فيها قطع يد جاحد العارية فإن القطع فيها كان بالسرقة، وإنما ذكر معها جحود العارية لأن تلك المرأة كانت موصوفة ومشهورة به، لا لكون القطع كان بجحد العارية، ويؤيده الروايات الأخرى، كما يؤيده أن النبي ﷺ ذكر السرقة في تلك الأحاديث فقال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». فدل ذلك أن القطع كان بسبب السرقة لا بجحد العارية (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن من جحد العارية فإنه تقطع يده- بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديثي عائشة وابن عمر-﵄؛ حيث جاء في حديثيهما أن النبي ﷺ قطع يد المرأة التي جحدت العارية (٢).
واعترض عليه: بأن قطع يدها كان للسرقة كما دل عليه الروايات الأخرى، لا لجحدها العارية، كما سبق ذكره.
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الأول، وهو عدم قطع يد من جحد
стр. 2417
العارية، وذلك لأن الأحاديث التي جاء فيها ذكر قطع يد من جحد العارية وإن كانت صريحة في ذلك، إلا أنه يظهر من جمع طرق هذه الأحاديث ما يدل على أن القطع كان بسبب السرقة، وأن تلك المرأة كانت تجحد العارية ومع ذلك قد سرقت، فقطع النبي ﷺ يدها بالسرقة، وأن بعض الرواة رووا الحديث مختصراً على ذكر جحد العارية، لذلك أوهم بعض أهل العلم بأن القطع كان بجحد العارية، وأن القطع كان لامرأتين إحداهما بالسرقة، والأخرى بجحد العارية (١).
ثانياً: إن القول بنسخ ما يستدل منه على قطع جاحد العارية غير صحيح؛ لأمرين:
الأول- لما سبق أن القطع كان بسبب السرقة لا بجحد العارية، وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون هناك قطع بجحد العارية وبالتالي لا يقال بنسخه.
الثاني: أنه لا يوجد ما يدل على تأخر ما استدل منه على النسخ، على ما استدل منه على قطع اليد بجحد العارية، والنسخ لا بد فيه من دليل يدل على تأخر الناسخ.
والله أعلم.
стр. 2418
المطلب العاشر: قتل السارق بعد المرة الرابعة
ذهب بعض أهل العلم إلى أن من سرق بعد المرة الرابعة فإنه يعزر ولا يقتل. وأن ما يدل على قتله بعد المرة الرابعة فإنه قد نسخ.
وممن صرح بالنسخ: محمد بن المنكدر (١)، والإمام الشافعي (٢).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن الاختلاف في صحة ما ورد في ذلك سبب آخر للاختلاف فيها (٣).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: جيء بسارق إلى النبي ﷺ فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق! فقال: «اقطعوه»، قال: فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق! فقال: «اقطعوه»، قال: فقطع. ثم جيء به الثالثة، فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق! فقال: «اقطعوه»، ثم أُتي به الرابعة، فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق! قال: «اقطعوه»، فأتي به الخامسة، فقال: «اقتلوه». قال جابر: فانطلقنا به
стр. 2419
فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة (١).
ثانياً: عن الحارث بن حاطب (٢)، أن رسول الله ﷺ أُتي بلص، فقال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله إنما سرق! فقال: «اقتلوه»، قالوا: يا رسول الله إنما سرق! قال: «اقطعوه»، قال: ثم سرق فقطعت رجله،، ثم سرق على عهد أبي بكر ﵁ حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضاَ الخامسة، فقال أبو بكر ﵁: كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال: «اقتلوه»، ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه، منهم عبد الله بن الزبير-وكان يحب الإمارة-فقال: أمروني عليكم، فأمروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه، حتى قتلوه (٣).
стр. 2420
ثالثاً: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» (١).
رابعاً: عن عائشة أم المؤمنين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلماً متعمداً، ورجل يخرج من الإسلام، فيحارب الله- -ورسوله، فيقتل أو يصلب، أو ينفى من الأرض» (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن الحديث الأول والثاني، يدلان على قتل السارق إذا سرق بعد المرة الرابعة، وتدل أحاديث كثيرة منها الحديث الثالث
стр. 2421
والرابع، على أنه لا يقتل مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال، وليست السرقة بعد المرة الرابعة منها، فتكون هذان الحديثان وما في معناهما ناسخة لما يدل عليه الحديث الأول والثاني، ويؤيد ذلك إجماع أهل العلم على عدم قتل السارق بالسرقة ولو تكرر منه ذلك أكثر من أربع مرات (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، دليله.
وقد ذهب جمهور أهل العلم، وذكر بعضهم أنه إجماع، إلى عدم قتل السارق، تكرر منه ذلك أكثر من أربع مرات أم لا (٢).
وذلك للأحاديث الدالة على عدم قتل المسلم إلا بإحدى ثلاث خصال، وليس فيها القتل بالسرقة (٣).
ولما روى النعمان بن مرة (٤)، أن رسول الله ﷺ قال: «ما تقولون في
стр. 2422
الشارب، والزاني، والسارق؟» وذلك قبل أن تنزل الحدود، فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : «هن فواحش، وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق من صلاته» (١).
فهذا كذلك يعارض حديث قتل السارق إذا سرق بعد المرة الرابعة؛ حيث لم يذكر فيه القتل (٢).
أما ما ورد من الأحاديث مما يدل على قتله، فإن بعض أهل العلم لم يقل به لعدم صحته،
وبعضهم رأى ذلك منسوخاً، وبعضهم حمل ذلك على التعزير للمفسدين في الأرض إذا رأى الإمام ذلك، لا لأجل السرقة (٣).
وذهب بعض أهل العلم إلى قتل السارق إذا سرق المرة الخامسة (٤). وروي ذلك عن عثمان، وعمرو بن العاص-﵄، وعمر بن عبد العزيز (٥).
وذلك لما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث جابر، والحارث بن
стр. 2423
حاطب-﵄ (١).
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولاً: أن الراجح هو القول الأول، وهو عدم قتل السارق إذا سرق بعد المرة الرابعة، وذلك لما يلي:
أ- للأحاديث التي تدل على عدم جواز قتل المسلم إلا بإحدى ثلاث، وليس فيها ذكر القتل بالسرقة؛ فإن تلك الأحاديث بعمومها تشمل السارق إذا سرق المرة الخامسة، كما سبق ذكره.
ب- ولقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢). فإنه يدل على أن جزاء السارق القطع لا القتل؛ ولذلك روي عن علي ﵁ أنه أُتي برجل مقطوع اليد والرجل، قد سرق، فقال لأصحابه: (ما ترون في هذا؟ قالوا: اقطعه يا أمير المؤمنين. قال: قتلته إذاً، وما عليه القتل، بأي شيء يأكل الطعام؟ بأي شيء يتوضأ للصلاة؟ بأي شيء يغتسل من جنابته؟ بأي شيء يقوم على حاجته؟ فرده إلى السجن أياماً، ثم أخرجه فاستشار أصحابه، فقالوا مثل قولهم الأول، وقال لهم مثل ما قال أول مرة، فجلده
стр. 2424
جلداً شديداً، ثم أرسله) (١).
ج- ولأن ما استدل به على قتل السارق بعد المرة الخامسة، ضعفه غير واحد من أهل العلم (٢)، وعلى تقدير صحته، فإنه يحتمل احتمالات، منها:
١ - أن ذلك كان في أشخاص معينين قتلوا لأجل الفساد في الأرض، فقتلهم ليس من أجل السرقة، بل لفسادهم، فقتلوا تعزيراً، ويؤيد ذلك الأمر بقتله لما جيء به أول مرة (٣).
٢ - أنه كان أولاً ثم نسخ، كما سبق ذكره.
ومع هذه الاحتمالات يضعف الاستدلال منه على قتل السارق بعد المرة الخامسة.
ثانياً: إنه لا يوجد ما يصرح على نسخ ما استدل منه على قتل السارق بعد المرة الخامسة، لكنه محتمل على تقدير صحة تلك الأحاديث، وعلى تقدير أن المراد بها قتل السارق بعد المرة الخامسة، ويؤيد احتمال النسخ، ما هو شبه الإجماع على أنه لا يقتل السارق بعد المرة الخامسة (٤).
والله أعلم.
стр. 2425
المطلب الحادي عشر: التعزير بالعقوبات المالية
ذهب بعض أهل العلم إلى أن التعزير (١) بأخذ المال كان أولاً، ثم نسخ؛ لذلك لا يجوز التعزير بالعقوبات المالية.
وممن نُقل عنه القول بالنسخ، أو قال به: الإمام الشافعي (٢)، والطحاوي (٣)، والبيهقي (٤)، وأبو إسحاق الشيرازي (٥). ونقل بعض أهل العلم الإجماع عليه (٦).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن
стр. 2426
الاختلاف في المفهوم من الآثار الواردة فيها سبب آخر للاختلاف فيها (١).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن معاوية بن حيدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في كل سائمة إبل، في أربعين بنت لبون، لا يفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عَزْمة من عزمات ربنا ، ليس لآل محمد منها شيء» (٢).
ثانياً: عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا وجدتم الرجل قد غلَّ فأحرقوا متاعه واضربوه» (٣).
ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق (٤)، فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة (٥)، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين (٦)، فبلغ ثمن المجن (٧)، فعليه القطع، ومن سرق
стр. 2427
دون ذلك فعليه غرامة مثليه، والعقوبة» (١).
وفي رواية عنه ﵁ أن رجلاً من مزينة أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف ترى في حريسة الجبل (٢)؟ فقال: «هي، ومثلها، والنكال، وليس في شيء من الماشية قطع، إلا فيما آواه المراح، فبلغ ثمن المجن، ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن، ففيه غرامة مثليه، وجلدات نكال» قال: يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق؟ قال: «هو، ومثله معه، والنكال، وليس في شيء من الثمر المعلق قطع إلا فيما آواه الجرين، فما أُخذ من الجرين، فبلغ ثمن المجن ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن، ففيه غرامة مثليه، وجلدات نكال» (٣).
стр. 2428
رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في ضالة الإبل المكتومة: «غرامتها ومثلها معها» (١).
خامساً: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢).
سادساً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٣).
سابعاً: عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم» (٤).
ثامناً: عن أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٥).
تاسعاً: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجته: «ألا وإن المسلم أخو المسلم، لا يحل له دمه ولا شيء من ماله
стр. 2429
إلا بطيب نفسه، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد» (١).
عاشراً: عن طلحة بن عبيد الله ﵁ يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فإذا هو يسأله عن الإسلام، وفيه: قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق» (٢).
حادي عشر: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أديت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك» (٣).
ثاني عشر: عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شرّه» (٤).
ثالث عشر: عن فاطمة بن قيس-﵂ مرفوعاً: «ليس في المال حق سوى الزكاة» (٥).
ويستدل منها على النسخ: بأن الأحاديث الأربعة الأولى تدل على جواز التعزير بالمال؛ حيث يدل الحديث الأول على أخذ شطر مال مانع الزكاة. والحديث الثاني يدل على حرق متاع الغال. والحديث الثالث
стр. 2430
يدل على غرامة المثل مضاعفاً على من سرق حريسة الجبل أو ثمراً مما لا يوجب القطع. والحديث الرابع يدل كذلك على مضاعفة الغرامة على من كتم الإبل الضالة، فيثبت من مجموع هذه الأحاديث جواز التعزير والعقوبة بالمال.
وآيات الربا تدل على تحريم الربا وأخذ الزيادة على المثل، كما تدل الأحاديث الثلاثة المذكورة بعدها تدل على عدم حل أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه، فتكون آيات الربا و هذه الأحاديث ناسخة لما يدل عليه الأحاديث الأربعة الأولى؛ لأن هذه الأحاديث بعدها؛ لأن ما يدل على العقوبة بالمال كان قبل حجة الوداع، وفي حجة الوداع نهى النبي ﷺ عن أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه، كما يدل عليه حديث ابن عباس ﵁، كما أن تحريم الربا جاء متأخراً، فدل ذلك أن تحريم الربا والأحاديث التي تدل على النهي عن أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه متأخرة على الأحاديث التي تدل على جواز العقوبة بالمال، وناسخة لها؛ ولذلك لم يحرق النبي ﷺ متاع مدعم، وكركرة لما غلاّ، ولم يأخذ الصحابة-﵃-بعد وفاة النبي ﷺ شطر مال من منع الزكاة (١).
стр. 2431
كما تكون ما يدل عليه الأحاديث الأربعة الأولى من جواز العقوبة بالمال منسوخاً، بالأحاديث الأربعة الأخيرة؛ لأنها تدل على أنه ليس في المال حقاً سوى الزكاة، فهي تنافي ما يدل عليه الأحاديث الأربعة الأولى (١).
واعترض عليه: بأن نسخ العقوبة بالمال في بعض الصور لا يلزم منه نسخ العقوبة بالمال مطلقاً؛ لأنه لا يوجد دليل يدل على نسخه مطلقاً، ولذلك عمل الأئمة بالعقوبة بالمال بعد رسو الله ﷺ ، فقد روي أن أبا بكر وعمر-﵄ حرقا متاع الغال، فعن عبد الله بن عمرو ﵁: «أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه» (٢).
وأمر عمر وعلي ﵄ بتحريق المكان التي يباع فيه الخمر (٣).
كما أن التعزير والعقوبة بالمال راجع إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى الإمام المصلحة في التعزير به عزر، وإلا فلا، وترك الأئمة له بعض الأحيان للمصلحة التي يراها، لا يدل على نسخه (٤).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
стр. 2432
وقد اختلف أهل العلم في التعزير والعقوبة بالمال على قولين:
القول الأول: لا يجوز التعزير والعقوبة بالمال.
وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، ..............................................
وقول بعض المالكية (٣)، وجماعة من الحنابلة (٤).
القول الثاني: يجوز التعزير والعقوبة بالمال.
وهو قول أبي يوسف من الحنفية (٥)، وبعض المالكية (٦)، وبعض الحنابلة (٧).
стр. 2433
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو عدم جواز التعزير والعقوبة بالمال- بما سبق من الآيات والأحاديث في دليل القول بالنسخ، والتي تدل على تحريم الربا، وعدم حل أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه، وبالأحاديث التي تدل على أنه لا حق في المال سوى الزكاة.
قالوا: والأحاديث التي تدل على جواز التعزير والعقوبة بالمال فإنها قد نسخ (١).
وقد سبق ما اعترض به على وجه استدلال هذا القول.
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو جواز التعزير والعقوبة بالمال- بأدلة منها ما سبق في دليل القول بالنسخ، من أخذ شطر مال مانع الزكاة، وحرق متاع الغال، والغرامة مضاعفة في سرقة حريسة الجبل، والثمر التي لا قطع فيها.
قالوا: ويدل على جواز العمل به وعدم نسخه عمل الخلفاء به بعد
стр. 2434
رسول الله ﷺ (١).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- جواز التعزير والعقوبة بالمال، وعدم نسخه مطلقاً، وذلك لما يلي:
أولاً: لأنه وإن وجد نسخ التعزير والعقوبة بالمال في بعض الصور، فإنه لا يلزم منه نسخ ذلك مطلقاً، ولذلك عمل الخلفاء به بعد النبي ﷺ ، وهو مما يبطل دعوى نسخه مطلقاً (٢).
ثانياً: ولأنه لم يثبت عن النبي ﷺ شيء يقتضي أنه حرم جميع العقوبات المالية، وقد عمل الخلفاء وأكابر أصحابه بذلك بعد موته ﷺ وهو دليل على جوازه (٣).
ثالثاً: ولأن الأدلة التي استدل منها على نسخ التعزير والعقوبة بالمال مطلقاً، أدلة عامة، وما يدل على جواز التعزير والعقوبة بالمال، أدلة خاصة، والجمع بين العام والخاص ممكن، وذلك بحمل العام على ما عدا محل الخصوص. وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار إلى القول بالنسخ (٤).
والله أعلم.
стр. 2435
المطلب الثاني عشر: المثل مع الغرامة في ضالة الإبل المكتومة
ذهب بعض أهل العلم إلى أن من كتم ضالة الإبل فإنه يجب عليه غرامته فيرده إن كان موجوداً، وإلا فيرد مثله. وليس عليه مع الغرامة مثلها؛ لأن ذلك كان أولاً ثم نسخ.
وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (١)، والبيهقي (٢).
وتبين منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب اختلاف أهل العلم فيها (٣).
ويستدل للنسخ بما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في ضالة الإبل المكتومة: «غرامتها ومثلها معها» (٤).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٥).
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٦).
стр. 2436
رابعاً: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١).
خامساً: عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم» (٢).
سادساً: عن أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ
مسلم إلا بطيب نفس منه» (٣).
سابعاً: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجته: «ألا وإن المسلم أخو المسلم، لا يحل له دمه ولا شيء من ماله إلا بطيب نفسه، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد» (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أبي هريرة ﵁ يدل على أن من كتم ضالة الإبل، فإنه يلزمه غرامتها ومثلها معها، والآيات الثلاثة تدل على وجوب أخذ المثل وعدم جواز الزيادة والربا، والأحاديث الثلاثة بعدها تدل على عدم حل أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه، فتكون هذه الآيات والأحاديث ناسخة لوجوب المثل مع الغرامة في ضالة الإبل المكتومة، والذي
стр. 2437
يدل عليه حديث أبي هريرة ﵁؛ لأن حديث أبي هريرة ﵁ كان في وقت كان التعزير والعقوبة بالمال. وقد جاء تحريم الربا بعد ذلك، فردت الأشياء إلى أخذ المثل إذا كان مثلياً، وإلى أخذ القيمة إذا لم يوجد له المثل. كما أن حديث ابن عباس ﵁ الدال على تحريم أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه قاله ﷺ في حجة الوداع، وهو كذلك متأخر. فتكون آيات تحريم الربا، وكذلك الأحاديث الدالة على تحريم أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه، ناسخة لأخذ المثل مع الغرامة في ضالة الإبل المكتومة والمذكور في حديث أبي هريرة ﵁؛ لتأخرها عليه (١).
واعترض عليه: بأن الأدلة التي يستدل منها على نسخ أخذ المثل مع الغرامة في ضالة الإبل المكتومة أدلة عامة، وما يستدل منه على أخذ الغرامة مع المثل دليل خاص، والجمع بين الخاص والعام ممكن، كما سبق ذكره غير مرة.
ثم إن عمر ﵁ قد عمل على وفق الدليل الخاص، فهو مما يدل على أنه غير منسوخ، وأن
الإمام إذا رأى المصلحة في مضاعفة الغرامة تعزيراً فله أن يعمل به (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الغرامة مع المثل في ضالة الإبل المكتومة
стр. 2438
على قولين:
القول الأول: إنه يجب عليه الغرامة، وليس عليه مع ذلك مثل الغرامة.
وهو قول جمهور أهل العلم، منهم أصحاب المذاهب الأربعة (١).
القول الثاني: يجب على من كتم ضالة الإبل غرامتها ومثلها معها.
وهو رواية عن الإمام أحمد، واختيار بعض الحنابلة (٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو وجوب الغرامة فقط في ضالة الإبل المكتومة-بالآيات والأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ، والتي تدل على وجوب أخذ المثل، وعدم جواز أخذ الزيادة والربا، وعدم حل أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه (٣).
وقد سبق ما يعترض به على وجه الاستدلال من هذه الأدلة.
стр. 2439
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو وجوب الغرامة ومثلها معها في ضالة الإبل المكتومة- بما يلي:
أولاً: حديث أبي هريرة ﵁ الذي سبق في دليل القول بالنسخ، فإنه يدل على وجوب الغرامة ومعها مثلها.
ثانياً: عن يحي بن عبد الرحمن بن حاطب (١)، أن غلمة لأبيه عبد الرحمن بن حاطب (٢)، سرقوا بعيراً فانتحروه، فوجد عندهم جلده ورأسه، فرفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب، فأمر بقطعهم، فمكثوا ساعة، وما نرى إلا أن قد فرغ من قطعهم، ثم قال عمر: عليّ بهم، ثم قال لعبد الرحمن: والله إني لأراك تستعملهم ثم تجيعهم وتسيء إليهم، حتى لو وجدوا ما حرم الله عليهم لحل لهم، ثم قال لصاحب البعير: كم كنت تُعطى لبعيرك؟ قال: أربع مائة درهم، قال لعبد الرحمن: قم فاغرم لهم ثمان مائة درهم) (٣).
стр. 2440
فهذا عمر ﵁ قد غرم في سرقة الإبل مثلي قيمته (١).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الثاني، وذلك لأن أدلة هذا القول أدلة خاصة، وأدلة القول المعارض له أدلة عامة، والجمع بينهما ممكن بحمل العام على ما عدا محل الخصوص. ويؤيد ذلك عمل عمر ﵁ به بعد رسول الله ﷺ ، كما سبق بيانه.
ثانياً: إنه لا يصح القول بنسخ ما يدل على أخذ المثل مع الغرامة في ضالة الإبل المكتومة؛ وذلك لما يلي:
أ-لأن الجمع بين الأدلة التي يستدل منها على النسخ، وبين ما يعارضها ممكن، كما سبق
ذكره. وإذا أمكن الجمع بين الأدلة فإنه لا يصار معه إلى القول بالنسخ (٢).
ب- إن عمر ﵁ قد عمل على وفق ما يدل على أخذ المثل مع الغرامة في ضالة الإبل المكتومة، وهو مما يبطل القول بنسخه (٣).
والله أعلم.
стр. 2441
المطلب الثالث عشر: الغرامة بالمثلين في سرقة الثمر المعلق
ذهب بعض أهل العلم إلى أن من سرق من الثمر المعلق، فإنه يجب عليه الغرامة بالمثل، و ليس عليه غرامة مثليه؛ لأن ذلك كان أولاً ثم نسخ.
وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (١)، وابن عبد البر (٢)، والبيهقي (٣).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة (٤).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق، فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه، والعقوبة» (٥).
وفي رواية عنه ﵁ أن رجلاً من مزينة أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف ترى في حريسة الجبل؟ فقال: «هي، ومثلها، والنكال، وليس في
стр. 2442
شيء من الماشية قطع، إلا فيما آواه المراح، فبلغ ثمن المجن، ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن، ففيه غرامة مثليه، وجلدات نكال» قال: يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق؟ قال: «هو، ومثله معه، والنكال، وليس في شيء من الثمر المعلق قطع إلا فيما آواه الجرين، فما أُخذ من الجرين، فبلغ ثمن المجن ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن، ففيه غرامة مثليه، وجلدات نكال» (١).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢).
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٣).
رابعاً: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤).
خامساً: عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم» (٥).
سادساً: عن أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 2443
«لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (١).
سابعاً: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجته: «ألا وإن المسلم أخو المسلم، لا يحل له دمه ولا شيء من ماله إلا بطيب نفسه، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد» (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عبد الله بن عمر-﵄ يدل على أن من سرق من الثمر المعلق، فإن عليه غرامة مثليه. والآيات الثلاثة تدل على وجوب أخذ المثل وعدم جواز الزيادة والربا. والأحاديث الثلاثة بعدها تدل على عدم حل أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه، فتكون هذه الآيات والأحاديث ناسخة لوجوب أخذ المثلين في سرقة الثمر المعلق، والذي يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو ﵁؛ لأن حديثه كان في وقت كان التعزير والعقوبة بالمال. وقد جاء تحريم الربا بعد ذلك، فردت الأشياء إلى أخذ المثل إذا كان مثلياً، وإلى أخذ القيمة إذا لم يوجد له المثل. كما أن حديث ابن عباس ﵁ الدال على تحريم أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه قاله ﷺ في حجة الوداع، وهو كذلك متأخر. فتكون آيات تحريم الربا، وكذلك الأحاديث الدالة على تحريم أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه، ناسخة لأخذ المثلين في سرقة الثمر المعلق، والمذكور في حديث
стр. 2444
عبد الله بن عمرو ﵁؛
لتأخرها عليه (١).
واعترض عليه: بأن ما ذكر احتمال، والنسخ لا يثبت به (٢)، على أن الأدلة التي يستدل منها على نسخ أخذ المثلين في سرقة الثمر المعلق أدلة عامة، وما يستدل منه على أخذ المثلين، دليل خاص، والجمع بين الخاص والعام ممكن، كما سبق ذكره غير مرة.
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في أخذ المثلين في سرقة الثمر المعلق، على قولين:
القول الأول: إن من سرق من الثمر المعلق فإن عليه الغرامة بالمثل، وليس عليه الغرامة بالمثلين.
وهو قول جمهور أهل العلم، منهم الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥).
стр. 2445
القول الثاني: إن من سرق من الثمر المعلق فإن عليه الغرامة بالمثلين.
وهو مذهب الحنابلة (١).، وقول إسحاق بن راهوية (٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو وجوب المثل لا المثلين في سرقة الثمر المعلق-بالآيات والأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ، والتي تدل على وجوب أخذ المثل، وعدم
جواز أخذ الزيادة والربا، وعدم حل أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه (٣).
وقد سبق ما يعترض به على وجه الاستدلال من هذه الأدلة.
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو وجوب الغرامة بالمثلين في سرقة الثمر المعلق- بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عبد الله بن عمرو ﵁، فإنه يدل على وجوب الغرامة بالمثلين في سرقة الثمر المعلق (٤).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة يظهر لي-والله أعلم
стр. 2446
بالصواب-ما يلي:
أولاً: أن الراجح هو القول الثاني، وذلك لما يلي:
أ- لأن دليله نص صريح في المسألة، بخلاف أدلة القول المعارض له، فإنها أدلة عامة، وليست نصاً صريحاً فيها.
ب-ولأن دليل هذا القول دليل خاص، وأدلة القول المعارض له، أدلة عامة، والجمع بينهما ممكن بحمل العام على ما عدا محل الخصوص.
ثانياً: إنه لا يصح القول بنسخ ما يدل على أخذ المثلين في سرقة الثمر المعلق، وذلك لما يلي:
أ- لأن الجمع بين الأدلة التي يستدل منها على النسخ، وبين ما يعارضها ممكن، كما سبق ذكره. وإذا أمكن الجمع بين الأدلة فإنه لا يصار معه إلى القول بالنسخ (١).
ب- أنه لا يوجد ما يدل على النسخ، وما ذكر احتمال، والنسخ لا يثبت به، كما سبق ذكره.
والله أعلم.
стр. 2447
المطلب الرابع عشر: الجلد فوق عشرة أسواط في غير الحدود
ذهب بعض الحنفية (١)، وبعض الشافعية (٢)، إلى جواز الجلد في التعزير بأكثر من عشرة جلدات وأسواط، وأن الحديث الذي يدل على عدم جواز ذلك فإنه قد نسخ.
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف ما ورد فيها من الأحاديث والآثار سبب آخر للاختلاف فيها (٣).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن أبي بردة الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» (٤).
ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تعزروا فوق عشرة أسواط» (٥).
стр. 2448
ثالثاً: عن النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في رجل وقع بجارية امرأته: «إن كانت أحلتها له فاجلده مائة، وإن لم تكن أحلتها له، فارجمه» (١).
رابعاً: عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ضرب حداً في غير حد فهو من المعتدين» (٢).
خامساً: عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: (قتل رجل عبده عمداً متعمداً، فجلده رسول الله ﷺ مائة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين) (٣).
سادساً: عن ابن عباس-﵄ قال: جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: إن سيدي اتهمني فأقعدني على النار حتى احترق فرجي، فقال عمر ﵁: هل رأى ذلك عليك؟ قالت: لا. قال: فاعترفت له
стр. 2449
بشيء؟ قالت: لا. قال عمر ﵁ عليّ به، فلما رأى عمر ﵁ الرجل قال: أتعذب بعذاب الله؟ قال: يا أمير المؤمنين اتهمتها في نفسها، قال: رأيت ذلك عليها؟ قال الرجل: لا. قال: فاعترفت لك بذلك؟ قال: لا. قال: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يقاد مملوك من مالكه ولا ولد من والده» لأقدتها منك، فبرزه وضربه مائة سوط، ثم قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله، وأنت مولاة الله ورسوله (١).
سابعاً: عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: (ولا يبلغ بنكال فوق عشرين سوطاً) (٢).
ثامناً: عن علي ﵁: (أنه كان إذا وجد الرجل والمرأة في ثوب واحد، جلدهما مائة، كل إنسان منهما) (٣).
تاسعاً: عن ابن مسعود ﵁ أنه أتي برجل وجد مع امرأة في لحاف، فضرب كل واحد منهما أربعين سوطاً، وأقامهما للناس، فذهب أهل المرأة وأهل الرجل، فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر لابن مسعود: ما يقول هؤلاء؟ قال: قد فعلت ذلك. قال: أو رأيت ذلك؟ قال: نعم. قال:
стр. 2450
(نعمّا ما رأيت) فقالوا: أتيناه نستأديه، فإذا هو يسأله (١).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أبي بردة ﵁ يدل على أنه لا يجوز أن يضرب أحد فوق عشرة أسواط في غير الحدود، وحديث النعمان بن بشير ﵁ الثاني ظاهر في جواز الضرب أكثر من عشرة أسواط، في غير الحدود، ويدل عليه حديثه الأول كذلك؛ لأن جلد مائة لمن وطئ جارية امرأته بإذنها كان تعزيراً، وإلا لكان حقه الرجم لأنه محصن، فدل ذلك على جواز الضرب فوق عشرة أسواط في غير الحدود. كما يدل حديث عبد الله بن عمرو، وابن عباس ﵃-على جواز الضرب أكثر من عشرة أسواط في غير الحد؛ لأن النبي ﷺ إنما ضرب من قتل عبده مائة تعزيراً، لا أنه كان حده، كما أن عمر ﵁ ضرب من عذب جاريته بالنار، مائة تعزيراً، فيكون حديث النعمان بن بشير، وعبد الله بن عمرو-﵃ ناسخاً لحديث أبي بردة ﵁، ويؤيد ذلك إجماع الصحابة-﵃ وعملهم على خلاف حديث أبي بردة ﵁ من غير نكير؛ حيث إنهم جلدوا فوق عشرة أسواط في غير الحدود، كما دل عليه ما روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود-﵃، ولم ينكر ذلك عليهم أحد. فيكون ذلك
стр. 2451
دليلاً على جواز الضرب أكثر من عشرة أسواط في غير الحدود، وعلى نسخ ما يدل على عدم جواز أن يضرب أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى (١).
واعترض عليه: بأنه لا إجماع في المسألة، وآثار الصحابة-﵃-في مقدار جلدات التعزير مختلفة، وحديث أبي بردة ﵁ أقوى مما يعارضه، لذلك يكون القول بنسخه غير صحيح (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الضرب أكثر من عشرة أسواط في غير الحدود على قولين:
القول الأول: يجوز الزيادة على أكثر من عشرة أسواط في التعزير.
وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، ورواية عن الإمام
стр. 2452
أحمد (١)، وقول جمهور أهل العلم (٢).
القول الثاني: لا يجوز الزيادة على عشرة أسواط في غير الحدود.
وهو قول بعض الشافعية (٣)، ومذهب الحنابلة (٤)، وقول الليث، وإسحاق بن راهوية (٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو جواز الزيادة على عشرة أسواط في غير الحدود-بما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث النعمان بن بشير، وعبد الله بن عمرو-﵃، وبالآثار المروية عن بعض الصحابة-﵃-والتي تدل على جواز الضرب أكثر من عشرة أسواط في غير الحد (٦).
وقد سبق ما يعترض به على وجه الاستدلال من هذه الأدلة.
стр. 2453
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو عدم جواز الضرب بأكثر من عشرة أسواط في غير الحدود-بما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث أبي بردة، وأبي هريرة ﵄؛ حيث إنهما يدلان على عدم جواز الضرب أكثر من عشرة أسواط في غير الحدود (١).
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الثاني، وذلك لأن أدلة القول الأول وإن كانت أكثر إلا أن كلها متكلم فيها، وحديث أبي بردة ﵁ أصح ما في المسألة، لذلك فهي لا تقاوم حديثه (٢).
ثانياً: إنه لا يصح القول بنسخ ما يدل على عدم جواز الضرب فوق عشرة أسواط في غير الحدود، وذلك لما يلي:
أ- لأنه لا يوجد إجماع في المسألة حتى يستدل منه على النسخ، كما سبق ذكره، وما ذكر احتمال والنسخ لا يثبت به.
стр. 2454
ب- إن الأحاديث التي يستدل منها على النسخ كلها متكلم فيها، فهي لا تقوى على معارضة حديث أبي بردة ﵁ ولا على نسخه.
والله أعلم.
стр. 2455
المبحث الثالث: القضاء، والشهادات
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الحكم بالقرعة.
المطلب الثاني: شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر عند الموت.