← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المطلب الرابع عشر: كتابة الأحاديث. الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج. الفهارس العلمية، وهي كالتالي: ١ - فهرس الآيات القرآنية. ٢ - فهرس الأحاديث النبوية. ٣ - فهرس الآثار. ٤ - فهرس المصطلحات العلمية. ٥ - فهرس الكلمات الغريبة. ٦ - فهرس الأعلام المترجم لهم. ٧ - فهرس المصادر والمراجع. ٨ - فهرس الموضوعات. منهج البحث سأسير في إعداد هذا البحث -إن شاء الله تعالى- على المنهج التالي: ١ - جمع المادة العلمية المتعلقة بالمسائل الفقهية التي قيل فيها بالنسخ، سواء كانت من المتفق على نسخها، أو من المختلف فيها، من المصادر الأصيلة. ٢ - يشمل الجمع الناسخ والمنسوخ، سواء كانا مما ورد ذكرهما في الكتاب، أو ورد ذكرهما في السنة، أو أحدهما في الكتاب، والآخر في السنة. ٣ - ذكر عنوان المسألة، ثم ذكر أسماء بعض من قال أو صرح بالنسخ في

стр. 37

المسألة، ثم بيان أثر النسخ في اختلاف الفقهاء فيها، ثم أدلة القول بالنسخ، ثم وجه الاستدلال منها على النسخ، ثم مناقشة وجه الاستدلال-إن وجدت-، ثم ذكر أقوال الفقهاء في المسألة، وأدلتهم، والمناقشة، مع ذكر القول الراجح وسبب رجحانه. ٤ - بيان أثر النسخ في اختلاف الفقهاء. ٥ - الاعتماد على المصادر الأصيلة في نقل الأقوال والمذاهب. ٦ - عزو الآيات القرآنية، بذكر اسم السورة، ورقم الآية، مع كتابتها حسب الرسم العثماني. ٧ - تخريج الأحاديث النبوية عند أول ذكر لها، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بتخريجه منهما، أو من أحدهما، وإن كان في غيرهما خرجته من مصدره، مع ذكر أقوال أهل العلم فيه من حيث الصحة والضعف. ثم إن كان الحديث في السنن الأربعة أو أحدها فإني أبدأ بالتخريج منها، مبتدءاً بسنن أبي داود، ثم سنن الترمذي، ثم سنن النسائي، ثم سنن ابن ماجة، ثم أذكر بقية مصادر تخريج الحديث مرتبا ذلك على حسب سن الوفيات. وإن لم يكن الحديث في السنن الأربعة أو أحدها فإني أرتب المصادر المخرج منها الحديث على حسب سن الوفيات، مع الإشارة في جميع ذلك إلى المصدر الذي أُخذ منه سياق الحديث إن لم يكن ذلك لفظ أول مصدر. ثم قد أذكر حديثا واحدا بعدة ألفاظ وروايات؛ وذلك:

стр. 38

-إما لضعف بعض الروايات وعدم صراحة بعضها الأخر في الدلالة. -وإما لأن كلها متكلم فيها، فإذا ذكرت جميع تلك الطرق والألفاظ صار لها بعض القوة. -وإما لأن تلك الألفاظ والروايات قد يستدل منها على الاضطراب في الحديث، أو يدفع بها بعض الاعتراضات. -وإما لأن تلك الروايات والألفاظ يختلف منها وجوه الاستدلال، فأذكر جميعها أو أكثرها حتى تتضح منها وجوه الاستدلال. ٨ - تخريج الآثار من مظانها عند أول ذكر لها. ٩ - شرح المصطلحات العلمية، والكلمات الغريبة التي تحتاج إلى بيان. ١٠ - ترجمة الأعلام الواردة أسماؤهم في البحث، عند أول وروده. ١١ - وضع خاتمة في آخر الرسالة، أبين فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال دراسة الموضوع. ١٢ - الالتزام بالقواعد الإملائية، وعلامات الترقيم، وضبط ما يحتاج إلى ضبط. ١٣ - وضع فهارس علمية في آخر الرسالة، كما هو موضح في الخطة. شكر وتقدير عملاً بقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١).

стр. 39

وبقول النبي ﷺ : «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (١). فإني أحمد الله ، وأشكره على ما هداني للإسلام، ورزقني العقيدة الصحيحة، وعلى أن وفقني لإنهاء هذا البحث، وأعانني على إنجازه، ويسر ذلك لي بحوله وقوته، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد كما يحبه ويرضاه، ولا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه. ثم أشكر أبويّ اللذين ربياني صغيرا، ووجهوني إلى طلب العلم منذ نعمومة أظفاري، فرحم الله المتوفى منهما، وبارك في عمر ما بقي منهما، وجازاهما عني خير ما يجازي الوالدين عن ولدهما، وأسكنهما فسيحة جناته. كما أشكر إخوتي وأشقائي؛ حيث ساعدوني وواسوني بكل ما استطاعوا، فجزاهم الله عني خير الجزاء، وغفر لمن توفي منهم، وبارك في عمر الباقين. ثم أتقدم بالشكر، والعرفان، لقادة هذه البلاد المباركة، دولة التوحيد، وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين حفظه الله، وأخص بالشكر كلية الشريعة خصوصاً، والجامعة الإسلامية عموماً، و القائمين عليهما، على ما هيئوا من ينابيع العلم للطلاب، ووفروا لهم كل ما يحتاجونه من العون المعنوي

стр. 40

والمادي، كما قاموا ويقومون بتقديم جهود مباركة في نشر العلم، والعقيدة الصحيحة، والدعوة إليها في جميع أنحاء العالم، فأسأل الله العلي القدير أن يزيدها والقائمين عليها قوة وثباتا؛ لأداء رسالتها المباركة، لتبقى صرحاً شامخاً لنشر الدعوة الإسلامية، ورفع راية التوحيد. كما أتقدم بالشكر والعرفان، وبالغ التقدير، لفضيلة شيخي المشرف على هذه الرسالة، فضيلة الأستاذ الدكتور: عبد العزيز بن مبروك الأحمدي-حفظه الله-الأستاذ بقسم الفقه في كلية الشريعة، بالجامعة الإسلامية، وعميد عمادة شئون الخريجين، الذي لمست فيه روح الإخلاص، والجهد في التوجيه و الإرشاد؛ حيث إنه لم يدخر وسعاً، ولم يأل جهداً في سبيل إنجاز هذا العمل الذي أخذ من وقته الثمين، فأشكره لإخلاصه، وسعيه، ونصحه، والإفادة بالتوجيهات العلمية، والملاحظات القيمة، وأسأل الله أن يجزيه عني خير الجزاء، وأن يبارك في عمره وعلمه، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يعظم مثوبته في الدنيا والآخرة. كما أتقدم بالشكر والعرفان لفضيلة كل من الشيخين الفاضلين: فضيلة الأستاذ الدكتور: فرج بن زهران الدمرداش، الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة أم القرى، بمكة المكرمة. وفضيلة الأستاذ الدكتور: عبد السلام بن سالم السحيمي، الأستاذ بقسم الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. على ما تفضلا بقبول مناقشة هذه الرسالة، فجزاهما الله عني وعن

стр. 41

الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأسأل الله أن يبارك في علمهما وينفع بهما الإسلام والمسلمين، وأن يعظم مثوبتهما في الدنيا والآخرة. كما لا يفوتُني أن أقدم بالشكر إلى كل من قدم لي عوناً، أو أسدى إليّ نصحاً، من الإخوة الزملاء، والأساتذة الأعزاء، سائلا المولى جل وعلا أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب. هذا، وما بذلت من الوسع في إعداد هذه الرسالة هو جهد المقل، مع الاعتراف بالتقصير، وكل أملي أن يكون صوابه أكثر من خطئه، فما كان فيه من صواب فمن الله ، فله الحمد أولاً، وآخراً، وما كان فيه غير ذلك فاستغفر الله منه، وأتوب إليه، وأسأله العفو عن الزلات والهفوات؛ إنه هو التواب الرحيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 42

التمهيد في تعريف النسخ، والفرق بينه وبين التخصيص، وبينه وبين البداء، ومشروعيته، والحكمة من وقوعه، وشروطه، وفضيلة علم الناسخ والمنسوخ، وأنواع النسخ وأقسامه، وزمنه، وما يدخله النسخ وما لا يدخله، وطرق معرفته، وبعض من ألف فيه. وفيه مبحثان: المبحث الأول: في تعريف النسخ، والفرق بينه وبين التخصيص، وبينه وبين البداء، و مشروعيته، والحكمة من وقوعه، وشروطه، وفضيلة علم الناسخ والمنسوخ. وفيه سبعة مطالب. المبحث الثاني: في أنواع النسخ وأقسامه، وزمنه، وما يدخله النسخ وما لا يدخله، وطرق معرفته، وبعض من ألف فيه. وفيه خمسة مطالب.

стр. 43

المبحث الأول: في تعريف النسخ، والفرق بينه وبين التخصيص، وبينه وبين البداء، ومشروعيته، والحكمة من وقوعه، وشروطه، وفضيلة علم الناسخ والمنسوخ وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: تعريف النسخ لغة وشرعاً. المطلب الثاني: الفرق بين النسخ والتخصيص. المطلب الثالث: الفرق بين النسخ والبداء. المطلب الرابع: مشروعية النسخ. المطلب الخامس: الحكمة من وقوع النسخ. المطلب السادس: شروط النسخ. المطلب السابع: فضيلة علم الناسخ والمنسوخ.

стр. 44

المطلب الأول: تعريف النسخ لغة وشرعاً تعريف النسخ لغة يطلق النسخ لغة على معنيين: الأول: الإزالة التي يراد بها: الانعدام، والإبطال، والمحو. الثاني: النقل، والتحويل والتبديل. أما النسخ بمعنى الإزالة التي هي على وجه الإعدام والإبطال فعلى قسمين: أحدهما: إزالة إلى بدل. وهو أن يزيل شيء ويحل غيره محله. ومن أمثلة ذلك: أ-قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١). قال ابن جرير الطبري (٢): (يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾

стр. 45

إلى غيره، فنُبدِّله ونُغيِّره. وذلك أن يحوّل الحلال حراماً والحرام حلالاً، والمباح محظوراً والمحظور مباحاً) (١). ب- قولهم: (نسخت الشمس الظل)، أي أذهبته وحلت محله. ج-قولهم: (نسخ الشيب الشباب). وهو في نفس معنى سابقه. الثاني: الإزالة إلى غير بدل. وهو أن يُزيل شيء، من غير أن يحل شيء آخر محله. ومن أمثلته: أ-قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ (٢) أي يذهبه ويبطله (٣). ب-قولهم: (نسخت الريح الآثار). أي أبطلتها وأزالتها. أما النسخ بمعني النقل، والتحويل والتبديل، فمن أمثلة ذلك: أ-قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤). والمراد نقله إلى الصحف. قال ابن جرير: (يقول: إنا كنا نستكتب حفظتنا أعمالكم، فتثبتها في الكتاب، و تكتبها) (٥).

стр. 46

ب-قولهم: (نسخت الكتاب). أو: (نسخت الكتاب ما فيه) فليس المراد إعدام ما فيه، بل تصوير مثل ما في الكتاب في محل آخر. ج- قولهم: (نسخ ما في الخلية) أي حوّله إلى غيرها (١).

стр. 47

وقد اختلف جماعة من أهل العلم من الأصوليين في اسم النسخ، هل هو حقيقة (١) في المعنيين أم في أحدهما دون الآخر، على ثلاثة أقوال (٢): الأول: إنه حقيقة فيهما، مشترك بينهما لفظا؛ لاستعماله فيهما (٣). الثاني: إنه حقيقة في الإزالة، مجاز (٤) في النقل (٥). الثالث: إنه حقيقة في النقل، مجاز في الإزالة (٦). تعريف النسخ شرعاً النسخ نوعان: نسخ للشرائع (٧)، ونسخ في الشريعة الإسلامية. وسأذكر-

стр. 48

إن شاء الله تعالى- أولاً تعريف نسخ الشرائع، ثم بعض التعريفات الاصطلاحية للنسخ في الشريعة الإسلامية. أولاً: تعريف نسخ الشرائع نسخ الشرائع هو: ابتداء شريعة دلت على انتهاء السابقة (١). والمراد: أن الشريعة المتأخرة تنسخ الشريعة السابقة فيما يعارضها. وليس المراد أن الشريعة السابقة تُنسخ بكاملها بحيث لا يبقى منها شيء؛ وذلك لأنه قد يوجد أشياء مشتركة بين جميع الشرائع لا يمكن القول بنسخها كأصول العقائد والإيمانيات. كما أن الشريعة المتأخرة قد تُشرع فيها أحكام موافقة لسابقتها، وقد يوجد في السابقة أشياء لا يكون لها ذكر في الشريعة المتأخرة. فهذه الأمور لا يقال بأنها نُسخت بالشريعة المتأخرة (٢). ثانياً: بعض التعريفات الاصطلاحية للنسخ في الشريعة الإسلامية النسخ له إطلاقان: إطلاق عند السلف، وإطلاق عند المتأخرين، فهو في

стр. 49

اصطلاح السلف يختلف عن النسخ في اصطلاح المتأخرين؛ لأن النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين، أعم من النسخ عند من بعدهم؛ حيث إنهم يطلقون النسخ على تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتفصيل المجمل، وإيضاح المبهم، ونحو ذلك، كما كانوا يطلقونه على النسخ بمعناه المعروف عند المتأخرين من الأصوليين وغيرهم بعد تحديد المصطلحات العلمية. وقد صرح بهذا غير واحد من أهل العلم، منهم: أ- شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀؛ حيث قال: (والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف-العام- كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح، كتخصيص العام، وتقييد المطلق) (١). وقال أيضاً: (وفصل الخطاب أن لفظ النسخ مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه، من عموم أو إطلاق أو غير ذلك) (٢). ب- ابن القيم (٣) ﵀؛ حيث قال: (ومراد عامة السلف

стр. 50

بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد، أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخاً، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر) (١). ج- أبو إسحاق الشاطبي (٢) ﵀ حيث قال: (وذلك أن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخاً، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخاً، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخاً، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخاً؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الاصطلاح

стр. 51

المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخراً، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به، وهذا المعنى جار في تقييد المطلق؛ فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمول هو المقيد، فكأن المطلق لم يفد مع مقيِّدِه شيئاً، فصار مثل الناسخ والمنسوخ. كذا العام مع الخاص؛ إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم بجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار، فأشبه الناسخ والمنسوخ؛ ولأن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أُهمل منه ما دل عليه الخاص، وبقي السائر على الحكم الأول. والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق، فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني؛ لرجوعها إلى شيء واحد) (١). فتبين مما سبق أن النسخ في اصطلاح السلف العام أعم منه في اصطلاح المتأخرين، وأن ما اصطلح عليه المتأخرون هو أحد إطلاقاته عندهم. أما النسخ عند المتأخرين فقد تعددت تعريفاتهم له، والغرض منها كلها هو تصوير حقيقة النسخ في اصطلاح الشرع، وسأكتفي بذكر بعض منها، مع ذكر شيء من شرحها، دون التعرض لما يرد عليها من مآخذ وإيرادات والأجوبة عنها، وذلك خشية التطويل. وفيما يلي بعض هذه التعريفات:

стр. 52

أ-النسخ، هو: (الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، على وجه لولاه لكان ثابتاً به، مع تراخيه عنه) (١). شرح التعريف: قوله: (الخطاب) قيد يقصد به تعميم كل خطاب ودليل، سواء كان من باب المنطوق أو غيره. قوله: (الدال على ارتفاع الحكم) قيد به ليتناول الأمر، والنهي، والخبر، وجميع أنواع الحكم. قوله: (بالخطاب المتقدم) قيد يخرج به إيجاب العبادات ابتداء، فإنه يزيل حكم العقل ببراءة الذمة، ولا يسمى نسخاً؛ لأنه لم يزل حكم خطاب. قوله: (على وجه لولاه لكان ثابتاً) قيد يحترز به عما إذا ورد الخطاب بحكم موقت، ثم ورد الخطاب عند تصرّم ذلك الوقت بحكم مناقض للأول، فإنه لا يكون نسخاً لحكم الخطاب الأول. قوله: (مع تراخيه عنه) قيد يحترز به عن الخطاب المتصل، كالاستثناء،

стр. 53

والتقييد بالشرط والغاية، فإن ذلك لا يكون نسخاً، بل بياناً لمدة العبادة (١). ب-النسخ، هو: (أن يرد دليل شرعي، متراخياً عن دليل شرعي، مقتضياً خلاف حكمه) (٢). شرح التعريف: قوله: (دليل شرعي) يشمل الدليل من الكتاب، والسنة قولاً وفعلاً. قوله: (متراخياً) خرج به التخصيص؛ لأنه لا يكون متراخياً. قوله: (مقتضياً خلاف حكمه) أي يدافعه وينافيه، وخرج به مجرد المغايرة (٣). ج- النسخ، هو: (رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه) (٤). شرح التعريف: قوله: (رفع) قيد خرج به ما ليس برفع، كالتخصيص، فإنه لا يرفع

стр. 54

الحكم، وإنما يقصره على بعض أفراده. قوله: (حكم شرعي) قيد يخرج به ابتداء إيجاب العبادات في الشرع، فإنه يرفع حكم العقل ببراءة الذمة، وهو لا يقال له نسخ. قوله: (بمثله) يراد به الحكم الشرعي، ويخرج به رفع الحكم الشرعي بدليل عقلي. قوله: (مع تراخيه عنه) قيد يحترز به عن الخطاب المتصل، كالاستثناء، والتقييد بالشرط والغاية، فإن ذلك لا يكون نسخاً، بل بياناً لمدة العبادة (١). وهذا التعريف الأخير (٢)، لعله يكون أولى من سابقيه؛ لكونه مختصراً، وأكثر جامعية. لكن جميع هذه التعريفات المذكورة ينقصها عدم شمولها لجميع أنواع النسخ، لذلك بعد البحث والقراءة لتعريفات النسخ وأنواعه، يظهر لي أن الأولى أن يعرف النسخ اصطلاحاً بما يلي: النسخ: رفع حكم دليل أحد الوحيين، أو لفظ دليل الوحي المتلُوّ، أو لفظه وحكمه معاً، بدليل من الوحيين، مع تراخيه عنه. قوله: (رفع) هذا تعريف للنسخ على أنه فعل الشارع، وهذا التعبير أولى من التعريف بأنه الخطاب، أو اللفظ، أو الطريق؛ لأنه تعريف للنسخ

стр. 55

بدليله. وخرج بهذا القيد ما ليس برفع، كالتخصيص، فإنه لا يرفع الحكم، وإنما يقصره على بعض أفراده. قوله: (حكم أحد الوحيين) هذا قيد مخرج لرفع حكم البراءة الأصلية، فهو لا يسمى نسخاً. والمراد (بالوحيين) الكتاب والسنة، ويسمى الأول الوحي المتلو، والثاني الوحي غير المتلو. قوله: (أو لفظ دليل الوحي المتلو) قيد التعريف به ليشمل نسخ لفظ التلاوة؛ لأن النسخ إما أن يكون للحكم، أو للفظ، أو لهما معاً. قوله: (أو لفظه وحكمه معاً) قيد التعريف به ليشمل نسخ لفظ وحكم دليل الوحي المتلو معاً، لأن ذلك أحد أنواع نسخ القرآن. قوله: (بدليل) يخرج به رفع الحكم بالموت أو الجنون، ونحوهما. قوله: (من الوحيين) أي الكتاب والسنة، ويخرج به ما عداهما من الأدلة، كالإجماع (١) والقياس (٢)، فلا ينسخ بهما.

стр. 56

قوله: (مع تراخيه عنه) قيد يحترز به عن الدليل المتصل، كالاستثناء، والتقييد بالشرط والغاية، فإن ذلك لا يكون نسخاً، بل بياناً لمدة العبادة. فهذا التعريف لعله يكون أولى؛ لشموله لجميع أنواع النسخ ولكونه جامعاً مانعاً في نظري. والله أعلم.

стр. 57

المطلب الثاني: الفرق بين النسخ والتخصيص بين النسخ وبين التخصيص (١) علاقة تحتاج إلى بيان وإيضاح، يُفصل بينهما، ويحدد معالم كل منهما. وإنما وقع هذا التشابه بينهما بسبب أن كلاً منهما قد يوجب تخصيص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ لغة (٢). فالنسخ فيه ما يشبه تخصيص الحكم ببعض الأزمان، والتخصيص فيه ما يشبه رفع الحكم عن بعض الأعيان (٣). وفيما يلي بيان لأهم وأظهر هذه الفروق التي يتميز بها كل منهما عن الآخر: أولاً: أن التخصيص يُبيّن أن ما خرج عن العموم، لم يكن المتكلم قد أراد بلفظه الدلالة عليه.

стр. 58

والنسخ يُبيّن أن ما خرج لم يرد التكليف به، وإن كان قد أراد بلفظه الدلالة عليه. فالذي يرفعه الناسخ كان قبل النسخ مقصوداً دخوله في معنى اللفظ وفي الحكم (١). ثانياً: أن النسخ لا بد فيه أن يكون الناسخ متراخياً عن المنسوخ ومتأخراً عنه، بخلاف التخصيص فإنه يجوز اقترانه (٢). ثالثاً: أن النسخ لا يدخل الأخبار ولا يقع فيها، بل هو مختص بأحكام الشرع، أما التخصيص فإنه يكون في الأخبار وفي غيرها (٣). رابعاً: أن النسخ لا يكون إلا بدليل من الكتاب أو السنة، بخلاف التخصيص فإنه يكون بهما، وبأدلة العقل وبالقرائن (٤). خامساً: أن النسخ يدخل في الشيء الواحد؛ كنسخ استقبال بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، بخلاف التخصيص فإنه لا يدخل إلا في عام له أفراد متعددة يخرج بعضها بالمخصص، ويبقى بعضها الآخر (٥).

стр. 59

سادساً: أن الشريعة المتأخرة تنسخ الشريعة السابقة فيما يعارضها. ولا يجوز تخصيص شريعة بأخرى (١). سابعاً: أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، بخلاف التخصيص فإنه بيان المراد باللفظ العام (٢). ثامناً: أن النسخ يرفع حكم العام والخاص، أما التخصيص فلا يدخل في غير العام (٣). تاسعاً: أن النسخ لا يجوز أن يكون بالإجماع، فالإجماع لا يكون ناسخاً، بخلاف التخصيص فإنه يجوز أن يكون بالإجماع (٤). عاشراً: أن النسخ يرد على الفعل في بعض الأزمان، والتخصيص يرد على الفعل في بعض الأحوال (٥) والله أعلم.

стр. 60

المطلب الثالث: الفرق بين النسخ والبداء اجتمع رأي بعض اليهود (١)، والرافضة (٢)، على دعوى: أن النسخ يستلزم البداء، فلزمهم التسوية بينهما في الجواز وعدمه، فقالت اليهود: لا يجوز النسخ؛ لأنه يستلزم البداء، وهو محال على الله تعالى (٣). وقالت الرافضة: يجوز البداء على الله تعالى؛ لجواز النسخ (٤). وكلا الزعمين كفر وضلال. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ولذلك يجب معرفة الفرق بين النسخ والبداء حتى يُرَدّ به على هذين الزعمين الباطلين. وفيما يلي بيان ما يفرق به بينهما لقد سبق تعريف النسخ.

стр. 61

أما البداء، فهو يطلق في اللغة على معنيين: أحدهما: الظهور بعد الخفاء، يقال: بدا الشيء، يبدو بدُوّاً، وبَدْواً، وبدَاءً، وبداءة، وبداً، أي ظهر (١). وقد جاء استعماله بهذا المعنى في آيات من كتاب الله تعالى، ومنها: أ-قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٢). قال ابن جرير: (وظهر لهم يومئذٍ من أمر الله وعذابه، الذي كان أعدّه لهم، ما لم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعدّه لهم) (٣). ب-قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٤). الثاني: نشأة رأي جديد لم يكن موجوداً من قبل. يقال: بدا له في الأمر بُدُوّاً، وبداء، وبداة، أي نشأ له فيه رأي (٥). وقد جاء استعماله بهذا المعنى كذلك في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (٦).

стр. 62

قال ابن جرير: (وقيل: معنى قوله ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ في الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقاً، ورأوا أن يسجنوه) (١). وكلا المعنيين يستلزم سبق الجهل، وحدوث العلم، وكلاهما محال على الله سبحانه و تعالى؛ لأن الله عليم بكل شيء، والعلم من صفاته اللازمة، وليس شيء منه بحادث (٢). ومن الأدلة عليه ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٤). ٣ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ

стр. 63

وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (١). ٤ - قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢). ٥ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٣). ويمكن تلخيص الفروق بين النسخ والبداء فيما يلي: أولاً: أن في البداء يأمر الآمر بالأمر، وهو لا يدري ما يؤول إليه الحال، فهو ينتقل الأمر عن ما أمر به وأراده دائماً بأمر حادث لا بعلم سابق. وفي النسخ يأمر الآمر بالأمر، وهو يدري أنه سيحيله في وقت كذا ولا بد. قد سبق ذلك في علمه وحتمه من قضائه، فهو حين الأمر قد علم أن لتكليف المكلف بالأمر غاية ينتهي الإيجاب إليه، ثم يرتفع بنسخه (٤). ثانياً: (أن سبب النسخ لا يوجب إفساد الموجب لصحة الخطاب الأول، والبداء يكون سببه دالاً على إفساد الموجب لصحة الأمر الأول،

стр. 64

مثل أن يأمره بعمل يقصد به مطلوباً، فيتبين أن المطلوب لا يحصل بذلك الفعل، فيبدو له ما يوجب الرجوع عنه) (١). ثالثاً: أن النسخ يدل على قدرة الله ، وأن له ملك السماوات والأرض فله أن يقرر ما يشاء، ويأمر بما يشاء، وينهى ويمحو ما يشاء؛ لأنه المالك والمليك، ولذلك لما ذكر الله النسخ ذكر بعده قدرته وملكه، قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٢). أما البداء فإن صاحبه إنما يأمر بخلاف أمره الأول لمصلحة أخطأه وجهله في الأمر الأول، وليس تغييره للأمر الأول لملكه وقدرته المطلقة. رابعاً: أن النسخ قد يكون لتمييز الخبيث من الطيب، والمنافق والمتردد من المؤمن الثابت، ويدل على ذلك أن الله لما حول القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام قال عند ذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (٣). وكذلك قال : ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 65

بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١). وليس في البداء شيء من هذه الحِكَم. فتبين مما ذُكر أن بين النسخ والبداء فرقاً وبعداً كما بين المشرقين، وأن النسخ لا يستلزم البداء ألبتة، فإن النسخ فيه حِكَم كثيرة، وإظهار لقدرة الله تعالى وملكه المطلق، وليس في البداء شيء من ذلك، لذلك لا يوصف الله بالبداء؛ لأنه ليس بصفة كمال، بل صفة نقص، وأما النسخ فلا يستلزم منه النقص لذلك توصف أفعاله به. والله أعلم.

стр. 66

المطلب الرابع: مشروعية النسخ لا خلاف في مشروعية النسخ وجوازه، عقلاً، ووقوعه شرعاً، وذلك في الشرائع التي شرعها الله تعالى لعباده، إلا ما روي عن بعض اليهود، وعن شرذمة من المسلمين، إنكارهم للنسخ. أما اليهود فإنهم قد انقسموا في ذلك ثلاثة أقسام: القسم الأول: قالوا: لا يجوز النسخ عقلاً، ولا شرعاً؛ زاعمين أنه عين البداء، وهو لا يجوز على الله تعالى (١). القسم الثاني: قالوا: يجوز النسخ عقلاً، لا شرعاً، زاعمين أن موسى ﵇ قال: إن شريعته لا تُنسخ من بعده (٢). القسم الثالث: قالوا: يجوز النسخ شرعاً، لا عقلاً، ثم زعم بعضهم: أن محمداً ﷺ ليس نبيّاً. وزعم بعضهم: أنه نبيّ لكنه لم يُبعث بنسخ شريعة موسى

стр. 67

عليه السلام، ولا بعث إلى بني إسرائيل بل إلى العرب خاصة (١). ويُرد على هذه المزاعم بما يلي: -أما القول بأن النسخ عين البداء، وأن ذلك لا يجوز على الله تعالى، فقد سبق في المطلب السابق تعريف البداء، والفرق بينه وبين النسخ، وهو يكفي في الرد على هذا الزعم. كما يرد عليه: بأن النسخ قد وُجد في شريعة موسى ﵇، فكيف ينكرونه، ومن الأمثلة على ذلك: أ-أنه ورد في التوراة أن الله تعالى أمر آدم ﵇: أن يزوج بناته من بنيه. وقد حرم ذلك في الشرائع من بعده، وتحريم الشيء بعد تحليله نسخ (٢). ب-أن الاصطياد يوم السبت كان حلالاً لهم، ثم حرم عليهم (٣).

стр. 68

قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (١). وتحريم الشيء بعد تحليله نسخ (٢). ج- أن الشحوم كانت مباحة، ثم حرم عليهم ببغيهم، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (٣). فهذا كذلك يدل على وجود النسخ في شريعة موسى ﵇ (٤). -أما الزعم بأن موسى ﵇ قال بأن شريعته لا تُنسخ من بعده. فهو مما لا يصح عن موسى ﵇، ولا يوجد له ذكر في التوراة، بل هو كذب محض وضعه بعض الزنادقة عليه، ولو كان له

стр. 69

أصل صحيح لاحتج به أحبار اليهود على النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة، ودعاهم إلى الإسلام (١). أما ما يقال من وجود آيات أو آثار في شريعة موسى ﵇ ممّا تدل على استمرار شريعته، فليس المراد به أن شريعته لا تُنسخ، بل المراد: ما لم يأت النبي المنتظر، فهو كمثل ما أمروا به من العمل في غير السبت، ثم تحريم العمل في السبت، وبمنزلة صيام وقت مّا، والمنع منه في وقت آخر (٢). -أما الزعم بأن محمدا ﷺ لم يكن نبياً، أو أنه لم يبعث إلى بني إسرائيل بل إلى العرب خاصة، فيرد عليه: بأن في التوراة والإنجيل ما يدل على نبوة محمد ﷺ ، ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة ورآه اليهود عرفوه، واعترفوا أنه النبي الموعود (٣). ولقد جاءت النصوص متواترة بأن النبي ﷺ بعثُ إلى الناس عامة، وأن شريعته نسخت الشرائع ما قبلها، فمن لم يؤمن به وبما جاء به، فإنه لم يؤمن بالله، ولن يقبل الله منه ديناً سواه، ومن هذه النصوص: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي

стр. 70

الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). ٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢). ٣ - وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٣). ٤ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤). ٥ - وعن جابر بن عبد الله (٥) ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمساً لم يُعطهنّ أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر،

стр. 71

وجُعلت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أُمّتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي، وأُعطيتُ الشفاعة، وكان النبيُّ يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة» (١). أما الشرذمة المنكرة للنسخ من المسلمين فمنهم أبو مسلم الأصفهاني (٢)، وبعض الآخرين ممن تشيَّع له من قدامى ومُحْدثين (٣)، لكنهم لم ينكروا نسخ الشرائع السابقة بشريعة الإسلام، بل أنكروا وقوع النسخ في الشريعة الإسلامية (٤). وهم قد أَوَّلُوا الآيات التي تدل على النسخ كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ

стр. 72

نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). بأن المراد بها نسخ الشرائع السابقة بشريعة الإسلام (٣). ومنعوا النسخ في الشريعة الإسلامية، بدليل أن النسخ إبطال، والله قال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٤). فالآية تفيد أن أحكام القرآن لا تبطل أبداً، ولو وقع النسخ في القرآن لأتاه الباطل؛ لأن النسخ فيه إبطال لحكم سابق (٥). ويرد على زعمهم الباطل بما يلي: أولاً: أن قولهم هذا مخالف للإجماع؛ حيث إن الأمة قبل أصحاب هذا القول أجمعت على جواز النسخ ووقوعه في الشريعة الإسلامية؛ فلذا ليس لهذا الزعم أي اعتبار (٦).

стр. 73

ثانياً: أن تأويل الآيات التي تدل على النسخ في الشريعة الإسلامية بأن المراد بها نسخ الشرائع السابقة، بعيد جداً؛ ولم ينقل عن أحد من السلف تفسيره بذلك، بل المنقول عنهم أن المراد به نسخ آيات من القرآن بآيات أخرى منه، أو نسخ بعض أحكامه بأحكام أخر (١). ثالثاً: أن استدلالهم بأن النسخ إبطال والقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيرد على استدلالهم ذلك بما يلي: أ- أن القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كما نص عليه القرآن، والنسخ إبطال وليس بباطل، فالباطل ما خالف الحق، والنسخ حق، ومعنى الآية: أن عقائد القرآن موافقة للعقل، وأحكامه مسايرة للحكمة، وأخباره موافقة للواقع، وألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل، فلا يتطرق إليه الخطأ بأي حال (٢). ب- أن الضمير في قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ عائد لمجموع القرآن، أي أن القرآن كله لا ينسخ، وهو مما لا خلاف فيه (٣). ج- أن معنى الآية: أن القرآن الكريم لم يتقدمه من كتب الله ما

стр. 74

يبطله، ولا يأتيه من بعد ما يبطله، وهذا لا ينافي أن يوجد في القرآن نفسه ما ينسخ بعضه بعضاً، فلا يتم الاستدلال من الآية على عدم جواز النسخ أو عدم وقوعه (١). رابعاً: أن النسخ وقع في الشريعة الإسلامية، وثبت ذلك بأدلة كثيرة، فإنكاره إنكار للواقع، ومن أدلة وقوعه ومشروعيته ما يأتي ذكره. الأدلة على مشروعية النسخ وجوازه: أولاً: الأدلة الشرعية على مشروعية النسخ وجوازه، ووقوعه: ١ - قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). فهذه الآية نص في وقوع النسخ، وأن الله تعالى ينسخ الآيات فيُبدلها ويغيرها، فيحول الحلال حراماً، والحرام حلالاً، والمباح محظوراً، والمحظور مباحاً (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٤). عن ابن عباس-﵄ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ قال: (من

стр. 75

القرآن، يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب: الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب) (١). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). عن مجاهد (٣): ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ قال: نسخناها، بدلناها، رفعناها، وأثبتنا غيرها (٤). فتبديل حكم الآية أو لفظها بغيره، هو النسخ (٥). ٤ - قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٦).
следующие страницы →