← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أ- صنف يدل على النهي مطلقاً، وهي أحاديث قولية صريحة صحيحة، وهي كثيرة منها ما ذكر في أدلة قول من قال بنسخ ما يدل على جواز الاستقبال والاستدبار. ب- صنف يدل على إباحة الاستقبال والاستدبار في البناء، وهي أحاديث قولية وفعلية، وهي صحيحة في الجملة. فالقولية: حديث ابن عمر ﵁: (بلى إنما نهي عن ذلك في الفضاء) وحديث عائشة ﵂: «استقبلوا بمقعدتي القبلة». ومن الفعلية: حديث ابن عمر ﵁: «فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام». ج-صنف يدل على جواز الاستقبال، منها: حديث جابر ﵁ وقد صححه وحسنه جمع من أهل العلم، وهو حديث فعلي، ولخلوه عن قيد البناء أو الفضاء يحتمل الأمرين. ولمكان اختلاف هذه الأحاديث في الظاهر اختلف أهل العلم في تأويلها: - فذهب بعض منهم مذهب الترجيح، وأخذوا بالأحاديث الدالة على النهي مطلقاً، ورجحوها على غيرها؛ لقوتها، وكثرتها، وصحتها بلا خلاف، وأن النهي مقدم على الإباحة، وهم أصحاب القول الأول (١).

стр. 317

ولكن يلزم من قولهم إلغاء العمل بالصنف الثاني والثالث من الأحاديث، والعمل بجميع الأدلة أولى من إلغاء بعضها (١). -وذهب بعضهم مذهب النسخ، فأباحوا الاستقبال والاستدبار مطلقاً، وأخذوا بحديث ابن عمر، وجابر، وعائشة-﵃، وجعلوها ناسخة للأحاديث الدالة على النهي مطلقاً، وهم أصحاب القول الأول من قولي النسخ (٢). ولكن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، وهو لم يتعذر هنا (٣). -وذهب قوم مذهب الجمع على حديث ابن عمر ﵁: (إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) فهم فرقوا بين الفضاء والبناء، فحرموا الاستقبال والاستدبار ببول أو غائط في الفضاء، وحملوا أحاديث النهي على ذلك. وأجازوا الاستقبال والاستدبار مطلقاً في البناء، وحملوا الأحاديث الدالة على الجواز على ذلك، وقالوا: إن الأحاديث الدالة على الجواز مخصصة للنهي العام، أو مستثناة من ذلك. وهم أصحاب القول الثاني، وكان هذا القول

стр. 318

راجحاً؛ لأن فيه الجمع بين الأحاديث وإعمال للأدلة كلها. وإذا كان يمكن العمل بجميع الأدلة فهو أولى من إلغاء بعضها، كما أنه لا يصار إلى النسخ ما لم يتعذر الجمع، وهاهنا حصل الجمع فكان القول به أولى من القول بالنسخ (١).

стр. 319

والله أعلم. المطلب الثالث: الوُضُوء بفضل وَضُوء المرأة ذهب بعض أهل العلم، منهم البغوي (١) من الشافعية (٢)، وابن العربي من المالكية (٣)، والعيني (٤) من الحنفية (٥) إلى أن الأحاديث الواردة في النهي عن الوضوء بفضل (٦) طهور المرأة منسوخة بالأحاديث الدالة على الجواز، وأن

стр. 320

الجواز آخر الأمرين. وذهب ابن حزم إلى العكس من ذلك؛ حيث ذهب إلى أن حكم الأحاديث الدالة على جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به منسوخ بالأحاديث الدالة على النهي من ذلك، وأن الجواز كان قبل النهي (١). وتبين منه أن القول بالنسخ في هذه المسألة أحد أسباب اختلاف أهل العلم فيها، إلا أن الأحاديث الواردة في المسألة هي السبب الأصلي لاختلافهم فيها (٢). ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على عدم جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة بما يلي: أولاً: عن ابن عمر ﵁ قال: «كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول لله ﷺ جميعاً» (٣).

стр. 321

ثانياً: عن عائشة ﵂-قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد تختلف فيه أيدينا من الجنابة» (١). ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ قال: أخبرتني ميمونة-﵂ «أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد من الجنابة» (٢). رابعاً: عن أم سلمة-﵂-قالت: «كانت هي ورسول الله ﷺ يغتسلان في الإناء الواحد» (٣). خامساً: عن ابن عباس ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة» (٤).

стр. 322

سادساً: عن ابن عباس ﵁ قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة (١) فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها-أو يغتسل-فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنباً، فقال رسول الله ﷺ : «إن الماء لا يجنب» (٢).

стр. 323

سابعاً: عن ميمونة-﵂-أن النبي ﷺ قال: «لا يُتوضأ بفضل غسلها من الجنابة» (١). ثامناً: عن ابن عباس ﵁ عن ميمونة زوج النبي ﷺ «أن النبي ﷺ توضأ بفضل غسلها من الجنابة» (٢).

стр. 324

وفي رواية عنه ﵁ عن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: أجنبت أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلت من جفنة ففضلت فضلة فجاء رسول الله ﷺ يغتسل منها فقلت: إني قد اغتسلت منها، فقال: «إن الماء ليس عليه جنابة، أو لا ينجسه شيء»، فاغتسل منه (١). ويستدل منها على النسخ: بأن قول بعض أزواج النبي ﷺ : (إني كنت جنباً) عند إرادته ﷺ التطهر من فضلها، يشعر بعلمها بأن المرأة إذا استعملت ماءً وبقي منه شيء، أنه لا يجوز للرجل استعماله، فيدل ذلك على أن النهي كان متقدماً، ولذلك قالت هذا القول، فيكون حديث الجواز متأخراً وناسخاً لحديث النهي (٢). واعترض عليه: بأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، وهنا يمكن الجمع بين الأحاديث؛ وذلك بحمل ما ورد في النهي على التنزيه وخلاف

стр. 325

الأولى بدليل أحاديث الجواز (١). ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به بما يلي: أولاً: عن الحكم بن عمرو (٢) -وهو الأقرع- أن النبي ﷺ «نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» (٣).

стр. 326

ثانياً: عن حميد الحميري (١) قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل

стр. 327

أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعاً» (١).

стр. 328

ثالثاً: عن عبد الله بن سرجس (١) ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، والمرأةُ بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعاً» (٢).

стр. 329

رابعاً: عن ميمونة ﵂-أن النبي ﷺ قال: «لا يتوضأ بفضل غسلها من الجنابة» (١). خامساً: عن علي ﵁ قال: «كان النبي ﷺ وأهله يغتسلون من إناء واحد، ولا يغتسل أحدهما بفضل صاحبه» (٢).

стр. 330

ويستدل منها على النسخ: بان حكم الأحاديث الدالة على جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به كان قبل نهي رسول الله ﷺ عن أن يتوضأ الرجل أو يغتسل بفضل طهور المرأة فيكون ذلك منسوخًا بالأحاديث الدالة على النهي من ذلك (١). واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث ليس فيها ما يدل على تأخرها عن الأحاديث الدالة على الجواز، فكيف يقال أنها الناسخة لها؟ فهذا مجرد دعوى لا دليل عليه، ثم يمكن الجمع بين هذه الأحاديث كما سبق ذكره، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة فإنه لا يصار مع ذلك إلى النسخ (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.

стр. 331

وقد اختلف أهل العلم في تطهركل من الرجل والمرأة بفضل طهور الآخرعلى خمسة أقوال: القول الأول: يجوز أن يتطهر كل من الرجل والمرأة بفضل طهورصاحبه، سواء خلت به المرأة أم لا. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة (٤). وروي ذلك عن ابن عباس، وزيد بن ثابت-﵄. وقال به إبراهيم النخعي، وعكرمة، وعطاء، وسفيان الثوري، وابن المنذر (٥).

стр. 332

القول الثاني: لا يجوز للرجل أن يتطهر بفضل طهور المرأة إذا خلت به، ويجوز لها ولغيرها التطهر به، وبفضل طهور الرجل مطلقاً. وهو أشهر الروايتين عن الإمام أحمد، والمذهب عند الحنابلة (١). وروي ذلك عن عبد الله بن سرجس، والحكم بن عمرو الغفاري، وأم المؤمنين جويرية بنت الحارث (٢)، وأم سلمة-﵃ (٣). وبه قال غنيم بن قيس (٤)، والحسن البصري، وإسحاق بن راهوية، وداود الظاهري (٥).

стр. 333

القول الثالث: لا يجوز تطهر كل منهما بفضل طهور الآخر، ولو شرعا معاً ومن إناء واحد. وروي هذا عن أبي هريرة ﵁ (١). القول الرابع: أنه يكره للرجل أن يتطهر بفضل طهور المرأة مطلقاً، ويجوز للمرأة أن تتطهر بفضل طهور الرجل. وهو قول سعيد بن المسيب، ورواية عن الحسن البصري (٢). القول الخامس: أنه يجوز أن يتطهر كل منهما بفضل طهور صاحبه ما لم يكن الرجل جنباً، والمرأة جنباَ أو حائضاً. روي ذلك عن ابن عمر ﵁، والشعبي، والأوزاعي، وروي عن عطاء مثله (٣).

стр. 334

الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو جواز تطهر كل منهما بفضل طهور صاحبه مطلقاً- بالأدلة السابقة في قول من قال بنسخ الأحاديث الدالة على عدم جواز تطهر كل من الرجل والمرأة بفضل طهور الآخر. ووجه الاستدلال منها: هو أن حديث ابن عمر، وعائشة، وميمونة، وأم سلمة-﵃-يدل على جواز وضوء واغتسال الرجل والمرأة جميعاً ومن إناء واحد، كما يدل على جواز التطهر بفضل طهور المرأة والرجل؛ لأن المرأة والرجل إذا اغترفا جميعاً من إناء واحد في الوضوء فكل منهما قد توضأ بفضل صاحبه (١). أما حديثا ابن عباس ﵁ وكذلك حديثه عن ميمونة ﵂ فهي صريحة في الدلالة على جواز التطهر بفضل طهور المرأة (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو عدم جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به- بالأدلة السابقة في قول من قال بنسخ الأحاديث

стр. 335

الدالة على جواز أن يتطهر الرجل بفضل ما خلت به المرأة. ووجه الاستدلال منها: هو أن تلك الأحاديث تدل على عدم جواز أن يتطهر الرجل بفضل طهور المرأة (١). وخصص بالخلوة؛ لقول عبد الله بن سرجس: (لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد، فإذا خلت به فلا تقربه) (٢). واعترض عليه: بأنه هذه الأدلة كما جاء فيها النهي من أن يتطهر الرجل بفضل طهور المرأة، كذلك جاء في بعضها النهي من أن تتطهر المرأة بفضل الرجل، وهي أدلة مطلقة، فكيف يستدل منها على عدم جواز ذلك للرجل، ولا يستدل منها على عدم جواز ذلك للمرأة، مع أن الأدلة في ذلك غير مفرقة بين الرجل والمرأة (٣). وأجيب عنه: بأنه عام دخله التخصيص بالإجماع (٤).

стр. 336

دليل القول الثالث: ويستدل للقول الثالث-وهو عدم جواز تطهر الرجل والمرأة بفضل صاحبه ولو من إناء واحد- بما يلي: أولاً: حديث الحكم بن عمرو الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ «نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» (١). ثانياً: حديث حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وفيه: «نهى رسول الله أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو يغتسل الرجل بفضل المرأة» (٢).

стр. 337

ووجه الاستدلال منهما هو: أن الحديثين بمجموعهما يدلان على أنه لا يجوز لكل واحد منهما التطهر بفضل صاحبه، والمرأة والرجل إذا تطهرا معاً فكل منهما متطهر ومتوضئ بفضل صاحبه، فلا يجوز ذلك كذلك (١). واعترض عليه: بأنه ثبت في أحاديث صحيحة وكثيرة أن النبي ﷺ وأهله كانوا يتطهرون من إناء واحد، وهي أقوى مخرجاً وأصرح دلالة، وهي حجة على من خالفها، ولعل من خالفها يكون أنها لم تبلغه (٢). دليل القول الرابع ويستدل للقول الرابع-وهو كراهة أن يتطهر الرجل بفضل طهور المرأة مطلقاً، وجواز عكس ذلك- بحديث الحكم بن عمرو الغفاري، وحميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وحديث عبد الله بن سرجس، وقد سبق ذكرها. ووجه الاستدلال منها هو: أن تلك الأحاديث صريحة في النهي من أن

стр. 338

يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، وهي مطلقة، فتشمل ذلك ما خلت به وما لم تخل به (١). ويعترض على وجه الاستدلال هذا ما اعتُرض به على وجه استدلال القول الثاني. دليل القول الخامس ويستدل للقول الخامس-وهو جواز تطهر كل منهما بفضل صاحبه ما لم يكن جنباً أو حائضاً- بما يلي: أولاً: عن ميمونة-﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا يتوضأ بفضل غسلها من الجنابة» (٢). ثانياً: حديث الحكم بن عمرو، وعبد الله بن سرجس، وحميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . وقد سبق ذكرها. وأصحاب هذا القول ذهبوا إلى أن النهي في هذه الأحاديث عن فضل طهور المرأة إنما هو إذا كانت جنباً أو حائضاً، بدليل حديث ميمونة هذا؛ حيث فيه النهي من التطهر بفضل غسلها من الجنابة (٣). ويعترض عليه: بأن حديث الحكم بن عمرو، وعبد الله بن سرجس،

стр. 339

وحديث حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ليس فيها أي ذكر للحيض أو الجنابة، وإنما فيها النهي عن التطهر بفضل وضوء المرأة مطلقاً، وهي أكثر وأقوى، فكان القول بإطلاقها أولى؛ لأن القول به يشمل ما إذا كانت حائضاً أو جنباً بخلاف العكس. الراجح بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والعلم عند الله تعالى- أن الراجح هو القول الأول، وهو جواز تطهر كل من الرجل والمرأة بفضل طهور صاحبه مطلقاً؛ وذلك لأن الأحاديث الواردة في هذه المسألة ثلاثة أصناف: الصنف الأول: أحاديث تدل على أن النبي ﷺ وأهله كانوا يتطهرون من إناء واحد، وأن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعاً في زمان رسول الله ﷺ . وهذا الصنف فيه أحاديث كثيرة، صحيحة بلا خلاف، وقد قال به أكثر أهل العلم، بل ليس فيه إلا خلافًا شاذاً لا اعتبار له، وهذه الأحاديث حجة عليه (١). الصنف الثاني: أحاديث تدل على أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، وجاء في بعضها كذلك نهي المرأة أن تتوضأ بفضل طهور

стр. 340

الرجل. وهي أحاديث قولية، وقد تكلم عليها بعض أهل العلم من حيث الصحة وعدم ذلك في البعض، ومن حيث الرفع والوقف في البعض الآخر، لكن الظاهر سلامتها وصحتها ورفعها في الجملة، وهي تقوي بعضها البعض، وتؤكد صحتها (١). الصنف الثالث: أحاديث تدل على أن النبي ﷺ توضأ أو اغتسل بفضل امرأة من أزواجه. وهي أحاديث فعلية، وقد ذكر في بعضها العلة التي من أجلها توضأ النبي ﷺ أو اغتسل بفضلها، وهي: «إن الماء لا يجنب» أو «إن الماء لا ينجسه شيء». وهذه الأحاديث قد تكلم عليها بعض أهل العلم، إلا أن أكثرهم على صحتها، وهي تقوي بعضها البعض (٢). والصنف الثاني والثالث من هذه الأحاديث بينهما تعارض في الظاهر، لذلك اختلف أهل العلم في تأويلها: فذهب غير أصحاب القول الأول إلى الأخذ بالصنف الثاني من

стр. 341

الأحاديث- مع اختلافهم في وجه الاستدلال منها-، ورجحوها على الصنف الثالث، إما لضعفها واضطرابها عند البعض، أو لأنها مبيحة وما خالفها حاظرة، والحاظر مقدم على المبيح (١). أما أصحاب القول الأول فذهبوا إلى الأخذ بالصنف الثالث من الأحاديث، ورجحوها على الصنف الثاني، وذلك: أ- لأنها والصنف الأول من الأحاديث متفقة في المدلول عند البعض؛ لأن المتطهرين معاً كل منهما متطهر بفضل صاحبه (٢). وإذا أضيف الصنف الأول إلى الصنف الثالث فلا شك أنها أقوى وأولى بالتقدم. ب- ولأن الصنف الثالث فيها ما يدل على أنها الناسخة للصنف الثاني؛ وذلك لأن ميمونة ﵂-روت النهي عن التطهر بفضل طهور المرأة، وروي عنها وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ توضأ أو اغتسل بفضل غسلها من الجنابة، وكان في روايتها هذا، ورواية ابن عباس ﵄ أنها قالت لرسول الله ﷺ : (إني كنت جنباً) فدل هذا وروايتها في النهي على أن النهي متقدم، ثم اغتسال النبي ﷺ بذلك الماء دليل على نسخ النهي المتقدم (٣).

стр. 342

وذهب بعض من قال بالقول الأول والصنف الثالث من الأحاديث إلى الجمع بين هذا الصنف والصنف الثاني من الأحاديث؛ وذلك بحمل النهي الوارد في الصنف الثاني على كراهة التنزيه وخلاف الأولى بدليل أحاديث الجواز، وحمل الصنف الثالث من الأحاديث على الجواز المطلق، ولا تنافي بين الجواز وخلاف الأولى وكراهة التنزيه (١). فيكون القول الأول راجحاً لهذا الوجه؛ لأنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث فهو أولى من ترك بعضها، كما أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الأدلة، وهنا حصل الجمع بينها (٢). وقوله ﷺ : «إن الماء لا يجنب» أو «إن الماء لا ينجسه شيء» ثم تطهره واغتساله من ذلك الماء يحتمل أمرين: الأول: نسخ النهي السابق عن استعمال فضل وضوء المرأة؛ وذلك لأن قوله هذا وفعله متأخر عن النهي السابق. الثاني: أن النهي السابق لم يكن للتحريم، بل للتنزيه؛ فيكون قوله ﷺ لميمونة ﵂: (إن الماء لا ينجسه شيء) بياناً للنهي السابق، وأنه لم يكن للتحريم بل للتنزيه؛ لأن الماء لا ينجسه شيء، وما دام الماء طاهراً فيجوز التطهر به. والله أعلم.

стр. 343

المطلب الرابع: الوضوء بنبيذ التمر ذهب الإمام أبو حنيفة و بعض الحنفية إلى أن خبر الوضوء بالنبيذ (١) قد نُسخ بآية التيمم (٢). وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية على تقدير صحته (٣)، ونحوه قول الحافظ ابن حجر العسقلاني (٤).

стр. 344

وقد ظهر منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب الاختلاف فيها؛ وذلك لأن الإمام أبا حنيفة- ﵀-رجع عن القول بالوضوء بالنبيذ لما رأى أن خبر النبيذ نُسخ بآية التيمم؛ لتأخرها، ولكن السبب الأصلي للاختلاف في هذه المسألة هو خبر الوضوء بالنبيذ، ومدى ثبوته وعدمه (١). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٢). ثانياً: عن عمران بن حصين الخزاعي ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم، فقال: «يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟» فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد (٣) فإنه يكفيك» (٤).

стр. 345

ثالثاً: عن أبي ذر (١) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير» (٢). رابعاً: حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وقد روي بطرق وألفاظ منها ما يلي:

стр. 346

أ- عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: «ما في إداوتك (١)؟» قال نبيذ، قال: «تمرة طيبة وماء طهور» (٢).

стр. 347

ب- عن ابن مسعود (أن رسول الله ﷺ ليلة الجن خط حوله، فكان يجيء أحدهم مثل سواد النخل وقال لي: «لا تبرح مكانك» فأقرأهم كتاب الله . فلما رأى الزط، قال: كأنهم هؤلاء، وقال النبي ﷺ : «أمعك ماء؟»

стр. 348

قلت: لا، قال: «أمعك نبيذ؟» قلت: نعم، فتوضأ به) (١). ج- عن عبد الله بن مسعود أنه كان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن فقال له النبي ﷺ : «يا عبد الله أمعك ماء؟» قال: معي نبيذ في إداوة، فقال: «أصبب علي» فتوضأ. قال: فقال النبي ﷺ : «يا عبد الله بن مسعود، شراب وطهور» (٢).

стр. 349

د- عن ابن مسعود يقول: (كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن فأتاهم فقرأ عليهم القرآن، فقال لي رسول الله ﷺ في بعض الليل: «أمعك ماء يا ابن مسعود؟» قلت: لا، والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ فقال رسول الله: «تمرة طيبة وماء طهور» فتوضأ به رسول الله ﷺ (١). هـ- عن ابن مسعود قال: مرّ بي رسول الله ﷺ فقال: «خذ معك إداوة من ماء ثم انطلق وأنا معه»، فذكر حديثه ليلة الجن فلما أفرغت عليه من الإداوة فإذا هو نبيذ فقلت: يا رسول الله أخطأت بالنبيذ فقال: «تمرة حلوة

стр. 350

وماء عذب» (١). و-عن عبد الله بن مسعود يقول: دعاني رسول الله ﷺ ليلة الجن بوضوء، فجئته بإداوة فإذا فيها نبيذ، فتوضأ رسول الله» (٢). ز- عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (أمعك ماء؟) قلت: لا، إلا نبيذ في إداوة، قال: (تمرة طيبة وماء طهور) فتوضأ» (٣). ح- عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال له: «هل معك من وَضوء للصلاة؟»

стр. 351

قلت: معي إداوة فيها نبيذ، قال: «تمرة طيبة وماء طهور» قال: (أصبب علي» (١). خامساً: عن عبد الله بن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لابن مسعودليلة الجن: «معك ماء؟» قال: لا، إلا نبيذ في سطيحة (٢) فقال رسول الله ﷺ : «تمرة طيبة وماء طهور، صب عليّ» قال: فصببت عليه فتوضأ به) (٣).

стр. 352

سادساً: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء» (١). ويستدل منها على النسخ: بأن الخبر الذي ذُكر فيه الوضوء بالنبيذ متقدم؛ لأن قصة الجن كانت بمكة في أول الإسلام، فيكون منسوخاً بآية المائدة التي فُرض فيها التيمم؛ لتأخرها إذ هي مدنية بلا خلاف، كما أن

стр. 353

الأحاديث التي فيها ذكر التيمم عند عدم الماء كانت بعد الهجرة (١). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في الوضوء بنبيذ التمر- غير المسكر- على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر مسكرًا أو غير مسكر، وإذا لم يجد الشخص الماء المطلق يتيمم، ولا يجزيه غير ذلك. وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة- قيل هي قوله الأخير الذي استقر عليه قوله، وأنه رجع عن غير ذلك (٢). وبه قال أبو يوسف وزفر (٣) من أصحابه، واختاره الطحاوي، ورجحه المحققون من علماء الأحناف (٤).

стр. 354

وهو كذلك مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وبه قال عطاء ابن أبي رباح، وأبو العالية (٤)، وأبو عبيد، وأبو ثور، وداود الظاهري، وابن المنذر وابن حزم. وهو رواية عن الحسن البصري، وسفيان الثوري (٥). القول الثاني: أنه يجوز الوضوء بنبيذ التمر عند عدم الماء.

стр. 355

وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة (١)، وقول عكرمة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهوية، ورواية عن الحسن البصري، وسفيان الثوري (٢). وروي ذلك عن علي (٣)، وابن عباس (٤) ﵄-لكنه لا يصح (٥).
следующие страницы →