← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر» (١). ثالثاً: عن أبي برزة ﵁: «كان النبي ﷺ يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة، وكان يصلي الظهر إذا زالت الشمس، والعصر وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة رجع والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب (٢) ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل، ثم قال: إلى شطر الليل) (٣). رابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخر، والصبح بغلس» (٤). خامساً: عن جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر إذا دحضت (٥) الشمس» (٦).

стр. 632

ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأحاديث تدل على تعجيل الظهر، وأن النبي ﷺ كان يعجل بها، وحديث خباب ﵁ يدل على أن النبي ﷺ لم يشكهم لما شكوا إليه حرّ الرمضاء، فثبت من ذلك أن التعجيل بها أفضل مطلقاً (١). واعترض عليه بما يلي: أ- بأن هذه أحاديث عامة، وأحاديث الإبراد أحاديث خاصة، والخاص مقدم على العام، فتكون هذه الأحاديث مخصصة بها (٢). ب- أن هذه الأحاديث منسوخة بأحاديث الإبراد؛ لأنها متأخرة عنها (٣). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو استحباب الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر، وذلك لما يلي:

стр. 633

أولاً: لأن الأحاديث الدالة على التعجيل بها في شدة الحر منسوخة؛ لأن مع الأحاديث الدالة على الإبراد بها في شدة الحر ما يدل على تأخرها، وأن الأمر بالإبراد كان بعد ما كان رسول الله ﷺ يعجل بها ويصليها بالهاجرة؛ حيث جاء في إحدى طرق رواية المغيرة بن شعبة ﵁: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر بالهجير، ثم قال: «إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة» (١). و (ثم) يدل على الترتيب مع التراخي (٢)، فثبت منه أن الأمر بالإبراد بها متأخر عن التعجيل بها في شدة الحر (٣). كما أنه جاء في رواية: (وكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبراد) (٤). وهذا ظاهر في تأخر الأمر بالإبراد بها، ونسخ التعجيل بها. ثانياً: ولأن من الذين رووا تعجيل الظهر أنس ﵁، وقد جاء عنه مفسراً في رواية أخرى، وهو قوله: «كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة» (٥). فدل ذلك أن تعجيل النبي ﷺ بالظهر إنما كان في غير شدة الحر، أو أنه ﷺ كان يعجل بها مطلقاً ثم أبرد بها في شدة الحر. والله أعلم.

стр. 634

المطلب الخامس: صلاة المغرب هل لها وقت واحد أو وقتان ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأحاديث الدالة على أن صلاة المغرب ليس لها إلا وقت واحد عند مغيب الشمس منسوخة بالأحاديث الدالة على أن وقتها موسع، يبتدأ بغروب الشمس، وينتهي بغروب الشفق (١). وممن صرح بالنسخ: ابن قدامة (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي له هو تعارض الأحاديث الواردة فيها (٥). ويستدل للقول بالنسخ بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق (٦)، ووقت صلاة

стр. 635

العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان» (١). ثانياً: عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ أن رجلا سأله عن وقت الصلاة فقال له: «صل معنا هذين يعني اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة، بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر فأبرد بها فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة، فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم» (٢). ثالثاً: عن أبي موسى ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئاً، قال: فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس

стр. 636

لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً، ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس والقائل يقول قد انتصف النهار وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام بالعشاء حين غاب الشفق، ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان قريباً من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس، ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل فقال: «الوقت بين هذين» (١). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للصلاة أولاً وآخراً، وإن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وأن أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس» (٢).

стр. 637

ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث في المواقيت بينها رسول الله ﷺ في المدينة بعد الهجرة، وهي تدل على أن المغرب وقتها ممتد من غروب الشمس إلى غيبوبة الشفق، فيكون للمغرب وقتان: وقت بداية وهو غروب الشمس، ووقت نهاية وهو غيبوبة الشفق. فتكون هذه الأحاديث ناسخة للأحاديث التي تدل على أن جبريل عليه

стр. 638

السلام صلى المغرب برسول الله في اليومين في وقت واحد عند غروب الشمس؛ لأن تلك الأحاديث كانت في أول فرض الصلاة بمكة قبل الهجرة (١). هذا كان القول بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في صلاة المغرب هل هي ذات وقت أو وقتين على قولين: القول الأول: أن لصلاة المغرب وقتان: أول وهو غروب الشمس، وآخر وهو أن يغيب الشفق. وهو مذهب الحنفية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول للإمام مالك (٤)، وقول قديم للإمام الشافعي اختاره جماعة من الشافعية (٥).

стр. 639

وبه قال الثوري، وإسحاق، والحسن بن حي، وأبو ثور، وداود، وابن حزم (١). القول الثاني: أن صلاة المغرب ليس لها إلا وقت واحد وهو أول الوقت. وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول ابن المبارك (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أن لصلاة المغرب وقتان-بأدلة منها ما ذكر في الاستدلال للقول بالنسخ. ووجه الاستدلال منها: هو أن تلك الأحاديث ذكر فيها أول وقت المغرب، وهو غروب الشمس، وآخر وقت المغرب، وهو غروب الشفق، فدل ذلك أن

стр. 640

صلاة المغرب لها وقتان كسائر الصلوات (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أن صلاة المغرب لها وقت واحد- بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين: فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي-يعني المغرب- حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت بين هذين الوقتين» (٢).

стр. 641

ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هذا جبريل ﵇ جاءكم يعلمكم دينكم، فصلى الصبح حين طلع الفجر، وصلى الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين رأى الظل مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب شفق الليل، ثم جاءه الغد فصلى به الصبح حين أسفر قليلاً، ثم صلى به الظهر حين كان الظل مثله، ثم صلى العصر حين كان الظل مثليه، ثم صلى المغرب بوقت واحد حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب ساعة من الليل، ثم قال: الصلاة ما بين صلاتك أمس وصلاتك اليوم» (١). ثالثاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ جاءه جبريل فقال: «قم فصله» فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر، فقال: «قم فصله» فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، -أو قال: صار ظله مثله- ثم جاءه المغرب فقال: «قم فصله» فصلى حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء، فقال: «قم فصله» فصلى حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر فقال: «قم فصله» فصلى حين برق الفجر- أو قال: حين سطع الفجر-، ثم جاءه في الغد للظهر، فقال:

стр. 642

«قم فصله» فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه للعصر، فقال: «قم فصله» فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه للمغرب وقتاً واحداً لم يزل عنه، ثم جاء للعشاء، حين ذهب نصف الليل-أو قال: ثلث الليل- فصلى العشاء، ثم جاءه للفجر حين أسفر جداً فقال: «قم فصله» فصلى الفجر، ثم قال: «ما بين هذين وقت» (١). ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأحاديث فيها أن جبريل ﵇ صلى بالنبي ﷺ المغرب في اليومين في وقت واحد عند غروب الشمس، فلو كان لها وقتان لصلى به فيهما، كما فعله في سائر الصلوات (٢). واعترض عليه: بأنه يمكن أن جبريل ﵇ إنما فعل ذلك لبيان وقت الاختيار والاستحباب، لا لبيان وقت الجواز، ولا خلاف في أن تعجيل المغرب في أول وقتها أفضل (٣).

стр. 643

الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة يظهر لي -والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو أن لصلاة المغرب وقتان كما هو قول جمهور أهل العلم، وذلك لما يلي: أولاً: لأن الأحاديث الدالة على ذلك صريحة الدلالة، وهي أصح وأقوى وأكثر، بخلاف ما يخالفها، فإنها ليست في درجتها (١). ثانياً: ولأن حديث جبريل ﵇ والذي يُستدل منه على أن صلاة المغرب ليس لها إلا وقتا واحدا، لا يخلو من أمرين: أ- إما أن يكون المراد منه بيان وقت الاختيار والاستحباب، وعليه فلا تعارض بينه وبين الأحاديث الدالة على أن آخر وقت المغرب غروب الشفق، لأن ذلك إنما جاءت لبيان الجواز، أما الأفضل فهو تعجيل المغرب بلا خلاف (٢). ب- وإما أن يكون المراد منه بيان وقت الجواز، وعليه فيكون منسوخاً؛ لأنه كان بمكة عند أول فرض الصلاة، والأحاديث الدالة على أن آخر وقت المغرب غروب الشفق متأخرة؛ حيث جاءت في المدينة بعد الهجرة، فوجب تقديمها في العمل (٣). والله أعلم.

стр. 644

المطلب السادس: آخر وقت صلاة العشاء الآخرة ذهب داود بن علي الظاهري إلى أن آخر وقت صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وأن توقيته بغير ذلك منسوخ (١). وقد تبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف، لكن السبب الأصلي لاختلاف الفقهاء في المسألة هو اختلاف الأحاديث الواردة فيها (٢). ويستدل لمن قال بالنسخ بأدلة منها ما يلي: أولاً: حديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين-إلى قوله: -وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت بين هذين الوقتين» (٣). ثانياً: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هذا جبريل ﵇ جاءكم يعلمكم دينكم، -إلى قوله: - ثم صلى العشاء حين ذهب شفق الليل، ثم جاءه الغد فصلى به الصبح حين أسفر قليلاً، ثم صلى به الظهر حين

стр. 645

كان الظل مثله، ثم صلى العصر حين كان الظل مثليه، ثم صلى المغرب بوقت واحد حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب ساعة من الليل، ثم قال: الصلاة ما بين صلاتك أمس وصلاتك اليوم» (١). ثالثاً: عن أبي قتادة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى» الحديث (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن عباس، وأبي هريرة ﵄ يدلان على انتهاء وقت العشاء قبل انتصاف الليل، وحديث أبي قتادة ﵁ يدل على امتداد وقت الصلاة إلى وقت التي تليها، وهو عام في جميع الصلوات، فثبت منه أن آخر وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، وهو متأخر عن حديث إمامة جبريل ﵇، فيكون ناسخاً لما يدل عليه حديث ابن عباس وأبي هريرة وغيره-﵃-من انتهاء وقت صلاة العشاء قبل انتصاف الليل (٣). واعترض عليه بما يلي: أولاً: بأنه لاشك أن حديث أبي قتادة ﵁ بعد حديث إمامة جبريل ﵇، لكن جاء في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، وجاء في غير ما حديث أن النبي ﷺ أخر صلاة العشاء إلى نصف

стр. 646

الليل، ولا دليل يدل على أن حديث أبي قتادة ﵁ بعد تلك الأحاديث. ثانياً: أنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث، وذلك بحمل الأحاديث الدالة على تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، أو إلى نصف الليل على أنها لبيان وقت الاختيار والأفضل، وحمل حديث أبي قتاة ﵁ على بيان وقت الجواز والضرورة، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى النسخ ولا إلى ترك بعضها (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في آخر وقت صلاة العشاء على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن آخر وقت صلاة العشاء ينتهي بطلوع الفجر، إلا أنه يكره تأخيرها إلى طلوع الفجر من غير عذر وضرورة. وهو قول الحنفية (٢)، ............................................................ والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). والقول بأن آخر وقتها إلى طلوع الفجر مروي عن: ابن عباس وأبي

стр. 647

هريرة-﵄، وعطاء، وطاوس، وعكرمة (١). القول الثاني: أن آخر وقت العشاء إلى ثلث الليل. وهو قول للإمام الشافعي (٢)، وروي ذلك عن عمر، وأبي هريرة-﵄. وقال به عمر بن عبد العزيز (٣). وثلث الليل هو آخر الوقت المختار للعشاء في المذهب عند الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، و الشافعية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 648

القول الثالث: أن آخر وقت العشاء إلى نصف الليل. وروي ذلك عن عمر ﵁. وبه قال الثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور، وابن حزم (١). ونصف الليل هو آخر وقت العشاء المختار في قول كل من الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، و الحنابلة (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول- هو أن آخر وقت العشاء إلى طلوع الفجر- بما يلي: أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أبي قتادة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وفيه: «إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». وهذا عام يدل على امتداد وقت كل صلاة إلى وقت التي تليها، إلا صلاة الفجر فإنها مخصوصة من هذا العموم بالإجماع لظهور وقتها (٥).

стр. 649

ثانياً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى، ثم قال: «قد صلى الناس وناموا. أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها» (١). ثالثاً: عن عائشة-﵂ قالت: اعتم (٢) النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل حتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى فقال: (إنه لوقتها لو لا أن أشق على أمتي) (٣). رابعاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمة فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل فقال: «خذوا مقاعدكم، فأخذنا مقاعدنا، فقال: إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولو لا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأخرت

стр. 650

هذه الصلاة إلى شطر الليل» (١). ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث هو: أن حديث أبي سعيد ﵁ يدل أن النبي ﷺ صلى العشاء بعد مضي شطر الليل، وحديث أنس ﵁ يدل أنه ﷺ صلاها بعد مضي نصف الليل، وحديث عائشة ﵂ يدل أنه ﷺ صلاها بعد مضي أكثر الليل، فثبت من هذا كله أن آخر وقت العشاء الآخرة إلى أن يمضي الليل كله- وإن كان فعلها في بعض الأوقات أفضل من بعض-، ويؤيد ذلك حديث أبي قتادة ﵁ (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أن آخر وقت العشاء إلى ثلث الليل- بما يلي: أولاً: عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن مواقيت الصلاة، وفيه: «ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول ثم أصبح فدعا السائل فقال: (الوقت بين هذين» (٣).

стр. 651

ثانياً: عن عائشة-﵂ قالت: أعتم رسول الله ﷺ بالعشاء حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان، فخرج فقال: «ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم. قال: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول» (١). ثالثاً: حديث ابن عباس ﵁ في إمامة جبريل ﵇ بالنبي ﷺ ، وفيه: «وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت بين هذين الوقتين» (٢). رابعاً: عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل، أو بعده، فلا ندري أشيء شغله في أهله، أو غير ذلك فقال حين خرج: «إنكم تنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولو لا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة» (٣). ووجه الاستدلال من هذه الأدلة هو: أن هذه الأحاديث تدل على أن آخر وقت العشاء هو ثلث الليل؛ لأن جبريل ﵇ لما صلى بالنبي ﷺ في

стр. 652

اليوم الثاني عند ثلث الليل، وذكر أن الوقت (بين هذين) أي بين الشفق وثلث الليل، والنبي ﷺ صلاها عند ثلث الليل، وبين أنه وقتها لو لم يكن في ذلك مشقة على الأمة، فثبت أن آخر وقتها ثلث الليل (١). واعترض عليه: بأن المراد بذلك بيان الوقت المختار، لا أنه آخر وقت الجواز؛ بدليل الأحاديث المذكورة في دليل القول الأول (٢). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو أن آخر وقت العشاء نصف الليل- بأدلة منها ما يلي: أولاً: ما سبق ذكره من حديث أنس، وعائشة وأبي سعيد الخدري-﵃. ثانياً: حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ وفيه: «فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل» (٣). ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأحاديث تدل على أن آخر وقتها نصف الليل، وحديث عبد الله بن عمرو ﵁ صريح في ذلك (٤).

стр. 653

واعترض عليه: بأنه يمكن أن يكون المقصود بذلك بيان وقت الاختيار والفضيلة، لا أنه وقت جوازها الأخير، بدليل حديث أبي قتادة ﵁ (١). الراجح بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي - والله أعلم بالصواب- أن آخر وقت العشاء الآخرة يمتد إلى طلوع الفجر، ويكره تأخرها لغير عذر، وذلك لما يلي: أولاً: لحديث أبي قتادة ﵁ فإنه عام يقتضي امتداد وقت كل صلاة إلى وقت الأخرى، إلا أن الفجر مخصوص من ذلك بالإجماع (٢). ثانياً: ولأن في حديث أنس ﵁ أنه ﷺ صلى العشاء بعد نصف الليل، وفي حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ صلى العشاء بعد ما ذهب عامة الليل، وإذا كان خروجه ﷺ بعد شطر الليل ونصف الليل، فيكون صلاته بعد نصف الليل ومضي أكثره، ثم إنه ﷺ أخبر أن ذلك وقت لها، وإذا كان كذلك ثبت أن وقتها إلى طلوع الفجر، ويؤيد ذلك حديث أبي قتادة ﵁ (٣). ثالثاً: أما القول بأن حديث أبي قتادة ﵁ ناسخ للأحاديث الدالة على أن وقتها ثلث الليل أو نصف الليل، فليس هناك دليل يدل على أن حديث أبي

стр. 654

قتادة ﵁ بعد تلك الأحاديث؛ لأن ممن روى ثلث الليل أبو موسى الأشعري ﵁ وهو قدم المدينة سنة سبع من الهجرة، أما الأحاديث التي فيها أنه ﷺ أخر صلاة العشاء إلى شطر الليل أو إلى نصف الليل فكل ذلك كانت بالمدينة، لذلك ليس هناك ما يدل على تأخر حديث أبي قتادة ﵁ على تلك الأحاديث. ثم يمكن الجمع بين هذه الأحاديث وحديث أبي قتادة ﵁، وذلك بحمل هذه الأحاديث على بيان وقت الأفضل والاختيار، وحمل حديث أبي قتادة ﵁ على بيان آخر الوقت، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة (١)، ولذلك لا يبقى أي احتمال للقول بالنسخ. والله أعلم.

стр. 655

المطلب السابع: صلاة الفريضة الواحدة في اليوم مرتين ذهب الطحاوي إلى أن صلاة الفريضة كان جائزًا في أول الإسلام أن تُصلى في اليوم مرتين، ثم نُسخ ذلك ونُهي عنه (١). ولم أجد أحداً من أهل العلم من قال بجواز تكرار صلاة الفريضة الواحدة في اليوم مرتين بحيث أن يؤدي كلتيهما على وجه الفرض، لذلك ليس للقول بالنسخ أي أثر في اختلاف الفقهاء في المسألة، إلا أن الآثار التي يُستدل منها على النسخ مختلف في المقصود بها (٢). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن سليمان بن يسار-مولى ميمونة- قال: أتيت ابن عمر على البلاط (٣) وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين» (٤).

стр. 656

ثانياً: عن خالد بن أيمن المعافري (١) قال: كان أهل العوالي يصلون في منازلهم، ويصلون مع النبي ﷺ ، «فنهاهم رسول الله ﷺ أن يعيدوا الصلاة في يوم مرتين» (٢). ويستدل منهما على النسخ: بأن النهي لا يكون إلا بعد الإباحة، فدل ذلك أن الفريضة الواحدة كانت تُصلى في اليوم مرتين، ثم نسخ ذلك (٣).

стр. 657

هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. أما بقية أهل العلم فلم أجد من صرح بالنسخ، إلا أنهم لم يختلفوا -حسب ما اطلعت على أقوالهم- في أنه لا يُصلى مكتوبة في يوم مرتين (١)؛ وذلك لحديث ابن عمر ﵁ الذي سبق بيانه. والنهي عن أن يصلى مكتوبة في يوم مرتين ثابت، سواء قيل بالنسخ أم لا، إلا أنه إن ثبت أنه كان يُصلى ذلك في أول الإسلام، فالنهي بعد ذلك عنه ناسخ له، وإلا فالقول بالنسخ مجرد احتمال، مع صحة النهي عن أن يصلى مكتوبة في يوم مرتين. والله أعلم.

стр. 658

المطلب الثامن إدراك الصبح بإدراك الركعة قبل طلوع الشمس، والعصر بإدراك الركعة قبل غروبها ذهب الطحاوي إلى أنه لا يُصلى أي صلاة في وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، ووقت نصف النهار، وأن ما يدل على أن من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، فهو منسوخ بأحاديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها (١). وتبين منه أن القول به أحد أسباب الاختلاف، لكن السبب الأصلي للاختلاف هو تعارض ظواهر الآثار، والاختلاف في المفهوم منها (٢). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٣). ثانياً: عن ابن عباس ﵄ قال: شهد عندي رجال

стр. 659

مرضِيُّون وأرضاهم عندي عمر: «أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب» (١). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس» (٢). رابعاً: عن ابن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب» (٣). خامساً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» (٤).

стр. 660

سادساً: عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ يقول: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب» (١). سابعاً: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وفيه: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان» (٢). ويستدل من هذه الأدلة على النسخ: بأن هذه الأحاديث-غير حديث أبي هريرة ﵁ الأول- تدل على النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، وحديث أبي هريرة ﵁ الأول يدل على أن من أدرك ركعة من الصلاة في هذه الأوقات فقد أدركها، فتكون هذه الأحاديث ناسخة له؛ ولذلك لما نام النبي ﷺ عن الصلاة واستيقظ في حين طلوع الشمس أخر الصلاة حتى ارتفعت، فدل ذلك على أن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات متأخر وناسخ لغيره (٣).

стр. 661

واعترض عليه: بأنه لا يصح القول بالنسخ؛ لأن الأحاديث الدالة على النهي عن الصلاة في هذه الأوقات ليس فيها ما يدل على أنها متأخرة عن حديث: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح … )، حتى تكون ناسخة له، ولا أن النبي ﷺ إنما أخر الصلاة لما نام عنها حتى ترتفع الشمس؛ لأنهم إنما استيقظوا بحر الشمس، والشمس لا تكون لها حرارة إلا بعد ارتفاعها وبعد وقت تحل فيه الصلاة (١). ثم إنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث، وذلك بحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له، وما يدل على الجواز على ماله سبب، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة فإنه لا يصار معه إلى القول بالنسخ، ولا إلى ترك بعضها (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في صلاة من أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس، أو ركعة من العصر قبل غروب الشمس على قولين: القول الأول: أن المصلي إذا أدرك ركعة من العصر وغربت عليه الشمس فإنه يتمها، وتكون صلاته تلك صحيحة، أما لو أدرك ركعة من الفجر ثم طلعت عليه الشمس فقد بطلت صلاته تلك، ويستقبلها إذا ارتفعت الشمس.

стр. 662

وهو قول الحنفية (١). القول الثاني: أن المصلي إذا أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ويتم ما بقي منها، وصلاته صحيحة، وكذلك إذا أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، ويتم ما بقي منها، وصلاته صحيحة. وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول الثوري، والأوزاعي، وداود، وابن جرير الطبري، وأكثر التابعين (٥). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أن المصلي إذا أدرك ركعة من العصر وغربت عليه الشمس فإنه يتمها، وتكون صلاته تلك صحيحة، أما لو أدرك

стр. 663

ركعة من الفجر ثم طلعت عليه الشمس فقد بطلت صلاته تلك، ويستقبلها إذا ارتفعت الشمس- بالأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ-غير حديث أبي هريرة ﵁ الأول-؛ حيث إنها تدل على النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، فتكون الصلاة فيها محرمة (١). وحديث أبي هريرة ﵁ الأول يدل على أن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فإنه قد أدركها ويتمها، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فإنه قد أدرك العصر ويتمها، لكن عارضه حديث عبد الله بن عمرو-﵄ في الصبح؛ حيث جاء فيه: (فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان)، فأمر بالإمساك عن الصلاة عند طلوع الشمس، لذلك من شرع فيها وطلعت عليه الشمس فإن صلاته قد بطلت. أما في العصر فلم يعارض مثل ذلك، لذلك إذا أدرك ركعة منها ثم غربت الشمس فإنه يتمها ويكون مدركاً لها (٢). واعترض عليه: بأن حديث: (من أدرك ركعة من الصلاة) جمع بين الصبح والعصر في الحكم وهو أن من أدرك ركعة منها فقد أدركها، فلا معنى

стр. 664

للفرق بينهما، والقول بأنه يوجد ما يعارضه في الصبح دون العصر، غير صحيح، لأنه يوجد في العصر ما يوجد في الصبح؛ حيث جاء في حديث ابن عمر-﵄: «إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب» (١). فإن معنى هذا الحديث وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ واحد، فلا يصح الفرق بين العصر والصبح وقد جمعتهما السنة (٢). ثم يمكن الجمع بين هذه الأحاديث بطريقين: أ-أن يحمل الأحاديث الدالة على النهي على العموم، وحديث: (من أدرك ركعة من الصبح) على الخصوص، فلا يكون بينهما تعارض (٣). ب- أن يحمل أحاديث النهي على ابتداء الصلاة في هذه الأوقات، وحديث: (من أدرك ركعة من الصلاة) على استدامتها، فلا تعارض بينها (٤). ثانياً: قال الحنفية: يصح صلاة عصر يومه دون الفجر؛ لأن سبب وجوب الصلاة- وهو الوقت- يستقر في الجزء الأخير، وهو الجزء الذي يليه الشروع فتعتبر صفة ذلك الجزء، فإن كان ناقصاً كما في العصر يجب ناقصاً فيصح إتيانه به ولا يتغير بالغروب؛ لأنه أداه كما وجب، وإن كان ذلك الجزء

стр. 665

كاملاً صحيحاً كما في الفجر وجب كاملاً فإذا اعترضها الطلوع فسدت؛ لأن ما وجب كاملاً لا يؤدى ناقصاً (١). واعترض عليه: بأن القول بأن سبب الوجوب هو الجزء القائم من الوقت الذي يليه الشروع غير مسلم، بل الجزء الأول من الوقت سبب للوجوب، فبإدراكه يثبت حكم الوجوب، - وهو قول الجمهور، وصححه غير واحد من الحنفية-فإذا كان كذلك استوى الفجر والعصر، ولا يصح التفريق بين صلاة العصر وصلاة الفجر، فإذا بدأ بالصلاة وغربت عليه الشمس خلالها، أو بدأ بالصلاة وطلعت عليه الشمس خلالها فإنه يتمها وتصح صلاته (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها، سواء كان صلاة العصر أم الفجر- بما يلي: أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب

стр. 666

الشمس فقد أدرك العصر». وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته» (١). ثانياً: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها، والسجدة إنما هي الركعة» (٢). ثالثاً: عن أنس ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ : «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٣). ووجه الاستدلال منها: أن حديث أبي هريرة ﵁ وعائشة ﵂ صريحان في أن من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ويتم الباقي ويصح صلاته، وكذلك إذا أدرك ركعة من العصر

стр. 667

قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها ويتم صلاته وهي صحيحة، ويؤيد ذلك حديث أنس ﵁؛ حيث يدل على جواز أن يصلي الشخص ما نسيه أو نام عنه عند تذكر تلك الصلاة ولو كان عند الغروب والطلوع (١). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الثاني، وذلك لما يلي: أولاً: لصحة الأحاديث الدالة على ذلك وصراحتها. ثانياً: ولضعف قول من قال بنسخ تلك الأحاديث وعدم صحتها، إذ لا دليل عليه، كما أنه يمكن الجمع بين تلك الأحاديث بالطرق السابقة، وعند إمكان الجمع بين الأدلة لا يقال بالنسخ كما سبق ذكره. ثالثاً: ولأن من فرق بين الصبح والعصر في ذلك فقد فرق بين شيئين جمعت السنة بينهما، لذلك فلا اعتبار له (٢). والله أعلم.

стр. 668

المطلب التاسع: الصلاة عند انتصاف النهار ذهب الإمام مالك إلى إباحة الصلاة عند انتصاف النهار، وأن النهي عن ذلك منسوخ (١). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة (٢). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي (٣) (أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم يتكلم منا أحد) (٤). ثانياً: ولأن عمل أهل المدينة كان على الصلاة وسط النهار، فقد قال مالك: (ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يصلون نصف النهار) (٥).

стр. 669

ويستدل منهما على النسخ: بأن رواية ثعلبة بن أبي مالك تدل على أنهم كانوا يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر ﵁، وعمر ﵁ كان يخرج بعد الزوال، فدل ذلك على جواز الصلاة نصف النهار، وقول الإمام مالك يدل على أن ذلك كان عليه عمل أهل المدينة، وهو مما لا يجوز أن يكون مثله إلا توقيفاً، فدل ذلك على نسخ النهي عن الصلاة وسط النهار، وإلا لما عمل به جميع أهل المدينة (١). واعترض عليه: بأنه روي عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في النهي عن الصلاة وسط النهار، وهي أحاديث صريحة صحيحة، ولم يرو عنه ﷺ ما يدل على خلافها أو نسخها، وأحاديث الرسول ﷺ حجة على من خالفها، وليس قول أو فعل من خالفها حجة عليها، كما أن النسخ لما صح عنه ﷺ لا يكون إلا بكتاب أو سنة صحيحة، لا بعمل طائفة بعده ﷺ على خلاف ما صح عنه ﷺ (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في الصلاة عند انتصاف النهار على أربعة أقوال: القول الأول: لا تجوز الصلاة نصف النهار عند استواء الشمس وسط السماء، أي صلاة كانت. وهو مذهب الحنفية (٣)، القول الثاني: تجوز الصلاة وسط النهار، أي صلاة كانت.

стр. 670

وهو قول المالكية (١)، وروي ذلك عن الحسن، وطاووس، والأوزاعي (٢). القول الثالث: لا تجوز الصلاة عند نصف النهار، إلا يوم الجمعة فتجوز الصلاة فيه في ذلك الوقت مطلقاً، وما له سبب كقضاء الفائتة ونحوها فتجوز وسط النهار كذلك. وهو قول الشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤). القول الرابع: يجوز أن يصلي وسط النهار قضاء الفوائت، وركعتي الطواف وإعادة الجماعة، ولا يجوز غير ذلك. وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٥).
следующие страницы →