← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

أبي بكر ﵁. ثانياً: إنه لا يصح القول بأن قتل المرتد كان حراماً حتى بعث علي ﵁ بذهيبة من اليمن، وقسم ذلك النبي ﷺ بين أربعة نفر، ثم نسخ ذلك بعد ذلك ووجب قتله؛ وذلك لما سبق أن عدم قتل النبي ﷺ لمن صدر منهم تلك الكلمات لم يكن لأن قتل المرتد كان حرماً، بل لئلا يتحدث الناس أن محمداً ﷺ يقتل أصحابه، ولأنه كان يصلي. كما سبق أن الأمر بقتل المرتد مقدم على بعث علي ﵁ بذهيبة من اليمن؛ لأن معاذ ﵁ بعثه النبي ﷺ إلى اليمن قبل علي ﵁ وهو بين لما التقى مع أبي موسى ﵁ أن قتل المرتد قضاء الله ورسوله، فهو مما يبطل قول النسخ. والله أعلم.

стр. 2347

المطلب الثاني: حبس الزانيين وإيذاؤهما لا خلاف بين أهل العلم في أن حبس الزانيين وإيذائهما قد نسخا (١)، إلا أنهم اختلفوا في كيفية النسخ، وفي الناسخ، ومما قيل فيهما: أ-كان حد المرأة الزانية الحبس، وحد الرجل الزاني الأذى، ثم نسخا بالجلد للبكر، والرجم للثيب. وهو قول مجاهد، وروي عن ابن عباس ﵁، وصححه أبو جعفر النحاس (٢). ب- كان حدهما الحبس، ثم نسخ بإيذائهما بالسب والتعيير، ثم نسخ الإيذاء بجلد البكر مائة وتغريب عام، وجلد الثيب مائة والرجم. وهو قول عكرمة، والطحاوي، وروي عن عبادة بن الصامت ﵁ (٣). ج- كان حد الزاني والزانية الثيبين الحبس، وحد البكرين الأذى. ثم نسخ ذلك. وهو قول قتادة (٤).

стр. 2348

وكيفما يكون النسخ وبما يكون، إلا أنه لا خلاف بين أهل العلم في نسخ الحبس والأذى عنهما (١). وذلك لما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٢). ثانياً: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣). ثالثاً: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (٤). وفي رواية عنه ﵁ قال: كان نبي الله إذا أنزل عليه، كرب لذلك، وتربد

стр. 2349

له وجهه، قال: فأنزل عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلما سُرِّي عنه قال: «خذوا عنّي، فقد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر. الثيب جلد مائة، ثم رجم بالحجارة. والبكر جلد مائة ثم نفي سنة» (١). رابعاً: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : (إن الله قد بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف) (٢). وفي رواية عنه ﵁ أنه قال: (وقد قرأتها: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾ رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده) (٣). خامساً: عن ابن عباس-﵄ في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ الآية [السناء: ١٥]. قال: كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، وفي قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [السناء: ١٦] قال: كان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير، وضرب النعال، فأنزل الله بعد هذا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ

стр. 2350

مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله ﷺ ، وهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما (١). ويستدل منها على النسخ: بأنه يثبت من مجموع هذه الأدلة أنه كان في أول الإسلام حد الزانية والزاني الحبس والأذى، ثم نسخ الله ذلك، فجعل حد البكر جلد مائة ونفي سنة، وجعل حد الثيب جلد مائة والرجم. فثبت من ذلك نسخ حد الحبس والأذى عن الزانيين (٢). والله أعلم.

стр. 2351

المطلب الثالث: التغريب في حد الزنا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الزاني البكر يجلد مائة ولا يغرب؛ لأن التغريب (١) في حد الزنا قد نسخ. وممن صرح به: الطحاوي (٢)، والسرخسي (٣)، والمرغناني (٤). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، لكن السبب الأصلي للاختلاف فيها هو الاختلاف في مفهوم الأدلة الواردة فيها، وتقدم بعضها على بعض (٥). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (٦).

стр. 2352

ثانياً: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١). ثالثاً: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢). رابعاً: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني-﵄-أنهما قالا: إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله. فقال الخصم الآخر، وهو أفقه منه: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي. فقال رسول الله ﷺ : «قل» قال: إن ابني كان عسيفاً (٣) على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني؛ أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله. الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، واغد يا أنيس (٤)، إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (٥).

стр. 2353

خامساً: عن أبي هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر» (١). سادساً: عن أبي هريرة وزيد بن خالد-﵄: أن رسول الله ﷺ سُئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير». قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة (٢). ويستدل منها على النسخ، بالوجهين التاليين. الوجه الأول: أن حديث عبادة ﵁ والذي جاء فيه في حد الزاني البكر الجلد والتغريب، متقدم على آية سورة النور التي لم يذكر فيها في حد الزاني إلا الجلد، يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث عبادة ﵁: «خذوا عني» ولو

стр. 2354

كانت آية النور نزلت قبله لقال: (خذوا عن الله) (١). وإذا كانت آية النور نزلت بعد حديث عبادة ﵁ فيكون التغريب المذكور فيه منسوخاً بها؛ لأنه جاء فيها الاقتصار على الجلد (٢). واعترض عليه: بأنه لو سلم أن آية النور نزلت بعد حديث عبادة ﵁ فلا يسلم نسخه بها؛ لأن حديث أبي هريرة وخالد الجهني ﵄ في قصة الأعرابي جاء فيه قول النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله». وقد جاء فيه: «وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام». وهذا الحديث بعد آية النور لقوله ﷺ : «لأقضين بينكما بكتاب الله» فدل ذلك أن تغريب الزاني ليس منسوخاً بآية النور. الوجه الثاني للنسخ: أن حديث عبادة ﵁ وأبي هريرة وزيد بن خالد الجهني-﵃-جاء فيها في حد البكر الجلد، ونفي سنة، وهذا النفي كان ثابتاً في النساء الأبكار الحرائر والإماء، لقوله تعالى في حد الإماء إذا أتين بالفاحشة: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. فكان النفي ثابتاً في حقهن كذلك، ثم أحاديث النبي ﷺ في حد الإماء ذكر فيها الجلد ولم يذكر فيها النفي، فدل ذلك أن النفي نسخ من حدهن، وإذا نسخ ذلك من حد الإماء فيكون في ذلك دلالة على نسخه من حد الرجال والنساء عموماً (٣).

стр. 2355

واعترض عليه: بأنه ليس في هذه الأدلة ما يدل على أن الأمة كان حدها جلد خمسين وتغريب نصف سنة ثم نسخ التغريب من حدها، بل ما في هذه الأدلة هو أن الشرع فرق بين حد الأحرار والرقيق، فجعل حد من زنى من الأحرار الأبكار جلد مائة، ونفي سنة، وجعل حد من زنى من الرقيق جلد خمسين (١). ويؤيد عدم نسخ التغريب عمل الخلفاء به بعد النبي ﷺ ، فعن ابن عمر-رضي الله عنهما-: (أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب و غرب) (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في نفي الزاني على أربعة أقوال: القول الأول: لا نفي على زان سواء كان رجلاً أو امرأة. وهو مذهب الحنفية (٣).

стр. 2356

القول الثاني: ينفى الرجل، ولا تنفى المرأة ولا العبد. وهو مذهب المالكية (١). ونحوه قول الأوزاعي (٢). القول الثالث: ينفى الزاني سواء كان رجلاً أم امرأة، حراً أم عبداً، وينفى الحر سنة، والعبد نصف سنة. وهو مذهب الشافعية (٣). ونحوه قول الثوري وأبي ثور (٤). القول الرابع: ينفى الزاني سواء كان رجلاً أم امرأة، ولا نفي على الزاني إن كان رقيقاً. وهو مذهب الحنابلة (٥). وقال به الحسن، وحماد، وإسحاق بن راهوية (٦). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أنه لا نفي على الزاني- بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٧).

стр. 2357

ثانياً: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها» الحديث (٢). رابعاً: عن أبي هريرة وزيد بن خالد-﵄: أن رسول الله ﷺ سُئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها» الحديث (٣). ووجه الاستدلال منها: أن آية النور جاء فيها حد الزاني جلد مائة، ولم يذكر فيها النفي، وذلك في الأحرار، وكذلك آية سورة النساء جاء فيها أن حد الإماء على النصف من حد الحرة، وليس فيها كذلك ذكر النفي، كما أن الأحاديث التي جاء في حد الإماء لم يذكر فيها النفي، فدل ذلك أن النفي ليس من حد الزنى مطلقاً (٤). واعترض عليه: بأن نفي الزاني جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة، لذلك لا يصح الاستدلال على عدم نفي الزاني بعدم ذكر النفي في بعض الأدلة (٥).

стр. 2358

دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أن الزاني البكر ينفى، ولا نفي على المرأة ولا العبيد- بما يلي: أولاً: أما نفي البكر فلحديث عبادة بن الصامت، وأبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵃، وقد سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ فإنها تدل على نفي الزاني البكر سنة (١). ثانياً: أما عدم نفي العبيد فلحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني-﵄، وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ؛ حيث لم يذكر فيهما في حد الأمة النفي، والعبيد والإماء في الحد سواء (٢). ثالثاً: أما عدم نفي المرأة الحرة، فلأحاديث تدل على تحريم سفر المرأة بدون محرم، منها: أ- عن ابن عمر-﵄-أن النبي ﷺ قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم» (٣). ب- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله

стр. 2359

واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة» (١). ووجه الاستدلال منهما: هو أن الأحاديث الواردة في تغريب الزاني وإن كانت عامة تشمل الرجال والنساء، إلا أن عمومها تكون مخصصاً بهذه الأحاديث، لذلك لا يكون التغريب شاملاً لهن (٢). واعترض عليه: بأنه يمكن العمل بعموم الخبر الوارد في تغريب الزاني، وأحاديث النهي عن سفر المرأة بدون محرم، وذلك بنفيها مع محرم؛ للعمل بجميع الأدلة (٣). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أن الزاني ينفى سواء كان رجلاً أم امرأة، حراً أو عبداً- بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٤). ثانياً: حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وفيه: «البكر

стр. 2360

بالبكر جلد مائة ونفي سنة» الحديث (١). ثالثاً: حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله. الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام» الحديث (٢). رابعاً: حديث ابن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، و أن عمر ضرب وغرب) (٣). ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأحاديث جاء فيها تغريب الزاني البكر، وهي عامة تشمل الرجال والنساء، والأحرار والعبيد، إلا أن نفي العبيد يكون على النصف من نفي الأحرار لآية سورة النساء (٤). واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث وإن كانت عامة في الأحرار والعبيد، إلا أنه جاء في غير ما حديث ذكر حد الإماء ولم يذكر معه التغريب، فلو كان التغريب من حدهن لذكر مع الجلد (٥). دليل القول الرابع ويستدل للقول الرابع- وهو أن الزاني من الأحرار ينفى، ولا نفي على

стр. 2361

العبيد- بما يلي: أولاً: أما تغريب البكر من الأحرار سواء كان رجلاً أم امرأة، فلأحاديث كثيرة تدل على نفيهم، منها ما سبق من حديث عبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، وابن عمر-﵂، فإن كلها تدل على نفي الزاني البكر (١). ثانياُ: أما عدم نفي الزاني من الرقيق، فلما سبق من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني-﵄؛ حيث لم يذكر فيهما في حد الأمة النفي، والعبيد والإماء في الحد سواء، ولو كان النفي من حدهم لذكر؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٢). الراجح بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الرابع، وهو نفي الزاني البكر من الأحرار، وعدم نفي الرقيق؛ وذلك لما يلي: أ- لأحاديث كثيرة وصحيحة، تدل على نفي الزاني البكر، وهي عامة تشمل الرجل والمرأة، وورود أحاديث في حد الأمة من دون ذكر النفي، وهو مما يدل على الفرق بين الأحرار والعبيد.

стр. 2362

ب-ولأن جميع الأحاديث التي جاء فيها ذكر حد البكر الزاني، فإنه جاء مع الجلد ذكر التغريب، ولم أجد حديثاً جاء فيه ذكر الجلد للبكر الزاني بدون التغريب، كما أن تلك الأحاديث لم يذكر فيها ما يدل على الفرق بين الرجل والمرأة. ج-ولأن الخلفاء بعد رسول الله ﷺ عملوا بتغريب الزاني، كما ذكر في حديث ابن عمر ﵁. ولم يوجد لهم في الصحابة مخالفاً فكان إجماعاً (١). ثانياً: إن القول بأن تغريب الزاني البكر قد نسخ، غير صحيح؛ وذلك لما يلي: أ- لعدم وجود أي دليل يدل على النسخ، كما سبق ذكره. ب- ولأن الخلفاء بعد النبي ﷺ غربوا، كما في حديث ابن عمر ﵁، ولم ينكر عليهم منكر، ولو كان التغريب منسوخاً لما عملوا به. والله أعلم.

стр. 2363

المطلب الرابع: جلد الزاني المحصن ذهب جمهور أهل العلم إلى أن حد الزاني المحصن (١) الرجم، وليس عليه مع ذلك الجلد؛ لأنه قد نسخ (٢). وممن صرح به: الإمام الشافعي (٣)، والطحاوي (٤)، وابن عبد البر (٥)، والسرخسي (٦)، والحازمي (٧)، وابن العربي (٨)، وأبو حامد الرازي (٩)، وأبو إسحاق الجعبري (١٠). وروي عن الإمام أحمد ما يدل عليه (١١).

стр. 2364

وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (١). ويستدل للقول بالنسخ بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (٢). ثانياً: حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله. الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (٣). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسولَ الله ﷺ وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه. فتنحّى تلقاء وجهه، فقال له: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، حتى ثنى

стр. 2365

ذلك عليه أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ ، فقال: «أبك جنون؟» قال: لا. قال: «فهل أحصنت؟» قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : «اذهبوا به فارجموه» (١). رابعاً: عن عمران بن الحصين ﵁ أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ ، وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله، أصبت حداً فأقمه عليّ، فدعا نبي الله ﷺ وليها، فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها» ففعل، فأمر بها نبي الله ﷺ فشُكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها. فقال له عمر: تصلى عليها يا نبي الله! وقد زنت. فقال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟» (٢). خامساً: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : (إن الله قد بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا

стр. 2366

أحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف) (١). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عبادة بن الصامت ﵁ يدل على أن الزاني المحصن يجلد ثم يرجم، لكن جلد الثيب في هذا الحديث منسوخ؛ لأنه كان قبل نزول الحدود حبس الزاني وإيذاؤه، ثم جاء هذا الحديث في بيان نسخ الحبس والإيذاء عن الزاني فكان هذا أول حديث في حد الزنى، ثم بعد ذلك أمر رسول الله ﷺ برجم الزاني المحصن ولم يأمر يجلده، كما في حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد-﵄، وغيره. كما أنه ﷺ رجم الزاني المحصن ولم يجلده، فدل ذلك أن الجلد منسوخ عن الثيب الزاني؛ لأن ما تأخر من حكم رسول الله ﷺ ينسخ ما تقدم منه، وأنه إنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ . ويؤيد ذلك ما جاء عن عمر ﵁: (فكان مما أنزل عليه آية الرجم) ولم يذكر معه الجلد (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في جلد الزاني الثيب على قولين: القول الأول: يرجم الثيب الزاني، ولا يجلد.

стр. 2367

وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وقول جمهور أهل العلم، وممن روي عنه ذلك أو قال به: عمر، وعثمان، وابن مسعود، والنخعي، والزهري، والأوزاعي، والثوري، والليث، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وأبو ثور، وابن جرير الطبري (٥). القول الثاني: يجلد الثيب الزاني ثم يرجم. وهو رواية عن الإمام أحمد (٦)، وقول الحسن البصري، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن المنذر، وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وأبي بن كعب-﵃ (٧).

стр. 2368

الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أن الزاني المحصن يرجم ولا يجلد- بأدلة منها ما يلي: أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ في قصة الأعرابي، وفيه قول رسول الله ﷺ : «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» الحديث. ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة الرجل الذي اعترف على نفسه بالزنى، وفيه قول رسول الله ﷺ : «اذهبوا به فارجموه». ثالثاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من عن عمران بن الحصين ﵁ في قصة المرأة التي اعترفت على نفسها بالزنى، وفيه: (فأمر بها نبي الله ﷺ فشُكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها) الحديث. رابعاً: ما مرّ في دليل القول بالنسخ من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وفيه: (إن الله قد بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده) الحديث. ووجه الاستدلال من هذه الأدلة: هو أن الأحاديث الثلاثة الأولى جاء فيها الأمر برجم الزاني المحصن، بدون الجلد، كما أن حديث عمر ﵁-

стр. 2369

جاء فيه ذكر الرجم بدون الجلد، فدل ذلك أن الزاني المحصن يرجم ولا يجلد؛ لأن جلده لو كان كذلك من حده لذكره رسول الله ولأمر به كما أمر بالرجم، ثم هذه الأحاديث متأخرة على ما يدل على جلد الزاني المحصن، ثم رجمه، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (١). واعترض عليه: بأن الجلد ثابت بكتاب الله، والرجم ثابت بسنة رسول الله ﷺ ، وليس في الأدلة التي يستدل منها على عدم جلد الزاني المحصن، تصريح بسقوط الجلد عنه، وترك ذكره في تلك الأدلة يحتمل أن يكون لوضوحه، وكونه هو الأصل، فلا يرد ما وقع التصريح به بالاحتمال (٢). وأجيب عنه: بأن هذه الأحاديث جاءت من طرق متنوعة، بأسانيد مختلفة، ولم يذكر في شيء منها أنه جلد، وذكر في غير واحد منها الأمر بالرجم، ولم يذكر الجلد، فدل ترك ذكره على عدم وقوعه، ودل عدم وقوعه على عدم وجوبه (٣). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أن الزاني المحصن يجلد ثم يرجم- بما يلي:

стр. 2370

أولاً: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١). ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عبادة بن الصامت ﵁ وفيه قول رسول الله ﷺ : «والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». ثالثاً: عن الشعبي قال: أُتي علي ﵁ بزان محصن، فجلده يوم الخميس مائة، ثم رجمه يوم الجمعة، فقيل له: جمعت عليه حدين؟ فقال: (جلدته بكتاب الله، ورجمته بسنة رسول الله ﷺ (٢). ووجه الاستدلال منها: أن الآية عامة تشمل الزاني المحصن والبكر، وإليه أشار علي ﵁ بقوله: (جلدته بكتاب الله ورجمته بسنة رسول الله)، وحديث عبادة ﵁ صريح في ذلك. فيثبت من مجموعها أن الزاني المحصن يجلد ثم يرجم (٣). واعترض عليه: بأن الآية وإن كانت عامة إلا أن الأدلة التي يستدل منها على عدم الجلد تدل على أن الآية قصد بها من لم يحصن من الزناة، وحديث عبادة ﵁ يدل على جلد الزاني المحصن ثم رجمه، لكن الأحاديث التي يستدل منها على عدم الجلد معها ما يدل على تأخرها

стр. 2371

عليه، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ (١). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لما يلي: أولاً: لأن أدلة هذا القول جاءت من طرق مختلفة، ولم يذكر في شيء منها الجلد، وذكر في غير واحد منها الأمر بالرجم، فدل ترك ذكره على عدم وقوعه، وعدم وقوعه يدل إما على أنه لم يجب أصلاً، أو على أنه كان ثم ترك (٢). ثانياً: إن حديث عمر ﵁ يدل كذلك على اقتصار الرجم وعدم جلد الزاني المحصن؛ حيث جاء فيه: (إن الله قد بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده). وإنما رجم عمر ﵁ الزاني المحصن في خلافته، ولم يجلده، فدل ذلك على أن رسول الله ﷺ لم يجلد الزاني المحصن (٣).

стр. 2372

ثالثاً: إن أدلة هذا القول تدل على رجم الزاني المحصن دون جلده، ثم يوجد معها ما يدل على تأخرها على ما يدل على جلد الزاني المحصن، فتكون ناسخة له، كما سبق ذكره. والله أعلم.

стр. 2373

المطلب الخامس: إقامة الحد على الأمة التي لم تحصن إذا زنت ذهب ابن شاهين إلى أن الأمة تحد إذا زنت وإن لم تحصن أي تزوجت من قبل. وأن ترك إقامة الحد عليها إذا لم تحصن قد نسخ (١). والقول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، لكن السبب الرئيسي لاختلافهم فيها هو اختلافهم في المراد بالإحصان في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢). واختلاف الآثار الواردة فيها (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس على الأمة حد حتى تحصن» (٤). وفي رواية عنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليس على الأمة حد حتى تحصن،

стр. 2374

فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات» (١). ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر» (٢). ثالثاً: عن أبي هريرة وزيد بن خالد-﵄: أن رسول الله ﷺ سُئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير» (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن عباس ﵁ يدل على أن الأمة إذا زنت ولم تكن أحصنت بزوج فإنها لا تحد، والأحاديث المذكورة بعده تدل على أنها تحد ولو لم تكن أحصنت بزوج، فتكون هذه الأحاديث ناسخة له (٤).

стр. 2375

واعترض عليه: بأن النسخ يحتاج إلى تاريخ ليُعلم المتأخر من المتقدم، وهو مما لا يوجد في هذه المسألة (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حد الأمة إذا زنت ولم تكن أحصنت بزوج على قولين: القول الأول: تحد الأمة إذا زنت أحصنت بزوج أو لم تحصن. وهو قول جمهور أهل العلم، منهم أهل المذاهب الأربعة (٢)، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود-﵃، والحسن، والنخعي، والأوزاعي (٣). القول الثاني: إذا زنت الأمة ولم تكن أحصنت بزوج فإنها لا تحد. وهو قول ابن عباس، وعطاء، وطاوس، وأبي عبيد القاسم بن سلام (٤).

стр. 2376

الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أن الأمة الزانية تحد أحصنت بزوج أم لا- بأدلة منها ما يلي: أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وفيه: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها» الحديث. ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد-﵄: أن رسول الله ﷺ سُئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها» الحديث. ثالثاً: ما روي عن علي ﵁ أنه خطب فقال: يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «أحسنت» (١). ووجه الاستدلال منها: أن حديث أبي هريرة ﵁ في جلد الأمة عام يشمل

стр. 2377

من أحصن ومن لم يحصن، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد-﵄-صريح في جلد الأمة إذا زنت ولم تحصن، وكذلك حديث علي ﵁، فيثبت من مجموع هذه الأدلة إقامة الحد على من زنى من الأرقاء، سواء كان محصناً بزوج أم لا (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أن الأمة لا تحد إذا لم تحصن بزوج- بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢). ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ : «ليس على الأمة حد حتى تحصن، فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات». ووجه الاستدلال منهما: أن الآية الكريمة تدل بمفهومها على أن الأمة إذا زنت قبل أن تتزوج أنه لا حد عليها، والحديث صريح في أنه لا حد على الأمة ما لم تتحصن بزوج (٣). واعترض عليه: بأن الإحصان في الآية الكريمة يحتمل أن يكون المراد به

стр. 2378

التزويج، ويحتمل أن يكون المراد به الإسلام، والحديث مختلف في رفعه ووقفه، ثم هو معارض بأقوى منه. وقد جاءت أحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ تفيد أن الأمة تحد إذا زنت أحصنت أم لا (١). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، والأدلة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الأول، وهو أن الأمة تحد إذا زنت سواء أحصنت بزوج أم لا، وذلك لما يلي: أ-لأن أدلة هذا القول كثيرة وصحيحة، ثم منها ما هو نص صريح في المسألة، بخلاف أدلة القول الثاني؛ حيث إن بعضه محتمل لأكثر من معنى، وبعضه مختلف في رفعه ووقفه، ومثل هذا لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة (٢). ب- إن أدلة القول الأول تدل على جلد من أحصن ومن لم يحصن من الأرقاء إذا زنى، والآية الكريمة تدل على أن المحصنة تجلد إذا زنت، فحصل من الآية الكريمة والحديث بيان أن الآمة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد، وهو معنى ما خطب به علي ﵁ الناس. وإنما جاء التقييد في الآية بالإحصان لا

стр. 2379

للاحتراز من أن غير المحصنة لا تحد، بل للتنبيه على أن الأمة وإن كانت مزوجة لا يجب عليها إلا نصف جلد الحرة، لأنه الذي يتنصف. وأما الرجم فلا يتنصف، فكان التقييد في الآية لبيان هذا؛ لئلا يتوهم متوهم أن الأمة المزوجة ترجم (١). ج- إن حديث ابن عباس ﵁ إن صح مرفوعاً فيحتمل أنه كان أولاً، فيكون منسوخاً بالأحاديث التي تدل على إقامة الحد على من زنى من الرقيق سواء كان محصناً أم لا (٢). ثانياً: إنه لا يصح القول بنسخ ما يدل على أن الأمة غير المحصنة لا تحد، وذلك لعدم معرفة التاريخ، وتردد حديث ابن عباس ﵁ بين الرفع والوقف (٣). والله أعلم.

стр. 2380

المطلب السادس: إقامة الحد على من زنا بجارية امرأته ذهب بعض أهل العلم إلى أن من وقع على جارية امرأته فإنه يرجم، وأن ما يدل على ترك إقامة الحد عليه، فإنه قد نسخ (١). وممن قال بنحو هذا: الطحاوي (٢)، والبيهقي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤). وروي عن علي ﵁ ما يدل عليه (٥). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٦). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن سلمة بن المُحَبِّق ﵁ أن رسول الله ﷺ قضى في رجل وقع على جارية امرأته: «إن كان استكرهها فهي حرة، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلها» (٧).

стр. 2381

وفي رواية عنه ﵁: (أن رسول الله ﷺ رفع إليه رجل وطئ جارية امرأته فلم يحده) (١). وفي رواية أخرى عنه ﵁ أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ كان لا يزال

стр. 2382

يسافر ويغزو، وإن امرأته بعثت معه جارية لها، فقالت: تغسل رأسك وتخدمك، وتحفظ رحلك، ولم تجعلها له، وأنه طال سفره في وجهه ذلك، فوقع بالجارية، فلما قفل أخبرت الجارية مولاتها بذلك، فغارت غيرة شديدة وغضبت، فأتت رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنع، فقال لها رسول الله ﷺ : «إن كان استكرهها فهي عتيقة، وعليه مثلها، وإن كان أتاها عن طيبة نفس منها ورضى، فهي له، وعليه مثل ثمنها لك، ولم يقم فيه حداً» (١). ثانياً: عن ابن مسعود ﵁ قال: (إن كان استكرهها عتقت، وغرم لها مثلها، وإن كانت طاوعته أمسكها هو، وغرم لها مثلها) (٢). ثالثاً: عن النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في رجل وقع بجارية امرأته: «إن كانت أحلتها له فاجلده مائة، وإن لم تكن أحلتها له، فارجمه» (٣).

стр. 2383

رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسولَ الله ﷺ وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه. فتنحّى تلقاء وجهه، فقال له: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ ، فقال: «أبك جنون؟» قال: لا. قال: «فهل أحصنت؟» قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : «اذهبوا به فارجموه» (١). خامساً: عن عمران بن الحصين ﵁ أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ ، وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله، أصبت حداً فأقمه عليّ، فدعا نبي

стр. 2384

الله ﷺ وليها، فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها» ففعل، فأمر بها نبي الله ﷺ فشُكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت) الحديث (١). سادساً: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : (إن الله قد بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف) (٢). سابعاً: عن ابن سيرين قال: قال علي ﵁: (لو أُتيت به لرجمته، يعني الذي يقع على جارية امرأته، إن ابن مسعود لا يدري ما حدث بعده) (٣). ويستدل منها على النسخ: بالوجهين التاليين: أ- إن حديث سلمة بن المحبق ﵁ يدل على أن من زنى بجارية امرأته فإنه لا يحد، ويؤيده ما روي عن ابن مسعود ﵁، وحديث النعمان بن بشير ﵁ يدل على أن من زنى بجارية امرأته فإنه يرجم إذا لم تحلها له، فيكون حديث النعمان ﵁ ناسخاً لحديث سلمة

стр. 2385

بن المحبق؛ لتأخره عليه؛ لأن حديث سلمة فيه عقوبة مالية لمن زنى بجارية امرأته، والعقوبة بالمال كانت في أول الإسلام، ثم نسخت، فلا تجب العقوبات في الأموال بانتهاك الحرمات لم يأخذ فيها مالاً. فثبت نسخ ما يدل عليه حديث سلمة بحديث النعمان بن بشير ﵁ (١). ب- إن حديث سلمة بن المحبق ﵁ يدل على أن من زنى بجارية امرأته فإنه لا يحد، ويؤيده ما روي عن ابن مسعود ﵁، لكن كان هذا قبل نزول الحدود، يدل عليه ما روي عن علي ﵁، فيكون حديث سلمة منسوخاً بالأحاديث التي تدل على رجم من زنى إذا كان محصناً، منها حديث النعمان بن بشير، وأبي هريرة، وعمران بن حصين، وعمر بن الخطاب-﵃ (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد ذهب جمهور أهل العلم-وذكر بعضهم أنه إجماع- إلى أنه يرجم من زنى بجارية امرأته، إلا أن يدعي شبهة؛ وذلك للأحاديث التي تدل على رجم من زنى إذا كان محصناً، وقد سبق ذكر بعضها في دليل القول بالنسخ (٣).
следующие страницы →