← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المسألة. ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عائشة- ﵂ قالت: «من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً» (١). وفي رواية عنها ﵂ قالت: «ما بال رسول الله ﷺ قائماً منذ أنُزل عليه القرآن» (٢). ثانياً: عن شريح (٣)، قال سمعت عائشة-﵂-تقسم بالله

стр. 282

«مارأى أحد رسول الله ﷺ يبول قائماً منذ أُنزل عليه الفرقان» (١). ثالثاً: عبد الرحمن بن حسنة (٢) ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كهيئة الدرقة (٣) فوضعها ثم جلس خلفها فبال إليها، فقال بعض القوم: انظروا يبول كما تبول المرأة، فسمعه فقال: «أوما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل، كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره» (٤).

стр. 283

رابعاً: عن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من الجفاء (١): أن يبول الرجل وهو قائم، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده» (٢).

стр. 284

خامساً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أربع من الجفاء: يبول الرجل قائماً، أو يكثر مسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو يسمع المؤذن يؤذن فلا يقول مثل ما يقول، أو يصلي بسبيل من يقطع صلاته» (١). سادساً: عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول: (أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائماً، وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره، ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه في قوله) (٢).

стр. 285

سابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يبول قائماً» (١).

стр. 286

ثامناً: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ «نهى أن يبول الرجل قائماً» (١). تاسعاً: عن عمر ﵁ قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أبول قائماً فقال: «يا عمر لا تبل قائماً» فما بلت قائماً بعد (٢).

стр. 287

عاشراً: عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تبل قائماً» (١). حادي عشر: عن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ بال قائما من جرح كان بمأبضه (٢) (٣). وجه الاستدلال منها على النسخ ويستدل منها على النسخ: بأن من قال بذلك لعله رأى أن أحاديث

стр. 288

النهي عن البول قائماً متأخرة؛ وذلك لأنه ثبت عنه ﵊ البول قائماً، وكان ذلك مما لا تستنكره العرب قبل الإسلام، وثبت عنه ﷺ أنه كان من عادته البول عن قعود، وثبت عنه التشديد في التنزه والإستبراء من البول، وروي عنه مع ذلك ما يدل على النهي عن البول قائماً وأنه من الجفاء. فقد يُستدل من هذا كله على أن البول قائماً من فعله ﷺ منسوخ بما روي عنه من النهي عن ذلك، وبما ثبت من عادته في البول قاعداً (١). واعترض عليه: بأنه ليس في هذه الأدلة ما يدل على تأخرها على أدلة جواز البول قائماً، وحديث عائشة ﵂-في ذلك مستند إلى علمها، وقد يجوز أن يبول ﷺ جالساً في وقت، ويبول قائماً في وقت آخر. فعائشة ﵂ أخبرت بما كانت تراه في البيوت يبول قاعداً، وغيرها أخبر ما عاين من بوله قائماً، وعائشة لم تكن معه في ذلك الوقت، فكل منهم أخبر بما شاهده (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم البول قائما من غير عذر على

стр. 289

قولين: القول الأول: أن البول قائما من غير عذر مكروه. وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة (٣). وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، والحسين بن علي، وهو رواية عن عمر، وابنه عبد الله ﵃ (٤). وهو كذلك قول سعيد بن جبير، وإبراهيم بن سعد (٥)، ورواية عن الشعبي، والحسن البصري (٦). القول الثاني: أنه لا يكره البول قائماً، ولو من غير عذر.

стр. 290

وهو مذهب المالكية (١)، وقول للإمام أحمد، والصحيح من مذهب الحنابلة (٢). وممن روي عنه أنه بال قائماً، أو كان يرى ذلك، من الصحابة: علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وسهل بن سعد (٣)، وأنس بن مالك، وسعد بن عبادة (٤). وهو رواية عن عمر، وابنه عبد الله ﵃ (٥).

стр. 291

ومن التابعين فمن بعدهم: سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن (١)، وخارجة بن .................................... زيد (٢)، ويزيد بن الأصم (٣)، وأبو الشعثاء (٤)، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وسماك بن حرب (٥)، والثوري، وابن المنذر. وهو رواية عن

стр. 292

الشعبي، والحسن البصري (١). الأدلة: ويستدل للقول الأول - وهو كراهة البول قائما من غير عذر-بما سبق من الأحاديث في دليل القول بالنسخ. ووجه الاستدلال منها: أن تلك الأدلة بعضها يدل على أنه ﷺ كان من عادته البول قاعداً. وبعضها يدل على النهي عن البول قائماً، وبعضها يدل على السبب الذي بال ﷺ من أجله قائماً. فيثبت من هذا كله أن البول قائماً من غير عذر مكروه كراهة تنزيه وأدب (٢). واعترض على هذا الاستدلال: بأنه قد ثبت وصح عن رسول الله ﷺ أنه كان يبول قاعداً، وكان هذا عادته الغالبة، لكن الأدلة الدالة على النهي عن البول قائماً، وكذلك الدليل الذي فيه ذكر سبب بوله ﷺ قائماً وأنه كان من

стр. 293

جرح بمأبضه، أدلة كلها ضعيفة، فلا تقوم بها حجة، ولا تعارض الأدلة الثابتة الصحيحة الدالة على جواز البول قائماً (١). وأجيب عنه: بأن الأدلة الدالة على النهي عن البول قائماً تعضد بعضها البعض، وهي بمجموعها تدل على أن لها أصلاً، وأن كلها ليست ضعيفة، بل من أهل العلم من صحح بعضها، فهي قابلة للاستدلال بها على كراهة البول قائما من غير عذر (٢).

стр. 294

دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو جواز البول قائماً من غير كراهة- بما يلي: أولاً: عن حذيفة ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ سُباطة (١) قوم فبال قائماً، ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ» (٢). ثانياً: عن المغيرة بن شعبة (٣) ﵁ أن رسول الله ﷺ «أتى سباطة قوم فبال قائماً» (٤).

стр. 295

ثالثاً: عن سهل بن سعد ﵁ أنه بال قائماً، وقال: «قد رأيت من هو خير مني فعله» (١). وجه الاستدلال من هذه الأدلة: ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث جاء فيها التصريح بأن النبي ﷺ بال

стр. 296

قائماً وهو دليل الجواز مطلقاً (١). الراجح بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي: أولاً: أن الراجح هو القول الأول، وهو أن البول قائماً مكروه كراهة تنزيه، وأنه خلاف الأولى، وذلك لما يلي: أ-لأن من عادته ﷺ الغالبة وأكثر أحواله البول عن قعود، ويدل على ذلك حديث عائشة وعبد الرحمن بن حسنة ﵄ وقد سبق ذكرهما (٢). ب-ولأنه إذا ثبت تعارض بين مبيح وحاظر، يقدم الحاظر على المبيح (٣). ج-ولأنه اختلف في السبب الذي بال من أجله ﷺ قائماً على أقوال، منها: ١ - أنه بال قائماً من أجل عدم إمكان القعود؛ وذلك لأنه أتى سباطة

стр. 297

قوم، وهي المزبلة، فأراد أن يبول فلم يتهيأ له البول عن قعود؛ لأن المرء إذا قعد يبول على شيء مرتفع عنه ربما تفشى البول فرجع إليه، فمن أجل عدم إمكانه من القعود بال ﷺ قائماً (١). ٢ - أنه بال قائماً من أجل جرح بمأبضه، وهو باطن الركبة، فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود، ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: (إنما بال رسول الله ﷺ قائماً لجرح كان بمأبضه) (٢). ٣ - رُوي عن الإمام الشافعي أنه قال: كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائماً، فلعله ﷺ كان به إذا ذاك وجع الصلب فبال قائماً (٣). ٤ - أنه إنما فعل ذلك لبيان الجواز (٤).

стр. 298

والخلاصة: أنه ثبت عن رسول الله ﷺ من فعله أنه بال قائماً، وثبت عنه من فعله أنه كان يبول قاعداً، وكان ذلك عادته الغالبة، وروي عنه من قوله ما يدل على النهي عن البول قائماً، ثم ما روي عنه من البول قائماً من فعله يحتمل أن يكون لعذر، ويحتمل أن يكون لغير عذر بل للتشريع وبيان الجواز، وإذا احتمل بوله ﷺ قائماً بين كونه عن عذر، وبين كونه عن غير عذر، دل ذلك على أنه خلاف الأولى، فكان تركه أولى (١). ثانياً: أنه لا يصح ادعاء نسخ الأحاديث الدالة على جواز البول قائماً؛ وذلك لما يلي: أ-أنه لا يوجد دليل يدل على تأخر أحاديث المنع من ذلك على أحاديث الإباحة، حتى تكون ناسخة لها، والنسخ لا بد فيه من دليل يدل على تأخر الناسخ، على ما يخالفه (٢). ب-أنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث، وذلك بحمل ما ورد في النهي على الكراهة وخلاف الأولى، وبحمل ما يعارضه على الجواز، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكناً فإنه لا يصار إلى النسخ، ولا إلى ترك بعضها (٣) والله أعلم.

стр. 299

المطلب الثاني: استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة ذهب بعض أهل العلم، منهم عروة بن الزبير، وربيعة بن أبي عبد الرحمن (١)، وداود الظاهري إلى: أن النهي الوارد عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، قد نُسخ بالأحاديث الدالة على جواز ذلك؛ لذالك يجوز استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، سواء كان ذلك في الصحراء أو البنيان (٢). وذهب ابن حزم إلى عكس ذلك، فقال: إن ما ورد في إباحة الاستقبال أو الاستدبار بعضها لا يصح، وبعضها منسوخ بالأحاديث الواردة في النهي، وأن النهي بعد الإباحة (٣). وتبين منه أن أحد أسباب الاختلاف في هذه المسألة هو القول بالنسخ؛

стр. 300

حيث إن أصحاب القول الأول قالوا بإباحة الاستقبال والاستدبار مطلقاً لمّا رأوا أن الأحاديث الدالة على النهي منسوخة بالأحاديث الدالة على الجواز. كما أن اختلاف الأحاديث الواردة في المسألة سبب آخر للاختلاف فيها (١). ويستدل لمن قال بنسخ ما ورد في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة بما يلي: أولاً: عن ابن عمر ﵁ قال: (ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة (٢) لبعض حاجتي «فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام» (٣). ثانياً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «نهى نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة

стр. 301

ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» (١).

стр. 302

ثالثاً: عن عائشة-﵂ قالت: ذكر عند رسول الله ﷺ قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال: «أراهم قد فعلوها، استقبلوا بِمَقْعَدَتِي القبلةَ» (١).

стр. 303

وفي رواية عنها-﵂: (أنها رأت النبي ﷺ يستقبل القبلة لحاجته بعد النهي) (١). رابعاً: عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي (٢) قال: «رأيت رسول الله ﷺ يبول مستقبل القبلة» وأنا أول من حدث الناس بذلك (٣).

стр. 304

خامساً: عن عمار بن ياسر ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ مستقبل القبلة بعد النهي لغائط أو بول» (١).

стр. 305

ويستدل منها على النسخ: بأن الإباحة وردت بعد النهي، وحديث جابر ﵁ صريح في ذلك؛ حيث يدل على أن النبي ﷺ استقبلها بعد النهي، وأن هذا الاستقبال كان قبل أن يقبض بعام، مما يدل على أنه كان آخر الأمرين. كما أن بعض ألفاظ حديث عائشة-﵂ يدل على ذلك (١). واعترض عليه: بأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، أما إذا أمكن الجمع بين الأحاديث فإنه لا يصار معه إلى النسخ، بل يجب الجمع بينها، والعمل بجميعها، وهنا أمكن الجمع بين الأحاديث، وذلك بحمل الأحاديث الواردة في النهي على الفضاء، وبحمل ما ورد في الجواز على البناء (٢). دليل من قال بنسخ ما يدل على جواز الاستقبال والاستدبار أولاً: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أتيتم الغائط

стр. 306

فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا» قال أبو أيوب: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بُنيت قبل القبلة فننحرف ونستغفر الله تعالى) (١). ثانياً: عن سلمان (٢) ﵁ قال: قيل له: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل «لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم» (٣). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» (٤).

стр. 307

رابعاً: عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول: أنا أول من سمع النبي ﷺ يقول: «لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة» وأنا أول من حدث الناس بذلك (١). ويستدل منها على النسخ: بأن الأحاديث الدالة على الجواز موافقة لما كان عليه الناس قبل النهي فيكون حكمها منسوخاً بأحاديث النهي (٢). واعترض عليه: بأن أدلة من قال بنسخ ما يدل على نهي الاستقبال والاستدبار محتملة لما قاله؛ حيث فيها ما يدل على تاخرها، أما أدلة من قال بنسخ ما يدل على جواز الاستقبال والاستدبار فليس فيها ما يدل على أنها متأخرة عما يدل على الجواز، ومجرد كون الحكم موافقا لما كان عليه الناس قبل الإسلام ثم ثبوت النهي عن ذلك الحكم، فهذا لا يعد من الناسخ والمنسوخ، وعلى تقدير أنه يقال له ذلك فيحتمل أنه صار هذا الناسخ منسوخاً

стр. 308

بعد ما كان ناسخاً؛ لأن مع ما يدل على الجواز ما يدل على تأخره (١). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة على أربعة أقوال: القول الأول: لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول أوغائط، لا في الصحراء ولا في البنيان. وهو مذهب الحنفية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد اختارها بعض الحنابلة (٣). وقول ابن مسعود، وأبي أيوب الأنصاري (٤)، وسراقة بن مالك (٥)، وأبي هريرة-﵃ (٦). وهو كذلك قول مجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والثوري،

стр. 309

والأوزاعي، وأبي ثور (١). القول الثاني: لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط في الصحراء، ويجوز ذلك في البنيان. وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وهو كذلك قول العباس بن عبد المطلب وابن عمر-﵃ والشعبي، وابن المبارك، وإسحاق بن راهوية، وابن المنذر، والطحاوي (٥). القول الثالث: لا يجوز استقبال القبلة ببول أوغائط، سواء كان في

стр. 310

الصحراء أو البناء، ويجوز الاستدبار فيهما. وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة (١)، وعن الإمام أحمد (٢). القول الرابع: يجوز استقبال القبلة واستدبارها مطلقاً. وهو قول عروة، وربيعة بن عبد الرحمن، وداود الظاهري (٣). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو عدم جوازالاستقبال والاستدبار مطلقاً- بما استدل به لقول من قال بنسخ ما يدل على جواز الاستقبال والاستدبار. ووجه الاستدلال منها هو: أن تلك الأحاديث جاءت مطلقة غير مقيدة، ولا مفرقة بين بناء أو صحراء، دالة بعمومها على تحريم الاستقبال والاستدبار ببول أو غائط (٤). ويعترض عليه: بأن هذه الأدلة عامة ومطلقة، لكن وردت أحاديث غيرها، تقيد مطلق هذه الأحاديث، وتخصصها بالأبنية، والقول بها أولى؛ لأن

стр. 311

العمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار في الصحراء، ويجوز في البنيان- بما يلي: أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث أبي أيوب، وسلمان الفارسي، وأبي هريرة، وعبد الله بن الحارث-﵃؛ حيث إنها تدل على حرمة الاستقبال و الاستدبار في الصحراء (٢). ثانياً: ما سبق في دليل قول من قال بنسخ النهي عن الاستقبال ولاستدبار من حديث ابن عمر، وجابر، وعائشة-﵃؛ حيث إنها تدل على جواز الاستقبال والاستدبار في البناء (٣). ثالثاً: عن مروان الأصفر (٤) قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل

стр. 312

القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى، «إنما نُهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس» (١). وجه الاستدلال من هذه الأدلة: ووجه الاستدلال من هذه الأدلة: هو أن الأحاديث التي ذكرت في أدلة قول من قال بنسخ ما يدل على جواز الاستقبال والاستدبار تدل على عدم جواز الاستقبال والاستدبار مطلقاً، وأن الأحاديث التي ذكرت في أدلة قول من قال بنسخ النهي عن الاستقبال ولاستدبار تدل بعضها على جواز الاستقبال والاستدبار في البناء، وبعضها على الجواز مطلقاً. فيُحمل ما ورد في النهي مطلقاً على الصحراء، وما ورد في الجواز

стр. 313

على البناء؛ جمعاً بين الأحاديث كلها، ويؤكد ذلك حديث ابن عمر؛ حيث بين أن النهي إنما هو في الفضاء، أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس (١). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أنه لا يحل الاستقبال لا في الصحراء ولا في البناء، ويجوز الاستدبار فيهما- بما يلي: أما عدم جواز الاستقبال مطلقاً: أ- حديث سلمان ﵁ وفيه: (أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول) (٢). ب- حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وفيه: «لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة» (٣). وأما جواز الاستدبار مطلقاً: فلحديث ابن عمر ﵁ وفيه: «فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر الكعبة مستقبل الشام» (٤).

стр. 314

وجه الاستدلال من هذه الأدلة: ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث إن حديث سلمان، وعبد الله بن الحارث ﵄ يدلان على عدم جواز الاستقبال، وحديث ابن عمر ﵁ يدل على جواز الاستدبار؛ حيث إن النبي ﷺ استدبر الكعبة (١). واعتُرض عليه: بأنه جاءت أحاديث صحيحة مصرحة بالنهي عن الاستقبال والاستدبار فيتعين الأخذ بذلك (٢). دليل القول الرابع ويستدل للقول الرابع -وهو جواز الاستقبال والاستدبار مطلقاً- بالأدلة التي سبقت في دليل القول بنسخ ما يدل على عدم جواز الاستقبال والاستدبار. ووجه الاستدلال منها هو: أن حديث ابن عمر ﵁ يدل على أن النبي ﷺ قضى حاجته، وهو مستدبر القبلة. وحديث جابر ﵁ يدل على أن النبي ﷺ استقبل القبلة بالبول. وحديث عائشة-﵂ يدل على إنكار النبي ﷺ على من كره أن يستقبل القبلة بفرجه، وأنه أمر أن يحول مقعدته مستقبل القبلة. فدل ذلك على جواز الاستقبال والاستدبار مطلقاً (٣).

стр. 315

واعترض عليه بما يلي: أ- أن حديث ابن عمر وعائشة-﵄-لا يتم منهما الاستدلال على الجواز مطلقاً؛ لأن ذلك كان في البنيان والبيوت، فلا يتم الاستدلال منهما على العموم (١). ب-أما حديث جابر ﵁ فيقال: بأن في الاحتجاج به نظرا؛ لأنها حكاية فعل لا عموم لها، ثم يحتمل أن يكون ذلك لعذر، ويحتمل أن يكون في بنيان، ويحتمل أن يكون في صحراء، ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال، ثم حمله على البنيان أولى؛ ليُجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها (٢). الراجح: بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والعلم عند الله تعالى- أنه يستحب للشخص أن يجتنب استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط مطلقاً؛ وذلك عملاً بإطلاق الأحاديث الدالة على النهي مطلقاً، وخروجاً من خلاف العلماء. ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في الفضاء، ويباح في البناء؛ وذلك لأن الأحاديث الواردة في الاستقبال والاستدبار ثلاثة أصناف:

стр. 316

أ- صنف يدل على النهي مطلقاً، وهي أحاديث قولية صريحة صحيحة، وهي كثيرة منها ما ذكر في أدلة قول من قال بنسخ ما يدل على جواز الاستقبال والاستدبار. ب- صنف يدل على إباحة الاستقبال والاستدبار في البناء، وهي أحاديث قولية وفعلية، وهي صحيحة في الجملة. فالقولية: حديث ابن عمر ﵁: (بلى إنما نهي عن ذلك في الفضاء) وحديث عائشة ﵂: «استقبلوا بمقعدتي القبلة». ومن الفعلية: حديث ابن عمر ﵁: «فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام». ج-صنف يدل على جواز الاستقبال، منها: حديث جابر ﵁ وقد صححه وحسنه جمع من أهل العلم، وهو حديث فعلي، ولخلوه عن قيد البناء أو الفضاء يحتمل الأمرين. ولمكان اختلاف هذه الأحاديث في الظاهر اختلف أهل العلم في تأويلها: - فذهب بعض منهم مذهب الترجيح، وأخذوا بالأحاديث الدالة على النهي مطلقاً، ورجحوها على غيرها؛ لقوتها، وكثرتها، وصحتها بلا خلاف، وأن النهي مقدم على الإباحة، وهم أصحاب القول الأول (١).

стр. 317

ولكن يلزم من قولهم إلغاء العمل بالصنف الثاني والثالث من الأحاديث، والعمل بجميع الأدلة أولى من إلغاء بعضها (١). -وذهب بعضهم مذهب النسخ، فأباحوا الاستقبال والاستدبار مطلقاً، وأخذوا بحديث ابن عمر، وجابر، وعائشة-﵃، وجعلوها ناسخة للأحاديث الدالة على النهي مطلقاً، وهم أصحاب القول الأول من قولي النسخ (٢). ولكن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، وهو لم يتعذر هنا (٣). -وذهب قوم مذهب الجمع على حديث ابن عمر ﵁: (إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) فهم فرقوا بين الفضاء والبناء، فحرموا الاستقبال والاستدبار ببول أو غائط في الفضاء، وحملوا أحاديث النهي على ذلك. وأجازوا الاستقبال والاستدبار مطلقاً في البناء، وحملوا الأحاديث الدالة على الجواز على ذلك، وقالوا: إن الأحاديث الدالة على الجواز مخصصة للنهي العام، أو مستثناة من ذلك. وهم أصحاب القول الثاني، وكان هذا القول

стр. 318

راجحاً؛ لأن فيه الجمع بين الأحاديث وإعمال للأدلة كلها. وإذا كان يمكن العمل بجميع الأدلة فهو أولى من إلغاء بعضها، كما أنه لا يصار إلى النسخ ما لم يتعذر الجمع، وهاهنا حصل الجمع فكان القول به أولى من القول بالنسخ (١).

стр. 319

والله أعلم. المطلب الثالث: الوُضُوء بفضل وَضُوء المرأة ذهب بعض أهل العلم، منهم البغوي (١) من الشافعية (٢)، وابن العربي من المالكية (٣)، والعيني (٤) من الحنفية (٥) إلى أن الأحاديث الواردة في النهي عن الوضوء بفضل (٦) طهور المرأة منسوخة بالأحاديث الدالة على الجواز، وأن

стр. 320

الجواز آخر الأمرين. وذهب ابن حزم إلى العكس من ذلك؛ حيث ذهب إلى أن حكم الأحاديث الدالة على جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به منسوخ بالأحاديث الدالة على النهي من ذلك، وأن الجواز كان قبل النهي (١). وتبين منه أن القول بالنسخ في هذه المسألة أحد أسباب اختلاف أهل العلم فيها، إلا أن الأحاديث الواردة في المسألة هي السبب الأصلي لاختلافهم فيها (٢). ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على عدم جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة بما يلي: أولاً: عن ابن عمر ﵁ قال: «كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول لله ﷺ جميعاً» (٣).
следующие страницы →