← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وخرجنا من دعوة دعينا لها ورسول الله ﷺ على وضوء، فأكل ثم توضأ، فقلت له: ألم تكن على وضوء يا رسول الله؟ قال: «بلى ولكن الأمور تحدث وهذا مما حدث» (١). وممن روى عن النبي ﷺ أنه أمر بالوضوء مما مست النار-غير ما ذكر-أبو طلحة، وأبو أيوب، وأبو موسى، وسهل بن الحنظلية (٢)، وأم سلمة، وابن عمر، وأم حبيبة-﵃ (٣).

стр. 422

وجه الاستدلال من هذه الأدلة ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث فيها الأمر بالوضوء مما مست النار، والحديث الأخير يدل على تأخر الوضوء مما مست النار على تركه من ذلك، فدل ذلك على أن هذه الأحاديث هي الناسخة لترك الوضوء مما مست النار (١). واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث ليس فيها ما يدل على تأخير الأمر بالوضوء مما مست النار على تركه منه إلا الحديث الأخير وهو ضعيف لا يقوم به حجة (٢). دليل القول الرابع أما أصحاب القول الرابع فأدلتهم هي الأدلة المذكورة في الوضوء مما مست النار وفي الترك منه، لكن هم جمعوا بين تلك الأحاديث، وذلك بأنهم حملوا الأحاديث الواردة بالأمر بالوضوء مما مست النار على الاستحباب، والأحاديث الواردة في الترك منه على عدم الوجوب، ولا تعارض بين عدم الوجوب والاستحباب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀: (وكذلك أمره بالوضوء مما

стр. 423

مسته النار أمر استحباب؛ لأن ما مسته النار يخالط البدن فليتوضأ، فإن النار تطفأ بالماء، وليس في النصوص ما يدل على أنه منسوخ، بل النصوص تدل على أنه ليس بواجب، واستحباب الوضوء من أعدل الأقوال من قول من يوجبه وقول من يراه منسوخاً، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره) (١). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: أن الراجح هو استحباب الوضوء مما مست النار وعدم وجوبه إلا من لحم الجزور، وذلك لما يلي: أ- لصحة الأحاديث في ذلك، وعدم معارضتها لأحاديث ترك الوضوء مما مست النار، وذلك بحملها على الخصوص. ب-وخروجاً من الخلاف، وذلك بأن من توضأ من لحم الإبل وصلى فصلاته صحيحة وطهارته كاملة بالاتفاق، بخلاف من لم يتوضأ منه فإنه لا طهارة له عند جماعة من أهل العلم. ج-وعملاً بالاحتياط، وقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا

стр. 424

يريبك» (١). ثانياً: إن الأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء مما مست النار، إن كان المراد بها الوجوب، فتكون منسوخة بالأحاديث التي تدل على ترك الوضوء منه؛ لتأخرها عليها، كما سبق ذكره. إلا لحم الإبل فإنه يجب الوضوء منه، وليس ذلك من المنسوخ؛ لأن الأمر بالوضوء منه جاء مع ترك الوضوء من لحم الغنم، وهو مما مست النار، فدل ذلك على تخصيص لحم الإبل من عموم ترك الوضوء مما مست النار، كما سبق ذكره. والله أعلم.

стр. 425

المطلب العاشر: الوضوء من مس الذكر ذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث ترك الوضوء من مس الذكر منسوخ، فيجب على من مس ذكره أن يتوضأ وضوءه للصلاة (١). وممن صرح بالنسخ: أبو القاسم الطبراني (٢)، وابن حبان البستي (٣)،

стр. 426

والبغوي (١)، وابن حزم (٢)، والحازمي (٣)، وابن العربي (٤)، وابن قدامة (٥). وتبين منه أن القول بالنسخ في هذه المسألة أحد أسباب الاختلاف، عند أهل العلم، ولكن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف ظواهر الآثار الواردة في المسألة، كما سيظهر ذلك من أدلة الأقوال. كما أن الاختلاف-عند بعض أهل العلم- في صحة الأحاديث الواردة في المسألة سبب آخر للاختلاف فيها (٦). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن بسرة بنت صفوان (٧) ﵂ أنها سمعت رسول

стр. 427

الله ﷺ يقول: «من مس ذكره فليتوضأ» (١).

стр. 428

ثانياً: عن أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» (١).

стр. 429

ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء» (١).

стр. 430

رابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مس أحدكم ذكره فعليه الوضوء» (١).

стр. 431

خامساً: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من

стр. 432

مس ذكره فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (١). سادساً: عن طلق بن علي (٢) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من مس ذكره فليتوضأ» (٣).

стр. 433

سابعاً: عن طلق ﵁ قال: قدمنا على نبي الله ﷺ فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ فقال: «هل هو إلا مُضغَة (١) منه» أو قال: «بَضعَة (٢) منه» (٣).

стр. 434

ويستدل منها على نسخ ترك الوضوء من مس الذكر على الوجوه الآتية: أولاً: لأن من بين هذه الأدلة في إيجاب الوضوء من مس الذكر رواية بسرة بنت صفوان ﵂ وقد أسلمت عام الفتح، ومنها رواية أبي هريرة ﵁ وهو قد أسلم سنة سبع من الهجرة، فدل ذلك على أن خبر بسرة وأبي هريرة ﵄ متأخر على خبر ترك الوضوء من مس الذكر؛ لأنه من رواية طلق بن علي ﵁ وهو قد سمع هذا الخبر من رسول الله ﷺ حينما قدم وفداً على رسول الله ﷺ ، وهو يبني المسجد، وبناء المسجد كان أول سنة من سني الهجرة، فدل ذلك على أن خبر بسرة وأبي هريرة ﵄ كان بعد خبر طلق بسنين، وإنما يؤخذ بآخر الأمرين (١). قال ابن حبان: (إن طلق بن علي رجع إلى بلده بعد ما وفد على رسول الله ﷺ في أول سنة من سني الهجرة- إلى أن قال: - ولا يعلم رجوعه إلى

стр. 435

المدينة بعد ذلك، فمن ادعى رجوعه بعد ذلك فعليه أن يأتي بسنة مصرحة ولا سبيل له إلى ذلك) (١). ويعترض عليه بما يلي: أولاً: إن القول بأن بسرة ﵂ أسلمت عام الفتح فيدل ذلك على تأخر خبرها، ففيه نظر؛ لأن غير واحد من أهل العلم قد صرح بأن بسرة من المهاجرات، حتى قال الإمام الشافعي: لها سابقة وهجرة قديمة (٢). ومعلوم أنه لا هجرة بعد الفتح. ثانياً: ويعترض على القول بأن من الذين رووا الوضوء من مس الذكر أبو هريرة ﵁ وقد أسلم سنة سبع، وقدوم طلق كان في السنة الأولى حين كان النبي ﷺ والمسلمون يبنون المسجد، وأنه لا يوجد دليل على أنه رجع بعد ذلك إلى المدينة، يعترض عليه بما يلي: أولاً- أنه قد ذكر غير واحد من أهل العلم أن المسجد النبوي بُني في عهد الرسول ﷺ غير مرة، وأن البناء الثاني كان بعد فتح خيبر (٣).

стр. 436

ولذلك روي عن أبي هريرة ﵁ أنه شارك في بناء المسجد النبوي، فعن أبي هريرة ﵁ أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد ورسول الله ﷺ معهم، قال: فاستقبلت رسول الله ﷺ وهو عارض لبنة على بطنه، فظننت أنها قد شقت عليه، فقلت: ناولنيها يا رسول الله، فقال: (خذ غيرها يا أبا هريرة، فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة) (١). كما روي أن عبد الله بن عمرو، وأبوه (٢) ﵄ شاركا في بناء المسجد. فعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال لأبيه: وقد قتلنا هذا الرجل، وقد قال

стр. 437

رسول الله ﷺ فيه ما قال. قال: أي الرجل؟ قال: عمار بن ياسر، أما تذكر يوم بنى رسو الله ﷺ المسجد فكنا نحمل لبنة لبنة، وعمار كان يحمل لبنتين لبنتين فمرّ على رسول الله فقال: «تحمل لبنتين لبنتين وأنت ترحض (١) الحديث (٢). فعمرو بن العاص ﵁ شارك في بناء المسجد النبوي، وهو أسلم بعد فتح خيبر على ما قاله غير واحد من أهل العلم، وقيل: أسلم سنة خمس (٣). وليس في حديث طلق ﵁ أن حضوره كان في السنة الأولى من الهجرة، بل فيه ذكر حضوره بناء المسجد، فيحتمل أن يكون حضر البناء الأول، ويحتمل أن يكون حضر البناء الثاني.

стр. 438

ثانياً- أنه قد روي عن طلق ﵁ أحاديث تدل على أنه كان في المدينة في غير العام الأول من الهجرة، ومن ذلك: ١ - عن طلق بن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن أغمي عليكم فأتموا العدة» (١). وصوم رمضان فرض في السنة الثانية إجماعًا (٢). ٢ - عن طلق بن علي ﵁ قال: جلسنا عند النبي ﷺ فجاء وفد عبد القيس فقال: «ما لكم قد اصفرت ألوانكم وعظمت بطونكم وظهرت عروقكم؟» قال: قالوا: أتاك سيدنا فسألك عن شراب كان لنا موافقاً فنهيته

стр. 439

عنه، وكنا بأرض مُحِمَّة، قال: «فاشربوا ما طاب لكم» (١). ٣ - عن طلق ﵁ قال: كنا جلوساً عند نبي الله ﷺ فجاء صحار عبد القيس (٢) فقال: يا رسول الله ما ترى في شراب نصنعه من ثمارنا؟ قال: فأعرض عنه النبي ﷺ حتى سأله ثلاث مرات، ثم قام بنا النبي ﷺ فصلى، فلما قضى الصلاة قال: «من السائل عن المسكر؟ يا أيها السائل عن المسكر لا تشربه ولا تسقه أحداً من المسلمين، فوالذي نفس محمد بيده ما شربه قط رجل ابتغاء لذة سكره يسقيه الله خمراً يوم القيامة» (٣).

стр. 440

وهذان الحديثان يدلان على أن طلق ﵁ كان عند رسول الله ﷺ حين قدوم وفد عبد القيس، ووفد عبد القيس قدم على رسول الله ﷺ عام الفتح قبل خروج النبي ﷺ إلى مكة (١). وقيل: كان قدوم وفد عبد القيس سنة تسع (٢). وذكر ابن حجر أنه كان لهم وفادتان: إحداهما قبل الفتح، وثانيتهما كانت في سنة الوفود (٣). ثالثًا: أن طلق بن علي ﵁ كان في وفد بني حنيفة، والمعروف أن وفد

стр. 441

بني حنيفة قدم على رسول الله ﷺ سنة تسع (١). رابعاً: إن الأحاديث المروية عن طلق ﵁ في أحدهما أنه حضر بناء المسجد النبوي، وفي الحديث الثاني عنه روايته مرفوعاً في مس الذكر (هل هو إلا بضعة منك) وهما حديثان مستقلان، فيحتمل أن يكون سمع هذا الحديث (هل هو إلا بضعة منك) حين بناء المسجد النبوي، ويحتمل أن يكون سمعه من النبي ﷺ في غير ذاك الوقت، وليس هناك حديثاً يدل على أنه سمعه من النبي ﷺ عند بناء المسجد إلا حديثاً رواه البيهقي، ولفظه: (عن طلق ﵁ قال: قدمت على النبي ﷺ وهو يبني المسجد، فقال: (اخلط الطين فإنك أعلم بخلطه) فسألته أو سأله رجل فقال: أرأيت الرجل يتوضأ ثم يمس ذكره، فقال: (إنما هو منك) (٢). لكن هذا الحديث ضعيف؛ لضعف أحد رواته (٣). ثم يظهر بالمقارنة بين الروايات أن هذا الحديث حديث مدرج (٤) من بعض الرواة؛ حيث جعل

стр. 442

الحديثين حديثاً واحداً (١). فثبت مما تقدم: ١ - أن طلق بن علي ﵁ قدم المدينة غير مرة. ٢ - أن طلق بن علي ﵁ شارك في بناء المسجد النبوي، لكن لا يوجد ما يصرح بأن ذلك كان في البناء الأول. ٣ - لا يثبت ما يدل على أن سماعه لحديث: (هل هو إلا بضعة منك) كان عند مشاركته في بناء المسجد النبوي، بل حديث: (هل هو إلا بضعة منك) حديث مستقل، وحديث مشاركته في بناء المسجد حديث مستقل، وليس هما حديثاً واحداً (٢). خامساً: أن أهل العلم ذكروا أن التاريخ لا يُعلم بتقدم إسلام الرواي، وتقدم أخذه، وأن ذلك لا يكون دليلاً على النسخ (٣). ثانياً: - من وجوه الاستدلال على النسخ- إن حديث إيجاب الوضوء

стр. 443

من مس الذكر ناسخ لحديث سقوط الوضوء منه؛ لأن إيجاب الوضوء منه إنما هو مأخوذ من جهة الشرع لا مدخل فيه للعقل؛ لاجتماعه مع سائر الأعضاء، فمحال أن يقال: إنما هو بضعة منك والشرع قد ورد بإيجاب الوضوء منه، وجائز أن يجب منه الوضوء بعد ذلك القول شرعاً حادثاً؛ لأنه يحدث من أمره لعباده ما يشاء (١). ويعترض عليه بما يلي: ١ - بأنه لا يمكن كذلك القول بنسخ حديث طلق (هل هو إلا بضعة منك)؛ لأنه معلول بعلة لا يمكن أن تزول، وإذا ربط الحكم بعلة لا يمكن أن تزول فإن الحكم لا يمكن أن يزول؛ لأن الحكم يدور مع علته، والعلة هي كون ذكر الإنسان بضعة منه (٢). ٢ - بأنه كان من المحال أن يقال: (إنما هو بضعة منك) والشرع كان ورد بإيجاب الوضوء منه، لكن لو حمل الوضوء الوارد منه في الشرع على الندب والاستحباب فليس بمحال أن يقال بعد ذلك: (إنما هو بضعة منك)؛ وذلك لذكر بيان الجواز، وأن الأمر الأول كان للندب والاستحباب لا الوجوب. ٣ - أن للمخالف أن يعكس فيقول: قول الصحابي في حديث طلق: (ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ) يشعر بأنه كان بلغه أن النبي ﷺ

стр. 444

شرع فيه الوضوء، فأراد أن يستيقن ذلك، وإلا فالعقل لا يهتدي إلى أن مس الذكر يناسب نقض الوضوء، فعلى ذلك يكون حديث طلق في عدم الوضوء من مس الذكر آخر الأمرين (١). ثالثاً: - من وجوه النسخ- ولأن طلق بن علي ﵁ روي عنه حديث الوضوء من مس الذكر، وكذلك روي عنه حديث ترك الوضوء من مس الذكر، فيشبه أن يكون سمع أولاً حديث ترك الوضوء من مس الذكر، ثم سمع حديث الوضوء منه، فوافق حديث بسرة وأبي هريرة وغيرهما-﵃ ممن روى عن النبي ﷺ الأمر بالوضوء من مس الذكر، فيكون قد سمع الناسخ والمنسوخ (٢). ويعترض عليه بما يلي: ١ - بأن حديث الوضوء من مس الذكر من رواية طلق بن علي ﵁ ضعيف فلا يصح منه الاستدلال على النسخ (٣). ٢ - بأن للمخالف أن يعكس فيقول: حديث طلق ﵁ في عدم الوضوء من مس الذكر هو المتأخر؛ لأن قول الرجل: (ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ) فيه دلالة على أنه كان قد بلغه أن النبي ﷺ شرع فيه الوضوء، فأراد أن يستيقن ذلك، وإلا فالمستقر عندهم أن الأحداث إنما كانت من الخارج النجس؛ لأن العقل لا يهتدي إلى أن مس الذكر يناسب نقض الوضوء، فعلى هذا يكون حديث طلق ﵁ في عدم نقض الوضوء من مس

стр. 445

الذكر هو آخر الأمرين (١). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في الوضوء من مس الذكر على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا ينقض الوضوء بمس الذكر، ولا يجب الوضوء منه. وهو مذهب الحنفية (٢). وروي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، و عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل (٣)، وأنس بن مالك ﵃. وهو رواية عن سعد بن أبي وقاص (٤)، وأبي هريرة، وابن عباس -ضي الله عنهم- (٥).

стр. 446

وهو قول سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسفيان الثوري، والحسن بن حي، وعبيد الله بن الحسن، وابن المنذر. وهو رواية عن سعيد بن المسيب، والحسن وعكرمة، وابن معين (١)، والشعبي (٢). القول الثاني: أنه يجب الوضوء من مس الذكر، وأنه ينقض الوضوء به. وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، ....................................... والحنابلة (٥).

стр. 447

وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن خالد (١)، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة بنت صفوان ﵃. وهو رواية عن سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وأبي هريرة (٢) ﵃. وبه قال عطاء بن أبي رباح، وطاوس، وعروة، وسليمان بن يسار، وأبان بن عثمان (٣)، والزهري، ومجاهد، ومكحول (٤)، وجابر بن زيد، وأبو العالية،

стр. 448

والأوزاعي، والليث، وهشام بن عروة (١)، وابن جريج (٢)، وإسحاق بن راهوية، وأبو ثور، وداود الظاهري، وابن جرير الطبري، وابن حزم. وهو رواية عن سعيد بن المسيب، والحسن، وعكرمة، والشعبي، وابن معين (٣). القول الثالث: أنه يستحب الوضوء من مس الذكر ولا يجب. وهو قول للإمام مالك، اختاره بعض أصحابه (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٦).

стр. 449

الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أن مس الذكر ليس بناقض للوضوء- بما يلي: أولاً: عن طلق ﵁ قال: قدمنا على نبي الله ﷺ فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ فقال: «هل هو إلا مُضغَة منه» أو قال: «بَضعَة منه» (١). ثانياً: عن أبي أمامة ﵁ قال: سُئل رسولُ الله ﷺ عن مس الذكر؟ فقال: «إنما هو حذية (٢) منك» (٣).

стр. 450

ثالثاً: عن عصمة بن مالك الخطمي (١) ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله إني احتككت في الصلاة فأصابت يدي فرجي، فقال النبي ﷺ : «وأنا أفعل ذلك» (٢). رابعاً: عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أبالي إياه مسست أو أنفي» (٣). وجه الاستدلال من هذه الأدلة ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إنها تدل على أن الذكر

стр. 451

جزء من أجزاء البدن، وكما أن مس بقية أعضاء البدن لا يوجب الوضوء ولا ينقضه فكذلك الذكر (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو وجوب الوضوء من مس الذكر- بالأدلة السابقة في دليل القول بالنسخ. ووجه الاستدلال منها على وجوب الوضوء من مس الذكر وأنه ينقض الوضوء به هو: أن هذه الأدلة فيها الأمر بالوضوء من مس الذكر والفرج، وفي بعضها التصريح بوجوب الوضوء من ذلك، فثبت بذلك وجوب الوضوء من مس الذكر، وأن الوضوء ينقض به (٢). واعترض عليه بما يلي: أولاً: بأن الأمر للوجوب إذا لم يكن هناك ما يصرفه عنه، وهنا يوجد ما يدل على أنه ليس للوجوب، وهو ما ورد من الأحاديث الدالة على عدم

стр. 452

نقض الوضوء من مس الذكر (١). وأما ورود ذلك بلفظ (فقد وجب عليه الوضوء) فلعله من تعبير بعض الرواة؛ حيث إن الأكثر رروه بلفظ: (فليتوضأ) فلعل بعض الرواة فهم منه أنه للوجوب فعبر بلفظ: (فقد وجب عليه الوضوء) (٢). ثانياً: بأنه يمكن أن يكون المراد بالوضوء في هذه الأحاديث غسل اليد؛ فإنه يسمى كذلك وضوءا، وبذلك يجمع بين الأحاديث (٣). وأجيب عنه بما يلي: ١ - بأن الوضوء إذا ورد في الشريعة مطلقاً، فإنما يراد به الوضوء الشرعي، لا غسل اليد (٤). ٢ - أنه يرده ورود الحديث بلفظ: (من مس ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة) (٥).

стр. 453

ثالثاً: واعترض عليه أيضاً: بأن مس الذكر كناية عن البول؛ لأن من يبول يمس ذكره عادة، فيكون المراد بمس الذكر في هذه الأحاديث خروج البول والحدث، ومن خرج منه البول والحدث يلزمه الوضوء، وبذلك يدفع التعارض بين الأحاديث (١). وأجيب عنه بما يلي: ١ - أنه يرده لفظ حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء» (٢). ٢ - أن هذا الفهم مخالف لفهم الصحابة الذين رووا هذه الأحاديث، وقالوا بالوضوء من مس الذكر، وكذلك لفهم الذين قالوا بعدم الوضوء منه؛ حيث لم يفهوا من هذا المس البول، بل فهموا من ذلك المس باليد بدون البول، وهم أدرى بعد الله، ثم بعد رسوله ﷺ بفهم مراد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . دليل القول الثالث أما القول الثالث فيستدل له بأدلة القول الأول، وأدلة القول الثاني، وذلك بحمل أدلة القول الأول على استحباب الوضوء من مس الذكر بدليل أدلة

стр. 454

القول الثاني، وبذلك يجمع بين الأحاديث والآثار الواردة في المسألة (١). الراجح بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: أن الأحاديث التي يُستدل منها على الوضوء من مس الذكر أقوى وأصح وأكثر من الأحاديث التي يُستدل منها على ترك الوضوء منه. ثانياً: إن حديث بسرة ﵂، كذلك حديث وطلق بن علي ﵁ الذي يدل على عدم الوضوء من مس الذكر- كلاهما صحيحان. ثالثاً: إن القول بنسخ حديث طلق ﵁ بحديث بسرة وأبي هريرة ﵄ احتمال (٢)، والنسخ لا يثبت بالاحتمال؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا بتوقيف أو اضطرار لا يمكن معه الجمع بين الأمرين، ويُعلم مع ذلك المتأخر، والجمع هنا ممكن (٣). ثم هو احتمال ضعيف أو مردود (٤)، ويؤكد ضعف هذا الاحتمال وعدم الأخذ به أن الأئمة المتقدمين كسفيان الثوري، وابن جريج، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم ممن في طبقتهم أو قبلهم، بعضهم كان يقول بالوضوء

стр. 455

من مس الذكر، و بعضهم كان لا يرى ذلك، وقد جرى بين بعضهم مناظرات في ذلك، ولم أجد عن أحد منهم أنه قال بأن أحد الحديثين منسوخ بالآخر، وإنما القول بالنسخ صار إليه بعض علماء القرن الرابع فمن بعدهم (١). رابعاً: أنه ما دام يمكن الجمع بين الأحاديث المتعارضة فالقول به أولى؛ جمعاً بين الأحاديث وتوفيقاً بينها، وبذلك يظهر رجحان القول الثالث؛ لأن به يحصل الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة. خامساً: أن العمل بحديث بسرة-﵂ أولى؛ خروجاً من خلاف العلماء، وعملاً بالأحوط من أمر الدين، وقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢). والله أعلم.

стр. 456

المطلب الحادي عشر: الوضوء من مس المرأة ذهب ابن حزم إلى أن الأحاديث الدالة على عدم نقض الوضوء من مس المرأة منسوخة بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١)، وبناءً على ذلك فمس الرجل المرأة أو العكس إذا كان عمداً ناقض للوضوء، سواء كان المس لشهوة أم لا (٢). وتبين منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب الاختلاف عند بعض الفقهاء، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهل المراد به الجماع أو ما دون الجماع، وسيظهر ذلك من أدلة الأقوال ووجه الاستدلال منها. دليل من قال بالنسخ واستدل من قال بالنسخ بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٣). ووجه الاستدلال منه هو: أن اللمس قد يكون باليد، كما في قوله تعالى:

стр. 457

﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (١). وقد يكون اللمس بغير اليد كالجماع وغيره، ويدل على هذا ظاهر الكتاب والسنة واللغة، إلا أنه حقيقة في لمس اليد. وإذا كان اللمس مطلقاً يشمل كل ذلك فيقال باطلاقه، فمتى التقت البشرتان انتقض الوضوء، سواء كان بيد أو جماع (٢). وهذه الآية الكريمة متأخرة النزول، والأحاديث الدالة على عدم النقض ليس فيها أنها كانت بعد نزول الآية، بل هي موافقة للحال التي كان الناس عليها قبل نزول الآية، ووردت الآية الكريمة بشرع زائد، فتكون تلك الأحاديث منسوخة بها (٣). واعترض عليه بما يلي: أولاً: أنه لا يسلم أن المراد باللمس في الآية الكريمة الجس والمس باليد؛ وذلك لما يلي: أ- أن اللمس وإن كان يطلق على الجماع والجس باليد وغيرها، لكن المراد به في الآية الكريمة الجماع بدليل القرائن الآتية: ١ - الأحاديث التي تدل على أن القبلة والجس باليد وبغيرها-غير

стр. 458

الجماع- مما لا ينقض الوضوء (١). ٢ - أن هناك دليلاً من تقسيم الآية الكريمة يدل على أن المراد باللمس هنا الجماع، وهو أن في الآية الكريمة تقسيماً للطهارة إلى أصلية وبدلية، وتقسيماً لها إلى كبرى وصغرى، وتقسيماً لأسباب الطهارة الكبرى والصغرى (قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦] فهذه طهارة بالماء أصلية صغرى، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فهذه طهارة بالماء أصلية كبرى. ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ هذا البدل. وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ هذا بيان سبب الصغرى. وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ هذا بيان سبب الكبرى. ولو حملناه على المس الذي هو الجس باليد، لكانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وهذا خلاف البلاغة القرآنية، وعليه فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أي جامعتم النساء، لتكون الآية

стр. 459

مشتملة على السببين الموجبين للطهارة، السبب الأكبر، والسبب الأصغر، والطهارتين الصغرى في الأعضاء الأربعة، والكبرى في جميع البدن، والبدل الذي هو طهارة التيمم في عضوين فقط لأنه يتساوى فيها الطهارة الصغرى والكبرى) (١). فلو أريد باللمس المس باليد لم يشمل التيمم للجنب عند عدم الماء (٢). ٣ - أن اللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد إلا أنه إذا أضيف إلى النساء وجب أن يكون المراد منه الجماع، كالوطء؛ حيث أنه حقيقة في المشي بالأقدام وإذا أضيف إلى النساء لم يعقل منه غير الجماع (٣). ب- إن القول بأن اللمس يطلق على الجماع ويطلق على الجس باليد فيقال بإطلاقه وعمومه في اللمسين فيعترض عليه: بأن هذا الفهم ضعيف؛ لأن العرب إذا خاطبت بالاسم المشترك إنما تقصد به معنى واحداً من المعاني التي يدل عليها الاسم، لا جميع المعاني التي يدل عليها (٤). ومما يؤكد ذلك أن علياً وابن عباس وأبا موسى الأشعري ﵃ لما تأولوا اللمس على الجماع لم يوجبوا نقض الطهارة بلمس اليد.

стр. 460

وعمر وابن مسعود ﵄ لما تأولاه على اللمس باليد لم يجيزا للجنب التيمم (١). ثانياً: أن قول تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ يحتمل أن يكون المراد به الجماع، ويحتمل أن يكون المراد به ما دون الجماع من الجس باليد والتقبيل ونحو ذلك، وعلى الاحتمال الأول لا يصح الاستدلال من الآية على النسخ إطلاقاً؛ لأن إيحاب الطهارة من الجماع لا يلزم منه إيجاب الطهارة من المس بما دون الجماع. وعلى الاحتمال الثاني لا يصح الاستدلال منها على النسخ كذلك؛ لأن كون الآية نزلت بعد تلك الأحاديث وأن تلك الأحاديث كانت قبل نزول الآية احتمال ليس عليه أي دليل، والنسخ لا يثبت بالاحتمال؛ لأن النسخ لا بد فيه من معرفة التاريخ حتى يعرف المتقدم والمتأخر، فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم، وهذا لا يوجد هنا؛ لأن الأحاديث التي يستدل بها على أن لمس النساء لا ينقض الوضوء ليس فيها أي دليل على أنها كانت قبل نزول الآية، وأنه لم يوجد منها شيء بعد نزولها (٢). ثالثاً: أن لمس النساء مما تعم به البلوى، فكيف يكون ناقضاً للوضوء ثم لا يَرِدُ به إلا آية محتملة لمعنيين، ويكون مع المعنى الغير المراد من القرائن والدلائل ما يرجحها على المعنى الذي سيقت الآية لأجلها؟ فهذا مما يرده
следующие страницы →