стр. 526
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 787
الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء
محمد إبراهيم بن سركند
Полный текст (2 721 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 527
المطلب الرابع: مسح اليدين إلى المناكب في التيمم
ذهب الإمام الشافعي إلى أن مسح اليدين في التيمم (١) إلى الإبطين والمناكب إن كان بأمر النبي ﷺ فقد نسخ ذلك (٢).
ونحوه قول شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، و الحافظ ابن حجر العسقلاني (٤).
وقد تبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو اشتراك اسم اليد في لسان العرب؛ حيث إنها تطلق على الكف فقط، وتطلق علىالكف والذراع، وتطلق على الكف والذراع والعضد.
كما أن اختلاف الآثار الواردة في المسألة هو السبب الأصلي الآخر للاختلاف فيها (٥).
стр. 528
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عمار بن ياسر ﵁ أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهو مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم» (١).
وفي رواية عنه ﵁ قال: «تيممنا مع رسول الله بالتراب فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب» (٢).
ثانياً: عن عمار ﵁ أنه قال لعمر بن الخطاب ﵁: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت (٣) فصليت، فذكرت للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك هكذا» فضرب النبي ﷺ بكفيه
стр. 529
الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه) (١).
وفي رواية: قال عمار ﵁ لعمر ﵁: تمعكت فأتيت النبي ﷺ فقال: «يكفيك الوجه والكفان» (٢).
وفي رواية أخرى: فقال النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك» (٣).
وفي رواية ثالثة: قال: سألت النبي ﷺ عن التيمم؟ «فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين» (٤).
ثالثاً: عن عمار ﵁ قال: كنت في القوم حين نزلت الرخصة في المسح بالتراب إذا لم نجد الماء، (فأمرنا فضربنا واحدة للوجه، ثم ضربنا أخرى لليدين
стр. 530
إلى المرفقين) (١).
ويستدل منها على نسخ مسح اليدين إلى المناكب والإبطين: بأن حديث عمار ﵁ في التيمم إلى المناكب (٢) كان حين نزول آية التيمم، وكان ذلك في غزوة بني المصطلق، ثم روى عمار ﵁ أن النبي ﷺ أمره بعد ذلك بالتيمم على الوجه والكفين (٣)، وفي رواية: اليدين إلى المرفقين، فدل ذلك على نسخ الأول (٤).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في القدر الواجب مسحه من الأيدي في التيمم على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن القدر الواجب مسحه من الأيدي هو مسح اليدين إلى المرفقين.
وهو مذهب الحنفية (٥)، وقول للإمام مالك، قيل هو مشهور
стр. 531
المذهب (١)، ومذهب الشافعية (٢).
وبه قال جابر بن عبد الله، وابن عمر-﵄ والحسن، والشعبي، و سالم، وطاوس، والليث بن سعد، وعبد العزيز بن أبي سلمة (٣)، وسفيان الثوري، وابن
المبارك (٤).
القول الثاني: أن القدر الواجب مسحه من الأيدي في التيمم، هو مسح الكفين.
وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة (٥)، وقول للإمام مالك، وهو المشهور في المذهب (٦)، وقول قديم للإمام الشافعي (٧)، ومذهب الحنابلة (٨).
стр. 532
وروي ذلك عن: علي، وعمار، وابن عباس-﵃.
وقال به عطاء، و مكحول، والشعبي-في رواية-، والأوزاعي، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن جرير، وابن المنذر (١).
القول الثالث: أن القدر الواجب مسحه من الأيدي في التيمم، هو مسحهما إلى الإبطين.
وبه قال الزهري (٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أن الأيدي تمسح في التيمم إلى المرفقين- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣).
стр. 533
حيث إن الله أمر بغسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء، ثم ذكر التيمم فقال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فالظاهر أن المراد بهذه اليد هي الموصوفة في أول الآية، وهي اليد إلى المرفق، فهذا المطلق محمول على ذلك المقيد، لا سيما وقد ذُكرا في آية واحدة (١).
ويقوي ذلك أن التيمم بدل عن الوضوء، وفي الوضوء يُغسل اليدان إلى المرفقين، فكذلك ينبغي في التيمم أن يمسح اليدان إلى المرفقين؛ لأن البدل يحل محل الأصل، ويكون مثله (٢).
واعترض عليه: بأن اليد إذا أطلقت يراد بها الكف؛ لأنها حقيقة فيه (٣).
وأجيب: بأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، ويطلق ويراد به ما يبلغ الكفين، ويحدد ما يراد به القرائن وسياق الكلام، وحمل ما أطلق هنا على ما قيد في الوضوء أولى؛ لجامع الطهورية (٤).
ويؤكد صدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين وغيره كون الصحابة ﵃ مسحوا أيديهم عند نزول الآية إلى المناكب والأباط (٥).
ثانياً: عن نافع (٦)، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس
стр. 534
فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذ أن قال: مرّ رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر» (١).
стр. 535
стр. 536
стр. 537
خامساً: عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين» (١).
سادساً: عن أسلع (٢) ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ فأصابتني جنابة، فقال: «يا أسلع قم فارحل لي» فقلت: أصابتني جنابة، فسكت، فنزلت أية التيمم، فأراني التيمم، «فضرب بيديه على الأرض، ثم نفضهما فمسح وجهه، ثم ضرب بيديه الأرض ثانية، فمسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما» (٣).
стр. 538
سابعاً: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (١).
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إنها تدل على مسح اليدين إلى المرفقين (٢).
واعترض عليه: بأن ما استدل به من الأحاديث فإما ضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فلا يعارض به الحديث الصحيح (٣).
دليل القول الثاني
стр. 539
ويستدل للقول الثاني-وهو أن القدر الواجب مسحه من الأيدي هو الكفان- بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. (١).
واليد إذا أطلقت يراد بها الكف، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢). والقطع إنما يكون من الكف (٣).
واعترض عليه: بأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، ويطلق ويراد به ما يبلغ الكفين، ويحدد ما يراد به القرائن وسياق الكلام، وإنما يقطع اليد من الكف في السرقة ببيان السنة (٤).
ثانياً: عن أبي جهيم ﵁ قال: «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (٥).
والاستدلال منه كالاستدلال من الآية الكريمة.
ثالثاً: حديث عمار ﵁ وقد سبق ذكره في دليل القول بالنسخ.
стр. 540
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إنها تدل على أن الواجب مسحه من
الأيدي في التيمم هو الكفان فقط (١).
واعترض عليه: بأن الآية الكريمة وحديث أبي جهيم ﵁ ليسا صريحين في الكفين؛ لأن المذكور فيهما لفظ اليدين، وهو يصدق إطلاقه عل ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، وعلى ما يبلغ الكفين (٢).
ثم إن حديث أبي جهيم ﵁ ورد في بعض طرقه مسح اليدين إلى المرفقين (٣). وهو وإن تكلم في سنده إلا أنه يصلح أن يكون تفسيراً لليدين المذكورتين مطلقاً.
أما حديث عمار ﵁ فهو مضطرب؛ حيث إنه ورد بالألفاظ المذكورة، وبلفظ: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه» (٤).
وبلفظ: «إنما يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفيه ضربة على الأرض ثم نفضهما، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بها
стр. 541
وجهه» (١).
وبلفظ: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا وضرب بيديه إلى الأرض، ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع» (٢).
وبلفظ: «فقال: يا عمار! إنما كان يكفيك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ثم ضرب إحداهما على الأخرى، ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعدين، ولم يبلغ المرفقين، ضربة واحدة» (٣).
وبلفظ: (إنما كان يكفيك وضرب النبي ﷺ بيده إلى الأرض، ثم نفخ فيها ومسح بها
وجهه وكفيه إلى المرفقين أو إلى الذراعين» (٤).
وبلفظ: «إن كان الصعيد لكافيك، وضرب بكفيه إلى الأرض ثم نفخ فيهما، ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه» (٥).
وبلفظ: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح كفيه، ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على كفيه ووجهه» (٦).
стр. 542
وبلفظ: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، ثم تمسح إحداهما على الأخرى، ثم تمسح بهما وجهك» (١).
وبلفظ: «أن تضرب بكفيك على الأرض، ثم تمسحهما بهما وجهك وكفيك» (٢). وغير ذلك من الألفاظ.
ولما اختلفت الآثار في كيفية التيمم وتعارضت، وجب الرجوع في ذلك إلى ظاهر الكتاب، وهو يدل على المسح إلى المرفقين؛ قياساً على الوضوء (٣).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث -وهو أن مسح اليدين يكون إلى المنكبين- بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. (٤).
واللغة تقتضي أن اليدين من المناكب (٥).
ثانياً: حديث عمار ﵁ الدال على مسح اليدين في التيمم إلى المنكبين،
стр. 543
وقد سبق ذكره في دليل القول بالنسخ.
وهو ظاهر في الدلالة على مسح اليدين إلى المناكب والآباط (١).
ويعترض عليه: بأن اليد يراد بها عند الإطلاق الكف، وقد بين ذلك حديث عمار ﵁: (يكفيك الوجه والكفان) (٢).
أما حديث عمار ﵁ في الآباط فيقال فيه:
١ - أن ذلك لم يكن بأمر من النبي ﷺ (٣).
٢ - أن ذلك كان أولاً عند نزول الآية، ثم أحكمت الأمور بعد بفعل النبي ﷺ وأمره بالتيمم إلى الكفين أو إلى المرفقين، فيكون السابق منسوخاً باللاحق (٤).
الراجح
بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يترجح عندي -والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن مسح اليدين في التيمم إلى المناكب إن كان بأمر النبي ﷺ فهو منسوخ كما ذكره الإمام الشافعي ﵀ -وغيره؛ لأن ذلك كان عند
стр. 544
نزول آية التيمم، والأحاديث الدالة على مسح اليدين إلى الكفين أو إلى المرفقين متأخرة عنه، يدل على ذلك حديث عمار ﵁ في مسح اليدين إلى المناكب، وحديثه في مسح اليدين إلى الكفين (١).
ثانياً: إن الآية الكريمة، وحديث أبي جهيم ﵁ الذي خرجه البخاري وغيره، وردا بذكر اليدين مجملاً (٢)، ولذلك فهما ليسا صريحين في تحديد ما يمسح من اليدين.
ثالثاً: إن حديث عمار ﵁ ورد بذكر الكفين، وهو أصح حديث ورد في صفة التيمم. وورد بذكر المرفقين، لكن فيه مقال (٣).
رابعاً: إن الأحاديث الواردة في مسح اليدين إلى المرفقين كثيرة (٤)، ثم إن بعضها ضعيف، وبعضها صحيح لكنه اختلف في رفعه ووقفه، وأكثر الحفاظ على عدم رفعه (٥). إلا أن بعض أهل العلم قد صححوا بعض تلك الأحاديث مرفوعاً (٦).
стр. 545
قال ابن عبد البر: (والآثار عن النبي ﷺ أنه أمر بالتيمم إلى المرفقين وإلى الكوعين كثيرة، وقد يحتمل أن يكون من تيمم عند نزول الآية إلى المناكب أخذ بظاهر الكلام وما تقتضي اللغة من عموم لفظ الأيدي، ثم أحكمت الأمور بعد بفعل النبي ﷺ وأمره بالتيمم إلى المرفقين، وروي عنه إلى الكوعين، كما روي ضربة واحدة، وضربتان، وكل ذلك صحيح عنه، وصار من ذلك الفقهاء كل إلى ما أداه إليه اجتهاده ونظره) (١).
وقال البيهقي: (قال الشافعي في حديث عمار بن ياسر: لا يجوز على عمار إذا كان ذكر تيممهم مع النبي ﷺ عند نزول الآية إلى المنكب عن أمر النبي ﷺ إلا أنه منسوخ، إذ روى أن النبي ﷺ أمر بالتيمم على الوجه والكفين، أو يكون لم يرو عنه إلا يتمماً واحداً، فاختلفت روايته عنه، فتكون رواية ابن الصمة التي لم تختلف أثبت، وإذا لم تختلف فأولى أن يؤخذ بها لأنها أوفق لكتاب الله من الروايتين اللتين روينا مختلفين، أو يكون إنما سمعوا آية التيمم عند حضور صلاة فتيمموا فاحتاطوا فأتوا على غاية ما يقع عليه اسم اليد؛ لأن ذلك لا يضرهم كما لا يضرهم لو فعلوه في الوضوء، فلما صاروا إلى مسألة النبي ﷺ أخبرهم أنه يجزيهم من التيمم أقل ما فعلوه. وهذا أولى المعاني عندي لرواية ابن شهاب من حديث عمار بن ياسر بما وصفت من الدلائل. قال الشافعي: وإنما منعنا أن نأخذ برواية عمار بن ياسر في أن تيمم الوجه والكفين بثبوت الخبر عن رسول الله أنه مسح وجهه وذراعيه، وأن هذا أشبه بالقياس
стр. 546
فإن البدل من الشيء إنما يكون مثله) (١).
وقال البيهقي كذلك: (ومسح الوجه والكفين في حديث عمار ثابت، وهو أثبت من حديث مسح الذراعين، إلا أن حديث مسح الذراعين أيضاً جيد بالشواهد التي ذكرناها، وهو في قصة أخرى، فإن كان حديث عمار في ابتداء التيمم حيث نزلت الآية ورجعوا إلى النبي ﷺ فأخبرهم أنه يجزيهم من التيمم أقل مما فعلوا، فحديث مسح الذراعين بعده فهو أولى بأن يتبع، وهو أشبه بالكتاب والقياس، وهو فعل ابن عمر صحيح عنه) (٢).
ومع هذا كله فالذي يظهر راجحاً هو أنه يجوز الاكتفاء بمسح الكفين في التيمم؛ لقوة حديث عمار ﵁ وصحته، وكون عمار يفتي بعد النبي ﷺ بذلك (٣).
إلا أن الأولى مسح اليدين إلى المرفقين، وذلك لما يلي:
أ-لأن الأحاديث الواردة في ذلك وإن كان فيها ضعفاً إلا أنها بمجموعها تفيد أن لها أصلا، ويقويها ما صح عن ابن عمر وجابر بن عبد الله ﵄ حيث إنهما مسحا أيديهما في التيمم إلى المرفقين، وذكرا أن التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين (٤).
стр. 547
стр. 548
стр. 549
شاهين (١)، والبيهقي (٢)، وابن عبد البر (٣)، والحازمي (٤)، وابن الجوزي (٥)، وابن قدامة (٦)، والنووي (٧)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٨)، والزيلعي (٩).
ويظهر مما سبق ذكره، ومما يأتي من الأدلة: أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة شيئان: القول بالنسخ، وتعارض الآثار الواردة فيها (١٠).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل» (١١). زاد في رواية: «وإن لم ينزل» (١٢).
стр. 550
ثانياً: عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: إن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يُكسِلُ (١) هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ : «إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» (٢).
ثالثاً: عن أبي بن كعب ﵁: «أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة
رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد» (٣).
стр. 551
وفي رواية عنه ﵁ قال: «إنما جُعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أُمر بالغسل، ونهي عن ذلك» (١).
стр. 552
رابعاً: عن الزهري قال: سألت عروة عن الذي يجامع ولا ينزل؟ قال: على الناس أن يأخذوا بالآخر، والآخر من أمر رسول الله ﷺ حدثتني عائشة: «أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك ولا يغتسل، وذلك قبل فتح مكة، ثم اغتسل بعد ذلك وأمر الناس بالغسل» (١).
стр. 553
خامساً: عن رافع بن خديج ﵁ قال: ناداني رسول الله ﷺ وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أُنزل، فاغتسلت، وخرجت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته أنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت، فقال رسول الله ﷺ : «لا عليك، الماء من الماء» قال رافع: «ثم أمرنا رسول الله ﷺ بعد ذلك بالغسل» (١).
وفي رواية عنه ﵁ قال: فقال النبي ﷺ بعد ما انصرف: «إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل» (٢).
ويستدل منها على النسخ بالوجهين التاليين:
الأول: أن هذه الأحاديث بعضها يدل على وجوب الغسل من الجماع وإن لم ينزل، وبعضها يدل على أن ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل كان رخصة في أول الإسلام، ثم نهي عنه، وأمر بالغسل، فهذا يدل على أن
стр. 554
الأحاديث الدالة على وجوب الغسل من الجماع وإن لم ينزل متأخرة عن الأحاديث الدالة على جواز ترك الغسل إذا لم ينزل، فتكون المتأخرة ناسخة للمتقدمة (١).
الثاني: إن بعض من روى عن النبي ﷺ ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل، أفتى بوجوب الغسل، ورجع عن قوله الأول، ومنهم أبي بن كعب، حيث نزع عن قوله الأول قبل أن يموت، فدل ذلك على أنه ثبت له نسخ الأول، ولذلك رجع عنه، ولو كان عنده غير منسوخ لما رجع عنه (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الغسل إذا جامع ولم ينزل على قولين:
القول الأول: أنه يجب الغسل بالتقاء الختانين، أنزل أم لا.
وهو قول أهل المذاهب الأربعة (٣)، وجمهور أهل العلم من
стр. 555
الصحابة والتابعين ومن
بعدهم (١)، وممن روي عنه ذلك وقال به: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة-﵃، وشريح القاضي (٢)، وعبيدة السلماني، والشعبي، والليث، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وإسحاق، وأبو ثور، والحسن بن حي، وابن جرير، وابن المنذر (٣).
وإليه رجع أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، والنعمان بن بشير (٤)، وسهل
стр. 556
بن سعد، وابن عباس ﵃ (١).
القول الثاني: أنه لا يجب الغسل بالجماع إذا لم ينزل.
وهو قول داود الظاهري (٢)، وروي ذلك عن: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام (٣)، وطلحة بن عبيد الله (٤)، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وأبي أيوب الأنصاري، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وعطاء بن أبي رباح، وعروة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن (٥)،
стр. 557
والأعمش (١)، وهشام بن عروة (٢).
الأدلة
ويستدل للقول-وهو وجوب الغسل بالتقاء الختانين أنزل أم لا-بأدلة منها ما يلي:
أولاً: الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ.
ثانياً: عن أبي موسى ﵁ قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة، فأُذن لي، فقلت لها: يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ :
стр. 558
«إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل» (١).
فهذه الأحاديث صريحة في وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو عدم وجوب الغسل من الجماع إذا لم ينزل- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: عن خالد بن زيد الجهني ﵁ أنه سأل عثمان بن عفان ﵁ فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال عثمان: «يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره» قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب، فأمروه بذلك (٣).
ثانياً: عن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة
стр. 559
فلم ينزل؟ قال: «يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلى» (١).
ثالثاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار، فأرسل إليه فخرج ورأسه يقطر، فقال: «لعلنا أعجلناك؟» قال: نعم يا رسول الله، قال: «إذا أُعجلت أو أقحطت (٢) فلا غسل عليك، وعليك الوضوء» (٣).
رابعاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما الماء من الماء» (٤).
خامساً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدكم
стр. 560
أهله، فعجل ولم ينزل، فأقحط فلا يغتسل» (١).
سادساً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «مرّ النبي ﷺ برجل من الأنصار، فدعاه، فخرج ورأسه يقطر، فقال: لعلنا أعجلناك؟ قال: أجل يا نبي الله، قال: إذا عجل أحدكم أو أقحط فلا يغتسل» (٢).
سابعاً: عن ابن عباس ﵁ قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى رجل من الأنصار فأبطأ عليه، فقال: «ما حبسك؟» قال: كنت على المرأة فقمت فاغتسلت، قال: «وما عليك أن لا تغتسل ما لم تنزل» فكانت الأنصار تفعل ذلك (٣).
وهذه الأحاديث ظاهرة في عدم وجوب الغسل إذا جامع ولم ينزل (٤).
стр. 561
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وأن ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل منسوخ، وذلك لما يلي:
أولاً: إنه قد ورد أحاديث صحيحة في ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل، وورد كذلك أحاديث صحيحة في وجوب الغسل منه وإن لم ينزل، إلا أنه جاء أحاديث أخر تدل على أن ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل كان في أول الإسلام، وأن وجوب الغسل منه متأخر، فدل ذلك على نسخ الأمر الأول، كما سبق ذكره.
ثانياً: إن الصحابة ﵃ والأئمة بعدهم اختلفوا في المسألة، ولم يقل أحد منهم أن الأحاديث الدالة على وجوب الغسل من الجماع إذا لم ينزل منسوخة، أما الأحاديث الدالة على ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل فقد قال بنسخها جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فدل ذلك على صحة القول الأول، وعلى نسخ الأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الثاني (١).
ثالثاً: إن بعض الصحابة رووا أحاديث عن النبي ﷺ تدل على جواز ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل، وقال بها، ثم قد رجع عن قوله ذلك، وقال بقول أصحاب القول الأول، فدل ذلك على صحة القول الأول، وعلى نسخ
стр. 562
الأحاديث الدالة على ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل؛ إذ لو لم تكن منسوخة عنده لما رجع عنه؛ لأن ما لم ينسخ من الكتاب والسنة لا يجوز تركه ولا العمل بخلافه (١).
والله أعلم.
стр. 563
المطلب السادس: الغسل للجمعة
ذهب قوم إلى نسخ وجوب غسل الجمعة (١)، وممن صرح به: ابن شاهين (٢)، وجمال الدين الزيلعي (٣).
وعكس ابن حزم، فذهب إلى أن الأحاديث التي تدل على وجوب غسل الجمعة ناسخة للأحاديث التي تدل على عدم وجوبه (٤).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو تعارض الآثار الواردة في المسألة، كما سيتبين من عرض أدلة الأقوال (٥).
ويستدل لمن قال بنسخ وجوب غسل الجمعة بما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا» (٦).
стр. 564
стр. 565
ثالثاً: عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، يجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (١).