← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وفي رواية عنه ﵁: (أن رسول الله ﷺ رفع إليه رجل وطئ جارية امرأته فلم يحده) (١). وفي رواية أخرى عنه ﵁ أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ كان لا يزال

стр. 2382

يسافر ويغزو، وإن امرأته بعثت معه جارية لها، فقالت: تغسل رأسك وتخدمك، وتحفظ رحلك، ولم تجعلها له، وأنه طال سفره في وجهه ذلك، فوقع بالجارية، فلما قفل أخبرت الجارية مولاتها بذلك، فغارت غيرة شديدة وغضبت، فأتت رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنع، فقال لها رسول الله ﷺ : «إن كان استكرهها فهي عتيقة، وعليه مثلها، وإن كان أتاها عن طيبة نفس منها ورضى، فهي له، وعليه مثل ثمنها لك، ولم يقم فيه حداً» (١). ثانياً: عن ابن مسعود ﵁ قال: (إن كان استكرهها عتقت، وغرم لها مثلها، وإن كانت طاوعته أمسكها هو، وغرم لها مثلها) (٢). ثالثاً: عن النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في رجل وقع بجارية امرأته: «إن كانت أحلتها له فاجلده مائة، وإن لم تكن أحلتها له، فارجمه» (٣).

стр. 2383

رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسولَ الله ﷺ وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه. فتنحّى تلقاء وجهه، فقال له: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ ، فقال: «أبك جنون؟» قال: لا. قال: «فهل أحصنت؟» قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : «اذهبوا به فارجموه» (١). خامساً: عن عمران بن الحصين ﵁ أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ ، وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله، أصبت حداً فأقمه عليّ، فدعا نبي

стр. 2384

الله ﷺ وليها، فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها» ففعل، فأمر بها نبي الله ﷺ فشُكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت) الحديث (١). سادساً: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : (إن الله قد بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف) (٢). سابعاً: عن ابن سيرين قال: قال علي ﵁: (لو أُتيت به لرجمته، يعني الذي يقع على جارية امرأته، إن ابن مسعود لا يدري ما حدث بعده) (٣). ويستدل منها على النسخ: بالوجهين التاليين: أ- إن حديث سلمة بن المحبق ﵁ يدل على أن من زنى بجارية امرأته فإنه لا يحد، ويؤيده ما روي عن ابن مسعود ﵁، وحديث النعمان بن بشير ﵁ يدل على أن من زنى بجارية امرأته فإنه يرجم إذا لم تحلها له، فيكون حديث النعمان ﵁ ناسخاً لحديث سلمة

стр. 2385

بن المحبق؛ لتأخره عليه؛ لأن حديث سلمة فيه عقوبة مالية لمن زنى بجارية امرأته، والعقوبة بالمال كانت في أول الإسلام، ثم نسخت، فلا تجب العقوبات في الأموال بانتهاك الحرمات لم يأخذ فيها مالاً. فثبت نسخ ما يدل عليه حديث سلمة بحديث النعمان بن بشير ﵁ (١). ب- إن حديث سلمة بن المحبق ﵁ يدل على أن من زنى بجارية امرأته فإنه لا يحد، ويؤيده ما روي عن ابن مسعود ﵁، لكن كان هذا قبل نزول الحدود، يدل عليه ما روي عن علي ﵁، فيكون حديث سلمة منسوخاً بالأحاديث التي تدل على رجم من زنى إذا كان محصناً، منها حديث النعمان بن بشير، وأبي هريرة، وعمران بن حصين، وعمر بن الخطاب-﵃ (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد ذهب جمهور أهل العلم-وذكر بعضهم أنه إجماع- إلى أنه يرجم من زنى بجارية امرأته، إلا أن يدعي شبهة؛ وذلك للأحاديث التي تدل على رجم من زنى إذا كان محصناً، وقد سبق ذكر بعضها في دليل القول بالنسخ (٣).

стр. 2386

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا حد عليه (١)، وروي ذلك عن ابن مسعود ﵁ و الزهري، والحسن (٢). وذلك لحديث سلمة بن المحبق، وما روي عن ابن مسعود ﵁، وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ. والراجح هو القول الأول، وذلك لما يلي: أولاً: لأن أدلة هذا القول كثيرة وصحيحة بلا خلاف، أما حديث سلمة بن المحبق ﵁ فمتكلم فيه، فلا يقوى على معارضة تلك الأحاديث (٣). ثانياً: إن حديث سلمة بن المحبق ﵁ إن صح فإنه يكون منسوخاً بما يعارضه؛ لوجود ما يدل على تأخر تلك الأحاديث عليه، كما سبق ذكره. والله أعلم.

стр. 2387

المطلب السابع: إقامة حد الرجم على أهل الذمة . ذهب بعض أهل العلم إلى أن أهل الذمة لا يقام عليهم حد الرجم في الزنا؛ لأن الإحصان من شروط الرجم، وغير المسلم لا يكون محصناً، وأن ما يدل على رجم غير المسلمين في حد الزنا فإنه قد نسخ. وممن قال بنحو هذا: الطحاوي (١)، والمرغناني (٢). ونسبه ابن حجر إلى المالكية، ومعظم الحنفية (٣). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة. كما أن الاختلاف في كون الإسلام من شروط الإحصان، سبب آخر للاختلاف فيها (٤). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٥). ثانياً: عن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ أُتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله ﷺ حتى جاء يهود. فقال: «ما

стр. 2388

تجدون في التوراة على من زنى؟» قالوا: نسود وجوههما، ونحملهما، ونخالف بين وجوههما، ويُطاف بهما. قال: «فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين» فجاؤوا بها فقرؤوها، حتى إذا مروا بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام (١)، وهو مع رسول الله ﷺ : مره فليرفع يده. فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما) (٢). وفي رواية عنه ﵁: أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: «كيف تفعلون بمن زنى منكم؟» قالوا: نحممهما ونضربهما، فقال: «لا تجدون في التوراة الرجم؟» فقالوا: لا نجد فيها شيئاً، فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم، فنزع يده عن آية الرجم فقال: ما هذا؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما فرجما قريباً من حيث موضع الجنائز عند المسجد (٣).

стр. 2389

ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (١). رابعاً: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢). خامساً: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (٣). سادساً: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : (إن الله قد بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف) (٤).

стр. 2390

سابعاً: عن ابن عباس-﵄ في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ الآية [السناء: ١٥]. قال: كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، وفي قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [السناء: ١٦] قال: كان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير، وضرب النعال، فأنزل الله بعد هذا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله ﷺ ، وهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما) (١). ثامناً: عن ابن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أشرك بالله فليس بمحصن» (٢).

стр. 2391

تاسعاً: عن كعب بن مالك ﵁ أنه أراد أن يتزوج يهودية أو نصرانية، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فنهاه عنها، وقال: «إنها لا تحصنك» (١).

стр. 2392

ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن عمر ﵁ يدل على إقامة حد الرجم على من زنى من أهل الذمة، لكن كان هذا بحكم التوراة، وكان النبي ﷺ أمر باتباع من قبله من الرسل فيما لم يوح إليه، كما يدل عليه آية سورة الأنعام، فكان حكم النبي ﷺ برجم اليهوديين على وفق التوراة، وكان ذلك قبل نزول الحدود في الإسلام، ثم نسخ الله تعالى حكم التوراة فأمر بحبس الزانيين وإيذائهما، سواء من أحصن أو لم يحصن، كما يدل عليه آية سورة النساء، ثم نسخ الله ذلك فجعل الحد على من زنى الجلد مائة ونفي سنة، إذا لم يحصن، والرجم على من أحصن. كما يدل عليه آية سورة النور، وحديث عبادة، وعمر، وابن عباس-﵃ وجعل من شرط الإحصان الإسلام، كما يدل عليه حديث ابن عمر، وكعب بن مالك-﵃. فثبت من هذا كله أن أهل الذمة لا يقام عليهم حد الرجم؛ لأنهم ليسوا محصنين، وأن ما يدل على رجمهم في حد الزنى فإنه قد نسخ (١). واعترض عليه: بما يلي: أ-أنه يلزم من هذا أن يكون الرجم شُرع في أول الإسلام، ثم نسخ

стр. 2393

ذلك بالجلد، ثم نسخ الجلد بالرجم، وهذا لم يقل به أحد (١). ب- أنه جاء في حديث عبد الله بن الحارث بن جزء أنه حضر الواقعة أي رجم اليهوديين؛ حيث قال: (أن اليهود أتوا رسول الله ﷺ بيهودي ويهودية زنيا وقد أحصنا، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. قال عبد الله بن الحارث: فكنت أنا فيمن رجمهما) (٢). وعبد الله بن الحارث إنما قدم مع أبيه مسلماً بعد فتح مكة. وهذا ينافي القول بالنسخ، لأن حد الزنا شرع قبل ذلك (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في رجم من زنى من أهل الذمة إذا كان ثيباً، ورفعوا الحكم إلى حاكم مسلم على قولين:

стр. 2394

القول الأول: لا يرجم. وهو مذهب الحنفية (١)، .......................................................... والمالكية (٢)، وقول عطاء، والنخعي، والشعبي، ومجاهد، و الثوري (٣). القول الثاني: أنه يرجم. وهو قول أبي يوسف من الحنفية (٤)، ومذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وقول الزهري (٧). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أن أهل الذمة لا يرجمون في حد الزنى- بما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث ابن عمر، وكعب بن مالك

стр. 2395

-﵃؛ فإنهما يدلان على أن غير المسلم لا يكون محصناً، والإحصان من شرط الرجم (١). واعترض عليه: بأن حديث كعب بن مالك ﵁ غير صحيح فلا تقوم به الحجة (٢). أما حديث ابن عمر ﵁ فاختلف في رفعه ووقفه، ثم يحتمل أن يكون المراد به الإحصان في القذف؛ لذلك فهو لا يقوى على معارضة ما صح وثبت من النبي ﷺ في رجم اليهوديين الزانيين المحصنين (٣). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو رجم من زنى من أهل الذمة إذا كان محصناً- بما يلي: أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث ابن عمر ﵁ والذي فيه رجم النبي ﷺ لليهوديين الزانيين. ثانياً: عن البراء بن عازب ﵁ قال: مُرّ على النبي ﷺ بيهودي محَمّماً مجلوداً، فدعاهم ﷺ فقال: «هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: «أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على

стр. 2396

موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» قال: لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه» فأمر به فرجم. فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١]. يقول: ائتوا محمداً ﷺ فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. في الكفار كلها (١). ثالثاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ يقول: (رجم النبي ﷺ رجلاً من أسلم، ورجلاً من اليهود، وامرأته) (٢). رابعاً: ما سبق ذكره من حديث عبد الله بن الحارث ﵁: (أن اليهود أتوا رسول الله ﷺ بيهودي ويهودية زنيا وقد أحصنا، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. قال عبد

стр. 2397

الله بن الحارث: فكنت أنا فيمن رجمهما). خامساً: عن ابن عباس ﵁ قال: (أُتي رسول الله ﷺ بيهودي ويهودية قد زنيا، وقد أحصنا، فسألوه أن يحكم فيهما، فحكم فيهما بالرجم، فرجمهما في قبل المسجد في بني غنم، فلما وجد مس الحجارة قام إلى صاحبته فحنى عليها ليقيها مس الحجارة، وكان مما صنع الله لرسوله ﷺ قيامه إليها ليقيها الحجارة) (١). فهذه الأدلة تدل على رجم اليهود وأهل الذمة من زنى منهم إذا كان قد أحصن، كما تدل على أن الإسلام ليس من شرط الإحصان، لذلك أطلق على اليهودَين الذَين رُجما أنهما قد أحصنا، كما في حديث عبد الله بن الحارث، وحديث ابن عباس ﵃-مع أنهما لم يكونا مسلمين (٢). واعترض عليه: بأن النبي ﷺ رجمهما بحكم التوراة، وكان ذلك قبل نزول الحدود، فيكون ذلك مما نسخ (٣).

стр. 2398

وأجيب عنه بما يلي: أ- ما سبق من الاعتراض على دعوى النسخ. ب- إن الله أمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما أنزل الله، وإنما جاء القوم سائلين عن الحكم عنده ﷺ ، فأشار عليهم النبي ﷺ بما كتموه من حكم التوراة، وليس يجوز أن يكون حكم الإسلام عنده مخالفاً لذلك، لأنه لا يجوز الحكم بالمنسوخ، فدل أنه إنما حكم بالناسخ (١). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الثاني، وذلك لما يلي: أ- لأن أدلة هذا القول أكثرها صحيحة، ثم هي صريحة في رجم الزانيين المحصنين من اليهود، بخلاف أدلة القول الأول؛ حيث لا يصح منها إلا رواية ابن عمر ﵁، وهو قد اختلف في رفعه ووقفه، ثم يحتمل أكثر من احتمال، كما سبق ذكره. ب- إن رجم النبي ﷺ للزانيين من اليهود إما أن يكون بحكم التوراة، أو يكون بحكم شريعة الإسلام، فإن كان بحكم التوراة فقد جاء شريعة الإسلام موافقاً له وهو رجم الزاني المحصن، وإن كان الرجم بحكم شريعة الإسلام تحقق المدعى.

стр. 2399

ثانياً: إنه لا يصح دعوى نسخ رجم النبي ﷺ للزانيين المحصنين من اليهود، وذلك لما يلي: أ-لأنه لا يوجد دليل صحيح صريح يدل على ذلك، وكل ما ذكر فهو احتمال، ثم يوجد من الأدلة ما يدل على تأخر رجمهم حتى بعد نزول الحدود (١). ب- إن رجم اليهوديين الزانيين، جاء فيه روايات كثيرة، ويثبت من مجموعها تعدد واقعة الرجم، وأن بعضها إن كان حصل في أول الهجرة، فإن بعضها الآخر حصل متأخراً حتى بعد فتح مكة، وهو مما يبطل دعوى النسخ (٢). والله أعلم.

стр. 2400

المطلب الثامن: قتل شارب الخمر بعد المرة الرابعة . ذهب أكثر أهل العلم إلى أن شارب الخمر يجلد كلما شرب الخمر (١)، ولا يقتل، وأن الأحاديث الواردة في قتله إذا شربها المرة الرابعة قد نسخت (٢). وممن صرح بالنسخ: الإمام الشافعي (٣)، والترمذي (٤)، والطحاوي (٥)، والحازمي (٦)، وأبو حامد الرازي (٧)، وأبو إسحاق الجعبري (٨)، وابن حجر (٩). ويتبين منه ومما يأتي من الأدلة: أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة شيئان: القول بالنسخ، واختلاف الآثار الواردة فيها (١٠).

стр. 2401

ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه» (١). ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه» (٢).

стр. 2402

ثالثاً: عن ابن عمر-﵄-ونفر من أصحاب محمد ﷺ ، قالوا: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه» (١). رابعاً: عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الخمر إذا شربوها فاجلدوهم، ثم إذا شربوها فاجلدوهم، ثم إذا شربوها فاجلدوهم، ثم إذا شربوها فاقتلوهم عند الرابعة» (٢). خامساً: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً على عهد النبي ﷺ كان اسمه

стр. 2403

عبد الله (١)، وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأُتي به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به. فقال النبي ﷺ : «لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله» (٢). وعن زيد ين أسلم، قال: أُتي بابن النعيمان إلى النبي ﷺ مراراً، أكثر من أربع، فجلده في كل ذلك، فقال رجل عند النبي ﷺ : اللهم العنه ما أكثر ما يشرب، وما أكثر ما يجلد، فقال النبي ﷺ : «لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله» (٣). سادساً: عن قبيصة بن ذؤيب (٤)، أن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، ثم عاد-في الثالثة أو الرابعة- فاقتلوه» فأُتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم

стр. 2404

أتي به فجلده، ورفع القتل، وكانت رخصة (١). سابعاً: عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن

стр. 2405

عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه» قال فثبت الجلد ودرئ القتل (١). وفي رواية عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه» قال: وضرب رسول الله ﷺ النعيمان (٢)، أربع مرات، قال: فرأى المسلمون أن الحد وقع حين ضرب رسول الله ﷺ أربع مرات) (٣). ثامناً: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (٤). تاسعاً: عن عائشة أم المؤمنين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلماً

стр. 2406

متعمداً، ورجل يخرج من الإسلام، فيحارب الله- -ورسوله، فيقتل أو يصلب، أو ينفى من الأرض» (١). ويستدل منها على النسخ: بأن الأحاديث الأربعة الأولى تدل على قتل شارب الخمر إذا شربها المرة الرابعة، وحديث عمر، وقبيصة، وجابر-﵃-تدل على أنه إذا شربها المرة الرابعة فإنه يجلد، ولا يقتل، كما أن حديث ابن مسعود وعائشة-﵄-يدلان على أنه لا يجوز قتل المسلم بغير ثلاث خصال، وليس فيها القتل بشرب الخمر بعد المرة الرابعة؛ لذلك تكون الأحاديث الدالة على قتله إذا شربها المرة الرابعة، منسوخة بهذه الأحاديث؛ لأن حديث قبيصة وجابر-﵄-يدلان على أن جلده إذا شربها المرة الرابعة كان بعد الأمر بقتله، ويؤكد ذلك إجماع أهل العلم على أنه يجلد ولا يقتل (٢). هذا وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن شارب الخمر يجلد ولا يقتل ولو تكرر منه ذلك أكثر من أربع مرات، ونقل بعض أهل العلم أنه إجماع (٣).

стр. 2407

وذلك للأدلة التي سقت في دليل القول بالنسخ، والتي تدل على عدم قتله ولو شربها بعد المرة الرابعة (١). وذهب بعض أهل العلم، منهم ابن حزم، إلى أن شارب الخمر يقتل بعد المرة الرابعة (٢). وذلك للأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ، والتي تدل على قتل شارب الخمر بعد المرة الرابعة (٣). واعترض عليه: بأن تلك الأحاديث تدل على قتل شارب الخمر بعد المرة الرابعة، لكنها نسخت، كما سبق ذكره. والراجح بلا شك هو قول جمهور أهل العلم، وذلك لما صح وثبت من أن الأدلة التي تدل على قتل شارب الخمر بعد المرة الرابعة قد نسخت، وأن النبي ﷺ جلد شارب الخمر بعد المرة الرابعة ولم يقتله، كما سبق بيانه. وقد عمل عمر ﵁ في خلافته بالناسخ؛ حيث إنه روي عنه أنه في خلافته جلد شارب الخمر بعد المرة الرابعة ولم يقتله، فعن قبيصة بن ذؤيب،

стр. 2408

عن النبي ﷺ ضرب رجلاً في الخمر أربع مرات، وأن عمر ضرب أبا محجن الثقفي (١)، في الخمر ثمان مرات) (٢). وهذا كذلك مما يؤكد القول بالنسخ. والله أعلم.

стр. 2409

المطلب التاسع: قطع جاحد العارية ذهب ابن الهمام إلى أن ما يدل على قطع يد جاحد العارية فإنه قد نسخ؛ لذلك لا يقطع يد من جحد العارية (١). وليس للقول بالنسخ أي أثر في اختلاف أهل العلم في المسألة، وإنما السبب في اختلافهم فيها هو مخالفة حديث قطع جاحد العارية للأصول، وهل كان قطع النبي ﷺ يد جاحد العارية لجحد العارية أم للسرقة؟ (٢). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عائشة-﵂ قالت: (كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها. فأتي أهلها أسامة بن زيد فكلموه، فكلم رسول الله ﷺ فيها) الحديث (٣). وفي رواية عنها-﵂ قالت: (استعارت امرأة-تعني حلياً- على ألسنة ناس يعرفون، ولا تعرف هي، فباعته، فأخذت، فأُتي بها رسول الله ﷺ فأمر بقطع يدها، وهي التي شفع فيها أسامة بن زيد، وقال فيها رسول الله ﷺ ما قال) (٤).

стр. 2410

ثانياً: عن ابن عمر ﵁ (أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي بها فقطعت يدها) (١). ثالثاً: عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس على خائن (٢)، ولا منتهب (٣)، ولا مختلس (٤) قطع» (٥).

стр. 2411

رابعاً: عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليس على منتهب، ولا مختلس، ولا خائن قطع» (١). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عائشة وابن عمر-﵃-يدلان على قطع يد من جحد العارية، وحديث جابر وأنس- ﵄-يدلان على عدم قطع يد الخائن، والمختلس والمنتهب. وجاحد العارية خائن، فلا يقطع يده، فيكون ما يدل على عدم قطع يد الخائن والمختلس ناسخاً لما يدل على قطع يد جاحد العارية (٢).

стр. 2412

واعترض عليه: بأنه لا يوجد ما يدل على تأخر حديث جابر وأنس-﵄ على حديث عائشة وابن عمر-﵃-حتى يكون حديثهما ناسخاً لحديثهما، والنسخ لا بد فيه من تأخر الناسخ. كما أن ما يدل على قطع يد جاحد العارية خاص، وما يدل على عدم قطع يد الخائن عام، والجمع بين الخاص والعام ممكن بحمل العام على ما عدا محل الخصوص. والنسخ إنما يصار إليه عند تعذر الجمع (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في قطع يد من جحد العارية على قولين: القول الأول: لا تقطع يد من جحد العارية. وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥)، وقول جمهور أهل العلم (٦).

стр. 2413

القول الثاني: تقطع يد من جحد العارية. وهو مذهب الحنابلة (١)، وقول إسحاق بن راهوية، واختيار ابن حزم (٢). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو عدم قطع جاحد العارية- بما يلي: أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث جابر وأنس ﵄-فإنهما يدلان على أنه لا قطع على خائن، وجاحد العارية خائن، وليس بسارق (٣)؛ لأن السرقة هي: أخذ المال على وجه الخفية والاستتار (٤). ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥). ثالثاً: عن عائشة ﵂ أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم رسول الله ﷺ ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب

стр. 2414

رسول الله ﷺ ؟ فكلم رسول الله ﷺ فقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟» ثم قام فخطب، فقال: «يا أيها الناس، إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» (١). وفي رواية عنها-﵂ أن قريشاً أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله ﷺ . فأُتي بها رسول الله ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ ، فقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟» فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشيّ قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها (٢).

стр. 2415

وفي رواية أخرى عنها-﵂ قالت: استعارت امرأة على ألسنة أناس يعرفون، وهي لا تعرف، حليّاً فباعته، وأخذت ثمنه، فأُتي بها رسول الله ﷺ ، فسعى أهلها إلى أسامة بن زيد، فكلم رسول الله ﷺ فيها، فتلون وجه رسول الله ﷺ وهو يكلمه،، ثم قال له رسول الله ﷺ : «أتشفع في حد من حدود الله؟» فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، ثم قام رسول الله ﷺ عشيتئذ، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد فإنما هلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف فيهم تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (١). رابعاً: عن جابر ﵁ أن امرأة من بني مخزوم سرقت، فأُتي بها النبي ﷺ فعاذت بأم سلمة زوج النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «والله لو كانت فاطمة لقطعت يدها» فقطعت (٢). ووجه الاستدلال منها: أن الكتاب والسنة، تدلان على قطع يد السارق، وجاحد العارية ليس بسارق، فلا يقطع يده، والأحاديث التي جاء

стр. 2416

فيها قطع يد جاحد العارية فإن القطع فيها كان بالسرقة، وإنما ذكر معها جحود العارية لأن تلك المرأة كانت موصوفة ومشهورة به، لا لكون القطع كان بجحد العارية، ويؤيده الروايات الأخرى، كما يؤيده أن النبي ﷺ ذكر السرقة في تلك الأحاديث فقال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». فدل ذلك أن القطع كان بسبب السرقة لا بجحد العارية (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن من جحد العارية فإنه تقطع يده- بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديثي عائشة وابن عمر-﵄؛ حيث جاء في حديثيهما أن النبي ﷺ قطع يد المرأة التي جحدت العارية (٢). واعترض عليه: بأن قطع يدها كان للسرقة كما دل عليه الروايات الأخرى، لا لجحدها العارية، كما سبق ذكره. الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الأول، وهو عدم قطع يد من جحد

стр. 2417

العارية، وذلك لأن الأحاديث التي جاء فيها ذكر قطع يد من جحد العارية وإن كانت صريحة في ذلك، إلا أنه يظهر من جمع طرق هذه الأحاديث ما يدل على أن القطع كان بسبب السرقة، وأن تلك المرأة كانت تجحد العارية ومع ذلك قد سرقت، فقطع النبي ﷺ يدها بالسرقة، وأن بعض الرواة رووا الحديث مختصراً على ذكر جحد العارية، لذلك أوهم بعض أهل العلم بأن القطع كان بجحد العارية، وأن القطع كان لامرأتين إحداهما بالسرقة، والأخرى بجحد العارية (١). ثانياً: إن القول بنسخ ما يستدل منه على قطع جاحد العارية غير صحيح؛ لأمرين: الأول- لما سبق أن القطع كان بسبب السرقة لا بجحد العارية، وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون هناك قطع بجحد العارية وبالتالي لا يقال بنسخه. الثاني: أنه لا يوجد ما يدل على تأخر ما استدل منه على النسخ، على ما استدل منه على قطع اليد بجحد العارية، والنسخ لا بد فيه من دليل يدل على تأخر الناسخ. والله أعلم.

стр. 2418

المطلب العاشر: قتل السارق بعد المرة الرابعة ذهب بعض أهل العلم إلى أن من سرق بعد المرة الرابعة فإنه يعزر ولا يقتل. وأن ما يدل على قتله بعد المرة الرابعة فإنه قد نسخ. وممن صرح بالنسخ: محمد بن المنكدر (١)، والإمام الشافعي (٢). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن الاختلاف في صحة ما ورد في ذلك سبب آخر للاختلاف فيها (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: جيء بسارق إلى النبي ﷺ فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق! فقال: «اقطعوه»، قال: فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق! فقال: «اقطعوه»، قال: فقطع. ثم جيء به الثالثة، فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق! فقال: «اقطعوه»، ثم أُتي به الرابعة، فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق! قال: «اقطعوه»، فأتي به الخامسة، فقال: «اقتلوه». قال جابر: فانطلقنا به

стр. 2419

فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة (١). ثانياً: عن الحارث بن حاطب (٢)، أن رسول الله ﷺ أُتي بلص، فقال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله إنما سرق! فقال: «اقتلوه»، قالوا: يا رسول الله إنما سرق! قال: «اقطعوه»، قال: ثم سرق فقطعت رجله،، ثم سرق على عهد أبي بكر ﵁ حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضاَ الخامسة، فقال أبو بكر ﵁: كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال: «اقتلوه»، ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه، منهم عبد الله بن الزبير-وكان يحب الإمارة-فقال: أمروني عليكم، فأمروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه، حتى قتلوه (٣).

стр. 2420

ثالثاً: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (١). رابعاً: عن عائشة أم المؤمنين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلماً متعمداً، ورجل يخرج من الإسلام، فيحارب الله- -ورسوله، فيقتل أو يصلب، أو ينفى من الأرض» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن الحديث الأول والثاني، يدلان على قتل السارق إذا سرق بعد المرة الرابعة، وتدل أحاديث كثيرة منها الحديث الثالث
следующие страницы →