الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وأن ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل منسوخ، وذلك لما يلي:
أولاً: إنه قد ورد أحاديث صحيحة في ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل، وورد كذلك أحاديث صحيحة في وجوب الغسل منه وإن لم ينزل، إلا أنه جاء أحاديث أخر تدل على أن ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل كان في أول الإسلام، وأن وجوب الغسل منه متأخر، فدل ذلك على نسخ الأمر الأول، كما سبق ذكره.
ثانياً: إن الصحابة ﵃ والأئمة بعدهم اختلفوا في المسألة، ولم يقل أحد منهم أن الأحاديث الدالة على وجوب الغسل من الجماع إذا لم ينزل منسوخة، أما الأحاديث الدالة على ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل فقد قال بنسخها جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فدل ذلك على صحة القول الأول، وعلى نسخ الأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الثاني (١).
ثالثاً: إن بعض الصحابة رووا أحاديث عن النبي ﷺ تدل على جواز ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل، وقال بها، ثم قد رجع عن قوله ذلك، وقال بقول أصحاب القول الأول، فدل ذلك على صحة القول الأول، وعلى نسخ
стр. 562
الأحاديث الدالة على ترك الغسل من الجماع إذا لم ينزل؛ إذ لو لم تكن منسوخة عنده لما رجع عنه؛ لأن ما لم ينسخ من الكتاب والسنة لا يجوز تركه ولا العمل بخلافه (١).
والله أعلم.
стр. 563
المطلب السادس: الغسل للجمعة
ذهب قوم إلى نسخ وجوب غسل الجمعة (١)، وممن صرح به: ابن شاهين (٢)، وجمال الدين الزيلعي (٣).
وعكس ابن حزم، فذهب إلى أن الأحاديث التي تدل على وجوب غسل الجمعة ناسخة للأحاديث التي تدل على عدم وجوبه (٤).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو تعارض الآثار الواردة في المسألة، كما سيتبين من عرض أدلة الأقوال (٥).
ويستدل لمن قال بنسخ وجوب غسل الجمعة بما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا» (٦).
стр. 564
فهذا الحديث يدل على جواز الاكتفاء بالوضوء، وعدم وجوب الغسل (١).
ثانياً: عن سمرة (٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت،
ومن اغتسل فالغسل أفضل» (٣).
стр. 565
ثالثاً: عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، يجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (١).
стр. 566
وفي الحديثين بيان أن الفرض هو الوضوء، وأن الغسل أفضل لما ينال به الفضل، لا على أنه فرض؛ لأن قوله: (فالغسل أفضل) يقتضي اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء (١).
رابعاً: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من جاء منكم الجمعة فليغتسل» فلما جاء الشتاء قلنا: يا رسول الله أمرتنا بالغسل للجمعة، وقد جاء الشتاء، ونحن نجد البرد؟ قال: «من اغتسل فبها ونعمت، ومن لم يغتسل فلا حرج» (٢).
خامساً: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نسخ الأضحى كل
стр. 567
ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة» (١).
وجه الاستدلال منها على النسخ
ويستدل منها على النسخ: بأنهم كانوا يأتون من أعمالهم فيعرقون، وتكون منهم الروائح، فأمرهم بالغسل، ثم قال: «من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل».
ويدل على تأخير جواز ترك الغسل على الأمر به حديث أنس ﵁: «من اغتسل فبها ونعمت، ومن لم يغتسل فلا حرج» وحديث علي ﵁: «نسخ الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل» (٢).
стр. 568
واعترض عليه: بأنه لا تاريخ يدل على أن الأحاديث التي تدل على جواز ترك الغسل متأخرة عن الآمرة به، إلا حديث أنس، وحديث علي، وهما ضعيفان، والضعيف لا ينسخ القوي (١).
ويستدل لمن قال بأن الأحاديث الآمرة بالغسل هي الناسخة للتي تدل على جواز ترك الغسل بما يلي:
أولاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (٢).
ثانياً: عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» (٣).
ثالثاً: عن عمر ﵁ أنه قال: ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: «إذا جاء أحدكم إلى
الجمعة فليغتسل» (٤).
стр. 569
رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده» (١).
خامساً: عن طاوس قلت لابن عباس ﵁ ذكروا أن النبي ﷺ قال: «اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنباً، وأصيبوا من الطيب» قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري) (٢).
ويستُدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على وجوب غسل الجمعة، فتكون ناسخة للأحاديث التي تدل على أن غسل الجمعة ليس فرضا؛ لأن تلك الأحاديث جاءت موافقة لما كان الأمر عليه قبل قوله ﵇: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» وهذا القول منه ﵊ شرع وارد، وحكم زائد، فيكون ناسخا للحالة الأولى (٣).
стр. 570
واعترض عليه: بأن من قال بنسخ وجوب غسل الجمعة معه ما يدل على قوله ذلك-و إن كان فيه ضعفاً- أما القول بنسخ جواز ترك الغسل بدليل أنه الحالة التي كان عليه الأمر قبل الوجوب فهذا لا يدل على تأخير وجوب غسل الجمعة على الترك منه؛ لاحتمال أن يكون جواز الترك بعد الأمر به لوجود ما يدل عليه (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في حكم غسل الجمعة على قولين:
القول الأول: أن غسل الجمعة سنة مستحب، وليس بواجب.
وهو قول أهل المذاهب الأربعة (٢)، وجمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم (٣)، حتى قال ابن عبد البر: (وقد أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب، وفي ذلك ما يكفي ويغني
стр. 571
عن الإكثار، ولا يجوز على الأمة بأسرها جهل معنى السنة، ومعنى الكتاب، وهذا مفهوم عند ذوي الألباب) (١).
القول الثاني: أن غسل الجمعة واجب.
وهو رواية عن الإمام أحمد (٢)، وقال به ابن حزم، ونسبه إلى عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود ﵃ وعطاء، وغيره (٣).
الأدلة
ويُستدل للقول الأول-وهو استحباب غسل الجمعة لا وجوبه-بأدلة -إضافة على ما سبق في دليل قول من قال بنسخ وجوب غسل الجمعة-منها ما يلي:
أولاً: عن عائشة ﵂ قالت: كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: «لو اغتسلتم» (٤).
وفي رواية عنها-﵂: كان أصحاب رسول الله ﷺ عمال أنفسهم فكان يكون لهم أرواح، فقيل لهم: «لو اغتسلتم) (٥).
стр. 572
والحديث يدل على أن رسول الله ﷺ إنما كان ندبهم إلى الغسل، ولم يجعل ذلك عليهم حتماً؛ لأن معنى قوله: (لو اغتسلتم) أي لكان أفضل وأكمل، فد ذلك على الندب دون الوجوب (١).
ثانياً: عن عكرمة أن ناساً من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل، كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضاً، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح قال: «أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه» قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضاً من العرق) (٢).
стр. 573
وهذا يدل على أن الأمر بالغسل من رسول الله ﷺ لم يكن للوجوب عليهم، بل إنما كان لعلة ثم ذهبت تلك العلة، فذهب الغسل (١).
ثالثاً: عن ابن عمر ﵁ أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ جاء رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شُغلت فلم انقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد على أن توضأت. فقال: والوضوءُ أيضاً وقد علمت «أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل» (٢).
رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان، فعرّض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت، ثم أقبلت. فقال عمر: والوضوء أيضاً، ألم تسمعوا رسول الله ﷺ
стр. 574
يقول: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» (١).
والحديث يدل على أن عثمان ﵁ لم يغتسل، وأقره عمر ﵁ وحاضروا الجمعة، ولو كان واجباً لما تركه، ولألزموه به، فثبت من ذلك أنهما قد علما أن أمر الرسول ﷺ بالغسل على الاختيار والاستحباب دون الوجوب (٢).
فهذه الأدلة تدل على عدم وجوب غسل الجمعة، والأحاديث التي جاء فيها الأمر بالغسل تحمل على الاستحباب؛ جمعاً بين هذه الأحاديث كلها (٣).
دليل القول الثاني:
ويستدل للقول الثاني-وهو وجوب غسل الجمعة- بالأدلة التي سبقت في دليل قول من قال بنسخ جواز ترك غسل الجمعة.
ووجه الاستدلال منها: أن بعض تلك الأحاديث فيه لفظ الوجوب، وبعضها فيه الأمر بالغسل يوم الجمعة، وهو كذلك للوجوب، فثبت من ذلك أن غسل الجمعة واجب (٤).
واعترض عليه: بأن الأمر للوجوب لكن صرفه عن ذلك إلى الندب
стр. 575
الأحاديث التي تدل على عدم الوجوب.
أما لفظ الوجوب، فإنه قد يراد بالواجب الواجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة، كما يقال: حقك علي واجب، دون وجوب الفرض، ويدل لذلك أنه قرنه بما لا يجب؛ حيث جاء في بعض طرق أبي سعيد ﵁ أنه قال: أشهد على رسول الله قال: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيباً إن وجد» (١).
فدل أن المراد بذلك وجوب سنة وواجب الأخلاق والنظافة، لا وجوب فرض (٢).
وأعترض عليه: بأنه تأويل على خلاف الظاهر بمعارض مرجوح (٣).
الراجح
بعد عرض الأقوال والأدلة يظهر لي -والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: أن القول بنسخ وجوب غسل الجمعة له وجه واحتمال، إلا أن في الأحاديث الدالة على ذلك ضعفاً.
ثانياً: إن الأحاديث الواردة في الأمر بالغسل للجمعة أقوى وأصح
стр. 576
وأصرح في الدلالة، بالنسبة إلى الأحاديث الدالة على جواز ترك الغسل، إلا أن فيها أحاديث صحيحة؛ لذلك يكون القول بالجمع بين هذه الأحاديث أولى، وذلك بحمل الأحاديث الآمرة على الاستحباب والسنية، وحمل ما يدل على الترك على الجواز، ولا تنافي بين ذلك، وما دام يمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، وبذلك يكون قول الجمهور هو الراجح.
ثالثاً: يتأكد غسل الجمعة في حق من يكون عامل نفسه، يعمل بيديه ويتعرق، فيلزمه الاغتسال لئلا يتأذى الناس، وخاصة في المساجد التي لا يوجد فيها مكيفات، ويكون الموسم موسم شدة الحر، وذلك بدليل حديث عائشة وابن عباس ﵄.
والله أعلم.
стр. 577
المطلب السابع: الغسل من غسل الميت
ذهب أبو داود (١)، وابن شاهين (٢)، -وروي نحوه عن الإمام أحمد (٣) - إلى أن حديث الغسل من غسل الميت منسوخ، فلا يجب على من غسل ميتاً أن يغتسل.
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف الآثار الواردة فيها، والاختلاف في صحة تلك الآثار، وفي المراد بها، كما سيتبين ذلك من عرض الأقوال، والآثار، ووجه الاستدلال منها.
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه، وإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم» (٤).
стр. 578
ثانياً: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نسخ الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة» (١).
ثالثاُ: عن نافع عن ابن عمر ﵁: (كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل) (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على عدم وجوب الغسل من غسل الميت، وقد رُويت أحاديث فيها الأمر بالغسل من غسل الميت، وروي ما يدل على أن غسل الجنابة نسخ كل غسل، فثبت من ذلك أن الأحاديث الدالة على عدم وجوب الغسل من غسل الميت متأخرة، وأنها الناسخة للغسل من غسل الميت (٣).
واعترض عليه: بأن الحديث الدال على أن غسل الجنابة نسخ كل غسل ضعيف (٤)، أما أن يكون بقية الأحاديث الدالة على عدم وجوب الغسل من
стр. 579
غسل الميت متأخرة، عن الأحاديث التي فيها الأمر بالغسل من غسل الميت، فاحتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الغسل من غسل الميت على قولين:
القول الأول: أن الغسل من غسل الميت لا يجب، ولكنه مستحب.
وهو قول المذاهب الأربعة (٢)، وروي ذلك عن: ابن مسعود، وجابر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة-﵃، وإبراهيم النخعي، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر (٣).
القول الثاني: أن الغسل من غسل الميت واجب.
روي ذلك عن علي، وأبي هريرة ﵄. وبه قال سعيد بن المسيب، وابن
سيرين، والزهري، وابن حزم (٤).
стр. 580
الأدلة
ويستدل للقول الأول بالأدلة التي استُدل بها للقول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منها: هو أن تلك الأحاديث ظاهرة في عدم وجوب الغسل من غسل الميت، لكنه مستحب للأحاديث التي فيها الأمر بالغسل من ذلك، وبه يجمع بين تلك الأحاديث كلها (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني -وهو وجوب الغسل من غسل الميت- بما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (٢).
стр. 581
ثانياً: عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من غسل ميتاً فليغتسل) (١).
ثالثاً: عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت» (٢).
стр. 582
ووجه الاستدلال منها: أن هذه الأدلة فيها الأمر بالغسل من غسل الميت، فدل ذلك على الوجوب (١).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث فيها الأمر بالغسل من غسل الميت، لكن هناك قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الندب، وهي الأحاديث التي تدل على عدم الوجوب، والقول بذلك أولى؛ لأنه ما دام الجمع بين الأحاديث ممكنا لا يصار إلى ترك بعضها (٢).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن
الراجح هو استحباب الغسل من غسل الميت، وأن الأحاديث في الغسل من غسل الميت ليست منسوخة، وذلك لما يلي:
أولاً: أما أنه لا نسخ في هذه المسألة؛ فلأن الأحاديث الواردة فيها، ليس فيها ما يدل على النسخ، إلا حديث علي ﵁ مرفوعاً: «نسخ الأضحى كل
стр. 583
ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة» وهو صريح في النسخ إلا أنه ضعيف لا يقوى على النسخ (١).
أما بقية الأحاديث فالاستدلال منها على أنها المتأخرة والناسخة لأحاديث الغسل من غسل الميت، فاحتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، بل بصريح ويكون متأخراً، وهو ما لا يوجد هنا (٢).
ثانياً: أما أن الغسل من غسل الميت مستحب غير واجب فلما يلي:
أ- قول ابن عمر ﵁: (كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل)؛ حيث أنه يؤيد أن الأمر الوارد في أحاديث الغسل من غسل الميت للاستحباب والندب، لا للوجوب (٣).
ب- ولأن القول بالاستحباب يمكن أن يجمع به بين هذه الأحاديث كلها، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكناً لا يصار إلى النسخ ولا إلى ترك بعضها (٤).
والله أعلم.
стр. 584
المطلب الثامن
غسل المستحاضة لكل صلاة، أو لتجمع به بين الصلاتين
ذهب الطحاوي (١) إلى أن غسل المستحاضة (٢) لكل صلاة، أو غسلها لتجمع به بين الصلاتين، منسوخ بالوضوء لكل صلاة؛ لذلك لا يجب عليها بعد غسلها من المحيض إلا الوضوء لكل صلاة (٣).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف فيها هو اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة فيها (٤).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عائشة ﵂ أنها قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش (٥) رسول الله ﷺ ، فقالت: إني استحاض، فقال: «إنما ذلك عرق
стр. 585
فاغتسلي، ثم صلي» فكانت تغتسل عند كل صلاة) (١).
وفي رواية عنها-﵂ أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول
الله ﷺ «فأمرها بالغسل لكل صلاة» (٢).
ثانياً: عن عائشة ﵂ قالت: «استحيضت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فأُمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر، وتغتسل لهما غسلاً،
стр. 586
وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلاً، وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً» (١).
ثالثاً: عن عائشة ﵂ أن سهلة بنت سهيل (٢) استحيضت فأتت النبي ﷺ «فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح» (٣).
رابعاً: عن عائشة ﵂ قالت: استحيضت فاطمة بنت أبي حبيش (٤)، فسألت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أُستحاض فلا أطهر،
стр. 587
أفأدع الصلاة؟ قال رسول الله ﷺ : «إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وتوضئي وصلي، فإنما ذلك عرق، وليست بالحيضة» (١).
وفي رواية عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ
стр. 588
فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، وإن قطر الدم على الحصير» (١).
خامساً: عن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ أنها كانت تستحاض، فقال لها
النبي ﷺ : «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي» (٢).
سادساً: عن عائشة ﵂ أنها قالت في المستحاضة: (تدع
стр. 589
الصلاة أيام حيضها ثم تغتسل غسلاً واحداً، وتتوضأ عند كل صلاة) (١).
ويستدل منها على النسخ: بأن عائشة ﵂ روت حديث غسل المستحاضة لكل صلاة، وروت حديث جمع المستحاضة بين الصلاتين بغسل واحد، وروت مع ذلك حديث سهلة الدال على أن جمع المستحاضة بين الصلاتين بغسل واحد كان بعد الأمر بالغسل لكل صلاة، كما أنها روت حديث وضوء المستحاضة لكل صلاة، ثم هي كانت بعد النبي ﷺ تفتي المستحاضة بالوضوء لكل صلاة، فثبت بذلك أن هذا الحكم وهو وضوء المستحاضة لكل صلاة هو الناسخ للحكمين السابقين، وهما الغسل لكل صلاة، والجمع بين الصلاتين بغسل واحد؛ لأنه لا يجوز على عائشة أن تدع الناسخ وتفتي بالمنسوخ (٢).
واعترض عليه: بأن ادعاء أن أمر المستحاضة بالغسل لكل صلاة، أو الأمر لها بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد، كان واجباً ثم نسخ بالوضوء لكل صلاة، احتمال، ويحتمل كذلك أن الأمر بذلك كان للندب والاستحباب،
стр. 590
وأن الواجب عليها كان هو الوضوء لكل صلاة، والقول بهذا الاحتمال أولى؛ لأن به الجمع بين هذه الأحاديث كلها، ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث والعمل بها كلها (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم فيما يجب على المستحاضة على أربعة أقوال:
القول الأول: لا يجب على المستحاضة إلا الغسل من المحيض، ثم الوضوء لكل صلاة.
وهو قول جمهور أهل العلم (٢)، وممن قال به: الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
وروي ذلك عن: على، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة، ﵃.
стр. 591
وبه قال: عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والليث، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وروي نحوه عن سعيد بن المسيب (١).
القول الثاني: لا يجب على المستحاضة إلا الغسل من المحيض، ثم يستحب لها الوضوء لكل صلاة ولا يجب إلا من الحدث.
وهو قول المالكية (٢)، وقول عكرمة، وربيعة (٣).
القول الثالث: يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة.
وروي ذلك عن: علي، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير ﵃، وعطاء بن أبي رباح (٤).
القول الرابع: يجب على المستحاضة ثلاثة أغسال: فتؤخر الظهر، وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتؤخر المغرب، وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتغتسل للصبح غسلاً.
روي ذلك عن: علي، وابن عباس ﵄، وإبراهيم النخعي، وعطاء،
وسعيد بن المسيب، وعكرمة (٥).
стр. 592
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أنه لا يجب على المستحاضة إلا الغسل من المحيض، ثم الوضوء لكل صلاة-بأدلة منها ما يلي:
أولاً: حديث عائشة الذي فيه الأمر بالوضوء لكل صلاة، وقد سبق ذكره (١).
ثانياً: حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وفيه الأمر كذلك بالوضوء لكل صلاة (٢).
ثالثاً: عن ثابت (٣)، عن أبيه (٤)، عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة: «تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم، وتصلي» (٥).
стр. 593
رابعاً: عن عكرمة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها النبي ﷺ «أن تنتظر أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، فإن رأت شيئا من ذلك توضأت وصلت» (١).
ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث ظاهر؛ حيث جاء فيها الأمر بالوضوء لكل صلاة، فدل على وجوبه فقط، لا على وجوب غيره (٢).
دليل القول الثاني
ويستُدل للقول الثاني-وهو أنه لا يجب على المستحاضة إلا الغسل من المحيض، ثم يستحب لها الوضوء لكل صلاة ولا يجب إلا من الحدث- بما يلي:
أولاً: الأحاديث التي جاء فيها الأمر بالوضوء، وحمل الأمر فيها على الاستحباب؛ لأنه لا يرفع الحدث الدائم، فحمل الأمر به على
стр. 594
الاستحباب (١).
ثانياً: عن عائشة ﵂ أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ ، يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله: «إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلى» (٢).
ووجه الاستدلال منه هو: أنه ليس فيه ذكر الوضوء، ولو كان الوضوء عليها واجباً لما سكت عن أن يأمرها به (٣).
واعترض عليه: بأن عدم ذكر الوضوء في حديث لا يدل على عدم وجوبه؛ لذكره في أحاديث أخرى، والأمر فيها ظاهر في الوجوب (٤).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو وجوب الغسل على المستحاضة لكل صلاة- بما يلي:
أولاً: حديث عائشة الذي فيه الأمر بالغسل لكل صلاة، وقد سبق
стр. 595
ذكره (١).
ثانياً: عن زينب بنت أبي سلمة-﵂ أن امرأة كانت تهراق الدم -وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف- أن رسول الله ﷺ «أمرها أن تغتسل عند كل صلاة و تصلي» (٢).
وفي الحديثين الأمر بالغسل لكل صلاة، فدل ذلك على وجوبه (٣).
واعترض عليه: بأن حمله على الندب أولى؛ جمعاً بين هذه الأحاديث والأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء فقط لكل صلاة (٤).
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع-وهو أنه يجب على المستحاضة ثلاثة أغسال- بما يلي:
أولاً: حديث عائشة ﵂-الذي فيه الأمر بثلاثة أغسال، وقد سبق ذكره (٥).
стр. 596
ثانياً: عن أسماء بنت عميس (١) ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا، فلم تصل، فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله! ذا من الشيطان، لتجلس في مركن (٢)، فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصرغسلاً واحداً، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر غسلاً واحداً، وتتوضأ فيما بين ذلك» (٣).
ووجه الدلالة من الحديثين: أن فيهما الأمر بثلاثة أغسال فدل ذلك على وجوبها (٤).
واعترض عليه: بأن الأمر فيهما للاستحباب والاختيار، بدليل الأحاديث
стр. 597
الدالة على جواز الاكتفاء بالوضوء لكل صلاة، وبحديث حمنة بنت جحش (١) ﵂ حيث جاء فيه: «وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، فتغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين، فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك. قال رسول الله ﷺ : وهذا أعجب الأمرين إليّ» (٢).
فدل كل هذا أن الأمر بهذه الأغسال للاستحباب دون الوجوب (٣).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله
стр. 598
أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: أن نسخ غسل المستحاضة لكل صلاة أو غسلها لتجمع به بين الصلاتين، بالوضوء لكل صلاة محتمل، إلا أن الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة أولى من القول بالنسخ، وذلك بحمل الأمر الوارد فيها بالوضوء على الوجوب، وحمل الأمر الوارد فيها بالغسل لكل صلاة، أو بالغسل لتجمع به بين الصلاتين على الاستحباب (١).
ثانياً: إن الواجب على المستحاضة الوضوء لكل صلاة، لكن الأفضل لها والأولى الغسل لكل صلاة، ثم الغسل لتجمع به بين الصلاتين، وبهذا يجمع بين هذه الأحاديث كلها (٢).
والله أعلم.
стр. 599
الفصل الثاني: الصلاة .
وفيه تسعة مباحث:
المبحث الأول: فرضية الصلاة، والأوقات، والأذان، والإقامة.
المبحث الثاني: طهارة ما يصلى فيه، وعليه، واستقبال القبلة.
المبحث الثالث: صفة الصلاة.
المبحث الرابع: سجودا السهو، والتلاوة.
المبحث الخامس: صلاة التطوع، وما يكره في الصلاة أو يفسدها.
المبحث السادس: صلاة الجماعة.
المبحث السابع: الجمعة، والعيدين.
المبحث الثامن: قضاء الصلاة، وصلاة الخوف.
المبحث التاسع: الجنائز.
стр. 600
المبحث الأول فرضية الصلاة، والأوقات، والأذان والإقامة
وفيه اثنا عشر مطلباً:
المطلب الأول: عدد المفروض من الصلوات.
المطلب الثاني: ضرب الصبي على الصلاة إذا بلغ عشراً.
المطلب الثالث: تفضيل الإسفار على التغليس في صلاة الفجر.
المطلب الرابع: تعجيل الظهر في شدة الحر.
المطلب الخامس: صلاة المغرب هل لها وقت واحد أو وقتان.
المطلب السادس: آخر وقت صلاة العشاء الآخرة.
المطلب السابع: صلاة الفريضة الواحدة في اليوم مرتين.
المطلب الثامن: إدراك الصبح بإدراك الركعة قبل طلوع الشمس، والعصر بإدراك الركعة قبل غروبها.
المطلب التاسع: الصلاة عند انتصاف النهار.
المطلب العاشر: الصلاة بعد العصر.
المطلب الحادي عشر: أن يؤذن أحد ويقيم آخر.
المطلب الثاني عشر: إفراد الإقامة.