← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قلت: معي إداوة فيها نبيذ، قال: «تمرة طيبة وماء طهور» قال: (أصبب علي» (١). خامساً: عن عبد الله بن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لابن مسعودليلة الجن: «معك ماء؟» قال: لا، إلا نبيذ في سطيحة (٢) فقال رسول الله ﷺ : «تمرة طيبة وماء طهور، صب عليّ» قال: فصببت عليه فتوضأ به) (٣).

стр. 352

سادساً: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء» (١). ويستدل منها على النسخ: بأن الخبر الذي ذُكر فيه الوضوء بالنبيذ متقدم؛ لأن قصة الجن كانت بمكة في أول الإسلام، فيكون منسوخاً بآية المائدة التي فُرض فيها التيمم؛ لتأخرها إذ هي مدنية بلا خلاف، كما أن

стр. 353

الأحاديث التي فيها ذكر التيمم عند عدم الماء كانت بعد الهجرة (١). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في الوضوء بنبيذ التمر- غير المسكر- على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر مسكرًا أو غير مسكر، وإذا لم يجد الشخص الماء المطلق يتيمم، ولا يجزيه غير ذلك. وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة- قيل هي قوله الأخير الذي استقر عليه قوله، وأنه رجع عن غير ذلك (٢). وبه قال أبو يوسف وزفر (٣) من أصحابه، واختاره الطحاوي، ورجحه المحققون من علماء الأحناف (٤).

стр. 354

وهو كذلك مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وبه قال عطاء ابن أبي رباح، وأبو العالية (٤)، وأبو عبيد، وأبو ثور، وداود الظاهري، وابن المنذر وابن حزم. وهو رواية عن الحسن البصري، وسفيان الثوري (٥). القول الثاني: أنه يجوز الوضوء بنبيذ التمر عند عدم الماء.

стр. 355

وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة (١)، وقول عكرمة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهوية، ورواية عن الحسن البصري، وسفيان الثوري (٢). وروي ذلك عن علي (٣)، وابن عباس (٤) ﵄-لكنه لا يصح (٥).

стр. 356

القول الثالث: أنه إذا لم يجد الماء يتوضأ بالنبيذ، ويجب مع ذلك أن يتيمم. وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة، وقول محمد بن الحسن من أصحابه (١). الأدلة: ويستدل للقول الأول-وهو عدم جواز الوضوء بالنبيذ، ومن لم يجد الماء تيمم- بالأدلة السابقة في دليل القول بالنسخ غير حديثي ابن مسعود، وابن عباس-﵄. ووجه الاستدلال منها هو: أن الآية الكريمة فيها دلالة ظاهرة بأن الله تعالى افترض الطهارة بالماء، وبالصعيد لمن لم يجد الماء، فنقل الحكم من الماء المطلق عند عدمه إلى التراب، وإذاً فليس يجوز طهارة إلا بالماء، أو الصعيد إذا لم يجد الماء. وجاء حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ بالدلالة على ذلك، فمن توضأ بالنبيذ فقد ترك المأمور به (٢). ويدل عليه حديث عمران بن حصين ﵁؛ حيث إن الرجل لما قال:

стр. 357

(أصابتني جنابة ولا ماء) قال له الرسول ﷺ : «عليك بالصعيد فإنه يكفيك». فلو كانت الطهارة تجزئ بغير الماء لقال له: اطلب نبيذ كذا، أو شراب كذا، فدل ظاهرالكتاب والسنة أن الوضوء لا يجزئ إلا بالماء، ومن لم يجد تيمم بالصعيد (١). دليل القول الثاني: ويستدل للقول الثاني- وهو جواز الوضوء بالنبيذ عند عدم الماء- بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث ابن مسعود، وابن عباس ﵄. ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث إنها تدل على جواز الوضوء بالنبيذ، وإلا لما توضأ النبي ﷺ به (٢). واعترض عليه: بأن الكتاب والسنة الصحيحة يدلان على أن من لم يجد الماء يتيمم، وواجد النبيذ غير واجد للماء؛ لأن اسم الماء لا يقع على ما غلب عليه غير الماء حتى تزول عنه جميع صفات الماء (٣). أما ما ورد في الوضوء بالنبيذ ففي ثبوته وصحته نظر؛ حيث إن جماعة

стр. 358

من المحدثين ضعفوه حتى حكى بعضهم الاتفاق على ذلك (١). وأما القول بأن النبيذ ماء شرعاً لحديث: (وماء طهور) فأطلق عليه أنه ماء (٢). فيقال: قد سبق أن ما ورد في ذلك فهو ضعيف فلا تقوم به حجة. وعلى تقدير صحته فيقال: ١ - إن المراد بذلك: ماء نبذت فيه تمرات يابسة، ليعذب، ولم تغير له وصفاً؛ بدليل أن النبي ﷺ قال: «تمرة طيبة وماء طهور» فوصف شيئين ليس النبيذ واحداً منهما (٣). ٢ - أنه إن صح فمنسوخ بآية التيمم؛ لأن ذلك كان بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة بلا خلاف (٤). دليل القول الثالث: ويستدل للقول الثالث-وهو وجوب الجمع بين الوضوء بالنبيذ وبين التيمم- بأدلة القول الأول، وأدلة القول الثاني. ووجه الاستدلال منهما هو: أن أدلة القول الأول توجب التيمم، وأدلة

стр. 359

القول الثاني توجب الوضوء بالنبيذ، فيجمع بينهما احتياطاً، ولا يقال بالنسخ؛ لعدم معرفة التاريخ (١). واعترض عليه: بأن آية التيمم صريحة في التيمم عند عدم الماء، وخبر النبيذ ضعيف فلا يقوم به حجة، وعلى تقدير صحته فلا خلاف في أن ذلك كان بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة فكيف يقال بعدم معرفة المتأخر منهما؟ (٢). الراجح بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي- والعلم عند الله تعالى- أن الراجح هو القول الأول، وهو أن من لم يجد الماء يتيمم ولا يتوضأ بالنبيذ؛ وذلك: ١ - لأن ظاهر الكتاب والسنة يدل على أن الوضوء لا يجزئ إلا بالماء، ومن لم يجده تيمم بالصعيد الطيب (٣). ٢ - ولأن ما ورد في الوضوء بالنبيذ كل طرقها فيها

стр. 360

كلام، إما لضعف راو فيها، أو لجهالته، ولذلك جزم غير واحد من أهل العلم من المحدثين والفقهاء بضعف كل ما ورد فيه (١). ٣ - إن صح خبر الوضوء بالنبيذ فيكون منسوخاً بآية التيمم؛ لأن ذلك كان بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة بلا خلاف، فتكون ناسخة له (٢). والله أعلم.

стр. 361

المطلب الخامس: الوضوء لكل صلاة أجمع أهل العلم على وجوب الوضوء لمن قام إلى الصلاة وهو على غير وضوء إذا وجد السبيل إليه (١). وذهب أبو عوانة (٢)، وابن شاهين (٣)، والحازمي (٤)، إلى أن وجوب الوضوء لكل صلاة قد نسخ، وروي ذلك عن ابن عمر ﵁ (٥). وقد تبين منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب اختلاف الفقهاء فيها؛ وذلك لأن من قال بالنسخ في هذه المسألة رأى أن الأدلة الدالة على الوضوء لكل صلاة قد نسخت بالأحاديث الدالة على جواز الصلوات بوضوء واحد، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو الأحاديث الواردة في وضوء النبي ﷺ لكل صلاة، والأحاديث الدالة على أنه ﷺ صلى صلوات بوضوء

стр. 362

واحد في مواطن كثيرة، وكذلك الخلاف في تأويل آية الوضوء، وهل المعنيُّ بها كل قائم إلى الصلاة مطلقاً أم المراد بها المحدثون فقط (١). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة» قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: (يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث) (٢). ثانياً: عن سويد بن النعمان (٣) ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء (٤) صلى لنا رسول الله ﷺ العصر، فلما صلى دعا بالأطعمة فلم يؤت إلا بالسويق، فأكلنا وشربنا، ثم قام النبي ﷺ إلى المغرب فمضمض ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ» (٥).

стр. 363

ثالثاً: عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه، قال: «عمداً صنعته يا عمر» (١). رابعاً: عن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل (٢) «أن رسول الله ﷺ كان أُمر بالوضوء لكل صلاة، طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أُمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث» (٣).

стр. 364

خامساً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «ذهب رسول الله ﷺ إلى امرأة من الأنصار ومعه أصحابه، فقربت له شاة مصلية (١)، قال: فأكل وأكلنا، ثم حانت الظهر فتوضأ وصلى، ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل، ثم حانت العصر فصلى ولم يتوضأ» (٢). ووجه الاستدلال منها على النسخ هو: أن بعض هذه الأحاديث فيه أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، وبعضها فيه ذكر أن النبي ﷺ صلى بوضوء واحد أكثر من فريضة، وبعضها فيه ما يدل على أن النبي ﷺ كان أُمر بالوضوء لكل صلاة، ثم وُضع عنه الوضوء إلا من حدث، فثبت من ذلك كله أن الوضوء لكل صلاة كان أولاً، ثم نُسخ بوضع ذلك إلا من حدث، ويشهد له كذلك حديث بريدة؛ حيث فيه أن رسول الله ﷺ صلى صلوات يوم فتح مكة

стр. 365

بوضوء واحد، مما يدل على تأخر جواز أكثر من صلاة بوضوء واحد (١). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في وجوب الوضوء لكل صلاة على قولين: القول الأول: لا يجب الوضوء لكل صلاة إذا كان الشخص على وضوء، بل يجوز أن يُّصلي الصلوات بوضوء واحد. وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة (٢)، وجمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين، وحكى بعض أهل العلم أنه مجمع عليه (٣). القول الثاني: أنه يجب الوضوء لكل صلاة، ولو كان الشخص على وضوء. قال به طائفة من العلماء، ونُقل عن عكرمة وابن سيرين (٤).

стр. 366

الأدلة: ويستدل للقول الأول- وهو جواز صلوات عديدة بوضوء واحد- بالأدلة التي سبقت في دليل القول بالنسخ. ووجه الاستدلال منها هو: أن تلك الأحاديث بعضها يدل على أن النبي ﷺ صلى أكثر من صلاة واحدة بوضوء واحد، وبعضها يدل على أن النبي ﷺ أقر أصحابه على ذلك، فثبت بذلك كله أنه لا يجب الوضوء لكل صلاة إلا إذا كان الشخص محدثاً (١). دليل القول الثاني: ويستدل للقول الثاني -وهو وجوب الوضوء لكل صلاة - بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢). فهذه الآية عامة، وهي بإطلاقها تشمل من كان متطهراً ومن كان غير

стр. 367

متطهر، فيجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة ولو كان على وضوء (١). ويعترض عليه: بأن معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وقد بين النبي ﷺ ذلك بفعله، وبتقريره أصحابه على ذلك (٢). ثانياً: عن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة» (٣). ثالثاً: عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ «أنه كان يتوضأ لكل صلاة» (٤). رابعاً: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء، فقدم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» (٥). ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث ظاهر؛ حيث بعضها يدل على

стр. 368

أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، وبعضها يدل على أنه أُمر بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، فثبت من ذلك كله وجوب الوضوء لكل صلاة (١). واعترض عليه: بأن حديث أنس وبريدة ﵄ فيهما بيان غالب أحواله ﷺ ، بدليل حديث سويد بن النعمان وحديث بريدة-وقد سبقا في دليل القول بالنسخ-، ثم قول أنس ﵁ (يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث) يدل على تقرير النبي ﷺ لهم بذلك، وهو مما يدل على عدم وجوب الوضوء لكل صلاة. أما حديث ابن عباس ﵁ فالاستدلال منه كالاستدلال من الآية الكريمة، وقد سبق أن المراد بذلك إذا كان محدثاً، بدليل الأحاديث الأخرى، وبتقرير النبي ﷺ أصحابه على الاكتفاء بوضوء واحد لصلوات عديدة ما لم يحدثوا. وعلى تقدير أن الأمر فيه يعم المحدثين والمتوضئين فيكون منسوخاً بحديث عبد الله بن حنظلة؛ حيث يدل على وضع الوضوء إلا من حدث (٢). الراجح بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي -والعلم عند الله تعالى- أن الراجح هو القول الأول، وهو جواز صلوات عديدة بوضوء

стр. 369

واحد، وعدم وجوب الوضوء إلا من الحدث؛ وذلك لما يلي: أولاً: لأن الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، تحتمل الوجوب، وتحتمل الندب والاستحباب، وحملها على الاستحباب أولى؛ بدلالة الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ صلى صلوات عديدة بوضوء واحد، وبذلك يُجمع بين هذه الأحاديث كلها، وما دام يمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، فيكون وضوءه ﷺ لكل صلاة للاستحباب، وفعله صلوات عديدة بوضوء واحد لبيان الجواز، ويكون مجموع الفعلين بياناً لمراد الآية (١). ثانياً: أن الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة إن حملت على الوجوب، فتكون منسوخة بالأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ صلى صلوات بوضوء واحد، كحديث سويد بن النعمان، وحديث بريدة، وعبد الله بن حنظلة-﵃؛ حيث أنها متأخرة، ثم حديث عبد الله بن حنظلة ﵁ صريح في ذلك؛ حيث ذكر فيه وضع الوضوء بعد الأمر به إلا من حدث (٢). والله أعلم.

стр. 370

المطلب السادس: ذكر الله تعالى بغير وضوء لا خلاف في استحباب الطهارة لذكر الله تعالى (١). وذهب الطحاوي، وابن حزم إلى نسخ الأحاديث الدالة على كراهة ذكر الله تعالى على غير وضوء بالأحاديث الدالة على جواز ذلك (٢). وقد تبين منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب اختلاف أهل العلم فيها، وذلك لأن بعض أهل العلم ممن قال بجواز ذكر الله تعالى بغير وضوء صار إلى قوله هذا لما رأى أن الأحاديث الدالة على الكراهة وعدم جواز ذكر الله بغير وضوء منسوخة بالأحاديث الدالة على جواز ذكر الله تعالى بغير وضوء. ولكن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة في المسألة في جوازها وكراهتها (٣). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عائشة-﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يذكر الله

стр. 371

تعالى على كل أحيانه» (١). ثانياً: عن عبادة بن الصامت (٢) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من تعارّ (٣) من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، و سبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته» (٤). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة عليك بليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس

стр. 372

كسلان» (١). رابعاً: عن علي ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً» (٢).

стр. 373

خامساً: عن علقمة بن الفغواء (١) ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أهراق الماء إنما نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]» (٢). سادساً: عن ابن عباس ﵁ يقول: كنا عند النبي ﷺ فجاء من الغائط، وأُتي بطعام فقيل له: ألا توضأ؟ فقال: «لِمَ، أَ أُصلى فأتوضأ؟» (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن الأحاديث الدالة على جواز ذكر الله

стр. 374

تعالى بغير وضوء متأخرة عن الأحاديث التي تدل على كراهة ذكر الله تعالى بغير وضوء، فتكون منسوخة بها، ويدل على تأخرها ما يلي: أولاً: حديث علقمة ﵁ فإنه يدل على أن النبي ﷺ كان قبل نزول آية الوضوء إذا كان محدثاً لا يكلم ولا يرد السلام، حتى نسخ الله ذلك بهذه الآية، فأوجب الطهارة على من أراد الصلاة خاصة (١). ثانياً: أن ابن عباس وابن عمر-﵄-رويا عن النبي ﷺ أنه لم يرد السلام في حال الحدث، ثم ثبت عنهما أنهما كانا يقرآن القرآن وهما على غير وضوء. فعن سعيد بن جبير قال: (كان ابن عباس وابن عمر يقرأان القرآن وهما على غير وضوء) (٢). فهذا يدل على أنهما ما فعلا ذلك إلا وقد ثبت النسخ عندهما (٣). ثالثاً: أن حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ يدل على إباحة ذكر الله تعالى بعد الانتباه من النوم في الليل وقبل الوضوء، وهي فضيلة، والفضائل لا تنسخ؛ لأنها من نعم الله على عباده، فدل ذلك على تأخر حديث عبادة ﵁ على الأحاديث الدالة على كراهة ذكر الله تعالى بغير

стр. 375

وضوء، فتكون منسوخة به (١). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في جواز ذكر الله تعالى على غير وضوء على قولين: القول الأول: أنه يجوز ذكر الله تعالى على غير وضوء. وهو قول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وروي ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وسلمان الفارسي ﵃ وسعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، وإبراهيم

стр. 376

النخعي، وسعيد بن جبير، وابن سيرين (١). وقال النووي: أجمع المسلمون على ذلك (٢). القول الثاني: أنه لا يجوز ذكر الله تعالى على غير وضوء. وذهب إلى ذلك قوم من أهل العلم (٣). الأدلة: ويستدل للقول الأول-وهو جواز ذكر الله تعالى على غير وضوء- بالأدلة التي سبقت في دليل القول بالنسخ. ووجه الاستدلال منها: أما وجه الاستدلال من حديث عائشة-﵂ فلأنه يشمل ما إذا كان طاهراً وما إذا كان محدثاً؛ لأنه من جملة الأحيان (٤). وأما حديث عبادة بن الصامت وأبي هريرة ﵄-فهما يدلان صراحة على إباحة ذكر الله تعالى بعد الانتباه من النوم في الليل وقبل الوضوء (٥).

стр. 377

وأما حديث علي ﵁ فهو يدل على جواز قراءة القرآن على غير وضوء، والقرآن أفضل الذكر (١). أما حديث علقمة بن الفغواء وابن عباس ﵄ فهما يدلان على أن الوضوء إنما يراد للصلاة خاصة (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو عدم جواز ذكر الله تعالى على غير وضوء- بما يلي: أولاً: عن أبي جهيم (٣) ﵁ قال: «أقبل النبي ﷺ من نحو ................ بئر جمل (٤) فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (٥).

стр. 378

ثانياً: عن ابن عمر ﵁ «أن رجلاً مرَّ ورسول الله ﷺ يبول فسلم فلم يرد عليه» (١). ثالثاً: عن المهاجر بن قنفذ (٢) ﵁ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» أو قال: «على طهارة» (٣). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: «مرَّ رجل على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه، فلما فرغ ضرب بكفيه الأرض فتيمم ثم رد عليه

стр. 379

السلام» (١). ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إن منها ما يدل على أن النبي ﷺ كان يكره ذكر الله تعالى إلا على طهر. ومنها ما يدل على أن النبي ﷺ لم يرد السلام حتى تيمم ثم رد السلام، فثبت من ذلك عدم جواز ذكر الله تعالى إلا على طهر (٢). ويعترض عليه: بأنه يمكن حمل هذه الأحاديث على الاستحباب بدليل أحاديث الجواز، وجمعاً بين الأدلة كلها. كما أن أدلة الجواز تحتمل كونها ناسخة لها، لما معها ما يدل على تأخرها (٣). الراجح بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: أنه يجوز ذكر الله تعالى بغير وضوء، وذلك: أ- لورود أحاديث كثيرة صحيحة، تدل على جواز ذكر الله تعالى بغير

стр. 380

وضوء (١). وقد نقل النووي إجماع الأمة على ذلك (٢). ب-ولأن القول به فيه يسر على عباد الله، وتيسير لتكثيرهم من ذكر الله وتلاوة كتابه، وكلا الأمرين مرغب فيه شرعاً، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٤). ثانياً: إن القول بأن الأحاديث الدالة على كراهة ذكر الله بغير وضوء منسوخة بالأحاديث الدالة على الجواز، له وجه؛ لأن حديث علقمة بن الفغواء يدل على ذلك، وهو وإن كان ضعيفاً إلا أن حديث ابن عباس يؤيده، وهما بمجموعهما يدلان على أن الوضوء إنما يلزم للصلاة خاصة لا للذكر والطعام وما شابههما (٥). والله أعلم.

стр. 381

المطلب السابع: الوضوء للجنب إذا أراد النوم أجمع أهل العلم على أنه يجوز للجنب أن ينام قبل الاغتسال (١). وذهب الطحاوي إلى أن الأمر بالوضوء للجنب إذا أراد النوم منسوخ؛ لذلك لا بأس أن ينام الجنب قبل أن يتوضأ (٢). وقد تبين منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب الاختلاف عند بعض الفقهاء، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو تعارض الأحاديث الواردة في ذلك، وهل الأمر الوارد فيها للاستحباب والندب، أم للوجوب؟ وسيتبين ذلك مما يأتي من أدلة الأقوال ووجه الاستدلال منها. ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عائشة-﵂-قالت: «كان رسول الله ﷺ يصيب من أهله من أول الليل ثم ينام ولا يمس ماءً، فإذا استيقظ من آخر الليل عاد إلى أهله واغتسل» (٣).

стр. 382

ثانياً: عن عمر ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: «نعم، ويتوضأ إن شاء» (١). ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فجاء من الغائط وأُوتي بطعام فقيل له: ألا توضأ؟ فقال: «لِمَ، أ أصلي فأتوضأ؟» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على نفي الوضوء عن الجنب إذا أراد النوم، ووضوءه ﷺ عند النوم كان لينام على ذكر؛ لأن ذكر الله تعالى على غير طهارة كان مكروهاً، ثم نسخ ذلك، فأبيح للجنب ذكر الله تعالى، فارتفع المعنى الذي كان ﷺ يتوضأ له، فصار وضوء الجنب إذا أراد النوم منسوخاً بذلك.

стр. 383

ويدل على النسخ أيضاً: أن ابن عمر ﵁ روى حديث الوضوء للجنب إذا أراد النوم ثم رُوي عنه أنه قال: (إذا أجنب الرجل وأراد أن يأكل أو يشرب أو ينام غسل كفيه ومضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه وغسل فرجه ولم يغسل قدميه) (١). كما روي عنه أنه كان: (إذا أراد أن يفعل شيئاً من ذلك توضأ وضوءه للصلاة ما خلا رجليه) (٢). وهذا وضوء غير تام، وقد علم أن رسول الله ﷺ أمر في ذلك بوضوء تام، فلا يكون هذا إلا وقد ثبت نسخ ذلك عنده (٣). واعترض عليه: بأن ما ذكر احتمال، ولا يثبت النسخ بالاحتمال، كما أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا لم يمكن الجمع بين الأحاديث، وهنا الجمع بينها ممكن، وذلك بحمل ما ورد في ترك الوضوء على بيان الجواز، وحمل ما ورد فيها الوضوء على الاستحباب (٤).

стр. 384

أما قول ابن عمر ﵁ وفعله فقول رسول الله ﷺ وفعله أولى من قوله وفعله، ثم إن عائشة ﵂ كانت تأمر وتفتي بالوضوء للجنب إذا أراد النوم، فلما ذا لا يؤخذ بقولها وفتياها الموافق لقول رسول الله ﷺ وفعله؟ (١). على أن ابن عمر ﵁ لم يترك الوضوء كلياً، بل المروي عنه أنه لم يغسل رجليه، وغسل الرجلين جزء من الوضوء وليس هو الوضوء فقط، فعلى القائل بنسخ الوضوء للجنب إذا أراد النوم بفعل ابن عمر وقوله أن يقول بنسخ غسل الرجلين في الوضوء للجنب إذا أراد النوم لا بنسخ الوضوء كله؛ لأن فعل ابن عمر ﵁ وقوله لا يدل على ذلك. هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم وضوء الجنب إذا أراد النوم على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الأفضل أن لا ينام الجنب قبل الوضوء، فإن نام قبل الوضوء فلا بأس به. وهو قول الحنفية (٢)، وروي نحوه عن سعيد بن المسيب، وسفيان

стр. 385

الثوري (١). القول الثاني: أنه يستحب للجنب إذا أراد النوم أن يتوضأ وضوءه للصلاة، وأنه يكره تركه. وهو قول المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وروي نحو ذلك عن علي، وشداد بن أوس (٥)، وأبي سعيد، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة (٦) ﵃. وهو قول إبراهيم النخعي، والحسن البصري، وعطاء، وابن سيرين،

стр. 386

والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر، وابن حزم (١). القول الثالث: أنه يجب على الجنب إذا أراد النوم أن يتوضأ وضوءه للصلاة. وهو قول ابن حبيب من المالكية (٢)، وقول بعض الظاهرية، منهم داود الظاهري (٣). الأدلة ويستدل للقول الأول - وهو أنه لا بأس للجنب إذا أراد النوم ألا يتوضأ، وإن كان هو الأفضل- بالأدلة السابقة في دليل القول بالنسخ. ووجه الاستدلال منها هو: أن حديث عائشة-﵂ ظاهر في أن رسول الله ﷺ كان يصيب من أهله ثم ينام قبل أن يمس ماءاً. وأما حديث عمر ﵁ ففيه أن الجنب إذا أراد النوم يتوضأ إن شاء، فيدل على أنه لا بأس إذا لم يتوضأ.

стр. 387

وأما حديث ابن عباس ﵁ فيدل على أن الوضوء إنما يراد للصلاة، ففيه نفي الوضوء عن الجنب إذا أراد النوم (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أنه يستحب للجنب إذا أراد النوم أن يتوضأ وضوءه للصلاة ويكره تركه- بما يلي: أولاً: عن عبد الله ﵁ قال: استفتى عمر النبي ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم إذا توضأ» (٢). ثانياً: عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ بأنه تصيبه الجنابة من الليل؟ فقال له رسول الله ﷺ : «توضأ واغسل ذكرك ثم نم» (٣). ثالثاً: عن عائشة-﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة» (٤).

стр. 388

ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث فيها أن النبي ﷺ كان يتوضأ إذا أراد النوم وهو جنب، وأنه أمر بذلك، إلا أنها حملت على الاستحباب لا على الوجوب للأحاديث الدالة على جواز ترك الوضوء للجنب إذا أراد النوم (١). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو وجوب الوضوء على الجنب إذا أراد النوم- بأدلة القول الثاني. ووجه الاستدلال منها: أن فيها الأمر بالوضوء، وهو للوجوب (٢). واعترض عليه: بأن الأمر فيها ليس للوجوب، بل للندب؛ بدليل الأحاديث الدالة على جواز الترك (٣). الراجح بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الثاني، وهو استحباب الوضوء للجنب إذا أراد النوم؛ وذلك لأنه يمكن أن يجمع به بين الأحاديث الواردة في المسألة، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكناً فإنه لا يصار معه إلى ترك بعضها ولا إلى

стр. 389

النسخ (١). ولأن الأحاديث الواردة في المسألة ليس فيها ما يدل على أن بعضها ناسخة لبعضها، ثم الأحاديث الدالة على الوضوء للجنب إذا أراد النوم أقوى وأصح مما يخالفها؛ لخلوها عن أي كلام فيها، بخلاف ما يخالفها، فكيف يقال بنسخها بما لا يقاومها؟ (٢). والله أعلم.

стр. 390

المطلب الثامن: الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود إلى الجماع أجمع أهل العلم على أنه يجوز للجنب أن يعود إلى الجماع قبل الاغتسال (١). وذهب الطحاوي إلى أن الأمر بالوضوء للجنب إذا أراد أن يعود إلى الجماع قد نُسخ؛ لذلك لا بأس للجنب إن يعود إلى الجماع وإن لم يتوضأ (٢). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف عند بعض الفقهاء، لكن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف ظواهر الآثار الواردة في المسألة، والاختلاف في مفهومها، أي هل هي للوجوب أو الندب والاستحباب. وسيتبين ذلك من خلال ذكر الأدلة ووجه الاستدلال منها (٣). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عائشة-﵂-قالت: «كان رسول الله ﷺ يجامع ثم يعود ولا يتوضأ، وينام ولا يغتسل» (٤).
следующие страницы →