ومنها ما هو صريح غير صحيح، ومنها ما هو محتمل لأكثر من احتمال. ب-ولأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين ما صح من الأدلة الواردة في المسألة كلها، بخلاف الأقوال الأخرى، وذلك بحمل أدلة القول الرابع على ما إذا انتظرت ولم تنكح زوجاً غيره حتى أسلم، فإنها ترد إليه بالنكاح الأول إذا

стр. 2243

رضيت. وحمل أدلة الأقوال الأخرى على حصول الحرمة بينهما بمجرد إسلام أحدهما، لكنها لا تمنع من ردها إليه بالنكاح الأول إذا رضيت ولم تنكح زوجاً غيره، سواء انقضت عدتها أم لا. ثانياً: إنه كان قبل صلح الحديبية جواز بقاء المسلمة في عصمة الكافر، وبعد الصلح أنزل الله تعالى قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١). فنسخ به بقاء المسلمة تحت الكافر، وبين أنها لا تحل للكافر، ولا يحل الكافر لها (٢)؛ لذلك إذا أسلم أحد الزوجين حرم على الآخر ساعة أسلم حتى يسلم الآخر للآية الكريمة. لكنه ليس فيه نسخ ولا تحريم أن تنتظر المرأة التي أسلمت حتى ترد إلى زوجها إذا أسلم، سواء انقضت عدتها أم لا، يدل على ذلك ما حصل عند فتح مكة؛ حيث أسلم بعض النساء وتأخر إسلام أزواجهن، ثم ردت إلى أزواجهن بالنكاح الأول (٣). ثانياً: إنه لا يصح قول من قال بنسخ ما يدل على رد المرأة إلى زوجها بالنكاح الأول إذا أسلمت وتأخر إسلام زوجها حتى ولو لم تنكح زوجاً غيره، وذلك لما يلي:

стр. 2244

أ-لأنه يمكن الجمع بين الأدلة الواردة في المسألة، كما سبق بيانه، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة فإنه لا يصار معه إلى النسخ (١). ب- إنه قد أسلمت نساء بعد نزول الآية الكريمة وتأخر إسلام أزواجهن، ومع ذلك فإنهن رددن إلى أزواجهن بالنكاح الأول، كما سبق بيانه، فلو كانت الآية الكريمة ناسخة لردهن إلى أزواجهن بالنكاح الأول، لما صح ردهن إليهم. ج-إنه قد روي ما يدل على أن النبي ﷺ إنما رد زينب-﵂ إلى زوجها أبي العاص بعد تحريم المؤمنة على الكافر، وهو ما رواه عروة عن عائشة ﵂ قالت: صرخت زينب: أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فذكر الحديث إلى أن قالت: ثم انصرف رسول الله ﷺ فدخل على ابنته زينب فقال: «أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له» (٢). وقد رد النبي ﷺ ابنته زينب-﵂-على زوجها أبي العاص بعد هذا، فهو مما يدل على بطلان دعوى النسخ، وترجيح القول الرابع. والله أعلم.

стр. 2245

المطلب الرابع: أخذ الفدية في الخلع ذهب بكر بن عبد الله المزني (١)، إلى أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ شيئاً عن زوجته في الخلع (٢)، وأن ما يدل على جواز الأخذ فإنه قد نسخ (٣). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٤). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٥). ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ

стр. 2246

إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١). ويستدل منهما على النسخ: بأن الآية الأولى تدل على جواز أخذ الفدية في الخلع، والآية الثانية تدل على تحريمه، فتكون الآية الثانية ناسخة لجواز أخذ الفدية المذكورة في الآية الأولى (٢). واعترض عليه بما يلي: أ-إن النسخ إنما يقال عند تعذر الجمع بين الأدلة، وليست إحدى الآيتين دافعة للأخرى حتى يقال فيها بالنسخ؛ وذلك لأن الآية الأولى يدل على جواز أخذ الفدية في الخلع إذا خافا أن لا يقيما حدود الله. والآية الثانية إنما جاء فيها النهي إذا أراد الزوج استبدال زوج مكان زوج (٣). ب-إن النسخ لا بد فيه من تأخر الناسخ، ولا يوجد ما يثبت أن الآية الثانية متأخرة عن الآية الأولى حتى تكون ناسخة لها (٤). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وذهب بقية أهل العلم-ومنهم أهل المذاهب الأربعة-إلى جواز أخذ الفدية في الخلع، لا خلاف بينهم في ذلك (٥)، وذلك لما يلي:

стр. 2247

أولاً: الآية السابقة في دليل القول بالنسخ، والتي تدل على جواز أخذ الفدية في الخلع. ثانياً: عن ابن عباس-﵄: أن امرأة ثابت بن قيس (١)، أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خُلق ولا دِين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : «أقبل الحديقة وطلقها تطليقة» (٢). ووجه الاستدلال منهما ظاهر؛ حيث إنهما يدلان صراحة على جواز أخذ الفدية في الخلع (٣). وهذا القول هو الراجح بلا شك، لدلالة الكتاب والسنة عليه، وعدم صحة القول بالنسخ. والله أعلم.

стр. 2248

المطلب الخامس: كون الظهار طلاقاً ذهب بعض أهل العلم إلى أن الظهار (١) كان في الجاهلية وفي أول الإسلام طلاقاً يحصل به الحرمة والفراق، ثم نسخ الله ذلك فجعله تحريماً موقتاً، وموجباً للكفارة. وممن قال بنحو هذا: أبو بكر الجصاص (٢)، والمرغناني (٣)، وابن العربي (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٥). وسائر أهل العلم -وإن لم يصرحوا بالنسخ أو لم يذهبوا إليه-إلا أنه لا خلاف بينهم في أن الظهار في الشريعة غير الطلاق (٦). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ

стр. 2249

نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). ثانياً: عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة (٢)، قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت (٣)، فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه، ورسول الله ﷺ يجادلني فيه، ويقول: «اتقي الله فإنه ابن عمك» فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. [المجادلة: ١] إلى الفرض، فقال: «يعتق رقبة» قالت: لا يجد، قال: «فيصوم شهرين متتابعين» قالت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: «فليطعم ستين

стр. 2250

مسكيناً» قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأُتي ساعتئذ بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله، فإني أعينه بعرق آخر، قال: «قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكيناً، وارجعي إلى ابن عمك) (١) ثالثاً: عن عائشة-﵂ قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ ، وهي تقول: يا رسول الله! أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سنّي، وانقطع ولدي، ظاهر منّي، اللهم إني أشكو إليك. فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] (٢). رابعاً: عن أبي العالية الرياحي، قال: كانت خولة بنت دليج، تحت رجل من الأنصار، وكان سيئ الخلق ضرير البصر فقيراً، وكانت الجاهلية إذا أراد الرجل أن يفارق امرأته قال لها: أنت عليّ كظهر أمي. فنازعته في بعض الشيء، فقال: أنت عليّ كظهر أمي. وكانت له عيل أو عيلان.

стр. 2251

فلما سمعته يقول ما قال، احتملت صبيانها، فانطلقت تسعى إلى رسول الله ﷺ فوافقته عند عائشة أم المؤمنين-﵂-في بيتها، وإذا عائشة تغسل شق رأس رسول الله ﷺ فقامت عليه، ثم قالت: يا رسول الله إن زوجها فقير ضرير البصر سيئ الخلق، وإني نازعته في شيء، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ولم يرد الطلاق، فرفع النبي ﷺ رأسه فقال: «ما أعلم إلا قد حرمت عليه» قال: فاستكانت، وقالت: أشتكي إلى الله ما نزل بي وبصبيتي، قال: وتحولت عائشة تغسل شق رأسه الآخر فتحولت معها، فقالت مثل ذلك، قالت: ولي منه عيل أو عيلان، فرفع النبي ﷺ رأسه إليها، فقال: «ما أعلم إلا قد حرمت عليه» فبكت وقالت: أشتكي إلى الله ما نزل بي وبصبيتي، وتغير وجه رسول الله ﷺ ، فقالت عائشة-﵂: وراءك، فتنحت، ومكث رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثم انقطع الوحي، فقال: «يا عائشة أين المرأة؟» قالت: ها هي هذه، قال: «ادعيها» فدعتها، فقال النبي ﷺ : «اذهبي فجيئي بزوجك» قال: فانطلقت تسعى فلم تلبث أن جاءت به فأدخلته على النبي ﷺ ، فإذا هو كما قالت ضرير البصر فقير سيئ الخلق، فقال النبي ﷺ : «استعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾. الآية [المجادلة: ١]. فقال له النبي ﷺ : «أتجد عتق رقبة؟» قال: لا. قال: «أفتستطيع صوم شهرين متتابعين؟» قال له: والذي بعثك بالحق إذا لم آكل المرة والمرتين والثلاث يكاد أن يغشو بصري. قال:

стр. 2252

«فتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟» قال: لا، إلا أن تعينني فيها، قال: فدعا به رسول الله ﷺ فكفر يمينه (١). خامساً: عن محمد بن كعب القرظي، قال: كانت خولة ابنة ثعلبة تحت أوس بن الصامت، وكان رجلاً به لمم (٢)، فقال في بعض هجراته (٣): أنت عليّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت عليّ. قالت: لا تقل ذلك، فوالله ما أحب الله طلاقاً، قالت: ائت رسول الله ﷺ فسله، فقال: إني أجدني أستحي منه أن أسأله عن هذا، فقالت: فدعني أن أسأله، فقال لها: سليه. فجاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا نبي الله إن أوس بن الصامت أبو ولدي، وأحب الناس إليّ، قد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً، قال: أنت عليّ كظهر أمي، فقال النبي ﷺ : «ما أراك إلا قد حرمت عليه». قالت: لا تقل ذلك يا نبي الله، والله ما ذكر طلاقاً، فرادت النبي ﷺ مراراً، ثم قالت: اللهم إني أشكو اليوم شدة حالي ووحدتي، وما يشق عليّ من فراقه، اللهم فأنزل على لسان نبيك. فلم ترِمْ مكانها حتى أنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ

стр. 2253

الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾. الآية [المجادلة: ١]. إلى أن ذكر الكفارات، فدعاه النبي ﷺ فقال: «أعتق رقبة» قال: لا أجد، فقال: «صم شهرين متتابعين» قال: لا أستطيع، إني لأصوم اليوم الواحد فيشق عليّ، قال: «أطعم ستين مسكيناً» قال: أما هذا فنعم (١). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على أنه كان قبل نزول آيات الظهار كان الظهار طلاقاً يحصل به الحرمة والفراق، ثم أنزل الله آيات الظهار، فنسخ به الحكم السابق، وجعله تحريماً موقتاً، وموجباً للكفارة (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. ولا خلاف بين أهل العلم في أن الظهار غير الطلاق، وأنه تحريم موقت يوجب الكفارة بخلاف الطلاق (٣). وذلك للأدلة التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ. والذي يظهر-والله أعلم بالصواب-صحة قول النسخ؛ وذلك

стр. 2254

لأن مجموع الروايات السابقة تفيد أن النبي ﷺ قرر أول الأمر كون الظهار طلاقاً يحصل به الحرمة والفراق؛ حيث جاء فيها لفظ: (ما أراك إلا قد حرمت عليه)، (ما أعلمه إلا قد حرمت عليه)، فهو يدل على أن الظهار كان طلاقاً يحصل به الحرمة والفرقة، ويؤكد ذلك المجادلة بين رسول الله، وخولة-﵂-وقوله لها: (اتقي الله). وقولها: (لم يرد الطلاق). حتى أنزل الله آيات الظهار، فجعله تحريماً موقتاً وموجباً للكفارة، ورافعاً للحكم السابق. والله أعلم.

стр. 2255

المطلب السادس: مدة حداد المرأة على الزوج ذهب الطحاوي إلى أن مدة حداد (١) المتوفى عنها زوجها كانت في بعض العدة، ثم نسخ ذلك وجعل إحدادها كل العدة أربعة أشهر وعشراً (٢). وبقية أهل العلم لم أجد من صرح منهم بالنسخ، إلا أنه لا خلاف بينهم في أن مدة حداد المتوفى عنها زوجها غير الحامل مدة عدتها أربعة أشهر وعشراً (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أسماء بنت عميس-﵂-قالت: لما أصيب جعفر، أمرني رسول الله ﷺ قال: «تسلبي (٤) ثلاثاً ثم اصنعي ما شئت» (٥).

стр. 2256

وفي رواية عنها-﵂-قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال: «لا تحدي بعد يومك هذا» (١). ثانياً: عن زينب بنت أبي سلمة قالت: لما جاء نعي أبي سفيان من الشام دعت أم حبيبة-﵂-بصفرة في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها وذراعيها، وقالت: إني كنت عن هذا لغنية لولا أني سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً» (٢). ثالثاً: قالت زينب: فدخلت على زينب ابنة جحش، حين توفي أخوها،

стр. 2257

فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت: أما والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» (١). رابعاً: قالت زينب: وسمعت أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا» مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: «لا» ثم قال رسول الله ﷺ : «إنما هي أربعة أشهر وعشراً، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» (٢). خامساً: عن أم عطية-﵂-قالت: (كنا نُنهى أن نُحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب (٣) (٤).

стр. 2258

ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أسماء بنت عميس-﵂-يدل على أن مدة حداد المرأة على زوجها ثلاثة أيام، والأحاديث المذكورة بعده تدل على أن مدة حدادها على الزوج المتوفى أربعة أشهر وعشراً، فيكون حديثها منسوخاً بهذه الأحاديث؛ لأن أهل العلم أجمعوا على أن مدة حدادها على الزوج إذا توفي ولم تكن حاملاً أربعة أشهر وعشراً، والإجماع يدل على نسخها وعلى وجود ناسخ (١). واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث ليس فيها ما يدل على النسخ، وإنما هو احتمال، والنسخ لا يثب به (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. ولا خلاف بين أهل العلم ممن قال بإحداد المتوفى عنها زوجها أن مدة حدادها على الزوج إذا توفي ولم تكن حاملاً أربعة أشهر وعشراً (٣).

стр. 2259

وذلك للأحاديث الكثيرة التي تدل على ذلك، منها ما سبق في دليل القول بالنسخ. هذا والأحاديث الصحيحة تدل على أن مدة حداد المرأة على زوجها المتوفى أربعة أشهر وعشراً، كما سبق ذكره. أما حديث أسماء بنت عميس-﵂-فبعض أهل العلم ضعفه، وبعضهم صححه (١)، وهو على كل حال لا يقاوم الأحاديث الصحيحة الثابتة، وإذاً فالحكم لتلك الأحاديث لا لحديثها، لكنه على تقدير الصحة محتمل لأمور: أ-أن يكون منسوخاً بالأحاديث المعارضة له، ويؤيده إجماع أهل العلم على القول بموجبها لا بموجبه. ب- أن المراد بالإحداد المقيد بالثلاث قدر زائد على الإحداد المعروف، فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر، فنهاها النبي ﷺ عن ذلك بعد الثلاث (٢). ج-أن يكون المراد في حديث أسماء ﵁ بعدم الحداد على زوجها بعد اليوم الثالث البكاء، فعن عبد الله بن جعفر ﵁ أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم» (٣). والله أعلم.

стр. 2260

المطلب السابع: متاع المتوفى عنها زوجها ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المتوفى عنها زوجها كان زوجها يوصي لها متاعاً إلى الحول من ماله، وهو النفقة والسكنى، ثم نسخ ذلك بالميراث فجعل لهن الربع والثمن مما ترك الزوج. وممن صرح بنحو هذا: ابن عباس ﵁ (١)، وقتادة (٢)، وأبو داود (٣)، والجصاص الرازي، ونقل عليه اتفاق أهل العلم (٤)، وابن عبد البر (٥). وذكر ابن الجوزي أنه مجموع قول الجماعة (٦). وذهب ابن جرير إلى أن الله نسخ النفقة بآية الميراث، ونسخ كون السكنى حولاً بجعله أربعة أشهر وعشراً (٧). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في

стр. 2261

المسألة، كما أن الاختلاف في مفهوم الأدلة الواردة فيها سبب آخر للاختلاف فيها (١). ويستدل للقول بنسخ الوصية بالمتاع من النفقة والسكنى بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية (٢). ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الآية (٣). ثالثاً: عن أبي أمامة الباهلي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (٤). رابعاً: عن عمرو بن خارجة ﵁ أنه شهد رسول الله ﷺ يخطب الناس على راحلته، وإنها لتقصع بجرتها، وإن لعابها ليسيل فقال رسول الله ﷺ في خطبته: «إن الله قد قسّم لكل إنسان قسمة من الميراث، فلا تجوز

стр. 2262

لوارث وصية» (١). خامساً: عن ابن عباس-﵄ قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فكان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته، ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله تعالى ذكره بعد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. فهذه عدة المتوفى عنها زوجها، إلا أن تكون حاملاً، فعدتها أن تضع ما في بطنها، وقال في ميراثه: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]. فبين الله ميراث المرأة، وترك الوصية والنفقة (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، فكان للمتوفى زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسخها آية الميراث، فجعل لهن الربع والثمن مما ترك الزوج (٣).

стр. 2263

ويستدل منها على النسخ: بأن الآية الأولى تدل على ثبوت الوصية لزوجة المتوفى متاعاً إلى الحول بالسكنى والنفقة، وكان هذا قبل نزول المواريث، وقد جعل الله لهن من الميراث الربع عند عدم الولد، والثمن عند وجوده، وبين النبي ﷺ أنه لا وصية لوارث، فتكون آية المواريث والأحاديث التي تدل على أنه لا وصية لوارث ناسخة للوصية لزوجة المتوفى بالمتاع حولاً وهو النفقة والسكنى، ويدل على ذلك ما روي عن ابن عباس ﵁ (١). ويستدل لمن قال بنسخ النفقة مطلقاً ونسخ السكنى من حول إلى أربعة أشهر وعشراً بما يلي: أولاً: ما سبق من الآيات في دليل القول السابق. ثانياً: عن الفريعة بنت مالك بن سنان (٢)، أنها جاءت رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كانوا بطرف القدوم (٣)، لحقهم فقتلوه، فسألت رسول

стр. 2264

الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي، فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله ﷺ : «نعم» قالت: فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة-أوفي المسجد-دعاني، أو أمر بي فدعيت له، فقال: «كيف قلت؟» فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، قالت: فقال: «أُمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله». قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً. قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إليّ فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتَّبعه وقضى به (١).

стр. 2265

ويستدل منها على النسخ: بأن الله جعل لأزواج من مات من الرجال بعد موتهم سكنى حول في منزله، ونفقتها في مال زوجها الميت إلى انقضاء السنة، كما يدل على هذا الآية الأولى، ثم إن الله نسخ النفقة بآية الميراث، ونسخ مما كان جعل لهن من سكنى حول بردهن إلى أربعة أشهر وعشراً، على لسان رسوله ﷺ ، كما يدل عليه حديث الفريعة (١). واعترض عليه: بأن الآية الأولى تدل على وجوب وصية النفقة والسكنى للمتوفى عنها زوجها، والوصية للوارث قد نسخت، وهو يشمل النفقة والسكنى، وحديث فريعة ﵂ يدل على وجوب أن تعتد المتوفى عنها زوجها في البيت الذي توفي زوجها وهي ساكنة فيه، ولا يدل على وجوب وصية ذلك على زوجها (٢).

стр. 2266

هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وجمهور أهل العلم-ومنهم أهل المذاهب الأربعة-على أن المتوفى عنها زوجها لا يوصي لها زوجها بالمتاع الذي كان يوصى لها من قبل، وأنه ليس لها النفقة من مال زوجها إذا لم تكن حاملاً، وإنما اختلفوا في السكنى هل نسخ جملة أو نسخ من حول إلى أربعة أشهر وعشراً على قولين كما سبق ذكره مع الأدلة (١). وخالفهم مجاهد فذهب إلى عدم النسخ، وقال: يجب عليها أن تعتد أربعة أشهر وعشراً عند أهل زوجها، وأن الله جعل لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت (٢). واستدل بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ

стр. 2267

بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١). ثانياً: قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية (٢). ووجه الاستدلال منهما: أن الآية الأولى تدل على أنه يجب على المتوفى عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشراً عند أهل زوجها. ثم أنزل الله الآية الثانية وجعل لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وهو قول الله ﴿غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم﴾ (٣). واعترض عليه: بأن هذا مبني على أن الآية الثانية نزلت بعد الأولى، وليس الأمر كذلك بل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، نزل بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، لذلك فهو ناسخ للوصية المذكورة في هذه الآية (٤).

стр. 2268

الراجح الذي يظهر لي- والله أعلم بالصواب-هو رجحان قول الجمهور وهو نسخ الوصية من النفقة والسكنى للمتوفى عنها زوجها، وذلك لما يلي: أولاً: لأن هذه الوصية كانت قبل نزول المواريث، وقد بين النبي ﷺ أن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث. فتكون آية المواريث والأحاديث التي تدل على عدم الوصية للوارث ناسخة لهذه الوصية. ثانياً: إنه لا يلزم من نسخ هذه الوصية أن المتوفى عنها زوجها لا تعتد في البيت الذي توفي زوجها وهي ساكنة فيه، كما سبق ذكره، و كما سيأتي ذلك في المسألة بعد التالية. والله أعلم.

стр. 2269

المطلب الثامن: مدة عدة المتوفى عنها زوجها ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن عدة (١) المتوفى عنها زوجها كان حولاً، ثم نسخ ذلك بالعدة أربعة أشهر وعشراً (٢). وممن روي عنه ذلك أو قال به: ابن عباس ﵁ (٣)، وعكرمة (٤)، والحسن البصري (٥)، و قتادة (٦)، والجصاص الرازي (٧)، والنحاس (٨)، وابن عبد البر (٩)، وابن العربي (١٠)، والقرطبي (١١).

стр. 2270

ولا خلاف بين أهل العلم في أن عدة المتوفى عنها زوجها غير الحامل أربعة أشهر وعشراً، وليس حولاً، إلا أن بعضهم لم يسم هذا التغيير من الحول إلى أربعة أشهر وعشراً نسخاً (١). ويستدل لما سبق بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢). ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية (٣). ثالثاً: عن زينب بنت أبي سلمة قالت: لما جاء نعي أبي سفيان من الشام دعت أم حبيبة-﵂-بصفرة في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها وذراعيها، وقالت: إني كنت عن هذا لغنية لولا أني سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً» (٤). رابعاً: قالت زينب: فدخلت على زينب ابنة جحش، حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت: أما والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر

стр. 2271

وعشراً» (١). خامساً: قالت زينب: وسمعت أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا» مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: «لا» ثم قال رسول الله ﷺ : «إنما هي أربعة أشهر وعشراً، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن الآية الثانية تدل على أن المتوفى عنها زوجها كان عليها أن تعتد سنة، والآية الأولى تدل على أنها تعتد أربعة أشهر وعشراً، وهي متأخرة في النزول على الآية الثانية، فتكون ناسخة لها، ويؤكدها الأحاديث المذكورة، حيث جعل الإحداد لها على زوجها المتوفى أربعة أشهر وعشراً، مدة عدتها من الوفاة (٣). وهذا هو الراجح بلا شك، ولا معنى لقول من قال: بأن هذا ليس نسخاً وإنما هو نقصان من حول إلى أربعة أشهر وعشراً؛ لأنه إذا كان حكمها أن تعتد سنة، ثم أزيل هذا ولزمتها العدة أربعة أشهر وعشراً، فهذا هو النسخ (٤). والله أعلم.

стр. 2272

المطلب التاسع: أين تعتد المتوفى عنها زوجها ؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن المتوفى عنها زوجها لها أن تخرج من بيتها، وتعتد حيث شاءت، وأن ما يدل على لزومها أن تعتد في بيتها ولا تخرج قد نسخ. وممن قال به: ابن عباس ﵁ (١)، وعطاء (٢). وذهب بعض أهل العلم إلى أن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها ولا تخرج منه ولا تنتقل، وأن ما يدل على جواز انتقالها من بيتها فإنه قد نسخ. وممن قال بنحو هذا: الحازمي (٣)، وابن العربي (٤)، وأبو إسحاق الجعبري (٥). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٦). ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على عدم خروجها بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية (٧).

стр. 2273

ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١). ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (٢). رابعاً: الأحاديث التي تدل على النهي عن الوصية للوارث، وقد سبق ذكر بعضها. خامساً: عن ابن عباس-﵄ قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فكان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته، ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله تعالى ذكره بعد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. فهذه عدة المتوفى عنها زوجها، إلا أن تكون حاملاً، فعدتها أن تضع ما في بطنها، وقال في ميراثه: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]. فبين الله ميراث المرأة، وترك الوصية والنفقة (٣). وفي رواية عنه ﵁ قال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ

стр. 2274

أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، فكان للمتوفى زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسخها آية الميراث، فجعل لهن الربع والثمن مما ترك الزوج (١). ويستدل منها على النسخ: بأن الآية الأولى تدل على أن المرأة المتوفى عنها زوجها كان على زوجها أن يوصي لها بالسكنى والنفقة حولاً، ثم نسخ الله ذلك بالآية الثانية فجعل عدتها أربعة أشهر وعشراً، ولم يذكر لها النفقة والسكنى، كما يدل على نسخها الآية الثالثة والأحاديث التي تدل على أنه لا وصية لوارث؛ حيث جعل لها الميراث ونسخ به الوصية من النفقة والسكنى. ويبين ذلك ما روي عن ابن عباس ﵁ (٢). واعترض عليه: بأنه صح أن الوصية لها بالنفقة والسكنى قد نسخ، لكن لا يلزم منه نسخ أن تعتد في البيت الذي توفي زوجها وهي كانت تسكن فيه؛ وذلك لصحة الحديث فيه عن النبي ﷺ وعمل جماعة من الصحابة-﵃ بموجبه، وهو مما يدل على عدم نسخه (٣). ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على جواز انتقالها من بيتها بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية (٤).

стр. 2275

ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١). ثالثاً: عن الفريعة بنت مالك بن سنان، أنها جاءت رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي، فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله ﷺ : «نعم» قالت: فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة-أوفي المسجد-دعاني، أو أمر بي فدعيت له، فقال: «كيف قلت؟» فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، قالت: فقال: «أُمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله». قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً. قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إليّ فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتَّبعه وقضى به (٢). وفي رواية عنها-﵂ أن زوجها تكارى علوجاً ليعملوا له، فقتلوه، فذكرتْ ذلك لرسول الله ﷺ وقالت: إني لست في مسكن له، ولا يجري عليّ منه رزق، أفأنتقل إلى أهلي ويتاماي، وأقوم عليهم؟، قال: «افعلي» ثم قال: «كيف قلت؟» فأعادت عليه قولها، قال: «اعتدي حيث بلغك الخبر» (٣).

стр. 2276

رابعاً: عن زيد بن طلحة (١)، قال: (أول امرأة اعتدت من زوجها وحدت عليه جميلة بنت عبد الله بن أبيّ (٢)، لما قتل زوجها حنظلة بن عامر (٣) بأحد، سألت رسول الله ﷺ فقال: «اعتدي في بيتك أربعة أشهر وعشراً». وأمرها باجتناب الطيب، وأخذ بذلك النساء اللاتي قتل أزواجهن بأحد، وشكى نساء بني عبد الأشهل الوحشة في دورهن لفقد من قتل من أزواجهن، فأمرهن رسول الله ﷺ أن يتحدثن في بيت امرأة حتى يردن النوم فترجع كل امرأة منهن إلى بيتها) (٤). خامساً: عن مجاهد قال: استشهد رجال يوم أحد فآم نساؤهم، وكن متجاورات في دار، فجئن النبي ﷺ فقلن: يا رسول الله إنا نستوحش بالليل،

стр. 2277

فنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا تبدرنا إلى بيوتنا، فقال النبي ﷺ : «تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن، فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة منكن إلى بيتها» (١). ويستدل منها على النسخ بالوجهين التاليين: أ-أن المتوفى عنها زوجها كانت بالخيار بين أن تخرج من بيتها وبين أن تبقى بآية الإخراج، ثم نسخها الله تعالى بالآية التي فيها التربص ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، ويؤكد ذلك حديث الفريعة وزيد بن طلحة ومجاهد؛ حيث جاء فيها الأمر بالمكث بالبيت. فكان ذلك بياناً للسكنى للمتوفى عنها زوجها (٢). ب-أن حديث الفريعة-﵂-جاء فيه أن النبي ﷺ أذن لها في الانتقال من بيتها، ثم أمرها بالبقاء فيه حتى يبلغ الكتاب أجله، فيكون فيه دلالة على نسخ جواز الخروج والانتقال من بيتها (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في انتقال المتوفى عنها زوجها عن بيتها الذي توفي زوجها وهي كانت تسكن فيه على قولين: القول الأول: ليس لها أن تنتقل من بيتها الذي توفي زوجها وهي كانت

стр. 2278

تسكن فيه، حتى تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً. وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم أهل المذاهب الأربعة (١). وروي ذلك عن عمر، و عثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وأم سلمة، وزيد بن ثابت-﵃ (٢). القول الثاني: لها أن تنتقل من بيتها الذي توفي زوجها وهي كانت تسكن فيه. وهو قول عطاء، والحسن، وداود الظاهري (٣). وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وجابر، وعائشة-﵃ (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أن المتوفى عنها زوجها لا تخرج ولا تنتقل من بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله- بما سبق في دليل القول بالنسخ، من

стр. 2279

حديث فريعة، وزيد بن طلحة، ومجاهد؛ حيث إنها تدل على أنها لا تخرج ولا تنتقل من بيتها حتى انقضاء عدة الوفاة، كما سبق بيانه. دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن لها أن تنتقل من بيتها-بما سبق من الأدلة في دليل القول بالنسخ، والتي تدل على نسخ الوصية للوارث، فإنها تدل كذلك على نسخ النفقة والسكنى للمتوفى عنها زوجها، كما سبق بيانه. وقد سبق ما يعترض به على وجه الاستدلال من تلك الأدلة. الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الأول، وهو أن المتوفى عنها زوجها لا تنتقل من بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله، وذلك لما يلي: أ-لأن حديث فريعة-﵂-نص صريح في المسألة، ويؤيدها ما روي عن زيد بن طلحة، ومجاهد. بخلاف أدلة القول الثاني؛ فإنها تحتمل أكثر من احتمال. ب- إنه لا يوجد دليل على أن الآية التي يستدل منها على نسخ أن تعتد المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها متأخر على حديث الفريعة-﵂ حتى تكون ناسخة للحكم الذي يدل عليه حديث الفريعة-﵂.

стр. 2280

ثانياً: إن القول بنسخ ما يدل على خروج المتوفى عنها زوجها عن بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله أقوى من القول بنسخ ما يدل على عدم الخروج؛ وذلك لما يلي: أ-لأن آية التربص هي الناسخة لآية الإخراج، كما سبق ذكره، وحديث الفريعة موافق لتلك الآية، فيكون فيه نوع من الدلالة على نسخ ما يدل على خروجهن قبل أن تنقضي عدتها. ب-إن أدلة القول الثاني تدل على نسخ الوصية للوارث، وهي تشمل الوصية بالسكنى للمتوفى عنها زوجها، لكن ليس فيها ما يدل على نسخ ما يدل على عدم خروجها وانتقالها من بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله، فهما مسألتان؛ ولذلك ذهب جمهور أهل العلم إلى نسخ الوصية لها بالنفقة والسكنى، كما سبق بيانه، وإلى عدم انتقالها من بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله. والله أعلم.
следующие страницы →