والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر، وابن حزم (١).
القول الثالث: أنه يجب على الجنب إذا أراد النوم أن يتوضأ وضوءه للصلاة.
وهو قول ابن حبيب من المالكية (٢)، وقول بعض الظاهرية، منهم داود الظاهري (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول - وهو أنه لا بأس للجنب إذا أراد النوم ألا يتوضأ، وإن كان هو الأفضل- بالأدلة السابقة في دليل القول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منها هو: أن حديث عائشة-﵂ ظاهر في أن رسول الله ﷺ كان يصيب من أهله ثم ينام قبل أن يمس ماءاً.
وأما حديث عمر ﵁ ففيه أن الجنب إذا أراد النوم يتوضأ إن شاء، فيدل على أنه لا
بأس إذا لم يتوضأ.
стр. 387
وأما حديث ابن عباس ﵁ فيدل على أن الوضوء إنما يراد للصلاة، ففيه نفي الوضوء عن الجنب إذا أراد النوم (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أنه يستحب للجنب إذا أراد النوم أن يتوضأ وضوءه للصلاة ويكره تركه- بما يلي:
أولاً: عن عبد الله ﵁ قال: استفتى عمر النبي ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم إذا توضأ» (٢).
ثانياً: عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ بأنه تصيبه الجنابة من الليل؟ فقال له رسول الله ﷺ : «توضأ واغسل ذكرك ثم نم» (٣).
ثالثاً: عن عائشة-﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة» (٤).
стр. 388
ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث فيها أن النبي ﷺ كان يتوضأ إذا أراد النوم وهو جنب، وأنه أمر بذلك، إلا أنها حملت على الاستحباب لا على الوجوب للأحاديث الدالة على جواز ترك الوضوء للجنب إذا أراد النوم (١).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو وجوب الوضوء على الجنب إذا أراد النوم- بأدلة القول
الثاني.
ووجه الاستدلال منها: أن فيها الأمر بالوضوء، وهو للوجوب (٢).
واعترض عليه: بأن الأمر فيها ليس للوجوب، بل للندب؛ بدليل الأحاديث الدالة على جواز الترك (٣).
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الثاني، وهو استحباب الوضوء للجنب إذا أراد النوم؛ وذلك لأنه يمكن أن يجمع به بين الأحاديث الواردة في المسألة، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكناً فإنه لا يصار معه إلى ترك بعضها ولا إلى
стр. 389
النسخ (١).
ولأن الأحاديث الواردة في المسألة ليس فيها ما يدل على أن بعضها ناسخة لبعضها، ثم الأحاديث الدالة على الوضوء للجنب إذا أراد النوم أقوى وأصح مما يخالفها؛ لخلوها عن أي كلام فيها، بخلاف ما يخالفها، فكيف يقال بنسخها بما لا يقاومها؟ (٢).
والله أعلم.
стр. 390
المطلب الثامن: الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود إلى الجماع
أجمع أهل العلم على أنه يجوز للجنب أن يعود إلى الجماع قبل الاغتسال (١).
وذهب الطحاوي إلى أن الأمر بالوضوء للجنب إذا أراد أن يعود إلى الجماع قد نُسخ؛ لذلك لا بأس للجنب إن يعود إلى الجماع وإن لم يتوضأ (٢).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف عند بعض الفقهاء، لكن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف ظواهر الآثار الواردة في المسألة، والاختلاف في مفهومها، أي هل هي للوجوب أو الندب والاستحباب. وسيتبين ذلك من خلال ذكر الأدلة ووجه الاستدلال منها (٣).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عائشة-﵂-قالت: «كان رسول الله ﷺ يجامع ثم يعود ولا يتوضأ، وينام ولا يغتسل» (٤).
стр. 391
ثانياً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ فإنه أنشط للعود» (١).
ثالثاً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة» (٢) ..
وفي رواية عنه ﵁: (أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد) (٣).
رابعاً: عن ابن عباس ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ فجاء من الغائط وأتي
стр. 392
بطعام فقيل له: ألا توضأ؟ فقال: «لِمَ أ أصلي فأتوضأ؟» (١).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على جواز ترك الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود للجماع، فيجوز أن يكون الأمر بالوضوء للجنب إذا أراد أن يعود في حال ما كان الجنب لا يستطيع ذكر الله تعالى حتى يتوضأ فأُمر بالوضوء ليُسمّي عند جماعه كما أمر بذلك رسول الله ﷺ ، ثم رخص لهم أن يتكلموا بذكر الله وهو جنب فارتفع ذلك، فيكون الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود منسوخاً بذلك، ويدل عليه حديث عائشة-﵂ أنه ﷺ كان يجامع ثم يعود ولا يتوضأ. فهذا ناسخ للأمر بالوضوء عند المعاودة إلى الجماع (٢).
ويعترض عليه: بأن نسخ الوضوء للجنب إذا أراد العود للجماع بنسخ الذِّكْرِ على غير طهارة احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال.
كما أنه لا يصار إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع بين الأحاديث، وهنا الجمع بينها ممكن، وذلك بحمل ما ورد في ترك الوضوء على الجواز، وما ورد في الأمر به على الاستحباب والندب (٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
стр. 393
وقد اختلف أهل العلم في الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود إلى الجماع على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا بأس للجنب أن يعود إلى الجماع قبل الوضوء، لكن الأفضل له أن يتوضأ قبل أن يعود.
وهو مذهب الحنفية (١)، ونحوه قول المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وروي نحو ذلك عن الحسن، وابن سيرين (٤).
القول الثاني: أنه يستحب للجنب إذا أراد العود إلى الجماع أن يتوضأ وضوءه للصلاة، ويكره تركه.
وهو قول الشافعية (٥)، ونحوه قول عند الحنابلة (٦).
стр. 394
القول الثالث: أن الجنب إذا أراد العود إلى الجماع يجب عليه أن يتوضأ وضوءه للصلاة.
وهو قول بعض الظاهرية، منهم ابن حزم (١).
وروي الأمر بالوضوء عن عمر، وابن عمر-﵄ وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وعطاء (٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أنه لا بأس للجنب إذا أراد العود إلى الجماع أن لا يتوضأ بين ذلك إلا أنه مستحب- بالأدلة السابقة في دليل القول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منها هو: أن حديث عائشة-﵂ صريح في ذلك؛ حيث أن النبي ﷺ كان يعود ولا يتوضأ (٣).
وأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فلأنه ذُكر فيه أن الوضوء أنشط للعود، فدل أن الأمر للإرشاد أو الندب، لا للوجوب (٤).
وأما حديث أنس ﵁ فليس فيه ذكر الوضوء فلعله ﷺ ترك الوضوء لبيان
стр. 395
الجواز (١).
وأما حديث ابن عباس ﵁ فيدل على أن الوضوء إنما يراد للصلاة فقط (٢).
دليل القول الثاني:
ويستدل للقول الثاني-وهو استحباب الوضوء للجنب إذا أراد العود للجماع ويكره تركه - بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» (٣).
ووجه الاستدلال منه ظاهر؛ حيث فيه الأمر بالوضوء للجنب إذا أراد العود، لكن حمل على الاستحباب دون الوجوب بدليل أحاديث الجواز (٤).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو وجوب الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود- بدليل القول الثاني.
стр. 396
ووجه الاستدلال منه: أن فيه الأمر بالوضوء، وهو للوجوب (١).
ويعترض عليه: بأن الأمر في هذا الحديث ليس للوجوب بدليل الرواية الثانية له وغيره من أحاديث الجواز (٢).
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو استحباب الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود للجماع، ولا بأس بتركه، وذلك لأنه يمكن أن يجمع به بين الأحاديث الواردة في المسألة، وما دام يمكن الجمع بين الأحاديث فإنه لا يصار معه إلى ترك بعضها ولا إلى النسخ (٣).
كما أن الأحاديث الواردة في المسألة ليس فيها ما يدل على أن بعضها ناسخة لبعضها.
والله أعلم.
стр. 397
المطلب التاسع: الوضوء مما مست النار
اختلف أهل العلم في الوضوء مما مست النار على أربعة أقوال:
القول الأول: أن الوضوء مما مست النار مطلقًا منسوخ، فلا يجب الوضوء منه، ولا ينقض الوضوء به، وأن ترك الوضوء مما غيرت النار آخر الأمرين (١).
وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤).
وممن قال بعدم الوضوء منه أو روي عنه ذلك: أبو بكر الصديق (٥)، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان (٦)، وعلى بن أبي طالب، وعبد الله
стр. 398
بن مسعود، وأبو الدرداء (١)، و المغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وأبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن عباس، وعامر بن ربيعة (٢)، وأبي بن كعب (٣)، ﵃.
وروي ذلك عن سويد بن غفلة (٤)، وعطاء، وطاووس، ومجاهد.
стр. 399
وبه قال عبيدة السلماني (١)، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد (٢)، وسفيان الثوري، وابن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والحسن بن حي، وأبو عبيد، وداود بن علي، وابن جرير الطبري (٣).
القول الثاني: أن المنسوخ هو الوضوء مما مست النار، غير لحم الإبل، لذلك يجب الوضوء من لحوم الإبل خاصة دون ما سواه مما مسته النار.
وهو قول الإمام أحمد، ومذهب الحنابلة (٤).
стр. 400
وممن قال بالوضوء من لحوم الإبل: جابر بن سمرة (١) ﵁، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي (٢)، وأبو خيثمة زهير بن حرب (٣)، وإسحاق بن راهوية، ويحيى بن يحيى النسابوري (٤)، وأبوثور. واختاره ابن المنذر، وابن خزيمة (٥)، وابن حزم،
стр. 401
والبيهقي (١)، والنووي. (٢)
القول الثالث: أن المنسوخ هو ترك الوضوء مما مست النار، لذلك يجب الوضوء مما مست النار مطلقاً، وينقض الوضوء به.
وهو قول الزهري، وروي نحوه عن أبي هريرة، وعائشة-﵄ (٣).
وممن روي عنه الوضوء من ذلك أو الأمر به: زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو، وأبو موسى الأشعري، وأبو أيوب، وأبو مسعود (٤)، وأبو عزة (٥)،
стр. 402
وعائشة، وأم حبيبة (١)، ﵃.
واختلف فيه عن أبي طلحة الأنصاري، وابن عمر، وأنس بن مالك-﵃.
وبه قال خارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابنه عبد الملك (٢)، و محمد بن المنكدر (٣)، وعمر بن عبد العزيز (٤)، وعروة
стр. 403
بن الزبير، ومعمر بن راشد (١)، و
أبو قلابة الجرمي (٢)، وأبو مجلز (٣)، ويحيى بن يعمر (٤)، وأبو ميسرة (٥)، والحسن البصري (٦).
القول الرابع: أنه لا ينقض الوضوء بما مسته النار مطلقًا، ولا يحب
стр. 404
الوضوء منه ولكنه يستحب.
وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ وهو كذلك اختيار الخطابي (٢).
وقد تبين مما سبق أن القول بالنسخ أحد الأسباب الرئيسية لاختلاف الفقهاء في هذه المسألة، كما أن تعارض الأحاديث الواردة في المسألة هو السبب الأصلي الآخر لاختلافهم فيها.
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو ترك الوضوء مما مست النار مطلقًا وأن الوضوء منه قد نُسخ- بأدلة منها ما يلي:
стр. 405
أولاً: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ «أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ» (١).
ثانياً: عن عمرو بن أمية الضمري (٢) (أنه رأى رسول الله ﷺ يحتز من كتف شاة فدعي إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ) (٣).
ثالثاً: عن ميمونة-﵂: (أن النبي ﷺ أكل عندها كتفًا ثم صلى ولم يتوضأ). (٤)
رابعاً: عن أبي رافع (٥) ﵁ قال: (أشهد لكنت أشوي لرسول الله ﷺ
стр. 406
بطن الشاة ثم صلى
ولم يتوضأ) (١) ..
خامساً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار» (٢).
سادساً: عن محمد بن مسلمة (٣) ﵁ قال: «أكل رسول الله ﷺ مما غيرت النار ثم لم يتوضأ وكان آخر أمريه» (٤).
سابعاً: عن المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ أكل طعاماً ثم أقيمت الصلاة وقد كان توضأ قبل ذلك، فأتيته بماء ليتوضأ فانتهرني، وقال:
стр. 407
«وراءك ولو فعلت ذلك لفعل الناس بعدي» (١).
ثامناً: عن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا وموقوفًا: «إنما الوضوء علينا مما خرج وليس علينا مما دخل» (٢).
تاسعاً: عن ابن عباس ﵁ قال: (إنما النار بركة الله، وما تحل من شيء ولا تحرمه، ولا وضوء مما مست النار، ولا وضوء مما دخل، إنما الوضوء مما خرج من الإنسان) (٣).
والأخبار في هذا كثير، وممن روى عن النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، أو أنه أكل ما مسته النار ولم يتوضأ-غير ما ذكر-: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبو طلحة،
стр. 408
وأبو هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان (١)، ورافع بن خديج (٢)، وسويد بن النعمان، والحسن بن علي، وعائشة، وصفية بنت حيي (٣)، وضباعة بنت الزبير (٤)، وأم حكيم بنت الزبير (٥)، وأم هانئ (٦)، وأم
стр. 409
مبشر (١)، وعمرة بنت
حرام (٢)، وأم عامر بنت يزيد (٣)، وأم سلمة، وابنتها زينب (٤) ﵃ أجمعين- (٥).
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث
أما وجه الاستدلال منها على ترك الوضوء مما مست النار مطلقاً، فهو واضح؛ حيث جاء فيها أن رسول الله ﷺ أكل ما مسته النار وصلى ولم
стр. 410
يتوضأ، فدل ذلك على ترك الوضوء مما مست النار مطلقاً (١).
وأما وجه الاستدلال منها على أنها متأخرة وناسخة للوضوء مما مست النار مطلقاً فمن وجهين:
الأول: أن ممن روى هذه الأحاديث ابن عباس ﵁ وهو قد صحب النبي ﷺ بعد فتح مكة، فدل ذلك أن ترك الوضوء مما مست النار متأخر عن الأمر بالوضوء منه (٢).
الوجه الثاني: أن حديث جابر بن عبد الله ومحمد بن مسلمة يدلان على تأخير ترك
الوضوء مما مست النار على الأمر بالوضوء منه، حيث إن فيهما تصريح بأن هذا آخرالأمرين من رسول الله ﷺ ، فدل ذلك على
стр. 411
نسخ الأمر بالوضوء مما مست النار مطلقًا (١).
وقال ابن المنذر: (وقال بعضهم: والدليل على أن الرخصة هي الناسخة اتفاق الخلفاء الراشدين المهديين: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، في ترك الوضوء، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، ولا يجوز أن يسقط عنهم جميعا علم ما يحتاجون إليه في الليل والنهار، إذ مما لا بد للناس منه الأكل والشرب، ولو كان الأكل حدثاً ينقض الطهارة ويوجب الوضوء لم يخف ذلك عليهم معرفته، وغير جائز أن يجهلوا ذلك) (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني -وهو نسخ الوضوء مما مست النار، إلا من لحم الإبل فيجب الوضوء منه خاصة-بما يلي:
أ-أما الدليل على نسخ الوضوء مما مست النار غير لحم الإبل، فما سبق في دليل القول السابق؛ فإنها تدل على نسخ الوضوء مما مست النار، وعلى عدم وجوب الوضوء منه، كما سبق ذكره.
ب-أما وجوب الوضوء من لحم الإبل خاصة، فلأدلة منها ما يلي:
أولاً: عن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أ أتوضأ من
стр. 412
لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ»، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم فتوضأ من لحوم الإبل» الحديث (١).
ثانياً: عن البراء بن عازب ﵁ قال: سُئل رسولُ الله عن الوضوء من لحوم الإبل فقال:
«توضئوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم فقال: «لا توضئوا منها» (٢).
ثالثاً: عن أسيد بن حضير (٣) ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «توضئوا من لحوم الإبل ولا توضئوا من لحوم الغنم، وصلوا في مرابض الغنم ولاتصلوا في مبارك الإبل». (٤)
стр. 413
رابعاً: عن ذي الغرة (١) ﵁ قال: عرض أعرابي رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يسير، فقال: يا رسول الله تدركنا الصلاة ونحن في أعطان الإبل أفنصلي فيها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا»، قال: أفنتوضأ من لحومها؟ قال: «نعم» (٢).
стр. 414
خامساً: عن عبد الله بن عمر ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توضئوا من لحوم الإبل ولا توضئوا من لحوم الغنم» (١).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة: هو أن هذه الأحاديث تدل على وجوب الوضوء من لحوم الإبل خاصة دون غيرها مما مست النار.
قال أصحاب هذا القول: إن أحاديث الوضوء من لحوم الإبل إما مخصصة لعموم أحاديث ترك الوضوء مما مست النار.
وإما مستثناة منها، حيث إن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ
стр. 415
الوضوء مما مست النار (١).
وثالثًا: أن النقض بلحوم الإبل له علتان:
إحداهما: كونه مما مست النار.
ثانيهما: كونه لحم إبل.
فعلى تقدير لو سلم أنه نسخ الوضوء مما مست النار مطلقاً فيبقى الجانب الآخر وهو
كونه لحم إبل، ونسخ إحدى الجهات لا يلزم منه نسخ الأخرى. (٢)
وقد اعترض أصحاب القول الأول على أدلة أصحاب القول الثاني بما يلي:
أولا: إنها منسوخة، والناسخ لها أحاديث ترك الوضوء مما مست النار، وخاصة حديث جابر ﵁ «كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار» فهو عام يشمل لحم الجزور وغيره مما مست النار (٣).
قالوا: ويؤكد أن الرخصة هي الناسخة اتفاق الخلفاء الراشدين، فهم كانوا لا يتوضئون مما مست النار مطلقاً (٤).
стр. 416
والدليل على ذلك:
أولاً: عن جابر ﵁ «أن النبي ﷺ أكل لحماً ثم صلى ولم يتوضأ»، (وأن أبا بكر أكل لبأً (١) ثم صلى ولم يتوضأ، وأن عمر أكل لحماً ثم صلى ولم يتوضأ). (٢)
ثانياً: عن جابر بن عبد الله ﵁ يقول: «قرب لرسول الله ﷺ خبز ولحم، ثم دعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ»، ثم دخلت مع عمر فوضعت له هاهنا جفنة فيها خبز ولحم وهاهنا جفنة فيها خبز ولحم فأكل عمر ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ) (٣).
ثالثاً: قال البخاري (٤): (وأكل أبو بكر، وعمر، وعثمان -رضي
стр. 417
الله عنهم-فلم
يتوضئوا) (١).
رابعاً: عن أبي سبرة النخعي (٢) أن عمر بن الخطاب أكل لحم جزور ثم قام فصلى ولم يتوضأ) (٣).
خامساً: عن عبد الله بن الحسن (٤) أن علياً أكل لحم جزور ثم صلى ولم
стр. 418
يتوضأ) (١).
أجاب أصحاب القول الثاني عن القول بالنسخ بما يلي:
أولاً: إنه لا يصح القول بالنسخ (لأن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل متأخرعن نسخ الوضوء مما مست النار، أو مقارن له بدليل أنه قرن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم وهي مما مست النار، فإما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي وإما أن يكون بشيء قبله، فإن كان به فالأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ الوضوء مما غيرت النار، فكيف يجوز أن يكون منسوخاً به ومن شرط النسخ تأخر الناسخ. وإن كان النسخ قبله لم يجز أن ينسخ بما قبله) (٢).
ثانياً: أن أكل لحوم الإبل إنما نقض لكونه لحم إبل لا لكونه مما مست النار، ولهذا ينقض وإن كان نيئاً، فنسخ إحدى الجهتين لا يثبت به نسخ الجهة الأخرى. (٣)
ثالثاً: أن أحاديث ترك الوضوء مما مست النار عامة وأحاديث الوضوء من لحوم الإبل خاصة، والعام لا ينسخ به الخاص، لأن من شرط النسخ تعذر الجمع، والجمع بين الخاص والعام ممكن بتنزيل العام على ما عدا محل
стр. 419
التخصيص (١).
ثانيًا: قال بعض أصحاب القول الأول:
يجوز أن يكون المراد بالوضوء في أحاديث الأمر بالوضوء من مما مست النار الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين والتنظيف، وفرق في ذلك بين لحم الإبل وغيره لما في لحوم الإبل من الحرارة والزهومة ما ليس في غيره، فأكد الأمر فيه أكثر من غيره (٢).
أجاب عنه أصحاب القول الثاني بما يلي:
أولاً: أن حمل الوضوء على اللغوي ضعيف، لأن الوضوء إذا جاء على لسان الشارع وجب حمله على الوضوء الشرعي دون اللغوي لأن الظاهر منه أنه إنما يتكلم بموضوعاته (٣).
ثانياً: أن الأمر بالوضوء منه خرج جواباً لسؤال السائل عن حكم الوضوء من لحومها والصلاة في مباركها، فلا يفهم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة (٤).
стр. 420
ثالثاً: أنه لو أراد غسل اليد لما فرق بينه وبين لحم الغنم، فإن غسل اليد منهما مستحب (١).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو وجوب الوضوء مما مسته النار مطلقا وأنه الناسخ لغيره-بأدلة منها ما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توضؤوا مما مست النار» (٢).
ثانياً: عن عائشة-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «توضؤوا مما مست النار» (٣).
ثالثاً: عن زيد بن ثابت ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوضوء مما مست النار» (٤).
رابعاً: عن سلمة بن سلامة بن وقش (٥) ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ
стр. 421
وخرجنا من دعوة دعينا لها ورسول الله ﷺ على وضوء، فأكل ثم توضأ، فقلت له: ألم تكن على وضوء يا رسول الله؟ قال: «بلى ولكن الأمور تحدث وهذا مما حدث» (١).
وممن روى عن النبي ﷺ أنه أمر بالوضوء مما مست النار-غير ما ذكر-أبو طلحة، وأبو
أيوب، وأبو موسى، وسهل بن الحنظلية (٢)، وأم سلمة، وابن عمر، وأم حبيبة-﵃ (٣).
стр. 422
وجه الاستدلال من هذه الأدلة
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث فيها الأمر بالوضوء مما مست النار، والحديث الأخير يدل على تأخر الوضوء مما مست النار على تركه من ذلك، فدل ذلك على أن هذه الأحاديث هي الناسخة لترك الوضوء مما مست النار (١).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث ليس فيها ما يدل على تأخير الأمر بالوضوء مما مست النار على تركه منه إلا الحديث الأخير وهو ضعيف لا يقوم به حجة (٢).
دليل القول الرابع
أما أصحاب القول الرابع فأدلتهم هي الأدلة المذكورة في الوضوء مما مست النار وفي الترك منه، لكن هم جمعوا بين تلك الأحاديث، وذلك بأنهم حملوا الأحاديث الواردة بالأمر بالوضوء مما مست النار على الاستحباب، والأحاديث الواردة في الترك منه على عدم الوجوب، ولا تعارض بين عدم الوجوب والاستحباب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀: (وكذلك أمره بالوضوء مما
стр. 423
مسته النار أمر استحباب؛ لأن ما مسته النار يخالط البدن فليتوضأ، فإن النار تطفأ بالماء، وليس في النصوص ما يدل على أنه منسوخ، بل النصوص تدل على أنه ليس بواجب، واستحباب الوضوء من أعدل الأقوال من قول من يوجبه وقول من يراه منسوخاً، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره) (١).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: أن الراجح هو استحباب الوضوء مما مست النار وعدم وجوبه إلا من لحم الجزور، وذلك لما يلي:
أ- لصحة الأحاديث في ذلك، وعدم معارضتها لأحاديث ترك الوضوء مما مست النار، وذلك بحملها على الخصوص.
ب-وخروجاً من الخلاف، وذلك بأن من توضأ من لحم الإبل وصلى فصلاته صحيحة وطهارته كاملة بالاتفاق، بخلاف من لم يتوضأ منه فإنه لا طهارة له عند جماعة من أهل العلم.
ج-وعملاً بالاحتياط، وقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا
стр. 424
يريبك» (١).
ثانياً: إن الأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء مما مست النار، إن كان المراد بها الوجوب، فتكون منسوخة بالأحاديث التي تدل على ترك الوضوء منه؛ لتأخرها عليها، كما سبق ذكره. إلا لحم الإبل فإنه يجب الوضوء منه، وليس ذلك من المنسوخ؛ لأن الأمر بالوضوء منه جاء مع ترك الوضوء من لحم الغنم، وهو مما مست النار، فدل ذلك على تخصيص لحم الإبل من عموم ترك الوضوء مما مست النار، كما سبق ذكره.
والله أعلم.
стр. 425
المطلب العاشر: الوضوء من مس الذكر
ذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث ترك الوضوء من مس الذكر منسوخ، فيجب على من مس ذكره أن يتوضأ وضوءه للصلاة (١).
وممن صرح بالنسخ: أبو القاسم الطبراني (٢)، وابن حبان البستي (٣)،