← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ثانياً: عن أسماء بنت عميس (١) ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا، فلم تصل، فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله! ذا من الشيطان، لتجلس في مركن (٢)، فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصرغسلاً واحداً، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر غسلاً واحداً، وتتوضأ فيما بين ذلك» (٣). ووجه الدلالة من الحديثين: أن فيهما الأمر بثلاثة أغسال فدل ذلك على وجوبها (٤). واعترض عليه: بأن الأمر فيهما للاستحباب والاختيار، بدليل الأحاديث

стр. 597

الدالة على جواز الاكتفاء بالوضوء لكل صلاة، وبحديث حمنة بنت جحش (١) ﵂ حيث جاء فيه: «وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، فتغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين، فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك. قال رسول الله ﷺ : وهذا أعجب الأمرين إليّ» (٢). فدل كل هذا أن الأمر بهذه الأغسال للاستحباب دون الوجوب (٣). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله

стр. 598

أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: أن نسخ غسل المستحاضة لكل صلاة أو غسلها لتجمع به بين الصلاتين، بالوضوء لكل صلاة محتمل، إلا أن الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة أولى من القول بالنسخ، وذلك بحمل الأمر الوارد فيها بالوضوء على الوجوب، وحمل الأمر الوارد فيها بالغسل لكل صلاة، أو بالغسل لتجمع به بين الصلاتين على الاستحباب (١). ثانياً: إن الواجب على المستحاضة الوضوء لكل صلاة، لكن الأفضل لها والأولى الغسل لكل صلاة، ثم الغسل لتجمع به بين الصلاتين، وبهذا يجمع بين هذه الأحاديث كلها (٢). والله أعلم.

стр. 599

الفصل الثاني: الصلاة . وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: فرضية الصلاة، والأوقات، والأذان، والإقامة. المبحث الثاني: طهارة ما يصلى فيه، وعليه، واستقبال القبلة. المبحث الثالث: صفة الصلاة. المبحث الرابع: سجودا السهو، والتلاوة. المبحث الخامس: صلاة التطوع، وما يكره في الصلاة أو يفسدها. المبحث السادس: صلاة الجماعة. المبحث السابع: الجمعة، والعيدين. المبحث الثامن: قضاء الصلاة، وصلاة الخوف. المبحث التاسع: الجنائز.

стр. 600

المبحث الأول فرضية الصلاة، والأوقات، والأذان والإقامة وفيه اثنا عشر مطلباً: المطلب الأول: عدد المفروض من الصلوات. المطلب الثاني: ضرب الصبي على الصلاة إذا بلغ عشراً. المطلب الثالث: تفضيل الإسفار على التغليس في صلاة الفجر. المطلب الرابع: تعجيل الظهر في شدة الحر. المطلب الخامس: صلاة المغرب هل لها وقت واحد أو وقتان. المطلب السادس: آخر وقت صلاة العشاء الآخرة. المطلب السابع: صلاة الفريضة الواحدة في اليوم مرتين. المطلب الثامن: إدراك الصبح بإدراك الركعة قبل طلوع الشمس، والعصر بإدراك الركعة قبل غروبها. المطلب التاسع: الصلاة عند انتصاف النهار. المطلب العاشر: الصلاة بعد العصر. المطلب الحادي عشر: أن يؤذن أحد ويقيم آخر. المطلب الثاني عشر: إفراد الإقامة.

стр. 601

المطلب الأول: عدد المفروض من الصلوات ذهب غير واحد من أهل العلم، إلى أن الله فرض على المسلمين ليلة الإسراء والمعراج خمسين صلاة (١)، ثم خفف عنهم، فنسخ ما زاد على الخمسة (٢). وممن صرح بنسخ ذلك: ابن حزم (٣)، والسمعاني (٤)،

стр. 602

و السرخسي (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢). ولا خلاف بين أهل العلم في أن الصلوات المفروضة في اليوم والليلة هي خمسة فقط. ويستدل لما سبق بما يلي: أولاً: حديث أنس بن مالك ﵁ وفيه: قال رسول الله ﷺ : «ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال موسى: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعني فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، قال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هنّ خمس وهنّ خمسون، لا يبدل القول لديَّ، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربّي» الحديث (٣).

стр. 603

ثانياً: عن طلحة بن عبيد الله ﵁ يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فإذا هو يسأله عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «خمس صلواتٍ في اليوم والليلة» قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطّوّع». فقال رسول الله ﷺ : «وصيام شهر رمضان»، فقال: هل عليّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطّوّع»، قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق» (١). فهذان الحديثان يدلان على أن الصلوات المكتوبة هي خمسة فقط، وحديث أنس ﵁ يدل على أن الله فرض ليلة المعراج خمسين صلاة، ثم نسخ ما زاد على الخمسة (٢). والله أعلم.

стр. 604

المطلب الثاني: ضرب الصبي على الصلاة إذا بلغ عشراً ذهب البيهقي إلى أنه لا يجب الصلاة على الصبي، وأن ضربه على الصلاة إذا بلغ عشراً، منسوخ، وأنه رفع عنه ذلك (١). وليس للقول بالنسخ أي أثر في اختلاف أهل العلم في المسألة، ولكن السبب لاختلافهم هو اختلافهم في المراد من ضرب الصبي على الصلاة إذا بلغ عشراً، هل هو لأجل أنها واجبة عليه، أو هو للتدريب والتمرين (٢). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن سبرة (٣) ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» (٤).

стр. 605

ثانياً: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» (١). ثالثاً: عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم» (٢).

стр. 606

رابعاً: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (١). ويستدل منها على النسخ: بأنه جاء في حديث سبرة، وعبد الله بن عمرو-﵃-الأمر بضرب الصبي على الصلاة إذا بلغ عشراً، وهو

стр. 607

يدل على وجوب الصلاة عليه، وعلى ضربه عليها، وجاء في حديث علي، وعائشة ﵄ أن الصبي رفع عنه القلم، والرفع يستدعي سبق وضع، فدل ذلك على عدم وجوب الصلاة على الصبي، وعلى عدم ضربه عليها؛ لأنه رفع عنه ذلك، وهو معنى النسخ (١). واعترض عليه: بأن كل رفع لا يستدعي سبق وضع، وأن المراد بالرفع في الحديث عدم التكليف ما دام هؤلاء متصفين بتلك الأوصاف (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. أما جمهور أهل العلم فلم يقولوا بالنسخ، بل قالوا بضرب الصبي على الصلاة إذا بلغ عشراً، إلا أنهم اختلفوا في المراد من هذا الضرب، هل هو لأن الصلاة واجب عليه، أو أنه يضرب لأجل التدريب والتمرين؟ اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: أن الصلاة لا تجب على الصبي إلا بالبلوغ، وإنما يضرب عليها إذا بلغ عشراً على وجه التعليم والتدريب والتمرين، كي يألفها ويعتادها، ولا يتركها عند البلوغ. وهذا قول أكثر أهل العلم، ومنهم المذاهب الأربعة (٣).

стр. 608

القول الثاني: أن الصلاة تجب على الصبي إذا بلغ عشراً، ويضرب عليها إذا تركها عقاباً. وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة (١). ويستدل للقول الأول بما يلي: أولاً: أما عدم وجوب الصلاة عليه فلحديثي علي وعائشة ﵄ وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ. ثانياً: أما أنه يضرب عليها إذا بلغ عشراً للتدريب والتمرين عليها؛ فلما سبق من حديثي سبرة، وعبد لله بن عمرو-﵃. فإنهما يدلان على ضرب الصبي على الصلاة إذا بلغ عشراً، لكنه للتدريب والتمرين؛ لا للوجوب للأحاديث التي تدل على عدم تكليفه (٢). ويستدل للقول الثاني -وهو وجوب الصلاة على الصبي إذا بلغ عشراً، وضربه عليها-بما سبق ذكره من حديث سبرة، وعبد الله بن عمرو-﵄. ووجه الاستدلال منهما هو: لأن الصبي إذا بلغ عشراً

стр. 609

يضرب عليها، ويعاقب على تركها، ولا تشرع العقوبة إلا لترك واجب (١). واعترض عليه: بأن ضربه على الصلاة إذا بلغ عشراً، ليس للعقوبة حتى يكون ذلك دليلاً على وجوبها عليه، بل للتدريب والتمرين؛ بدليل الأحاديث الدالة على عدم تكليفه (٢). الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو قول الجمهور-وهو أن ضربه على الصلاة إذا بلغ عشراً ليس بمنسوخ، وأنه يضرب عليها للتدريب والتمرين لا لوجوبها عليه-وذلك لما يلي: أولاً: أن القول بالنسخ احتمال ضعيف؛ لأنه ليس هناك أي دليل على تأخر الأحاديث الدالة على عدم تكليفه على الأحاديث الدالة على ضربه على الصلاة إذا بلغ عشرا، أما رفع القلم عنه فالمراد به عدم تكليفه، ولا منافاة بين عدم تكليفه وضربه على الصلاة للتدريب و التمرين (٣). وليس كل رفع يقتضي سبق وضع كما سبق ذكره. ثانياً: ولأنه يمكن الجمع بين الأحاديث الواردة في هذه المسألة، وذلك بحمل ما يدل على ضربه على الصلاة على التدريب والتمرين، وبحمل غيره على عدم تكليفه، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكناً لا يصار إلى النسخ، ولا إلى ترك بعضها (٤) والله أعلم.

стр. 610

المطلب الثالث: تفضيل الإسفار على التغليس في صلاة الفجر ذهب الطحاوي إلى أن التغليس (١) بصلاة الصبح-وهو أن يدخل فيها بغلس ويخرج منها بغلس- نسخ بالإسفار- وهو أن يدخل في صلاة الفجر بغلس، ويمد القراءة فيها حتى يخرج منها وقت الإسفار (٢). وعكس ذلك الحازمي فذهب إلى أن المنسوخ هو أفضلية الإسفار بصلاة الصبح، وأن الناسخ هو التغليس بها- وهو أن يدخل فيها بغلس، ويخرج منها بغلس- (٣). وقريب منه قول شيخ الإسلام ابن تيمية؛ حيث قال-بعد ذكر الحديث الدال على الإسفار-: (وقد يكون منسوخاً؛ لأن التغليس هو فعله حتى مات) (٤).

стр. 611

وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف الأحاديث الواردة في المسألة (١). ويستدل لمن قال بنسخ التغليس بصلاة الصبح بما يلي: أولاً: عن رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» (٢).

стр. 612

ثانياً: عن محمود بن لبيد (١) عن رجال من قومه من الأنصار، أن رسول الله ﷺ قال: «ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم بالأجر» (٢). ثالثاً: عن عائشة-﵂ قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم النبي ﷺ المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها، غير المغرب فإنها وتر النهار، وصلاة الصبح لطول قراءتها، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى» (٣). رابعاً: عن إبراهيم النخعي قال: (ما أجمع أصحاب محمد ﷺ على شيء ما أجمعوا على التنوير بالفجر) (٤). ويستدل منها على نسخ التغليس بصلاة الصبح على وجهين:

стр. 613

الأول: هو أن حديث عائشة-﵂ يدل أن رسول الله ﷺ كان يصلي قبل أن يتم الصلاة، على مثال ما يصلي إذا سافر، وحكم المسافر تخفيف الصلاة، ثم أحكم بعد ذلك، فزيد في بعض الصلوات، وأمر بإطالة بعضها، فيجوز أن يكون ما كان يفعل من تغليسه بها، وانصراف النساء منها ولا يعرفن من الغلس، كان ذلك في الوقت الذي كان يصليها فيه على مثل ما يصلى فيه الآن في السفر، ثم أمر بإطالة القراءة فيها، وقال: «أسفروا بالفجر» أي أطيلوا القراءة فيها حتى تخرجوا منها وقت الإسفار، فثبت بذلك نسخ ما كان يفعله من تغليسه بها وانصراف النساء منها ولا يعرفن من الغلس، وأن قوله: «أسفروا بالفجر» بعد ذلك (١). واعترض عليه: بأن حديث تغليس النبي ﷺ ثابت، وأنه داوم عليه إلى أن فارق الدنيا، فكيف يقال بنسخه؟ (٢). الوجه الثاني: أن أصحاب رسول الله ﷺ من بعده اتفقوا على الإسفار بصلاة الصبح، ولا يجوز اجتماعهم على خلاف ما قد كان رسول الله ﷺ فعله إلا بعد نسخ ذلك، وثبوت خلافه (٣). واعترض عليه: بأن جمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم على

стр. 614

أفضلية التغليس بها، فكيف يقال: إنهم أجمعوا على الإسفار بها؟ (١). ويستدل لمن قال بنسخ الإسفار بصلاة الصبح بما يلي: أولاً: عن عائشة ﵂ قالت: (كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر، متلفعات (٢) بمروطهن (٣)، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحد من الغلس) (٤). ثانياً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهربالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عجل وإذا قلوا أخر، والصبح بغلس» (٥). ثالثاً: عن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: «كن نساء

стр. 615

يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فينصرفن متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس» (١). رابعاً: حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ عن رسول الله ﷺ وفيه: « … وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يسفر» (٢).

стр. 616

ويستدل من هذه الأدلة على النسخ: بأن حديث عائشة وجابر وأم سلمة ﵃ يدل على أن النبي ﷺ كان يصلي الصبح بغلس، وحديث أبي مسعود يدل على أن التغليس بها آخر فعله، فيكون ذلك ناسخاً للإسفار بها (١). واعترض عليه: بأن كون النبي ﷺ كان يصلي الصبح بغلس صحيح، لكن الحديث الذي فيه أنه ﷺ صلى مرة فأسفر بها ثم لم يعد إلى ذلك حتى الموت، فهو زيادة من أحد الرواة لم يذكره الأكثرون، وهو متكلم فيه (٢)، ثم هذه الزيادة تخالف أحاديث تدل على أن النبي ﷺ صلى غير مرة

стр. 617

بالإسفار، ومن تلك الأحاديث: أ- عن رافع بن خديج ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ لبلال: «يا بلال نور بصلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم (١) من الإسفار» (٢). ب- حديث أنس بن مالك ﵁ في أوقات صلاة رسول الله ﷺ وفيه: «ويصلي الصبح إلى أن ينفسح البصر» (٣).

стр. 618

هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في الأفضل من التغليس والإسفار بصلاة الصبح على قولين: القول الأول: أن الأفضل هو الإسفار بصلاة الفجر، وهو أن يبدأ بها بالإسفار، ويختم بها في الإسفار. وهو مذهب الحنفية (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، وروي نحو ذلك عن على ابن أبي طالب، وابن مسعود ﵄ (٣). وبه قال إبراهيم النخعي، وطاوس، وسعيد بن جبير، والثوري،

стр. 619

والحسن بن حي (١). القول الثاني: أن الأفضل هو التغليس بها، يبدأها بغلس، ويخرج منها بغلس. وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير، وعائشة، وأم سلمة-﵃ (٥). وبه قال: عروة بن الزبير، وعمر بن عبدالعزيز، والليث بن سعد،

стр. 620

والأوزاعي، وإسحاق، وداود الظاهري (١). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أن الإسفار بصلاة الصبح أفضل- بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأدلة التي استدل بها للقول بنسخ التغليس. ثانياً: حديث رافع بن خديج، وأنس بن مالك، وقد سبق ذكرهما (٢). ثالثاً: عن عبد الله ﵁ قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاتها» (٣). والمراد أنه ﷺ صلى في غير وقتها المعتاد، وليس المراد أنه صلى الفجر قبل طلوع الفجر، بل إنما غلس بها، فيدل على أنه ﷺ كان يسفر بالفجر، وقلما صلاها بغلس (٤). واعترض عليه: بأن المراد أنه غلس بها جداً، مخالفا للتغليس المعتاد، وليس المراد أنه كان يسفر في غير هذا اليوم (٥).

стр. 621

ووجه الاستدلال من هذه الأدلة: هو أنها تدل على تفضيل الإسفار؛ حيث أن النبي ﷺ أمر به، وبين أنه أعظم للأجر، وعمل به الصحابة ﵃ (١). واعترض عليه: بأن النبي ﷺ داوم على التغليس، ولم يكن رسول الله ﷺ يداوم إلا على ما هو الأفضل (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن التغليس بها أفضل-بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأدلة التي استُدل بها للقول بنسخ الإسفار بصلاة الصبح. ثانياً: عن أنس ﵁ أن زيد بن ثابت ﵁ حدثه: «أنهم تسحروا مع النبي ﷺ ثم قاموا إلى الصلاة» قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين، يعني آية) (٣). ثالثاً: عن سهل بن سعد ﵁ يقول: (كنت أتسحر في أهلي، ثم يكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ (٤).

стр. 622

رابعاً: عن مغيث بن سميّ (١) قال: صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس، فلما سلم أقبلت على ابن عمر، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: «هذه صلاتنا كانت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما طعن عمر أسفر بها عثمان» (٢). ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأدلة تدل على أن النبي ﷺ غلس بها، وداوم على ذلك، وكذلك أبو بكر وعمر-﵄ ومحال أن يتركوا الأفضل ويأتون الدون، وهم النهاية في إتيان الفضائل، فثبت من ذلك أن الأفضل هو التغليس بها (٣). واعترض عليه: بأن القول بأن النبي ﷺ داوم على التغليس بها معارض بأحاديث تدل على أنه ﷺ صلاها كذلك مسفراً بها، ومنها ما

стр. 623

استُدل بها للقول الأول (١). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: أنه يجوز التغليس والإسفار بصلاة الصبح؛ لأن الكل وقت للفجر. ثانياً: أن الأحاديث الدالة على التغليس وأن ذلك كان غالب أحواله ﷺ ، أكثر، وأقوى وأصح (٢). ثالثاً: أن الإسفار بصلاة الصبح فيه كذلك أحاديث صحيحة (٣)، وهي تدل على أن النبي ﷺ لم يداوم على التغليس بحيث لم يكن يعرف بعضهم بعضاً، ويؤيد ذلك حديث أبي برزة الأسلمي (٤) ﵁، وفيه: «كان النبي ﷺ يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة» (٥).

стр. 624

رابعاً: أن القول بأن التغليس بصلاة الصبح منسوخ، مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على أن النبي ﷺ كان يصليها بغلس. ولا يوجد دليل يدل على أن الأمر بالإسفار كان بعد ما كان يغلس بها، وأنه لم يغلس بها بعد ذلك. خامساً: أن القول بأن الإسفار بها منسوخ بالتغليس بها، له وجه واحتمال، لكنه ضعيف؛ وذلك لأن الحديث الدال على ذلك هو حديث أبي مسعود ﵁ الذي فيه: « … وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يسفر». حيث إن في الاستدلال منه على النسخ يلزم القول بنسخ التغليس أولاً؛ لأن الإسفار جاء بعده، ثم نسخ الإسفار بالتغليس ثانياً، ولا قائل بذلك. كما أن الزيادة المذكورة فيه والتي يُستدل منها على النسخ، زيادة من أحد الرواة قد تُكلم فيه، ثم هي مخالفة للأحاديث الدالة على الإسفار (١). سادساً: ومن مجموع ما سبق يتبين أن التغليس بها أولى في أغلب الأحوال اتباعاً للنبي ﷺ ؛ حيث كان أغلب أحواله التغليس، وكان أحياناً ينصرف منها حين تتميز الوجوه و تتعارف (٢). والله أعلم.

стр. 625

المطلب الرابع: تعجيل الظهر في شدة الحر ذهب بعض أهل العلم إلى أن الحديث الذي يدل على تعجيل الظهر في شدة الحر منسوخ بالإبراد بها. وممن صرح بالنسخ: الأثرم (١)، والطحاوي (٢)، والبيهقي (٣)، والنووي (٤). ويدل عليه كلام الإمام أحمد، وابن حجر-رحمهما الله- (٥). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف الأحاديث الواردة فيها (٦). ويستدل لمن قال بالنسخ بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن عبد الله بن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح (٧) جهنم» (٨).

стр. 626

ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (١). ثالثاً: عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : «أبرد» ثم أراد أن يؤذن فقال له: «أبرد» حتى رأينا فيء التلول. فقال النبي ﷺ : «إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» (٢). رابعاً: عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم» (٣). خامساً: عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر بالهاجرة (٤)، فقال لنا: «أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح

стр. 627

جهنم» (١). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على الإبراد بالظهر في شدة الحر، وحديث المغيرة بن شعبة ﵁ يدل أن الأمر بالإبراد بالظهركان بعد كون صلاة الظهر بالهاجرة، فثبت من ذلك نسخ تعجيل الظهر في شدة الحر بالإبراد بها، وأن الأحاديث الدالة على الإبراد بالظهر متأخرة عن الأحاديث الدالة على التعجيل بها (٢).

стр. 628

هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يستحب الإبراد بالظهر في شدة الحر، وهو أن يؤخر الظهر إلى أن يبرد الوقت، وينكسر الحر. وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وقول للإمام مالك (٣)، وقول إسحاق، وابن المنذر، وجمهور أهل العلم (٤). القول الثاني: يستحب الإبراد بالظهر في شدة الحر في مساجد الجماعات، أما الفذ أو من يصلي في غير مساجد الجماعات فيستحب له الصلاة في أول وقتها. وهو مذهب المالكية (٥)، والشافعية (٦)، ووجه عند الحنابلة (٧).

стр. 629

القول الثالث: يستحب التعجيل بصلاة الظهر في جميع الأوقات. وهو قول الليث بن سعد (١). الأدلة أما القول الأول- وهو استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر- فيُستدل له: أ- بالأحاديث التي استُدل بها للقول بنسخ تعجيل الظهر في شدة الحر. ب- عن أنس بن مالك ﵁ يقول: «كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة» (٢). ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأحاديث فيها الأمر بإبراد الظهر في شدة الحر، وأن النبي ﷺ كان يبرد بها إذا اشتد الحر، فيكون الإبراد بها مستحباً لهذه الأحاديث، ولا يجب لأن الكل وقت لهذه الصلاة (٣). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو استحباب التعجيل بالظهر إلا لمن يصلي في مساجد الجماعات- بما يلي: أولاً: أما استحباب الإبراد بها في مساجد الجماعات فللأحاديث السابقة

стр. 630

التي جاء فيها الأمر بالإبراد في شدة الحر. ثانياً: وأما استحباب تعجيلها لغير مساجد الجماعات؛ فلأنه لا أذى عليهم من حرها (١). واعترض عليه: بأن الأحاديث التي فيها الأمر بالإبراد عامة، وليس فيها ما يخصصها بمساجد الجماعات، فالقول بعمومها وإطلاقها أولى (٢). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو تعجيل الظهر في جميع الأوقات- بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن خباب (٣) ﵁ قال: «أتينا رسول الله ﷺ فشكونا إليه حر الرمضاء، فلم يشكنا» (٤). ثانياً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ

стр. 631

بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر» (١). ثالثاً: عن أبي برزة ﵁: «كان النبي ﷺ يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة، وكان يصلي الظهر إذا زالت الشمس، والعصر وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة رجع والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب (٢) ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل، ثم قال: إلى شطر الليل) (٣). رابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخر، والصبح بغلس» (٤). خامساً: عن جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر إذا دحضت (٥) الشمس» (٦).

стр. 632

ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأحاديث تدل على تعجيل الظهر، وأن النبي ﷺ كان يعجل بها، وحديث خباب ﵁ يدل على أن النبي ﷺ لم يشكهم لما شكوا إليه حرّ الرمضاء، فثبت من ذلك أن التعجيل بها أفضل مطلقاً (١). واعترض عليه بما يلي: أ- بأن هذه أحاديث عامة، وأحاديث الإبراد أحاديث خاصة، والخاص مقدم على العام، فتكون هذه الأحاديث مخصصة بها (٢). ب- أن هذه الأحاديث منسوخة بأحاديث الإبراد؛ لأنها متأخرة عنها (٣). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو استحباب الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر، وذلك لما يلي:

стр. 633

أولاً: لأن الأحاديث الدالة على التعجيل بها في شدة الحر منسوخة؛ لأن مع الأحاديث الدالة على الإبراد بها في شدة الحر ما يدل على تأخرها، وأن الأمر بالإبراد كان بعد ما كان رسول الله ﷺ يعجل بها ويصليها بالهاجرة؛ حيث جاء في إحدى طرق رواية المغيرة بن شعبة ﵁: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر بالهجير، ثم قال: «إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة» (١). و (ثم) يدل على الترتيب مع التراخي (٢)، فثبت منه أن الأمر بالإبراد بها متأخر عن التعجيل بها في شدة الحر (٣). كما أنه جاء في رواية: (وكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبراد) (٤). وهذا ظاهر في تأخر الأمر بالإبراد بها، ونسخ التعجيل بها. ثانياً: ولأن من الذين رووا تعجيل الظهر أنس ﵁، وقد جاء عنه مفسراً في رواية أخرى، وهو قوله: «كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة» (٥). فدل ذلك أن تعجيل النبي ﷺ بالظهر إنما كان في غير شدة الحر، أو أنه ﷺ كان يعجل بها مطلقاً ثم أبرد بها في شدة الحر. والله أعلم.

стр. 634

المطلب الخامس: صلاة المغرب هل لها وقت واحد أو وقتان ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأحاديث الدالة على أن صلاة المغرب ليس لها إلا وقت واحد عند مغيب الشمس منسوخة بالأحاديث الدالة على أن وقتها موسع، يبتدأ بغروب الشمس، وينتهي بغروب الشفق (١). وممن صرح بالنسخ: ابن قدامة (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي له هو تعارض الأحاديث الواردة فيها (٥). ويستدل للقول بالنسخ بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق (٦)، ووقت صلاة

стр. 635

العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان» (١). ثانياً: عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ أن رجلا سأله عن وقت الصلاة فقال له: «صل معنا هذين يعني اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة، بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر فأبرد بها فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة، فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم» (٢). ثالثاً: عن أبي موسى ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئاً، قال: فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس
следующие страницы →