← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الرسول ﷺ هو المبين لأمر الله بقوله وفعله ﷺ ، فثبت من ذلك أن فرض الرجلين هو الغسل إذا لم يكن عليهما خف (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن فرض الرجلين المسح- بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. (٢) بخفض الأرجل، معطوفة على الرؤوس، ويكون تأويل ذلك: امسحوا برؤوسكم وأرجلكم، فيكون المأمور به في الآية مسح الأرجل دون غسلها. وقد قرأها بالخفض ابن عباس ﵁ في رواية، وروي ذلك عن أنس ﵁، وعكرمة، والحسن البصري، والشعبي، وبعض الآخرين (٣). ويؤكد أن المراد بالآية المسح، ما روي: ١ - عن أنس ﵁ أنه قال: (نزل القرآن بالمسح، والسنة الغسل) (٤). ٢ - عن ابن عباس ﵁ قال: (الوضوء غسلتان ومسحتان) (٥).

стр. 492

واعترض على هذا الاستدلال: بأن كون الأرجل في الآية الكريمة مخفوضة على قراءة لا يلزم منه ولا يدل على أن فرض الرجلين المسح، وذلك لما يلي: أولاً: إن قراءة الخفض يحتمل أن يكون معطوفة على الوجه، ويكون مخفوضاً بالمجاورة، وهذا سائغ شائع في لغة العرب، ومن ذلك قولهم: (جحر ضب خرب) فجروه وإنما هو رفع (١). وورد نحو ذلك في الكتاب العزيز، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ (٢). بجر نحاس للمجاورة (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (٤). فجرّ أليماً على جوار يوم، وهو منصوب صفة لعذاب (٥). ولذلك روي عن الأعمش أنه قال: (كانوا يقرؤونها بالخفض وكانوا يغسلون) (٦).

стр. 493

ثانياً: أن قراءتي النصب والخفض متساويتان في الصحة، والآية تحتمل أن يكون المراد بها غسل الرجلين، وتحتمل أن يكون المراد بها مسح الرجلين، لكن السنة بينت أن المراد بالآية الغسل؛ حيث جاء عن النبي ﷺ متواتراً أنه غسل قدميه في الوضوء، وأنه أمر بإسباغ الوضوء، وتوعد بالنار من لم يستوعب قدميه بالغسل في الوضوء، كما أنه ﷺ قال: «ثم يغسل قدميه كما أمره الله» فثبت من هذا كله أنه ﷺ بين بفعله وقوله مراد الآية، وأنه الغسل، وأنه الذي أمر الله به في الآية؛ والرسول ﷺ هو المبين لأمر الله، فثبت بذلك أن فرض الرجلين الغسل لا المسح، وأن دلالة الآية على مسح القدمين في الوضوء مجرد احتمال لا دليل عليه (١). ثالثاً: أن قراءة الخفض محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما خفان، والنصب على الغسل إذا لم يكن عليهما خفان. وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفين، فيكون ما روي عنه في غسل القدمين بياناً لقراءة النصب، وما روي عنه في المسح على الخفين بياناً لقراءة الخفض، والنبي ﷺ هو المبين عن الله، وعن معنى ما أراد بقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. (٢) (٣).

стр. 494

رابعاً: أنه لو أريد بقراءة الخفض مسح الرجلين، فيحمل مسح الرجلين على الغسل؛ جمعاً بين الأدلة والقراءتين؛ وذلك لأن المسح يطلق على الغسل كما قاله جماعة من أئمة اللغة (١). ثانياً: -من أدلة القول الثاني- عن أوس بن أبي أوس الثقفي (٢) ﵁ «أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على نعليه وقدميه» (٣).

стр. 495

ثالثاً: عن علي ﵁ قال: «كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهرهما» (١). رابعاً: عن عبد الله بن زيد (٢) ﵁ «أن النبي ﷺ توضأ ومسح على .... القدمين» (٣).

стр. 496

خامساً: عن رفاعة بن رافع (١) ﵁ قال: فقال رسول الله ﷺ : «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين» (٢). وجه لاستدلال من هذه الأحاديث: ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث ظاهر؛ حيث جاء فيها المسح على القدمين، فيدل ذلك على أن فرض الرجلين المسح، ويكون ذلك تأكيداً لقراءة الخفض، وأنه مما أمر الله تعالى به في الآية الكريمة (٣).

стр. 497

واعترض عليه بما يلي: أولاً: أما حديث أوس بن أبي أوس الثقفي ﵁ فإنه مضطرب، فلا يقوى بمعارضة الأحاديث المتواترة المستفيضة في غسل القدمين (١). على أنه يحتمل أن يكون المراد به غسل الرجلين في النعلين، والمسح يطلق ويراد به الغسل (٢). ويحتمل أن يكون المراد بالقدمين الخفين، تسمية الظرف بالمظروف (٣). وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال. ثانياً: أما حديث علي ﵁ فالمراد به المسح على الخفين، ويفسره الروايات الأخرى عنه؛ حيث جاء فيها: «ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه» (٤). وفي رواية: «لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، وقد مسح النبي ﷺ على ظهر خفيه» (٥). وغيرهما من الروايات في هذا المعنى، فهي مفسرة للرواية المذكورة، والراوي لكلها واحد وهو علي ﵁ (٦).

стр. 498

كما أنه يحتمل أن يكون المراد بالقدمين الخفين، تسمية الظرف بالمظروف؛ ولذلك حمله بعض أهل العلم على المسح على ظهور الخفين (١). ثالثاً: أما حديث عبد الله بن زيد ﵁ ففي سنده كلام، فلا يقوى بمعارضة الأحاديث الصحيحة المتواترة في غسل الرجلين في الوضوء (٢). ثم يحتمل أن يكون المراد به المسح على الخفين، تسمية الظرف بالمظروف (٣). رابعاً: أما حديث رفاعة بن رافع ﵁ فيقال فيه ما قيل في الاستدلال من الآية الكريمة، فإنه ورد على لفظ الآية (٤). وإضافة إلى ما سبق يقال: بأن هذه الأحاديث على تقدير أن المراد بها المسح على القدمين، فيقال: بأن المسح على القدمين كان أولاً، ثم نسخ (٥). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو التخيير بين غسل الرجلين ومسحهما، مسحاً يعمُّ الرجلين- بما يلي: أولاً: أما أدلة غسل القدمين فالأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول

стр. 499

الأول. ثانياً: أما أدلة مسح القدمين إذا كان مستوعباً فما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. (١) على قراءة الخفض، وهذا أولى؛ لأن العطف على الرؤوس مع قربه منه أولى من العطف به على الأيدي (٢). والمراد بالمسح في الآية عموم مسح الرجلين بالماء، كالأمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم (٣). ثانياً: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: تخلف النبي ﷺ عنا في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثاً (٤). ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء في الطريق تعجل قوم عند العصر فتوضؤا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول الله ﷺ : «ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء» (٥).

стр. 500

رابعاً: عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» (١). وغيرها من الأحاديث التي أمر النبي ﷺ فيها بإسباغ الوضوء، ولو كان مسح بعض القدم مجزئاً من عمومها لما كان لها الويل بترك ما ترك مسحه منها بالماء بعد أن يمسح بعضها، ففي ذلك أوضح الدليل على وجوب فرض العموم بمسح جميع القدم بالماء (٢). واعترض على هذا الاستدلال بما يلي: أولاً: أما الاستدلال من الآية الكريمة فقد سبق ما اعترض عليه في الاستدلال منه على المسح، في أدلة القول الثاني. ثانياً: أما الاستدلال من الأحاديث المذكورة على المسح وعلى عمومها، فيعترض عليه بما يلي: أولاً: بأن الإنكار والوعيد كان على المسح، وعدم غسل الرجلين، كما يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو ﵁ الأول (٣). ثانياً: أن الإنكار والوعيد كان على عدم غسل الرجلين بكمالهما، كما يدل عليه الأحاديث الأخرى، لا على عدم كمالهما بالمسح (٤).

стр. 501

الراجح بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح ما يلي: أولاً: أن فرض الرجلين الغَسل إذا لم يكن عليهما خف، كما هو القول الأول، وذلك: أ- لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. (١) سواء كانت الأرجل مخفوضة أو منصوبة، فإن المأمور به في الآية هو الغسل، وقد سبق ما يدل على ذلك، ويؤكده تقييد الرجلين بالكعبين (٢). ب- كثرة ما استُدل به لهذا القول مع صحتها وصراحة دلالتها على الغسل؛ حيث بلغت حد التواتر قولاً وفعلاً، وهي محكمة لا يتطرق إليها أي احتمال (٣). ج- إن الأحاديث الواردة في المسح على القدمين، أو المسح على القدمين والنعلين وردت بطرق وألفاظ مختلفة، ومن تتبعها يجد أن خلاصة هذه الطرق والألفاظ هي: ١ - أنه مسح على الخفين. ٢ - أنه مسح على القدمين.

стр. 502

٣ - أنه مسح على الرجلين. ٤ - أنه مسح على النعلين. ٥ - أنه مسح على نعليه وقدميه. ٦ - أنه مسح على ظهر قدميه على خفيه (١). وهذه الطرق تفسر بعضها البعض، ويتبين من مجموعها أنه أطلق فيها على المسح على الخفين: المسح على القدمين، والمسح على الرجلين، ونحو هذه العبارات، وذلك أنه ليس المقصود المسح على الخفين مجردين عن القدم والرجل، بل يمسح عليهما ما داما في القدمين والرجلين، فلذلك عبر بالقدمين والرجلين عن ذلك (٢). أو أنه أُطلق فيها المسح على الغسل (٣). ومع هذه الاحتمالات لا يصح الاستدلال من هذه الأحاديث على أن فرض القدمين المسح؛ وذلك للاتفاق على أن الفرائض إنما يصلح أداؤها باليقين، واليقين هنا الغسل لا المسح؛ بدليل تطرق الاحتمالات المذكورة

стр. 503

إليها، بخلاف غسل القدمين (١). ثانيًا: وعلى تقدير أن المراد بالمسح في هذه الأحاديث مسح الرجلين والقدمين المخلاتين عن الخفين، فتكون منسوخة؛ وذلك لتأخر آية المائدة، والأمر بإسباغ الوضوء بعد المسح على الرجلين، كما يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو ﵁، ويؤيد ذلك قول هشيم أن المسح على القدمين كان في أول الإسلام. والله أعلم.

стр. 504

المطلب الثاني: المسح على الخفين ذهبت الخوارج (١)، وبعض الشيعة، وأبو بكر بن داود الظاهري (٢)، إلى أن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء؛ لذلك لا يجوز المسح على الخفين، ولا يجزئ عن غسل القدمين (٣). وروي نحو ذلك عن علي (٤)،

стр. 505

وابن عباس (١) ﵄. وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو ما يُظن من معارضة آية الوضوء المذكور فيها الأمر بغسل الأرجل للأخبار التي وردت في المسح على الخفين (٢). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣). حيث إن الآية عينت مباشرة الرجلين بالماء (٤).

стр. 506

واعترض عليه: بأن الأمر في الآية محمول على غير لابس الخف، ببيان السنة (١). أو أن الأمر في الآية عام خصصته أحاديث المسح على الخفين؛ حيث بلغت حد التواتر (٢). ثانياً: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: تخلف النبي ﷺ عنا في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثاً (٣). ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء في الطريق تعجل قوم عند العصر فتوضؤا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول الله ﷺ : «ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء» (٤). رابعاً: عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» (٥). خامساً: عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا

стр. 507

رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه فأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» أو «ظلم وأساء» (١). وجه الاستدلال من هذه الأدلة على النسخ قالوا: إن هذه الأدلة فيها ذكر غسل الرجلين، ولم يذكر فيها المسح على الخفين (٢)؛ لذلك تكون هذه الأدلة ناسخة للأحاديث الواردة في المسح على الخفين، خاصة آية الوضوء: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. (٣)؛ لأنها متأخرة عن تلك الأحاديث الدالة على المسح؛ بدليل ما روي عن علي وابن عباس ﵄ أنهما قالا: (سبق الكتاب الخفين) (٤). واعترض عليه بأنه لا يصح الاستدلال من الآية على النسخ لما يلي: أولاً: أن النبي ﷺ مسح على الخفين بعد نزول آية الوضوء؛ ويدل عليه ما يلي: أ- أن هذه الآية نزلت في غزوة المريسيع، وقد مسح النبي ﷺ على

стр. 508

الخفين في غزوة تبوك، روى ذلك المغيرة بن شعبة، وغزوة تبوك بعد المريسيع باتفاق (١). ب- أن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ روى أن النبي ﷺ مسح على الخفين، وأخبر أنه إنما أسلم بعد نزول المائدة (٢). ثانياً: أنه لو سلم تأخر نزول آية الوضوء، فلا منافاة بينها وبين أحاديث المسح؛ لأن الآية عامة وخصصته تلك الأحاديث المتواترة في المسح، فلا معارضة بينهما (٣). أما الاستدلال على النسخ من الأحاديث التي فيها ذكر غسل الرجلين فقط أو أن فيها وعيد على من ترك غسل الرجلين، فيعترض عليه: بأن تلك الأحاديث ليس فيها ما ينافي جواز المسح على الخفين؛ وذلك لأن الوعيد فيها، أو الأمر بالغسل لمن لم يلبس الخفين (٤). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.

стр. 509

أما بقية أهل العلم فذهبوا إلى جواز المسح على الخفين، وأنه ليس بمنسوخ. وهو قول المذاهب الأربعة (١)، وعامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (٢)، حتى قال عبد الله بن المبارك: (ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، قال: وذلك أن كل من روي عنه من أصحاب النبي ﷺ أنه كره المسح على الخفين، فقد روي عنه غير ذلك) (٣). وقال ابن المنذر: (وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم وكل من لقيت منهم على القول به) (٤). وقال ابن عبد البر: (جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر لا خلاف بينهم في

стр. 510

ذلك بالحجاز والعراق والشام وسائر البلدان) (١). وقال النووي: (أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر، سواء كان لحاجة أو غيرها، حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها والزمن الذي لا يمشي، وإنما أنكرته الشيعة والخوارج ولا يعتد بخلافهم) (٢). واستدلوا على ذلك بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه) (٣). وفي رواية: أن جريراً بال ثم توضأ فمسح على الخفين، وقال: (ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح؟ قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة) (٤).

стр. 511

وفي رواية أخرى عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «قدمت على رسول الله ﷺ بعد نزول المائدة فرأيته يمسح على الخفين» (١). ثانياً: عن المغيرة بن شعبة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه خرج لحاجته، فأتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء، فصب عليه حين فرغ من حاجته (فتوضأ ومسح على الخفين) (٢). ثالثاً: عن حذيفة ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما فتنحيت فقال: «أدنه» فدنوت حتى قمت عند عقبه فتوضأ فمسح على خفيه) (٣). رابعاً: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ «أنه مسح على الخفين» (٤). خامساً: عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه،

стр. 512

قال: «عمداً صنعته يا عمر» (١). سادساً: عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة ﵂ أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بعلي بن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناه فقال: «جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم» (٢).

стр. 513

سابعاً: عن عوف بن مالك الأشجعي (١) ﵁ أن رسول الله ﷺ «أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم» (٢). والأحاديث في المسح على الخفين متواترة؛ حيث قال الحسن البصري: (حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على الخفين) (٣). وقال ابن حجر: (وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين) (٤). ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث فيها أن النبي ﷺ مسح على الخفين وهو دليل الجواز (٥). الراجح بعد ذكر القولين في المسألة والأدلة يظهر لي -والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو جواز المسح على الخفين، وذلك لما يلي: أولاً: للأحاديث المروية في ذلك عن النبي ﷺ من قوله وفعله، وقد بلغت حد التواتر بلا خلاف، مع صحتها وصراحتها في الدلالة على المطلوب. ثانياً: عدم وجود أي دليل يدل على عدم جواز المسح على الخفين. أما آية الوضوء وأحاديث غسل القدمين فهي في حالة عدم لبس الخفين، ولا تباين بين الدليلين لتباين الحالتين (٦).

стр. 514

ثالثاً: ولأن زعم من زعم أن آية الوضوء متأخرة وناسخة للمسح فمجرد شبهة ووهم؛ لأن النبي ﷺ مسح على الخفين قبل نزول المائدة وبعدها، كما سبق ذكره في دليل قول الجمهور. والله أعلم.

стр. 515

المطلب الثالث: التوقيت في المسح على الخفين ذهب ابن قدامة إلى أن الحديث الذي يدل على عدم توقيت المسح على الخفين يحتمل أن يكون منسوخاً بالأحاديث الدالة على التوقيت، لتأخرها (١). ولا يظهر للقول بالنسخ أي أثر في اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، وإنما السبب في اختلافهم فيها هو اختلاف الأحاديث والآثار الواردة في المسألة (٢). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة ﵂ أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بعلي بن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناه فقال: «جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم» (٣). ثانياً: عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أن رسول الله ﷺ «أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوم وليلة للمقيم» (٤). ثالثاً: عن أبي بردة ﵁ قال: آخر غزوة غزونا مع رسول الله ﷺ «أمرنا أن نمسح على خفافنا للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة ما لم

стр. 516

يخلع» (١). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على توقيت المسح على الخفين، ثم حديث عوف بن مالك ﵁ صريح في أن الأمر بالمسح والتوقيت فيه كان في غزوة تبوك. وحديث أبي بردة ﵁ يدل على ثبوت التوقيت في المسح على الخفين في آخر غزوة غزاها الصحابة مع النبي ﷺ . فيثبت من مجموع الحديثين أنه لو صحت الأحاديث الدالة على عدم توقيت مسح الخفين فإنها تكون منسوخة بالأحاديث الدالة على التوقيت؛ لأن بعضها مصرحة على تأخرها؛ لذلك قال الإمام أحمد عن حديث عوف بن مالك ﵁: (هذا من أجود حديث في المسح على الخفين؛ لأنه في غزوة تبوك، آخر غزاة غزاها النبي ﷺ ، وهو آخر فعله) (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في توقيت المسح على الخفين على قولين: القول الأول: إن المسح على الخفين موقت للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة.

стр. 517

وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وبه قال عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة، وأبو مسعود الأنصاري، وعمار بن ياسر، والمغيرة بن شعبة (٤) ﵃. وهو كذلك قول شريح، وعطاء، ابن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز، وسفيان الثوري، وإسحاق، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأبي ثور، وداود الظاهري، وقول لابن عمر ﵁، والحسن البصري، والشعبي (٥). القول الثاني: أنه لا توقيت في المسح على الخفين، فللشخص أن يمسح ما بدا له سواء كان مقيماً أم مسافراً. وهو مذهب المالكية (٦). وروي نحو ذلك عن عمر، وسعد بن أبي

стр. 518

وقاص، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمر ﵃ والحسن البصري، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي، والليث بن سعد (١). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو توقيت المسح- بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأحاديث الثلاثة التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ. ثانياً: عن صفوان بن عسال (٢) ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» (٣).

стр. 519

ثالثاً: عن أبي بكرة (١) ﵁ عن النبي ﷺ (أنه رخص للمسافر إذا توضأ ولبس خفيه ثم أحدث وضوءاً أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة» (٢).

стр. 520

رابعاً: عن خزيمة بن ثابت (١) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة» (٢). خامساً: عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في المسح على الخفين: «للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن» (٣). والأحاديث في التوقيت كثيرة؛ حيث بلغت حد التواتر، وهي صريحة في توقيت المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليها، وللمقيم يوم وليلة (٤).

стр. 521

دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- هو أن المسح على الخفين غير مؤقت- بما يلي: أولاً: عن أبي بن عمارة (١) ﵁ أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: «نعم» قال: يوماً؟ قال: «يوماً» قال: ويومين؟ قال: «ويومين» قال: وثلاثة؟ قال: «نعم وما شئت» (٢). وفي رواية أنه قال لرسول الله ﷺ : أمسح على الخفين؟ قال: «نعم» قال: يوماً؟ قال: «ويومين» قال: وثلاثاً؟ حتى بلغ سبعاً قال له رسول الله ﷺ : «وما بدا لك» (٣).

стр. 522

ثانياً: عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه، فليصل فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة» (١).

стр. 523

ثالثاً: عن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: قلت: يا رسول الله أكل ساعة يمسح الإنسان على الخفين ولا ينزعهما؟ قال: «نعم» (١). رابعاً: عن عقبة بن عامر الجهني (٢) ﵁ أنه قدم على عمر بن الخطاب من مصر، فقال: (منذ كم لم تنزع خفيك)؟ قال: من الجمعة إلى الجمعة، قال: (أصبت السنة) (٣).

стр. 524

وجه الاستدلال من هذه الأدلة ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث إنها تدل على عدم توقيت المسح على الخفين، فللشخص أن يمسح عليهما ما بدا له ذلك (١). ويعترض عليه بما يلي: أولاً: إن هذه الأدلة لم يسلم أي واحد منها عن الكلام عليه، وهي لا تقوى على معارضة الأحاديث الدالة على التوقيت؛ لصراحتها، وصحتها، وتواترها، بخلاف أحاديث عدم التوقيت (٢). ثانياً: إن هذه الأدلة على تقدير ثبوتها وصحتها تحتمل أن تكون منسوخة؛ لأن التوقيت ثبت الأمر به في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها

стр. 525

النبي ﷺ ، فيدل ذلك على أن التوقيت آخر شيء (١). الراجح بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة، والأدلة يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح ما يلي: أولاً: إن المسح على الخفين موقت للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة، وذلك لما يلي: أ- لأن الأحاديث الدالة على التوقيت مع صحتها، وصراحتها، كثيرة حتى بلغت حد التواتر (٢). ب- ولأن الأحاديث الدالة على عدم التوقيت متكلم فيها، ثم بعضها محتملة للتوقيت وغيرها، فهي لذلك لا تقوى بمعارضة الأحاديث الدالة على التوقيت (٣). ثانياً: إن الأحاديث الدالة على عدم التوقيت على تقدير ثبوتها وصحتها فإنها محتملة لأن تكون منسوخة بالأحاديث الدالة على التوقيت، كما قاله ابن قدامة؛ لوجود ما يدل على تأخرها وهو حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁؛ حيث دل أن الأمر بالمسح والتوقيت فيه كان في غزوة تبوك، وليس

стр. 526

بين غزوة تبوك ووفاة رسول الله ﷺ إلا مدة يسيرة (١). والله أعلم.

стр. 527

المطلب الرابع: مسح اليدين إلى المناكب في التيمم ذهب الإمام الشافعي إلى أن مسح اليدين في التيمم (١) إلى الإبطين والمناكب إن كان بأمر النبي ﷺ فقد نسخ ذلك (٢). ونحوه قول شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، و الحافظ ابن حجر العسقلاني (٤). وقد تبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو اشتراك اسم اليد في لسان العرب؛ حيث إنها تطلق على الكف فقط، وتطلق علىالكف والذراع، وتطلق على الكف والذراع والعضد. كما أن اختلاف الآثار الواردة في المسألة هو السبب الأصلي الآخر للاختلاف فيها (٥).

стр. 528

ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عمار بن ياسر ﵁ أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهو مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: «تيممنا مع رسول الله بالتراب فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب» (٢). ثانياً: عن عمار ﵁ أنه قال لعمر بن الخطاب ﵁: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت (٣) فصليت، فذكرت للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك هكذا» فضرب النبي ﷺ بكفيه

стр. 529

الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه) (١). وفي رواية: قال عمار ﵁ لعمر ﵁: تمعكت فأتيت النبي ﷺ فقال: «يكفيك الوجه والكفان» (٢). وفي رواية أخرى: فقال النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك» (٣). وفي رواية ثالثة: قال: سألت النبي ﷺ عن التيمم؟ «فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين» (٤). ثالثاً: عن عمار ﵁ قال: كنت في القوم حين نزلت الرخصة في المسح بالتراب إذا لم نجد الماء، (فأمرنا فضربنا واحدة للوجه، ثم ضربنا أخرى لليدين

стр. 530

إلى المرفقين) (١). ويستدل منها على نسخ مسح اليدين إلى المناكب والإبطين: بأن حديث عمار ﵁ في التيمم إلى المناكب (٢) كان حين نزول آية التيمم، وكان ذلك في غزوة بني المصطلق، ثم روى عمار ﵁ أن النبي ﷺ أمره بعد ذلك بالتيمم على الوجه والكفين (٣)، وفي رواية: اليدين إلى المرفقين، فدل ذلك على نسخ الأول (٤). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في القدر الواجب مسحه من الأيدي في التيمم على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن القدر الواجب مسحه من الأيدي هو مسح اليدين إلى المرفقين. وهو مذهب الحنفية (٥)، وقول للإمام مالك، قيل هو مشهور
следующие страницы →