رابعاً: عن زيد بن طلحة (١)، قال: (أول امرأة اعتدت من زوجها وحدت عليه جميلة بنت عبد الله بن أبيّ (٢)، لما قتل زوجها حنظلة بن عامر (٣) بأحد، سألت رسول الله ﷺ فقال: «اعتدي في بيتك أربعة أشهر وعشراً». وأمرها باجتناب الطيب، وأخذ بذلك النساء اللاتي قتل أزواجهن بأحد، وشكى نساء بني عبد الأشهل الوحشة في دورهن لفقد من قتل من أزواجهن، فأمرهن رسول الله ﷺ أن يتحدثن في بيت امرأة حتى يردن النوم فترجع كل امرأة منهن إلى بيتها) (٤).
خامساً: عن مجاهد قال: استشهد رجال يوم أحد فآم نساؤهم، وكن متجاورات في دار، فجئن النبي ﷺ فقلن: يا رسول الله إنا نستوحش بالليل،
стр. 2277
فنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا تبدرنا إلى بيوتنا، فقال النبي ﷺ : «تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن، فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة منكن إلى بيتها» (١).
ويستدل منها على النسخ بالوجهين التاليين:
أ-أن المتوفى عنها زوجها كانت بالخيار بين أن تخرج من بيتها وبين أن تبقى بآية الإخراج، ثم نسخها الله تعالى بالآية التي فيها التربص ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، ويؤكد ذلك حديث الفريعة وزيد بن طلحة ومجاهد؛ حيث جاء فيها الأمر بالمكث بالبيت. فكان ذلك بياناً للسكنى للمتوفى عنها زوجها (٢).
ب-أن حديث الفريعة-﵂-جاء فيه أن النبي ﷺ أذن لها في الانتقال من بيتها،
ثم أمرها بالبقاء فيه حتى يبلغ الكتاب أجله، فيكون فيه دلالة على نسخ جواز الخروج والانتقال من بيتها (٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في انتقال المتوفى عنها زوجها عن بيتها الذي توفي زوجها وهي كانت تسكن فيه على قولين:
القول الأول: ليس لها أن تنتقل من بيتها الذي توفي زوجها وهي كانت
стр. 2278
تسكن فيه، حتى تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً.
وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم أهل المذاهب الأربعة (١).
وروي ذلك عن عمر، و عثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وأم سلمة، وزيد بن ثابت-﵃ (٢).
القول الثاني: لها أن تنتقل من بيتها الذي توفي زوجها وهي كانت تسكن فيه.
وهو قول عطاء، والحسن، وداود الظاهري (٣).
وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وجابر، وعائشة-﵃ (٤).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أن المتوفى عنها زوجها لا تخرج ولا تنتقل من بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله- بما سبق في دليل القول بالنسخ، من
стр. 2279
حديث فريعة، وزيد بن طلحة، ومجاهد؛ حيث إنها تدل على أنها لا تخرج ولا تنتقل من بيتها حتى انقضاء عدة الوفاة، كما سبق بيانه.
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن لها أن تنتقل من بيتها-بما سبق من الأدلة في دليل القول بالنسخ، والتي تدل على نسخ الوصية للوارث، فإنها تدل كذلك على نسخ النفقة والسكنى للمتوفى عنها زوجها، كما سبق بيانه.
وقد سبق ما يعترض به على وجه الاستدلال من تلك الأدلة.
الراجح
بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الأول، وهو أن المتوفى عنها زوجها لا تنتقل من بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله، وذلك لما يلي:
أ-لأن حديث فريعة-﵂-نص صريح في المسألة، ويؤيدها ما روي عن زيد بن طلحة، ومجاهد. بخلاف أدلة القول الثاني؛ فإنها تحتمل أكثر من احتمال.
ب- إنه لا يوجد دليل على أن الآية التي يستدل منها على نسخ أن تعتد المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها متأخر على حديث الفريعة-﵂ حتى تكون ناسخة للحكم الذي يدل عليه حديث الفريعة-﵂.
стр. 2280
ثانياً: إن القول بنسخ ما يدل على خروج المتوفى عنها زوجها عن بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله أقوى من القول بنسخ ما يدل على عدم الخروج؛ وذلك لما يلي:
أ-لأن آية التربص هي الناسخة لآية الإخراج، كما سبق ذكره، وحديث الفريعة موافق لتلك الآية، فيكون فيه نوع من الدلالة على نسخ ما يدل على خروجهن قبل أن تنقضي عدتها.
ب-إن أدلة القول الثاني تدل على نسخ الوصية للوارث، وهي تشمل الوصية بالسكنى للمتوفى عنها زوجها، لكن ليس فيها ما يدل على نسخ ما يدل على عدم خروجها وانتقالها من بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله، فهما مسألتان؛ ولذلك ذهب جمهور أهل العلم إلى نسخ الوصية لها بالنفقة والسكنى، كما سبق بيانه، وإلى عدم انتقالها من بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله.
والله أعلم.
стр. 2281
الباب الخامس الجنايات، والحدود، والتعزيرات، والقضاء، والشهادات، واللباس، والطب، والآداب والمنثورات
وفيه فصلان:
الفصل الأول: الجنايات، والحدود، والتعزيرات، والقضاء، والشهادات.
الفصل الثاني: اللباس، والطب، والآداب، والمنثورات.
стр. 2282
الفصل الأول اجنايات، والحدود، والتعزيرات، والقضاء، والشهادات
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الجنايات.
المبحث الثاني: الحدود، والتعزيرات.
المبحث الثالث: القضاء، والشهادات.
стр. 2283
المبحث الأول: الجنايات
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: قتل المسلم بالذمي.
المطلب الثاني: قتل السيد بعبده.
المطلب الثالث: حكم المثلة.
المطلب الرابع: القتل بمثل ما قتل.
المطلب الخامس: استيفاء القصاص قبل اندمال الجرح.
стр. 2284
المطلب الأول: قتل المسلم بالذمي
ذهب بعض أهل العلم إلى أن المسلم لا يقتل بالذمي (١)، وأن ما يدل على قتله به فإنه على تقدير ثبوته منسوخ.
وممن قال بنحو هذا: الإمام الشافعي (٢)، وأبو حامد الرازي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف فيها هو اختلاف الآثار، والاختلاف في صحة بعضها (٥).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عبد الرحمن بن البيلماني، أن النبي ﷺ أُتي برجل من المسلمين،
стр. 2285
قد قتل معاهداً من أهل الذمة، فأمر به فضرب عنقه، وقال: «أنا أولى من وفَّى بذمته» (١).
стр. 2286
ثانياً: عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي ﵁: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أُعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: (العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر) (١).
ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: لما دخل رسول الله ﷺ عام الفتح مكة قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً فقال: «أيها الناس، إنه ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة، ولا حلف في الإسلام، والمسلمون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وتُرد سراياهم على قاعدهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، دية الكافر نصف دية المؤمن، ولا جلب (٢)، ولا جنب (٣)، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم» (٤).
стр. 2287
رابعاً: عن عمران بن الحصين ﵁ قال: قتل رجل رجلاً من خزاعة في الجاهلية، وكان الهذلي متوارياً، فلما كان يوم الفتح ظهر الهذلي، فلقيه رجل من خزاعة فذبحه كما تذبح الشاة، فقال: «أقتلته بعد النداء أو قبل النداء؟» قال: بعد النداء. فقال رسول الله ﷺ : «لو كنت قاتلاً مؤمناً بكافر لقتلته، فأخرجوا عقله» فأخرجوا عقله وكان أول عقل في الإسلام (١).
وفي رواية عنه ﵁ قال: قتل خراش بن أمية (٢)، بعد ما نهى رسول الله ﷺ عن القتل، فقال: «لو كنت قاتلاً مؤمناً بكافر لقتلت خراشاً بالهذلي» (٣).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن البيلماني يدل على أن المسلم
стр. 2288
يقتل بالذمي، والأحاديث المذكورة بعده تدل على أن المسلم لا يقتل بالكافر لا بالذمي ولا بغيره (١)، فتكون هذه الأحاديث ناسخة لحديث ابن البيلماني على تقدير صحته وثبوته؛ لأن حديث (لا يقتل مسلم بكافر) خطب به النبي ﷺ يوم فتح مكة، كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵁، وحديث ابن البيلماني كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية (٢)، وهي متقدمة على فتح مكة بزمان (٣).
واعترض عليه: بأن حديث ابن البيلماني لم يصح عن رسول الله ﷺ ، وقد ثبت عنه ﷺ أنه لم يقتل الرجل من خزاعة على قتله رجلاً من هذيل مع كونه معاهداً، وذلك في فتح مكة. كما أنه ﷺ لم يقتل عمرو بن أمية ﵁ على قتله رجلين معاهدين قبل ذلك. فيثبت من مجموع
стр. 2289
ذلك أنه لا يقتل مسلم بكافر، ذمياً كان أم غيره، وأنه لا يصح دعوى النسخ لعدم صحة حديث ابن البيلماني (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في قتل المسلم بالذمي على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يقتل المسلم بالذمي.
وهو مذهب الحنفية (٢)، وقول إبراهيم النخعي، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز. وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود-﵃ (٣).
القول الثاني: لا يقتل المسلم بالذمي إلا إذا قتله غيلة (٤).
وهو مذهب المالكية (٥)، وقول الليث بن سعد (٦).
стр. 2290
القول الثالث: لا يقتل المسلم لا بالذمي ولا بغيره من الكفار.
وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وقول جمهور أهل العلم، وممن روي عنه أو قال به: عمر، وعثمان، وعلي، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت-﵃، وعطاء، وعكرمة، والحسن البصري، والزهري، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن شبرمة، وإسحاق بن راهوية، وأبو عبيد، وأبو ثور، وداود الظاهري، وابن المنذر، وابن حزم (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن المسلم يقتل بالذمي- بما يلي:
أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ، من حديث ابن البيلماني، فإنه يدل على أن المسلم يقتل بالذمي (٤).
ثانياً: الآيات العامة التي تدل على قتل من قتل نفساً بغير نفس، ومنها:
стр. 2291
أ- قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١).
ب- قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢).
ثالثاً: الأحاديث التي تدل بعمومها على قتل من قتل نفساً بغير نفس، ومنها:
أ-عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (٣).
ب-عن أبي شريح الكعبي يقول: قال رسول الله ﷺ : «ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل، وإني عاقله، فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين: أن يأخذوا العقل، أو يقتلوا» (٤).
стр. 2292
رابعاً: الآثار التي رويت عن بعض الصحابة-﵃-والتي تدل على قتل المسلم بالذمي، ومنها:
أ-عن سعيد بن المسيب، أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق-﵄-قال-حين قتل عمر ﵁ مررت على أبي لؤلؤة (١)، ومعه هرمزان (٢)، فلما بغتهم ثاروا، فسقط من بينهم خنجر له رأسان ممسكه في وسطه، قال: قلت: فانظروا لعله الخنجر الذي قتل به عمر، فنظروا فإذا هو الخنجر الذي وصف عبد الرحمن. فانطلق عبيد الله بن عمر (٣)، حين سمع ذلك من عبد الرحمن، ومعه السيف حتى دعا الهرمزان، فلما خرج إليه قال: انطلق حتى تنظر إلى فرس لي، ثم تأخر عنه إذا مضى بين يديه علاه بالسيف، فلما وجد مس السيف قال: لا إله إلا الله. قال عبيد الله: ودعوت جفينة (٤)،
стр. 2293
وكان نصرانياً من نصارى الحيرة، فلما خرج إليّ علوته بالسيف فصلب (١) بين عينيه. ثم انطلق عبيد الله فقتل ابنة أبي لؤلؤة صغيرة تدعى الإسلام. فلما استخلف عثمان دعا المهاجرين والأنصار، فقال: أشيروا عليّ في قتل هذا الرجل الذي فتق في الدين ما فتق. فاجتمع المهاجرون فيه على كلمة واحدة يأمرونه بالشدة عليه، ويحثون عثمان على قتله، وكان فوج الناس الأعظم مع عبيد الله، يقولون لجفينة والهرمزان أبعدهما الله، فكان في ذلك الاختلاف. ثم قال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر قد أعفاك الله من أن تكون بعد ما قد بويعت، وإنما كان ذلك قبل أن يكون لك على الناس سلطان، فأعرض عن عبيد الله. وتفرق الناس عن خطبة عمرو بن العاص، وودى الرجلين والجارية (٢).
ب-عن أبي الجنوب الأسدي (٣)، قال: أُتي علي بن أبي طالب ﵁ برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة، قال: فقامت عليه البينة، فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت عنه. قال: (فلعلهم هددوك أو فرقوك أو فزعوك؟) قال: لا، ولكن قتله لا يرد عليّ أخي وعوضوني فرضيت. قال:
стр. 2294
(أنت أعلم، من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا) (١).
ووجه الاستدلال منها: أن هذه الأدلة من الآيات والأحاديث عامة، فهي تدل بعمومها على أن من قتل نفساً بغير نفس فإنه يقتل به، فهي تشمل المسلم والكافر، كما أن الآثار المذكورة عن بعض الصحابة-﵃-تدل على قتل المسلم بالذمي؛ فإن ما رواه أبو الجنوب عن علي ﵁ ظاهر فيه، وحديث عبد الرحمن بن أبي بكر-﵄-يدل عليه كذلك؛ لأن عبيد الله قتل الهرمزان وجفينة، وكان لهما عهد ولم يكونا مسلمين، وقد أشار المهاجرون بما فيهم علي ﵁ على قتله بهما. فلو لم يجز قتل المسلم بالذمي لما رأوا قتله بهما (٢).
واعترض عليه: بما يلي:
أ- إن حديث ابن البيلماني لا يصح كونه عن النبي ﷺ ؛ لذلك لا تقوم به الحجة (٣).
ب- إن الأدلة المذكورة من الكتاب والسنة وإن كانت عامة تشمل
стр. 2295
المسلم والكافر، إلا أن المراد بها الخصوص، وهو قتل المسلم بالمسلم؛ وذلك لروايات أخرى وقرائن في تلك الأدلة، تدل على أن المراد بها قتل المسلم بالمسلم لا قتله بكل نفس. وكذلك للأدلة التي تدل على عدم قتل المسلم بالكافر، كحديث علي ﵁ (وأن لا يقتل مسلم بكافر) (١).
ج- إن رواية أبي الجنوب عن علي ﵁ ضعيفة (٢)، أما حديث عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ فإن المطالبة فيه كان بدم الهرمزان، وهو كان مسلماً، وببنت أبي لؤلؤة التي كانت تدعي الإسلام، فكان ذلك من مطالبة قتل المسلم بالمسلم، وهو يجوز (٣).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-و هو عدم قتل المسلم بالذمي إلا إذا قتله غيلة- بما يلي:
أولاً: أما عدم قتل المسلم بالذمي إذا لم يقتل غيلة فللأحاديث التي تدل على عدم قتل المسلم بالكافر، كحديث علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، وعمران بن حصين-﵃، وقد سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ فإنها تدل على أنه لا يقتل مسلم بكافر،
وهي عامة تشمل قتل المسلم
стр. 2296
بالذمي وغيره من الكفار (١).
ثانياً: أما أنه يقتل بالذمي إذا قتله غيلة، فلأنه يعتبر من المحاربة وقطع السبيل، والمحارب يجوز قتله (٢).
واعترض عليه بما يلي:
أ- إن الأحاديث التي تدل على عدم قتل المسلم بالكافر عامة، وليس فيها ما يفرق بين قتل الغيلة وغيره (٣).
ب- إن قتل الغيلة إذا كان من الحرابة وقطع السبيل، فقتل المسلم إذا قتل الذمي غيلة إنما يكون بكونه محارباً لا بقتله بالذمي (٤).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أنه لا يقتل مسلم بكافر أي كافر كان- بما يلي:
أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ، من حديث علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، وعمران بن حصين-﵃؛ فإنها تدل على أنه لا يقتل مسلم بكافر، وليس فيها ما يدل على الفرق بين كافر وكافر.
ثانياً: عن عائشة أم المؤمنين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يحل قتل
стр. 2297
مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلماً متعمداً، ورجل يخرج من الإسلام، فيحارب الله- -ورسوله، فيقتل أو يصلب، أو ينفى من الأرض» (١).
ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-عن النبي ﷺ قال: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو
عهد في عهده» (٢).
وفي رواية عنه ﵁ قال: «قضى رسول الله ﷺ أنه ليس للقاتل ميراث، وقضى أن لا يقتل مسلم بكافر» (٣).
رابعاً: عن عائشة-﵂-أنها قالت: وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتابان، فذكر أحدهما، قال: وفي الآخر: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم،
стр. 2298
ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين، ولا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا تسافر المرأة ثلاث ليال إلا مع ذي محرم» (١).
خامساً: حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ ، وفيه: «والمؤمنون يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، يجير عليهم أولهم، ويرد عليهم أقصاهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين، ولا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا تسافر ثلاثاً مع غير ذي محرم، ولا تصلوا بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا تصلوا بعد العصر حتى تغرب الشمس» (٢).
سادساً: عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو
عهد في عهده، والمسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم» (٣).
فهذه الأدلة ظاهرة في أنه لا يقتل مسلم بكافر، وليس فيها ما يدل على
стр. 2299
الفرق بين الذمي وغيره من الكفار (١).
واعترض عليه: بأنه جاء في رواية أخرى لحديث علي ﵁ (٢)، وكذلك في هذه الأحاديث قوله ﷺ : (لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده)، ومعناه: أنه لا يقتل ذو عهد في عهده بكافر، والكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي، فكذلك المسلم الذي لا يقتل بالكافر هو الكافر الحربي، تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، فلا تكون في هذه الأحاديث دلالة على قتل المسلم بالذمي، ولو كان المراد به أنه لا يقتل بالذمي لكان لفظ الحديث: (لا يقتل مسلم بكافر ولا ذي عهد في عهده). فلما لم يكن كذلك دل ذلك أن المراد بالكافر في قوله: «لا يقتل مسلم بكافر» كافر خاص وهو الحربي (٣).
وأجيب عنه: بأن قوله ﷺ : «ولا ذو عهد في عهده» جملة مستأنفة، تبين حرمة قتل المعاهد بدون حق، ويؤيد ذلك اقتصار حديث علي ﵁ على الجملة الأولى: «ولا يقتل مسلم بكافر». ولو سلم أنها للعطف فالمراد بها المشاركة في
стр. 2300
أصل النفي، لا المشاركة من كل وجه؛ لأنه لا يلزم من العطف المشاركة من كل وجه (١).
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الثالث، وهو أنه لا يقتل مسلم بكافر أي كافر كان، وذلك لما يلي:
أ- لكثرة أدلة هذا القول، وصراحتها في عدم قتل المسلم بالكافر، من دون فرق بين كافر وكافر. بخلاف أدلة القول الأول؛ حيث إن بعضها غير صحيح، وبعضها أدلة عامة، فتكون الأدلة الدالة على عدم قتل المسلم بالكافر مخصصة لعمومها.
ب- إن أدلة القول الأول منها ما هو ضعيف لا تقوم به الحجة، وما صح منها فإنه لا تعارض الأدلة التي تدل على عدم قتل المسلم بالكافر؛ لأنها عامة، وما يدل على عدم قتل المسلم بالكافر أدلة خاصة، فيعمل على عموم الأدلة العامة فيما عدا محل الخصوص.
ثانياً: إن حديث ابن البيلماني ضعيف لا تقوم به الحجة كما سبق ذكره، لذلك لا يقال بأنه منسوخ بما يدل على عدم قتل المسلم بالكافر، لكنه على تقدير صحته يكون منسوخاً بما يدل على عدم قتل المسلم بالكافر؛ لأن بعض
стр. 2301
الأحاديث التي يدل على عدم قتل المسلم بالكافر قاله ﷺ في فتح مكة، ويدل حديث عائشة-﵂-أن مما كان في قائم سيف رسول الله ﷺ هو أن لا يقتل مسلم بكافر، فهو يدل على بقاء هذا الحكم إلى موت النبي ﷺ ، ويشعر به كذلك حديث علي ﵁.
والله أعلم.
стр. 2302
المطلب الثاني: قتل السيد بعبده
ذهب بعض أهل العلم إلى أن السيد لا يقتل بعبده، وأن ما يدل على قتله به فإنه قد نسخ (١).
وممن صرح به: البيهقي (٢).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة فيها، والاختلاف في صحة تلك الآثار سبب آخر لاختلاف أهل العلم فيها (٣).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه» (٤).
стр. 2303
ثانياً: عن عبد الله بن عمرو-﵄ قال: (قتل رجل عبده عمداً متعمداً، فجلده رسول الله ﷺ مائة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين) (١).
стр. 2304
ثالثاً: عن ابن عباس-﵄ قال: جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: إن سيدي اتهمني فأقعدني على النار حتى احترق فرجي، فقال عمر ﵁: هل رأى ذلك عليك؟ قالت: لا. قال: فاعترفت له بشيء؟ قالت: لا. قال عمر ﵁ عليّ به، فلما رأى عمر ﵁ الرجل قال: أتعذب بعذاب الله؟ قال: يا أمير المؤمنين اتهمتها في نفسها، قال: رأيت ذلك عليها؟ قال الرجل: لا. قال: فاعترفت لك بذلك؟ قال: لا. قال: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يقاد مملوك من مالكه ولا ولد من والده» لأقدتها منك، فبرزه وضربه مائة سوط، ثم قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله، وأنت مولاة الله ورسوله (١).
стр. 2305
رابعاً: عن علي ﵁ قال: «من السنة أن لا يقتل مؤمن بكافر، ومن السنة أن لا يقتل حر بعبد» (١).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث سمرة ﵁ يدل على قتل السيد بعبده، و الأحاديث المذكورة بعده تدل على عدم قتله به، فتكون هذه الأحاديث ناسخة لحديثه؛ لأن قضاء عمر ﵁ بموجبها بعد موت النبي ﷺ ، وقوله أن النبي ﷺ قال: (لا يقاد مملوك من مالكه) يدل على تأخره على ما يخالفه، ويؤكد ذلك أن الحسن البصري هو الراوي لحديث سمرة ﵁ عن سمرة ﵁ ثم هو قد خالف ذلك فكان يقول بعدم قتل السيد بعبده (٢).
واعترض عليه: بأن ما ذكر احتمال، والنسخ لا يثبت به.
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في قتل السيد بعبده على قولين:
стр. 2306
القول الأول: لا يقتل السيد بعبده.
وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة (١).
القول الثاني: يقتل السيد بعبده.
وإليه ذهب بعض أهل العلم، منهم: إبراهيم النخعي، وداود الظاهري (٢).
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أنه لا يقتل السيد بعبده- بما يلي:
أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عبد الله بن عمرو، وابن عباس، وعلي-﵃.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (٤).
стр. 2307
ووجه الاستدلال منها: أن تلك الأحاديث تدل على أنه لا يقتل السيد بعبده، وهذه الآية الكريمة تدل على أن حق القصاص للوليّ، وولي العبد هو مولاه، وإذا كان السيد هو الولي لم يثبت له القصاص على نفسه. فيثبت من مجموع هذه الأدلة أن السيد لا يقتل بعبده (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن السيد يقتل بعبده- بما يلي:
أولاً: حديث سمرة ﵁ الذي سبق في دليل القول بالنسخ، والذي يدل على أن من قتل عبده قتل به.
ثانياً: الآيات العامة التي تدل على قتل من قتل نفساً بغير نفس، ومنها:
أ- قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٢).
ب- قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣).
ثالثاً: الأحاديث التي تدل بعمومها على قتل من قتل نفساً بغير نفس، وعلى تكافئ دماء المسلمين، ومنها:
أ-عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث:
стр. 2308
النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (١).
ب- عن عائشة أم المؤمنين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلماً متعمداً، ورجل يخرج من الإسلام، فيحارب الله- -ورسوله، فيقتل أو يصلب، أو ينفى من الأرض» (٢).
ج-حديث عائشة-﵂، وفيه: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده» الحديث (٣).
ووجه الاستدلال منها: أن حديث سمرة ﵁ يدل على قتل السيد بعبده، والآيات والأحاديث المذكورة بعده تدل على قتل النفس المسلمة بالنفس المسلمة، وعلى تكافئ دمائهم، فهي بعمومها تشمل قتل السيد بعبده؛ لذلك يقتل السيد بعبده إذا قتله (٤).
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم
стр. 2309
الصواب- ما يلي:
أولاً: إن القول بنسخ ما يدل على قتل السيد بعبده ضعيف؛ لما يلي:
أ- لأن الأدلة التي يستدل منها على النسخ كلها متكلم فيها وضعيفة (١).
ب- إنه لا يوجد ما يدل على تأخر تلك الأدلة على الأدلة التي يستدل منها على قتل
السيد بعبده، والنسخ لا بد فيه من دليل يدل على تأخر الناسخ.
ثانياً: إن حديث سمرة ﵁ الدال على قتل السيد بعبده، وكذلك الأحاديث التي يستدل منها على عدم قتل السيد بعبده، كلها متكلم فيها، لكن الأدلة العامة من الكتاب والسنة تدل على تكافئ دماء المسلمين، وعلى قتل المسلم بالمسلم، وهي تشمل قتل السيد بعبده؛ لذلك يكون القول الثاني أرجح من حيث الأدلة على القول الأول (٢).
إلا أن قتل السيد بعبده يتطرق له شبهة، وهو شبهة كون العبد مالاً، لما لمالكه من اختيار بيعه وإجاره، والسيد مالكه، والحدود تدفع بالشبهات، فلو دفع عنه الحاكم القتل لهذه الشبهة فهو موضع اجتهاد، وله ذلك.
والله أعلم.
стр. 2310
المطلب الثالث: حكم المثلة
ذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم جواز المثلة (١)، وأن ما يدل على جوازها فإنه قد نسخ.
وممن صرح بالنسخ: قتادة (٢)، وابن سيرين (٣)، والطحاوي (٤)، وابن شاهين (٥)، والجصاص الرازي (٦)، والحازمي (٧)، وابن العربي (٨)، وأبو حامد الرازي (٩)، وأبو إسحاق الجعبري (١٠)، وقواه ابن حجر (١١).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن
стр. 2311
الاختلاف في مفهوم ما ورد في المسألة سبب أخر للاختلاف فيها (١).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).
ثانياً: عن أنس ﵁ قال: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، «فأمرهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها» فانطلقوا فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، (فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم وألقوا في الحر يستسقون فلا يسقون) (٣).
وفي رواية عن قتادة أن أنساً ﵁ حدثهم: أن ناساً من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي ﷺ ، وتكلموا بالإسلام فقالوا: يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا الذود،
стр. 2312
فبلغ النبي ﷺ فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم.
قال قتادة: وبلغنا أن النبي ﷺ بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة (١).
وفي رواية عن قتادة عن أنس ﵁ فذكر الحديث ثم قال- (فنهى رسول الله ﷺ عن المثلة بعد ذلك) (٢).
وفي رواية أخرى عن قتادة عن أنس ﵁ أن رهطاً من عكل وعرينة أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، وإنا استوخمنا المدينة، فأمر لهم النبي ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا راعي رسول الله ﷺ ، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم، فأُتي بهم النبي ﷺ فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا. فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المائدة: ٣٣] (٣).
وفي رواية أخرى عن قتادة عن أنس ﵁ أن ناساً اجتووا في المدينة، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا براعيه، يعني الإبل، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلحقوا
стр. 2313
براعيه، فشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صلحت أبدانهم، فقتلوا الراعي وساقوا الإبل، فبلغ النبي ﷺ فبعث في طلبهم، فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم.
قال قتادة: فحدثني محمد بن سيرين: أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود (١).
ثالثاً: عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يحث في خطبته على الصدقة، وينهى عن المثلة» (٢).
رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: «إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار». ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: «إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما» (٣).
خامساً: عن ابن عباس ﵁ قال: لما قتل حمزة ومثل به، قال رسول الله ﷺ : «لئن ظفرت بهم لأمثلن بسبعين رجلاً منهم» فأنزل الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [سورة
стр. 2314
النحل: ١٢٦]. فقال رسول الله ﷺ : «بل نصبر» (١).
سادساً: عن عبد الله بن يزيد عن النبي ﷺ «أنه نهى عن النُهبى والمثلة» (٢).
سابعاً: عن عمران بن حصين ﵁ قال: «ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا
بالصدقة، ونهانا عن المثلة» (٣).
ثامناً: عن سمرة بن جندب ﵁ قال: «قلما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا فيها بالصدقة، ونهانا فيها عن المثلة» (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة غير حديث أنس ﵁ في قصة العرنيين وحديث ابن عباس ﵁ في قتل حمزة ﵁، تدل على النهي عن المثلة، وحديث أنس ﵁ في قصة العرنيين يدل على أن النبي ﷺ مثَّل بالمرتدين عن الإسلام الذين قتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا إبل الصدقة، كما يدل
стр. 2315
حديث ابن عباس ﵁ على جواز المثلة، فتكون هذه الأدلة ناسخة لما يدل عليه حديث أنس وابن عباس-﵃؛ لتأخرها على حديثيهما؛ يدل عليه بعض روايات حديث أنس ﵁ بأن النبي ﷺ نهى عن المثلة بعد ذلك. كما يدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ في النهي عن التحريق بالنار؛ وذلك أن أبا هريرة ﵁ حضر الأمر بالتحريق بالنار، وهو من المثلة، ثم النهي عنه، وقصة العرنيين كان قبل أن يسلم، فهو مما يدل على أن النهي عن المثلة متأخر عما يدل على جوازها. ويدل عليه كذلك ما روي عن ابن سيرين بأن قصة العرنيين كان قبل أن تنزل الحدود (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
ولا خلاف بين أهل العلم في النهي عن المثلة وتحريمها ابتداء، واختلفوا في جوازها قصاصاً أعني قتل القاتل كما قتل قصاصاً، اختلفوا فيها على قولين (٢). وتفصيل ذلك موضوع المسألة التالية.