دليلاً على جواز الضرب أكثر من عشرة أسواط في غير الحدود، وعلى نسخ ما يدل على عدم جواز أن يضرب أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى (١).
واعترض عليه: بأنه لا إجماع في المسألة، وآثار الصحابة-﵃-في مقدار جلدات التعزير مختلفة، وحديث أبي بردة ﵁ أقوى مما يعارضه، لذلك يكون القول بنسخه غير صحيح (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الضرب أكثر من عشرة أسواط في غير الحدود على قولين:
القول الأول: يجوز الزيادة على أكثر من عشرة أسواط في التعزير.
وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، ورواية عن الإمام
стр. 2452
أحمد (١)، وقول جمهور أهل العلم (٢).
القول الثاني: لا يجوز الزيادة على عشرة أسواط في غير الحدود.
وهو قول بعض الشافعية (٣)، ومذهب الحنابلة (٤)، وقول الليث، وإسحاق بن راهوية (٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو جواز الزيادة على عشرة أسواط في غير الحدود-بما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث النعمان بن بشير، وعبد الله بن عمرو-﵃، وبالآثار المروية عن بعض الصحابة-﵃-والتي تدل على جواز الضرب أكثر من عشرة أسواط في غير الحد (٦).
وقد سبق ما يعترض به على وجه الاستدلال من هذه الأدلة.
стр. 2453
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو عدم جواز الضرب بأكثر من عشرة أسواط في غير الحدود-بما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث أبي بردة، وأبي هريرة ﵄؛ حيث إنهما يدلان على عدم جواز الضرب أكثر من عشرة أسواط في غير الحدود (١).
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الثاني، وذلك لأن أدلة القول الأول وإن كانت أكثر إلا أن كلها متكلم فيها، وحديث أبي بردة ﵁ أصح ما في المسألة، لذلك فهي لا تقاوم حديثه (٢).
ثانياً: إنه لا يصح القول بنسخ ما يدل على عدم جواز الضرب فوق عشرة أسواط في غير الحدود، وذلك لما يلي:
أ- لأنه لا يوجد إجماع في المسألة حتى يستدل منه على النسخ، كما سبق ذكره، وما ذكر احتمال والنسخ لا يثبت به.
стр. 2454
ب- إن الأحاديث التي يستدل منها على النسخ كلها متكلم فيها، فهي لا تقوى على معارضة حديث أبي بردة ﵁ ولا على نسخه.
والله أعلم.
стр. 2455
المبحث الثالث: القضاء، والشهادات
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الحكم بالقرعة.
المطلب الثاني: شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر عند الموت.
стр. 2456
المطلب الأول: الحكم بالقرعة
ذهب بعض الحنفية إلى أن الحكم والقضاء (١) بالقرعة، كان في ابتداء الإسلام، ثم نسخ؛ لذلك لا يحكم القاضي بالقرعة.
وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (٢)، والمرغناني (٣).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٤).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عمران بن حصين ﵁ أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، (فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم ثلاثاً، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولاً شديداً) (٥).
стр. 2457
ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين، فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف) (١).
وفي رواية عنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا كره الاثنان اليمين، أو استحباها فليستهما عليها» (٢).
وفي رواية أخرى عنه ﵁ قال: أن رجلين تدارءا في بيع، ليس لواحد منهما بينة، (فأمرهما
رسول الله ﷺ أن يستهما على اليمين، أحبا ذلك أم كرها) (٣).
ثالثاً: عن زيد بن أرقم ﵁ قال: أُتي علي بن أبي طالب-وهو باليمن-في ثلاثة قد وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين فقال: أتقران لهذا بالولد؟ فقالا: لا. ثم سأل اثنين فقال: أتقران لهذا بالولد؟ فقالا: لا. فجعل كلما سأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا. فأقرع بينهم، وألحق الولد الذي أصابته القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، (فضحك النبي ﷺ حتى
стр. 2458
بدت نواجذه) (١).
رابعاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).
خامساً: عن أبي موسى ﵁: (أن رسول الله ﷺ اختصم إليه رجلان بينهما دابة، وليس لواحد منهما بينة، فجعلها بينهما نصفين) (٣).
стр. 2459
وفي رواية عنه ﵁: (أن رجلين ادعيا بعيراً على عهد النبي ﷺ ، فبعث كل واحد منهما شاهدين فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين) (١).
سادساً: عن مولى لبني مخزومة قال: وقع رجلان على جارية في طهر واحد، فعلقت الجارية، فلم يدر من أيهما هو، فأتيا عمر يختصمان في الولد، فقال عمر: (ما أدري كيف أقضي في هذا؟) فأتيا علياً، فقال: (هو بينكما،
стр. 2460
يرثكما وترثانه، وهو للباقي منكما) (١).
ويستدل منها على النسخ بالوجهين التاليين:
الأول: إن حديث عمران بن حصين، وأبي هريرة-﵄ يدلان على القضاء والحكم بالقرعة. ويدل عليه كذلك حديث علي ﵁ حينما حكم بالقرعة وأقره النبي ﷺ عليه.
وحديث أبي موسى ﵁ يدل على عدم الحكم بالقرعة، فتكون ما يدل عليه حديث عمران بن حصين، وأبي هريرة، وعلي-﵃ منسوخاً بما يدل عليه حديث أبي موسى ﵁، ويدل على نسخه ما روي عن علي ﵁ أنه حكم بين اثنين في ولد ادعياه، فجعله بينهما، ولم يحكم بالقرعة، فدل ذلك على نسخ الحكم بالقرعة، وإلا لما ترك علي ﵁ الحكم بها مع أنه قد حكم بها قبل ذلك (٢).
واعترض عليه: بأن الأحاديث الدالة على الحكم بالقرعة صحيحة، وحديث أبي موسى ﵁، وكذلك ما روي عن علي ﵁ من الحكم بجعل الولد بين اثنين، ضعيفان (٣).
ثم هو ادعاء للنسخ بمخالفة الراوي لما رواه، وهو معارض بموافقة الراوي
стр. 2461
لما رواه، وهو أن علي ﵁ حكم بالقرعة في عهد النبي ﷺ ، وأقره النبي ﷺ عليه، ثم روي عنه ما يدل على أنه كان يرى الحكم بالقرعة بعد وفاة النبي ﷺ ، فعن حنش (١)، قال: أُتي علي ﵁ ببغل يباع في السوق، فقال رجل: هذا بغلي، لم أبع، ولم أهب، ونزع على ما قال خمسة يشهدون. وجاء رجل آخر يدعيه، ويزعم أنه بغله، وجاء بشاهدين، فقال علي ﵁: (إن فيه قضاء وصلحة، أما الصلح فيباع البغل فنقسمه على سبعة أسهم، لهذا خمسة، ولهذا اثنان. فإن أبيتم إلا القضاء بالحق، فإنه يحلف أحد الخصمين أنه بغله ما باعه ولا وهبه، فإن تشاححتما أيكما يحلف أقرعت بينكما على الحلف، فأيكما قرع حلف). فقضى بهذا وأنا شاهد (٢).
فهذا مما يبطل دعوى النسخ بمخالفة الراوي لما رواه.
الوجه الثاني للنسخ: هو أن حديث عمران بن حصين، وأبي هريرة-﵄ يدلان على القضاء والحكم بالقرعة. ويدل عليه كذلك حديث علي ﵁ حينما حكم بالقرعة وأقره النبي ﷺ عليه.
ولكن هذه الأحاديث كانت في الابتداء في وقت إباحة القمار، لذلك تكون ما يدل عليه هذه الأحاديث منسوخاً بالآية الكريمة والتي تدل على
стр. 2462
النهي عن الميسر والقمار؛ وذلك لأن تعيين المستحق بمنزلة الاستحقاق في إيجاب الحق لمن خرجت له، فكما أن تعليق الاستحقاق
بخروج القرعة قمار، فكذلك تعيين المستحق. فيكون تحريم القمار ناسخاً للحكم بالقرعة (١).
واعترض عليه: بأن الحكم بالقرعة ليس من القمار، وأن تحريم القمار ليس ناسخاً للحكم بالقرعة؛ لأن تحريم الخمر والميسر نزل قبل فتح مكة؛ بدليل ما يلي:
أ- عن جابر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر» (٢).
ب- عن ابن عباس ﵁ قال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف، أو من دوس، فلقيه بمكة عام الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا فلان، أما علمت أن الله حرمها؟» فأقبل الرجل على غلامه، فقال: اذهب فبعها. فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا فلان، بماذا أمرته؟»، قال: أمرته أن يبيعها. قال: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها». فأمر بها فأفرغت في
стр. 2463
البطحاء (١).
وقد حكم علي ﵁ بالقرعة بعد فتح مكة؛ لأنه إنما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن بعد فتح مكة، وقد أقره رسول الله ﷺ على الحكم بالقرعة، فدل ذلك أن الحكم بالقرعة ليس من القمار، وأن الحكم به غير منسوخ؛ لأنه لا يصح كون المتقدم ناسخًا للمتأخر.
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في استعمال القرعة في الحكم على قولين:
القول الأول: لا يستعمل القرعة في الحكم.
وهو مذهب الحنفية (٢).
القول الثاني: يجوز استعمال القرعة في الحكم.
وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وقول جمهور أهل
стр. 2464
العلم (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو عدم الحكم بالقرعة- بما سبق في دليل القول بالنسخ من آية سورة المائدة، وحديث أبي موسى ﵁، وما روي عن علي ﵁ من الحكم بجعل الولد بين اثنين لما ادعياه، ولم يحكم بالقرعة (٢).
وقد سبق ما يعترض به على وجه الاستدلال من هذه الأدلة.
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو جواز الحكم بالقرعة- بما يلي:
أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث عمران بن حصين، وأبي هريرة، وعلي-﵃؛ حيث إنها تدل على جواز الحكم بالقرعة.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٣).
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ
стр. 2465
الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (١).
فهذه الأدلة تدل على جواز استعمال القرعة في الحكم، وأنها مشروعة في شريعتنا، كما كانت مشروعة في شريعة من قبلنا (٢).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، ما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الثاني، وهو جواز استعمال القرعة في الحكم؛ وذلك لكثرة الأدلة التي تدل عليه من الكتاب والسنة، مع صحتها وصراحتها، بخلاف أدلة القول الأول، فإن منها ما هو غير صحيح، ومنها ما هو غير صريح في المسألة.
ثانياً: إنه لا يصح القول بنسخ ما يدل على الحكم بالقرعة؛ وذلك لأن الأدلة التي استُدل منها على النسخ، بعضها غير صحيح، وبعضها مع أنها غير صريحة في المسألة متقدمة على ما يدل على استعمال القرعة في الحكم، كما سبق بيانه، والنسخ لا بد فيه من تأخر الناسخ.
والله أعلم. …
стр. 2466
المطلب الثاني: شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر عند الموت
ذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم جواز شهادة (١) الكفار على المسلمين، وأن ما يدل على جواز شهادة أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت وصية، فإنه قد نسخ.
و ممن صرح بالنسخ أو نقل عنه ذلك: زيد بن أسلم (٢)، وإبراهيم النخعي (٣)، وأبو حنيفة (٤)، ومالك (٥)، والشافعي (٦)، وأبو بكر الجصاص (٧)، والسرخسي (٨).
стр. 2467
وتبين منه أن القول بالنسخ هو سبب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن الاختلاف في المفهوم من الآية التي يستدل منها على جواز شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر، سبب آخر للاختلاف فيها (١).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ (٢).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٣).
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤).
رابعاً: عن ابن عباس-﵄-قال: خرج رجل من بني سهم،
стр. 2468
مع تميم الداري، وعدي بن بداء (١)، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوَّصاً (٢) من ذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ ، ثم وجد الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم. قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. [سورة المائدة: ١٠٦] (٣).
وفي رواية عنه ﵁ عن تميم الداري في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦]. قال: برئ منها الناس غيري وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم، يقال له: بديل بن أبي مريم (٤)، بتجارة، ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو عظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله، قال
стр. 2469
تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام، فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره، قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البينة، فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [سورة المائدة: ١٠٦ - ١٠٨]. فقام عمرو بن العاص، ورجل آخر فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء (١).
ويستدل منها على النسخ: بأن آية سورة المائدة وحديث ابن عباس ﵁ يدلان على جواز شهادة أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت وصية، وآيتا سورة البقرة والطلاق يدلان على عدم جواز شهادة غير العدول، والكافر ليس بعدل، فيكون ما يدل عليه آية سورة المائدة وحديث ابن عباس ﵁ منسوخاً بآية سورة البقرة والطلاق؛ لتأخرهما عليهما؛ لأن قصة تميم وبداء هذا كان في أول الإسلام، وآية
стр. 2470
سورة البقرة هذه من آخر ما نزل (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ- إنه لا يسلم أن آية سورة البقرة متأخرة عن آية سورة المائدة، والقول بأن آية سورة البقرة من آخر ما نزل معارض بما روى عن عائشة-﵂-وغيرها، من أن سورة المائدة من آخر ما نزل، ويؤيد عدم نسخها عمل بعض الصحابة-﵃-بها بعد
النبي ﷺ (٢).
ب- إن النسخ إنما يصار إليه إذا لم يمكن الجمع بين الأدلة، وعلم تأخر الناسخ وتراخيه عن المنسوخ، وفي هذه المسألة لا يوجد ما يدل على تأخر ما يقال بأنه الناسخ، ويمكن الجمع بين الأدلة؛ وذلك بحمل ما يدل على اشتراط العدالة والإسلام في الشهادة على الحالة العامة، وحمل ما يدل على جواز شهادة غير المسلم، على الحالة الخاصة، وهو جواز شهادته على الوصية في السفر، إذا لم يوجد أحد من المسلمين، فهذه حالة ضرورة، فيقبل شهادته فيه (٣).
стр. 2471
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في جواز شهادة أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت وصية، ولم يوجد أحد من المسلمين، على قولين:
القول الأول: لا يجوز شهادته.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). وروي ذلك عن زيد بن أسلم، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري (٤).
القول الثاني: يجوز شهادته.
وهو مذهب الحنابلة (٥). وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس-﵃ (٦).
стр. 2472
وبه قال سعيد بن المسيب، وشريح، وسعيد بن جبير، وعبيدة السلماني، والشعبي، وابن سيرين، ومجاهد، وقتادة، والأوزاعي، وأبو عبيد، وسفيان الثوري (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو عدم جواز شهادة أهل الكتاب على المسلمين مطلقاً- بما سبق في دليل القول بالنسخ من آية سورة البقرة، وآية سورة الطلاق؛ حيث إنهما يدلان على عدم قبول شهادة غير العدول، والكفار ليسوا عدولاً، فلا تقبل شهادتهم على المسلمين مطلقاً (٢).
واعترض عليه: بأن هذه الآيات تدل بعمومها على عدم قبول شهادة الكفار على المسلمين مطلقاً، لكن جاء في الكتاب والسنة ما يدل على جواز شهادة أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت وصية، ولم يوجد أحد من المسلمين، فيكون ذلك مستثنى من عموم تلك الآيات، ومخصصاً لها (٣).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو جواز شهادة أهل الكتاب على المسلمين في
стр. 2473
السفر إذا كانت وصية، ولم يوجد أحد من المسلمين- بما يلي:
أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ، من آية سورة المائدة، وحديث ابن عباس ﵁ فإنهما يدلان على جواز شهادة أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت وصية، ولم يوجد أحد من المسلمين.
ثانياً: عن الشعبي: (أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا (١) هذه، ولم يجد أحداً من
المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة، فأتيا أبا موسى الأشعري، فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ ، فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا، ولا بدلا ولا كتما ولا غيّرا، وإنها لوصية الرجل وتركته، فأمضى شهادتهما) (٢).
ثالثاً: عن ابن عباس ﵁: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. إلى قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. فهذا لمن مات وعنده المسلمون، فأمره الله أن يشهد على وصيته عدلين من المسلمين، ثم قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي
стр. 2474
الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾. فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، فأمره الله تعالى بشهادة رجلين من غير المسلمين) (١).
فهذا كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ ، وقضاء من بعض الصحابة ﵃ تدل كله على جواز شهادة أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت وصية، ولم يوجد أحد من المسلمين، ولم ينقل عن أحد من الصحابة-﵃-ما يخالف ذلك، فتعين المصير إليه والقول به (٢).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الثاني وهو جواز شهادة أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت وصية، ولم يوجد أحد من المسلمين، وذلك لما يلي:
أ- لدلالة الكتاب والسنة عليه، وكذلك قضاء بعض الصحابة-﵃ على وفقه، ولم ينقل عن بقية الصحابة-﵃-إنكاره،
стр. 2475
فكان كالإجماع عليه (١).
ب- ولأن أدلة هذا القول أدلة خاصة، وأدلة القول المعارض له أدلته أدلة عامة، ولا تعارض بينهما، فيعمل على العموم فيما عدا محل الخصوص (٢).
ثانياً: إنه لا يصح دعوى نسخ ما يدل على جواز شهادة أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت وصية، ولم يوجد أحد من المسلمين؛ وذلك لما يلي:
أ- لأنه لا يوجد دليل يدل على تأخر ما يستدل منه على النسخ على ما يخالفه، كما سبق ذكره، والنسخ لا بد فيه من دليل يدل على تأخر الناسخ.
ب- إن النسخ إنما يصار إليه عند تعذر الجمع بين الأدلة، ومعرفة المتأخر منها، والجمع بين الأدلة في هذه المسألة ممكن كما سبق بيانه، فلا داعي لدعوى النسخ (٣).
ج- إن من الصحابة-﵃-من عمل به بعد النبي ﷺ ، ولم ينكر عليه الباقون، كما سبق بيانه، ولو كان ذلك منسوخاً لأنكره عليه أحد، وإذا لم يوجد فهو مما يبطل دعوى النسخ.
والله أعلم.
стр. 2476
الفصل الثاني اللباس، والطب، والآداب، والمنثورات .
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: اللباس.
المبحث الثاني: الطب.
المبحث الثالث: الآداب، والمنثورات.
стр. 2477
المبحث الأول: اللباس
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: لبس الحرير والديباج في غير الحرب.
المطلب الثاني: تحلي النساء بالذهب.
المطلب الثالث: لبس خاتم الذهب للرجال.
المطلب الرابع: لبس الخاتم في اليمين.
стр. 2478
المطلب الأول: لبس الحرير والديباج في غير الحرب
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الحرير والديباج كان يجوز لبسه أولاً، ثم نسخ ذلك في حق الرجال بالنهي عنه؛ لذلك لا يجوز لبسه في غير الحرب والعذر.
وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (١)، والحازمي (٢)، وأبو حامد الرازي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة فيها سبب آخر للاختلاف فيها (٥).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن أنس ﵁ قال: أُهدي للنبي ﷺ جبة من سندس (٦)، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: «والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ (٧) في الجنة أحسن من هذا» (٨).
стр. 2479
وفي رواية عنه ﵁ أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ جبة من سندس، وذلك قبل أن ينهى عن الحرير، فلبسها، فعجب الناس منها، فقال: «والذي نفسي بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذه» (١).
ثانياً: عن المسور بن مخرمة-﵄-أن أباه مخرمة (٢)، قال له: يا بنيَّ إنه بلغني أن النبي ﷺ قدمت عليه أقبية، فهو يقسمها، فاذهب بنا إليه، فذهبنا، فوجدنا النبي ﷺ في منزله، فقال لي: يا بنيّ ادع لي النبي ﷺ ، فأعظمت ذلك، فقلت: أدعو لك رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا بنيّ إنه ليس بجبار، فدعوته فخرج وعليه قباء من ديباج (٣)، مزرر بالذهب، فقال: «يا مخرمة، هذا خبأته لك» فأعطاه إياه (٤).
стр. 2480
ثالثاً: عن عقبة بن عامر ﵁ أنه قال: أُهدي لرسول الله ﷺ فرُّوج (١) حرير فلبسه، ثم صلى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعاً شديداً كالكاره له، ثم قال: «لا ينبغي هذا للمتقين» (٢).
رابعاً: عن جابر بن عبد الله-﵄-يقول: لبس النبي ﷺ يوماً قباء من ديباج أُهدي له، ثم أوشك أن نزعه، فأرسل به إلى عمر بن الخطاب. فقيل له: قد أوشك ما نزعته يا رسول الله، فقال: «نهاني عنه جبريل» فجاء عمر يبكي، فقال: يا رسول الله، كرهت أمراً وأعطيتنيه، فما لي؟ قال: «إني لم أعطكه لتلبسه، إنما أعطيتكه تبيعه» فباعه بألفي درهم (٣).
стр. 2481
خامساً: عن علي ﵁ قال: أهديت لرسول الله ﷺ حلة سيراء (١)، فبعث بها إليّ، فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه، فقال: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمراً بين النساء» (٢).
سادساً: عن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (٣).
سابعاً: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة» (٤).
стр. 2482
ثامناً: عن ابن أبي ليلى قال: كان حذيفة بالمدائن، فاستسقى، فأتاه دهقان (١) بماء في إناء من فضة، فرماه به، وقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته، قال رسول الله ﷺ : «الذهب والفضة، والحرير والديباج، هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» (٢).
تاسعاً: عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «حُرم لباس الحرير والذهب
على ذكور أمتي، وأُحِلّ لإناثهم» (٣).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أنس، ومسور بن مخرمة، وعقبة بن عامر، و جابر-﵃-يدل على أن النبي ﷺ لبس الحرير، وهو
стр. 2483
يدل على الجواز، وبقية الأحاديث تدل على النهي عن لبس الحرير والديباج، وعلى تحريمه على الرجال، فتكون الأحاديث الدالة على النهي عن لبس الحرير والديباج ناسخة للأحاديث التي تدل على جواز لبسه؛ لتأخرها عليها؛ لأن حديث أنس ﵁ صريح في أن لبس النبي ﷺ لجبة سندس كان قبل النهي عن الحرير، وكذلك يدل حديث جابر ﵁ على تأخر النهي؛ لأن قول النبي ﷺ : (نهاني عنه جبريل) كان بعد ما لبس قباء من ديباج. فثبت منها تحريم لبس الحرير للرجال، ونسخ ما يدل على جوازه، ويؤيد ذلك نهي الصحابة-﵃-بعد النبي ﷺ عن لبسه، والتشديد على من لبسه (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى تحريم لبس الحرير على الرجال بغير عذر، ومنهم أهل المذاهب الأربعة، بل نقل بعضهم أنه إجماع (٢).
وذلك للأحاديث التي تدل على النهي عن لبس الحرير للرجال وعلى تحريمه، وقد بلغت حد التواتر، وسبق جملة منها في دليل القول بالنسخ (٣).
стр. 2484
وذهب قوم إلى جواز لبس الحرير للرجال (١).
وذلك لحديث المسور بن مخرمة ﵁؛ حيث جاء فيه أن النبي ﷺ لبسه (٢).
واعترض عليه: بأن لبس النبي ﷺ للحرير كان قبل النهي عن لبسه، كما هو مصرح به في حديث أنس ﵁ (٣).
الراجح
ولا شك أن الراجح هو تحريم لبس الحرير والديباج للرجال، ونسخ ما يدل على جوازه؛ وذلك للأحاديث الكثيرة الصحيحة التي تدل على النهي عن لبس الحرير، وأن لبس النبي ﷺ له كان قبل النهي عنه، كما سبق بيانه.
والله أعلم.
стр. 2485
المطلب الثاني: تحلي النساء بالذهب
ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يباح للنساء التحلي بالذهب، وأن ما يدل على التحريم فإن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ (١).
وممن صرح بالنسخ: الخطابي (٢)، والبيهقي (٣).
وبقية أهل العلم وإن لم يصرحوا بالنسخ إلا أنه لا خلاف بين الجميع في جواز تحلي النساء بالذهب إذا لم يكن فيه سرف (٤).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول: «إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها، فلا تلبسوها في الدنيا» (٥).
ثانياً: عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: جاءت بنت هبيرة (٦)، إلى
стр. 2486
رسول الله ﷺ ، وفي يدها فتخ-أي خواتيم ضخام-، فجعل رسول الله ﷺ يضرب يدها، فدخلت على فاطمة بنت رسول الله ﷺ تشكو إليها الذي صنع بها رسول الله ﷺ ، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، وقالت: هذه أهداها إليّ أبو حسن، فدخل رسول الله ﷺ والسلسلة في يدها، فقال: «يا فاطمة! أيغرك أن يقول الناس: ابنة رسول الله وفي يدها سلسلة من نار؟»، ثم خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق، فباعتها، واشترت بثمنها غلاماً-وقال مرة: عبداً-وذكر كلمة معناها: فأعتقته-فحُدث بذلك، فقال: «الحمد لله الذي أنجى فاطمة من
النار» (١).
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يحَلِّقَ حبيبه حلقة من نار، فليُحَلِّقَه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقاً من نار، فليطوقه طوقاً من ذهب، ومن أحب أن يُسَوِّر حبيبه سوار من نار، فليسوره سواراً من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها» (٢).
стр. 2487
رابعاً: عن أخت لحذيفة (١)، ﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «يا معشر النساء، أما لكن في الفضة ما تحلين به، أما إنه ليس منكن امرأة تحلّى ذهباً تظهره إلا عذبت به» (٢).
خامساً: عن أسماء بنت يزيد-﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب، قلدت في عنقها مثله من النار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت في أذنها خُرصاً (٣) من ذهب جعل في أذنها مثله من النار يوم القيامة» (٤).
стр. 2488
سادساً: عن عائشة-﵂-قالت: قدمت على رسول الله ﷺ حلية من عند النجاشي أهداها له، فيها خاتم من ذهب فيه فصّ حبشي، قالت: فأخذه رسول الله ﷺ بعود معرضاً عنه، أو ببعض أصابعه، ثم دعا أمامة بنت أبي العاص-ابنة بنته زينب-فقال: «تحلّي بهذا يا بنية» (١).
سابعاً: عن عائشة-﵂-أن رسول الله ﷺ رأى عليها مسكتي (٢) ذهب، فقال رسول الله ﷺ : «ألا أخبرك بما هو أحسن من هذا؟ لو نزعت هذا وجعلت مسكتين من ورق، ثم صفرتهما بزعفران كانتا حسنتين» (٣).
ثامناً: عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأُحِلّ لإناثهم» (٤).
تاسعاً: عن علي بن أبي طالب ﵁ يقول: أخذ رسول الله ﷺ حريراً
стр. 2489
بشماله، وذهباً بيمينه، ثم رفع بهما يديه، فقال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي، حِل لإناثهم» (١).
ويستدل منها على النسخ: بأن الأحاديث الخمسة الأولى تدل على تحريم تحلي النساء بالذهب، والأحاديث الأربعة الأخيرة تدل على إباحة تحليهن بالذهب، فتكون الأحاديث التي
تدل على التحريم منسوخة بالأحاديث التي تدل على الإباحة؛ لإجماع أهل العلم على إباحة تحليهن بالذهب، فهو يدل على تأخر الإباحة على التحريم (٢).
ولا خلاف بين أهل العلم في جواز تحلي النساء بالذهب (٣).
وذلك للأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ، والتي تدل
стр. 2490
على جواز تحليهن به (١).
والأحاديث التي تدل على إباحة تحلي النساء بالذهب وإن لم يوجد فيها ما يدل على تأخرها على الأحاديث التي تدل على تحريم تحليهن به، إلا أن إجماع أهل العلم على جواز تحليهن به (٢)، يدل على تأخر ما يدل على الإباحة؛ لأن إجماع أهل العلم على حكم مسألة يدل على نسخ ما يخالفه، كما سبق بيانه غير مرة.
والله أعلم.