← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الاختلاف في مفهوم ما ورد في المسألة سبب أخر للاختلاف فيها (١). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). ثانياً: عن أنس ﵁ قال: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، «فأمرهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها» فانطلقوا فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، (فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم وألقوا في الحر يستسقون فلا يسقون) (٣). وفي رواية عن قتادة أن أنساً ﵁ حدثهم: أن ناساً من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي ﷺ ، وتكلموا بالإسلام فقالوا: يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا الذود،

стр. 2312

فبلغ النبي ﷺ فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة: وبلغنا أن النبي ﷺ بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة (١). وفي رواية عن قتادة عن أنس ﵁ فذكر الحديث ثم قال- (فنهى رسول الله ﷺ عن المثلة بعد ذلك) (٢). وفي رواية أخرى عن قتادة عن أنس ﵁ أن رهطاً من عكل وعرينة أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، وإنا استوخمنا المدينة، فأمر لهم النبي ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا راعي رسول الله ﷺ ، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم، فأُتي بهم النبي ﷺ فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا. فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المائدة: ٣٣] (٣). وفي رواية أخرى عن قتادة عن أنس ﵁ أن ناساً اجتووا في المدينة، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا براعيه، يعني الإبل، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلحقوا

стр. 2313

براعيه، فشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صلحت أبدانهم، فقتلوا الراعي وساقوا الإبل، فبلغ النبي ﷺ فبعث في طلبهم، فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. قال قتادة: فحدثني محمد بن سيرين: أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود (١). ثالثاً: عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يحث في خطبته على الصدقة، وينهى عن المثلة» (٢). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: «إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار». ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: «إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما» (٣). خامساً: عن ابن عباس ﵁ قال: لما قتل حمزة ومثل به، قال رسول الله ﷺ : «لئن ظفرت بهم لأمثلن بسبعين رجلاً منهم» فأنزل الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [سورة

стр. 2314

النحل: ١٢٦]. فقال رسول الله ﷺ : «بل نصبر» (١). سادساً: عن عبد الله بن يزيد عن النبي ﷺ «أنه نهى عن النُهبى والمثلة» (٢). سابعاً: عن عمران بن حصين ﵁ قال: «ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة» (٣). ثامناً: عن سمرة بن جندب ﵁ قال: «قلما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا فيها بالصدقة، ونهانا فيها عن المثلة» (٤). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة غير حديث أنس ﵁ في قصة العرنيين وحديث ابن عباس ﵁ في قتل حمزة ﵁، تدل على النهي عن المثلة، وحديث أنس ﵁ في قصة العرنيين يدل على أن النبي ﷺ مثَّل بالمرتدين عن الإسلام الذين قتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا إبل الصدقة، كما يدل

стр. 2315

حديث ابن عباس ﵁ على جواز المثلة، فتكون هذه الأدلة ناسخة لما يدل عليه حديث أنس وابن عباس-﵃؛ لتأخرها على حديثيهما؛ يدل عليه بعض روايات حديث أنس ﵁ بأن النبي ﷺ نهى عن المثلة بعد ذلك. كما يدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ في النهي عن التحريق بالنار؛ وذلك أن أبا هريرة ﵁ حضر الأمر بالتحريق بالنار، وهو من المثلة، ثم النهي عنه، وقصة العرنيين كان قبل أن يسلم، فهو مما يدل على أن النهي عن المثلة متأخر عما يدل على جوازها. ويدل عليه كذلك ما روي عن ابن سيرين بأن قصة العرنيين كان قبل أن تنزل الحدود (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. ولا خلاف بين أهل العلم في النهي عن المثلة وتحريمها ابتداء، واختلفوا في جوازها قصاصاً أعني قتل القاتل كما قتل قصاصاً، اختلفوا فيها على قولين (٢). وتفصيل ذلك موضوع المسألة التالية.

стр. 2316

المطلب الرابع: القتل بمثل ما قتل ذهب بعض أهل العلم إلى أن لا قود (١) إلا بالسيف، وأن ما يدل على القتل بمثل ما قتل فإنه قد نسخ بنسخ المثلة. وممن قال بهذا: الطحاوي (٢)، والجصاص الرازي (٣). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة فيها سبب آخر للاختلاف فيها (٤). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن قتادة أن أنساً ﵁ حدثهم: أن ناساً من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي ﷺ ، وتكلموا بالإسلام فقالوا: يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا الذود، فبلغ

стр. 2317

النبي ﷺ فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة: وبلغنا أن النبي ﷺ بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة (١). وفي رواية عن قتادة عن أنس ﵁ فذكر الحديث ثم قال- (فنهى رسول الله ﷺ عن المثلة بعد ذلك) (٢). وفي رواية أخرى عن قتادة عن أنس ﵁ أن ناساً اجتووا في المدينة، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا براعيه، يعني الإبل، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلحقوا براعيه، فشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صلحت أبدانهم، فقتلوا الراعي وساقوا الإبل، فبلغ النبي ﷺ فبعث في طلبهم، فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. قال قتادة: فحدثني محمد بن سيرين: أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود (٣). ثانياً: عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يحث في خطبته على الصدقة، وينهى عن المثلة» (٤).

стр. 2318

ثالثاً: عن عبد الله بن يزيد عن النبي ﷺ «أنه نهى عن النُهبى والمثلة» (١). رابعاً: عن عمران بن حصين ﵁ قال: «ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة» (٢). خامساً: عن سمرة بن جندب ﵁ قال: «قلما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا فيها بالصدقة، ونهانا فيها عن المثلة» (٣). سادساً: عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: «إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار». ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: «إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما» (٤). سابعاً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: عدا يهودي في عهد رسول الله ﷺ على جارية، فأخذ أوضاحاً (٥) كانت عليها، ورضخ (٦) رأسها، فأتى بها أهلها رسول الله ﷺ وهي في آخر رمق وقد أصمتت، فقال لها رسول الله ﷺ : «من قتلك؟ فلان؟» لغير الذي قتلها، فأشارت برأسها أن لا، قال: فقال لرجل آخر

стр. 2319

غير الذي قتلها فأشارت أن لا، فقال: «ففلان؟» لقاتلها فأشارت أن نعم، (فأمر به رسول الله ﷺ فرُضخ رأسه بين حجرين) (١). وفي رواية عنه ﵁ أن رجلاً من اليهود قتل جارية من الأنصار على حليّ لها، ثم ألقاها في القليب، ورضخ رأسها بالحجارة، فأُخذ فأُتي به رسول الله ﷺ ، فأمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات (٢). ثامناً: عن شداد بن أوس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته» (٣). تاسعاً: عن النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا قود إلا بالسيف» (٤).

стр. 2320

عاشراً: عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا قود إلا بالسيف» (١).

стр. 2321

ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أنس ﵁ في قصة العرنيين يدل على جواز المثلة؛ لأن النبي ﷺ مثل بالذين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا راعي رسول الله، كما يدل على جوازها رواية أنس ﵁ في قتل اليهودي رضخاً بين حجرين لما قتل جارية من الأنصار، لكن هذين الحديثين منسوخان بالأحاديث التي تدل على النهي عن المثلة؛ لأنها بعد حديث العرنيين، يدل عليه ما روي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن المثلة بعد ذلك. كما يدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ في النهي عن التحريق بعد الأمر به، كما سبق بيانه في المسألة السابقة، ويؤكد ذلك أمر النبي ﷺ بإحسان القتلة، ونهيه عن القود إلا بالسيف. فتكون المثلة منسوخة مطلقاً سواء كانت ابتداء أم قصاصاً، ولا يقاد من القاتل بمثل ما قتل بل يقاد منه بالسيف (١). واعترض عليه: بأن حديث: (لا قود إلا بالسيف) ضعيف، لا تقوم به الحجة، وأن قتل القاتل بمثل ما قتل ليس مخالفاً للإحسان؛ لأن الشرع أجازه، وحديث أنس ﵁ في قصة قتل اليهودي بالجارية يحتمل أن يكون قبل النهي

стр. 2322

عن المثلة، ويحتمل أنه كان بعد النهي عنها، وأن القصاص يجوز فيه أن يفعل بالقاتل كما فعل، ويؤيد ذلك وجود أدلة أخرى تدل على جواز أن يفعل بالمتعدي مثل ما فعل، إلا إذا كان المتعدي فعل شيئاً محرماً لذاته، فلا يفعل به مثل ذلك، فيثبت من هذا كله ضعف قول النسخ (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في القتل بمثل ما قتل القاتل على قولين: القول الأول: لا يقتل القاتل بمثل ما قتل، بل بقتل بالسيف. وهو مذهب الحنفية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد، وهو المذهب (٣)، وقول عطاء، والنخعي، والحسن البصري، والثوري (٤). القول الثاني: يجوز أن يفعل بالقاتل كما فعل.

стр. 2323

وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وراية عن الإمام أحمد (٣)، وقول عمر بن عبد العزيز، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن حزم (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أن لا يقتل القاتل بمثل ما قتل بل يقتل بالسيف- بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٥). فإنه يدل على استيفاء المثل من غير زيادة عليه، ويدل على حظر استيفاء زيادة على فعل الجاني، والقاتل إذا قتل بالغرق أو الحرق -مثلاً-ثم فعل بالقاتل ذلك ولم يقتل به فإنه يزاد عليه ذلك أو يقتل بالسيف، وذلك على قول من يقول: يفعل به مثل ما فعل. وهذا زيادة على القصاص. فدل ذلك أن معنى القصاص في الآية هو إتلاف نفس

стр. 2324

بنفس من غير مجاوزة لمقدار الفعل، وهذا يكون بقتله بالسيف (١). واعترض عليه: بأن معنى القصاص من القاتل هو أن يُفعل به مثل فعله (٢)، وهو يتضمن وجه التعذيب والقتل، ويدل عليه فعل الرسول الله ﷺ باليهودي حين رضخ رأس جارية وقتلها (٣). ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من الأحاديث التي تدل على أنه لا قود إلا بالسيف، فإنها تدل على أن القاتل يقتل بالسيف، ولا يفعل به مثل ما فعل (٤). ثالثاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من الأحاديث التي تدل على النهي عن المثلة؛ فإنها عامة تشمل النهي عن المثلة ابتداء وقصاصاً (٥). رابعاً: حديث شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ في الأمر بإحسان القتل، وهو ينفى تعذيب القاتل والمثلة به (٦). ويعترض على وجه الاستدلال من هذه الأدلة، ما اعترض به على وجه الاستدلال منها على النسخ.

стр. 2325

دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يجوز أن يقتل القاتل بمثل ما قتل- بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١). ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٢). ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣). رابعاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أنس في رضخ اليهودي رأس جارية من الأنصار، وفيه: (فأمر به رسول الله ﷺ فرُضخ رأسه بين حجرين). خامساً: عن أنس ﵁ قال: (إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك، لأنهم سملوا أعين الرعاء) (٤). ووجه الاستدلال منها: أن هذه الآيات تدل على أنه يجازى المعتدي بمثل عمله، ويعاقب بمثل ما عاقب، ويفسرها الحديثان؛ حيث إن النبي ﷺ رضخ رأس اليهودي لما رضخ رأس الجارية، وسمل أعين العرنيين لما سملوا أعين الرعاة.

стр. 2326

فيثبت من مجموع هذه الأدلة أن القاتل يقاتل ويقتص منه بمثل ما قتل (١). واعترض عليه: بأنه ثبت أن حديث العرنيين كان قبل نسخ المثلة، وحديث رضخ رأس اليهودي يحتمل كذلك أن يكون قبل نسخ المثلة؛ فإن في حديث عمران بن حصين ﵁ وفي معناه حديث سمرة ﵁ قوله: «ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة»، فهو يدل على أن النبي ﷺ حتى في آخر خطبه نهى عن المثلة، فتكون أحاديث النهي عن المثلة ناسخة لحديث أنس ﵁ في قصة العرنيين، وكذلك لحديثه في رضخ رأس اليهودي (٢). أما الآيات فإن آية ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٣). وكذلك آية: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤). مكيتان، فعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]. وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. فهذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل ليس لهم

стр. 2327

سلطان يقهر المشركين، وكان المشركون يتعاطون بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين من يجازي منهم أن يجازوا بمثل الذي أُتي إليه، أو يصبروا ويعفوا فهو أمثل، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وأعز الله سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، ولا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية، فقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، يقول: ينصره السلطان حتى ينصفه من ظالمه، ومن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف، قد عمل بحمية الجاهلية، ولم يرض بحكم الله) (١). وإذاً فهاتان الآيتان نزلتا قبل النهي عن المثلة؛ لأنها حرمت بعد الهجرة إلى المدينة، وبعد قصة العرنيين، كما سبق ذكره. أما قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢). فهو على قول ابن عباس ﵁ السابق كذلك مكية، وقيل هي مدنية نزلت بعد عمرة القضية (٣). فهو كذلك مما يتطرق له أن يكون قبل النهي عن المثلة، ويؤيد ذلك حديث عمران بن حصين ﵁ «ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا

стр. 2328

بالصدقة، ونهانا عن المثلة»، فهو يدل على أن النبي ﷺ حتى في آخر خطبه نهى عن المثلة. ثم هذه الآيات تدل بعمومها على جواز أن يفعل بالقاتل مثل ما فعل، وأحاديث النهي عن المثلة خاصة في المثلة، فتكون النهي عن المثلة مستثنى من عمومها. الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو أن القاتل يجوز أن يقتل بمثل ما قتل إلا إذا كان القاتل مثَّل بالمقتول أو قتله بما يحرم لذاته، فلا يمثل به ولا يقتل بما هو محرم لذاته بل يقتل بالسيف، وذلك لما يلي: أولاً: لأن الأحاديث في النهي عن المثلة كثيرة وصحيحة، وهي تدل على النهي عن المثلة مطلقاً، وليس فيها ما يدل على جوازها قصاصاً، بل نهى النبي ﷺ عن المثلة في غير ما حديث، ولم يأت في أي رواية أنه استثنى من ذلك المثلة قصاصاً، ومن تلك الأحاديث حديث بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرِيَّة، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغزوا باسم الله. قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً» الحديث (١). ففيه النهي عن المثلة مطلقاً، ولو كانت جائزة قصاصاً لذكرها رسول الله ﷺ .

стр. 2329

ثانياً: إنه يفهم من مجموع طرق حديث أنس ﵁ في قصة العرنيين النهي عن المثلة حتى ولو كانت قصاصاً، وذلك لأنه جاء في رواية عنه-كما سبق- أن النبي ﷺ سمل أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاء، ويعني ذلك أنه سملهم قصاصاً. والرواية الأخرى جاء فيه-كما سبق-أن النبي ﷺ نهى عن المثلة بعد ذلك. فثبت من مجموع تلك الروايات في قصة العرنيين أنه لا يجوز المثلة حتى ولو كانت قصاصاً، وأن النهي عن المثلة جاء حتى بعد إباحتها قصاصاً. ثالثاً: إن القول بنسخ الأدلة التي يستدل منها على جواز المثلة قصاصاً، له وجه؛ وذلك لوجود ما يدل على تأخر النهي عن المثلة عما يدل على جوازها، كحديث أنس ﵁ (ثم نهى النبي ﷺ عن المثلة بعد ذلك)، وحديث عمران بن حصين ﵁ «ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة»، فهو يدل على أن النبي ﷺ حتى في آخر خطبه نهى عن المثلة. ويؤيد ذلك ما يثبت من مجموع طرق حديث أنس ﵁ في قصة العرنيين، وهو أن النبي ﷺ إنما سمل أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاء، وأن النبي ﷺ نهى بعد ذلك عن المثلة. رابعاً: ولأن أدلة القول الثاني من الكتاب، أدلة عامة، تدل على أن يعامل الجاني كما عامل، وأحاديث النهي عن المثلة خاصة في المثلة، فتكون النهي عن المثلة مستثنى من عمومها. على أن أحاديث النهي عن المثلة متأخرة على نزول تلك الآيات كما سبق ذكره.

стр. 2330

خامساً: ولأن من أجاز المثلة قصاصاً استثنوا من ذلك قتله بما هو محرم لذاته كالقتل بالخمر مثلاً، فيقال لهم: المثلة كذلك محرمة فلتكن كذلك مستثناة من قتل القاتل بمثل ما قتل (١). والله أعلم.

стр. 2331

المطلب الخامس: استيفاء القصاص قبل اندمال الجرح ذهب بعض أهل العلم إلى عدم استيفاء القصاص في الجراحات قبل برئ الجرح واندماله. وأن ما يدل على جوازه قبل الاندمال فإنه قد نسخ. وممن صرح بالنسخ: الحازمي (١)، وابن قدامة (٢)، وأبو حامد الرازي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن اختلاف الآثار، والاختلاف في مفهومها سبب آخر للاختلاف فيها (٥). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن جابر ﵁ أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته، فأتى النبي ﷺ يستقيد، فقيل له: حتى تبرأ، فأبى وعجل فاستقاد، قال: فعنتت رجله، وبرئت رجل المستقاد منه، فأتى النبي ﷺ فقال له: «ليس لك شيء، إنك أبيت» (٦).

стр. 2332

ثانياً: عن ابن عباس ﵁ قال: وجأ رجل فخذ رجل، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أقدني منه، قال: «حتى تبرأ»، قال: أقدني، قال: «حتى تبرأ»، ثم جاء فقال: أقدني يا رسول الله، فأقاده، فجاء بعد إلى النبي ﷺ فقال: شلت رجلي، قال: «قد أخذت حقك» (١). ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: قضى رسول الله

стр. 2333

- ﷺ في رجل طعن رجلاً بقرن في رجله، فقال: يا رسول الله، أقدني، فقال له رسول الله ﷺ : «لا تعجل، حتى يبرأ جرحك»، قال: فأبى الرجل إلا أن يستقيد، فأقاده رسول الله ﷺ منه، قال: فعرج المستقيد، وبرأ المستقاد منه، فأتى المستقيد إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله عرجت وبرأ صاحبي؟!، فقال له رسول الله ﷺ : «ألم أمرك أن لا تستقيد حتى يبرأ جرحك؟ فعصيتني! فأبعدك الله، وبطل جرحك»، ثم أمر رسول الله ﷺ بعد الرجل الذي عرج: «من كان به جرح، أن لا يستقيد حتى تبرأ جراحته، فإذا برئت جراحته استقاد» (١). وفي رواية -بعد ذكر الحديث-: (ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه) (٢). رابعاً: عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ» (٣).

стр. 2334

ويستدل منها على النسخ: بأن حديث جابر ﵁ الأول، وكذلك حديث ابن عباس ﵁ يدلان على جواز استيفاء القصاص من الجرح قبل اندماله، وحديث عبد الله بن عمرو ﵁، وكذلك حديث جابر ﵁ الأخير، يدلان على أنه لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ، فيكون حديثاهما ناسخين لما يدل عليه حديث جابر ﵁ الأول وكذلك حديث ابن عباس ﵁؛ لتأخرهما عليهما، لأن في حديث عبد الله بن عمرو ﵁ (ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه)، فهو يدل على تأخر النهي عن أن يقتص من الجرح حتى يبرأ صاحبه، فيكون ناسخاً لما يخالفه (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في استيفاء القصاص من الجرح قبل اندماله على قولين:

стр. 2335

القول الأول: أنه لا يقتص من الجرح حتى يبرأ. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول أكثر أهل العلم، منهم: النخعي، وعطاء، والحسن، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور (٤). القول الثاني: يجوز أن يقتص من الجرح قبل البرء. وهو مذهب الشافعية (٥)، وقول ابن حزم (٦). الأدلة ويستدل للقول الأول-بما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث جابر، وعبد الله بن عمرو ﵃؛ حيث إنهما يدلان على أنه لا يقتص من الجرح حتى يبرأ (٧). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يجوز أن يقتص من الجرح قبل البرء- بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث جابر، وابن عباس ﵃؛

стр. 2336

حيث إنهما يدلان على جواز استيفاء القصاص من الجرح قبل اندماله (١). واعترض عليه: بأن النبي ﷺ نهى بعد ذلك عن استيفاء القصاص من الجرح قبل اندماله، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (٢). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب-أن الراجح هو القول الأول، وهو أنه لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ؛ وذلك لما يلي: أولاً: لأن القول بنسخ ما يدل على جواز استيفاء القصاص من الجرح قبل اندماله، صحيح؛ وذلك لأن النهي عن استيقاد الجرح قبل برئه جاء بعد ذلك، كما صرح به في رواية لحديث عبد الله بن عمرو ﵁، فيكون ذلك ناسخاً لما يخالفه، كما سبق بيانه. ثانياً: ولأن ما استُدل به للقول الأول أقوى وأصح بالنسبة لما استُدل به للقول الثاني (٣). والله أعلم.

стр. 2337

المبحث الثاني: الحدود، والتعزيرات وفيه أربعة عشر مطلباً: المطلب الأول: حكم المرتد. المطلب الثاني: حبس الزانيين وإيذاؤهما. المطلب الثالث: التغريب في حد الزنا. المطلب الرابع: جلد الزاني المحصن. المطلب الخامس: إقامة الحد على الأمة التي لم تحصن إذا زنت. المطلب السادس: إقامة الحد على من زنا بجارية امرأته. المطلب السابع: إقامة حد الرجم على أهل الذمة. المطلب الثامن: قتل شارب الخمر بعد المرة الرابعة. المطلب التاسع: قطع جاحد العارية. المطلب العاشر: قتل السارق بعد المرة الرابعة. المطلب الحادي عشر: التعزير بالعقوبات المالية. المطلب الثاني عشر: المثل مع الغرامة في ضالة الإبل المكتومة. المطلب الثالث عشر: الغرامة بالمثلين في سرقة الثمر المعلق. المطلب الرابع عشر: الجلد فوق عشرة أسواط في غير الحدود.

стр. 2338

المطلب الأول: حكم المرتد ذهب ابن حزم إلى أن قتل من ارتد (١) عن الإسلام كان حراماً، ثم نسخ ذلك، وجُعل حده (٢) القتل إذا استتيب ولم يتب (٣). وليس للقول بالنسخ أي أثر في اختلاف أهل العلم في المسألة، وإنما السبب في اختلاف من لم يقل بقتل المرتد عدم قتل النبي ﷺ لبعض المنافقين ولبعض من كان يظهر الإسلام وصدرت عنه كلمات غير إسلامية (٤). ويستدل لمن بقال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قسم رسول الله ﷺ قسمة، فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد محمد بهذا وجه الله، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فتمعر وجهه، وقال: «رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر

стр. 2339

من هذا فصبر» (١). ثانياً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ بالجعرانة منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبض منها، يعطي الناس، فقال: يا محمد! اعدل. قال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال: «معاذ الله! أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية» (٢). ثالثاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ يقول: بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل (٣)، والرابع إما علقمة بن علاثة (٤)، وإما عامر بن الطفيل (٥). فقال رجل

стр. 2340

من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء؟»، قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمّر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله، فقال: «ويلك! أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟»، قال: ثم ولّى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: «لا، لعله أن يكون يصلي»، قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم»، قال: ثم نظر إليه وهو مقفّ فقال: «إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». قال: أظنه قال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود» (١). رابعاً: عن عكرمة أن علياً ﵁ حرق قوماً، فبلغ ذلك ابن عباس ﵁ فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله». ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (٢).

стр. 2341

خامساً: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (١). سادساً: عن أبي موسى ﵁: أن رجلاً أسلم ثم تهود فأتاه معاذ بن جبل وهو عند أبي موسى، فقال: ما هذا؟ قال: أسلم ثم تهود، قال: لا أجلس حتى أقتله (قضاء الله ورسوله) (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن قول الرجل في حديث ابن مسعود: (والله ما أراد محمد بهذا وجه الله) وقوله في حديث جابر: (يا محمد اعدل) وفي حديث أبي سعيد: (يا رسول الله اتق الله) كل ذلك يدل على ارتداد صاحبه، وقد استأذن عمر، وخالد ﵄ في قتله، فلم يأذن لهما رسول الله ﷺ في ذلك، وبين أنه سيباح قتله فيما بعد، فثبت من ذلك أن قتل المرتد كان حراماً؛ لذلك نهى النبي ﷺ عمر وخالد ﵄ عن قتله، ثم نسخ هذا الحال بأحاديث ابن عباس، وابن مسعود ومعاذ-﵃ والتي تدل على وجوب قتل المرتد (٣).

стр. 2342

واعترض عليه: بما يلي: أ-بأن العلة في عدم قتل من صدر منه هذه الأقوال لم يكن لأن قتل المرتد كان حراماً بعد، بل في حديث جابر، وأبي سعيد-﵄-إشارة إلى العلة التي لم يأمر ﷺ من أجلها بقتل ذلك الرجل، وهو أن لا يتحدث الناس أن محمداً ﷺ يقتل أصحابه، ولكون ذلك الشخص أنه يصلي. ومعنى ذلك أن ذلك الشخص كان يظهر الإسلام، ويعد نفسه من جملة الصحابة وجماعة المسلمين بظاهر إسلامه، فكان يجري عليه أحكام المسلمين، وإن كان ظهر منه ما ظهر، فهو كما ظهر عن غيره من المنافقين الذين آذوا رسول الله، وسمع منهم في غير موطن ما يكرهه، ولكنه صبر استبقاء لانقيادهم وتأليفاً لغيرهم، لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه فينفروا (١). ثم هذا الشخص كان أصل الخوارج ومن جملتهم، والخوارج لا يقاتلون ما لم يسفكوا دماً حراماً، و ما لم ينصبوا حرباً أو يستعدوا لذلك، وهذا الشخص لم يعمل شيئاً من هذا بعد (٢). ب- إن النبي ﷺ بعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل ﵄-إلى اليمن قبل علي بن أبي طالب ﵁ ثم الصحيح أن معاذاً ﵁ لم

стр. 2343

يرجع من اليمن حتى توفي النبي ﷺ (١)، وقد سبق أن معاذاً ﵁ قال في المرتد: لا أجلس حتى أقتله (قضاء الله ورسوله). فهو يدل على أن الأمر بقتل المرتد سابق على حديث بعث علي ﵁ بذهيبة من اليمن وقسم النبي ﷺ ذلك على أربعة نفر، وقول الرجل فيه (اعدل) ومع ذلك لم يقتله النبي ﷺ بل نهى عن قتله، فبطل بهذا دعوى أن الأمر بقتل المرتد متأخر على نهي النبي ﷺ عن قتل هذا الرجل، وبطل به دعوى النسخ. هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم المرتد على قولين: القول الأول: أنه يجب قتل المرتد إن لم يتب. وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم أهل المذاهب الأربعة (٢)، بل نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك، منهم: الإمام الشافعي (٣)، وابن المنذر (٤)، والنووي (٥).

стр. 2344

وذلك لأدلة كثيرة تدل على قتل المرتد إذا لم يتب، ومنها ما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث ابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ ﵃. القول الثاني: ذكر ابن حزم أن بعض أهل العلم ذهبوا إلى عدم قتل المرتد (١). واستدلوا بما يلي: أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ، من حديث ابن مسعود، وجابر، وأبي سعيد الخدري، فإن هذه الأحاديث جاء فيها من الكلمات-كما سبق- ما يدل على ارتداد صاحبها، وقد استأذن عمر، وخالد ﵄ في قتله، فلم يأذن لهما رسول الله ﷺ في ذلك، بل نهاهما عن قتله، فدل ذلك على أن المرتد لا يقتل (٢). ثانياً: عن جابر بن عبد الله-﵄-يقول: كنا مع النبي ﷺ في غزاة، فكسع (٣) رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فقال رسول الله ﷺ : «ما بال دعوى الجاهلية،؟» قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار،

стр. 2345

فقال: «دعوها، فإنها منتنة» فسمعها عبد الله بن أبيّ فقال: قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» (١). ووجه الاستدلال منه كالاستدلال من الأحاديث السابقة. ويعترض على وجه الاستدلال من هذه الأدلة ما اعترض به على وجه الاستدلال منها على النسخ. الراجح بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي: أولاً: إن الراجح بلا شك هو القول الأول، وهو أن المرتد إن لم يتب فإنه يجب قتله، وذلك لما يلي: أ- للأدلة الكثيرة التي تدل على قتل المرتد ومن بدل دينه، وأنه قضاء الله ورسوله. وقد سبق جملة منها في دليل القول بالنسخ. ب- ولأن أهل العلم أجمعوا على وجوب قتل المرتد ومن بدل دينه في الجملة، كما سبق ذكره. كما أن الصحابة-﵃ أجمعوا على قتال المرتدين في عهد

стр. 2346

أبي بكر ﵁. ثانياً: إنه لا يصح القول بأن قتل المرتد كان حراماً حتى بعث علي ﵁ بذهيبة من اليمن، وقسم ذلك النبي ﷺ بين أربعة نفر، ثم نسخ ذلك بعد ذلك ووجب قتله؛ وذلك لما سبق أن عدم قتل النبي ﷺ لمن صدر منهم تلك الكلمات لم يكن لأن قتل المرتد كان حرماً، بل لئلا يتحدث الناس أن محمداً ﷺ يقتل أصحابه، ولأنه كان يصلي. كما سبق أن الأمر بقتل المرتد مقدم على بعث علي ﵁ بذهيبة من اليمن؛ لأن معاذ ﵁ بعثه النبي ﷺ إلى اليمن قبل علي ﵁ وهو بين لما التقى مع أبي موسى ﵁ أن قتل المرتد قضاء الله ورسوله، فهو مما يبطل قول النسخ. والله أعلم.

стр. 2347

المطلب الثاني: حبس الزانيين وإيذاؤهما لا خلاف بين أهل العلم في أن حبس الزانيين وإيذائهما قد نسخا (١)، إلا أنهم اختلفوا في كيفية النسخ، وفي الناسخ، ومما قيل فيهما: أ-كان حد المرأة الزانية الحبس، وحد الرجل الزاني الأذى، ثم نسخا بالجلد للبكر، والرجم للثيب. وهو قول مجاهد، وروي عن ابن عباس ﵁، وصححه أبو جعفر النحاس (٢). ب- كان حدهما الحبس، ثم نسخ بإيذائهما بالسب والتعيير، ثم نسخ الإيذاء بجلد البكر مائة وتغريب عام، وجلد الثيب مائة والرجم. وهو قول عكرمة، والطحاوي، وروي عن عبادة بن الصامت ﵁ (٣). ج- كان حد الزاني والزانية الثيبين الحبس، وحد البكرين الأذى. ثم نسخ ذلك. وهو قول قتادة (٤).

стр. 2348

وكيفما يكون النسخ وبما يكون، إلا أنه لا خلاف بين أهل العلم في نسخ الحبس والأذى عنهما (١). وذلك لما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٢). ثانياً: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣). ثالثاً: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (٤). وفي رواية عنه ﵁ قال: كان نبي الله إذا أنزل عليه، كرب لذلك، وتربد

стр. 2349

له وجهه، قال: فأنزل عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلما سُرِّي عنه قال: «خذوا عنّي، فقد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر. الثيب جلد مائة، ثم رجم بالحجارة. والبكر جلد مائة ثم نفي سنة» (١). رابعاً: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : (إن الله قد بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف) (٢). وفي رواية عنه ﵁ أنه قال: (وقد قرأتها: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾ رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده) (٣). خامساً: عن ابن عباس-﵄ في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ الآية [السناء: ١٥]. قال: كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، وفي قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [السناء: ١٦] قال: كان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير، وضرب النعال، فأنزل الله بعد هذا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ

стр. 2350

مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله ﷺ ، وهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما (١). ويستدل منها على النسخ: بأنه يثبت من مجموع هذه الأدلة أنه كان في أول الإسلام حد الزانية والزاني الحبس والأذى، ثم نسخ الله ذلك، فجعل حد البكر جلد مائة ونفي سنة، وجعل حد الثيب جلد مائة والرجم. فثبت من ذلك نسخ حد الحبس والأذى عن الزانيين (٢). والله أعلم.
следующие страницы →