الشمس فقد أدرك العصر».
وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته» (١).
ثانياً: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها، والسجدة إنما هي
الركعة» (٢).
ثالثاً: عن أنس ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ : «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٣).
ووجه الاستدلال منها: أن حديث أبي هريرة ﵁ وعائشة ﵂ صريحان في أن من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ويتم الباقي ويصح صلاته، وكذلك إذا أدرك ركعة من العصر
стр. 667
قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها ويتم صلاته وهي صحيحة، ويؤيد ذلك حديث أنس ﵁؛ حيث يدل على جواز أن يصلي الشخص ما نسيه أو نام عنه عند تذكر تلك الصلاة ولو كان عند الغروب والطلوع (١).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الثاني، وذلك لما يلي:
أولاً: لصحة الأحاديث الدالة على ذلك وصراحتها.
ثانياً: ولضعف قول من قال بنسخ تلك الأحاديث وعدم صحتها، إذ لا دليل عليه، كما أنه يمكن الجمع بين تلك الأحاديث بالطرق السابقة، وعند إمكان الجمع بين الأدلة لا يقال بالنسخ كما سبق ذكره.
ثالثاً: ولأن من فرق بين الصبح والعصر في ذلك فقد فرق بين شيئين جمعت السنة بينهما، لذلك فلا اعتبار له (٢).
والله أعلم.
стр. 668
المطلب التاسع: الصلاة عند انتصاف النهار
ذهب الإمام مالك إلى إباحة الصلاة عند انتصاف النهار، وأن النهي عن ذلك منسوخ (١).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة (٢).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي (٣) (أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم يتكلم منا أحد) (٤).
ثانياً: ولأن عمل أهل المدينة كان على الصلاة وسط النهار، فقد قال مالك: (ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يصلون نصف النهار) (٥).
стр. 669
ويستدل منهما على النسخ: بأن رواية ثعلبة بن أبي مالك تدل على أنهم كانوا يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر ﵁، وعمر ﵁ كان يخرج بعد الزوال، فدل ذلك على جواز الصلاة نصف النهار، وقول الإمام مالك يدل على أن ذلك كان عليه عمل أهل المدينة، وهو مما لا يجوز أن يكون مثله إلا توقيفاً، فدل ذلك على نسخ النهي عن الصلاة وسط النهار، وإلا لما عمل به جميع أهل المدينة (١).
واعترض عليه: بأنه روي عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في النهي عن الصلاة وسط النهار، وهي أحاديث صريحة صحيحة، ولم يرو عنه ﷺ ما يدل على خلافها أو نسخها، وأحاديث
الرسول ﷺ حجة على من خالفها، وليس قول أو فعل من خالفها حجة عليها، كما أن النسخ لما صح عنه ﷺ لا يكون إلا بكتاب أو سنة صحيحة، لا بعمل طائفة بعده ﷺ على خلاف ما صح عنه ﷺ (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الصلاة عند انتصاف النهار على أربعة أقوال:
القول الأول: لا تجوز الصلاة نصف النهار عند استواء الشمس وسط السماء، أي صلاة كانت.
وهو مذهب الحنفية (٣)،
القول الثاني: تجوز الصلاة وسط النهار، أي صلاة كانت.
стр. 670
وهو قول المالكية (١)، وروي ذلك عن الحسن، وطاووس، والأوزاعي (٢).
القول الثالث: لا تجوز الصلاة عند نصف النهار، إلا يوم الجمعة فتجوز الصلاة فيه في ذلك الوقت مطلقاً، وما له سبب كقضاء الفائتة ونحوها فتجوز وسط النهار كذلك.
وهو قول الشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤).
القول الرابع: يجوز أن يصلي وسط النهار قضاء الفوائت، وركعتي الطواف وإعادة الجماعة، ولا يجوز غير ذلك.
وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٥).
стр. 671
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو عدم جواز أي صلاة إذا انتصف النهار- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ يقول: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب حتى تغرب» (١).
ثانياً: حديث عمرو بن عبسة (٢) ﵁ وفيه: فقلت: يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة، قال: «صل صلاة الصبح، ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صل الصلاة فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة فإن حينئذٍ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر،
стр. 672
ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار» (١).
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: سأل صفوان بن المعطل (٢) رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني سائلك عن أمر أنت عالم به وأنا به جاهل! قال: «وما هو؟» قال: هل من ساعات الليل والنهار ساعة تكره فيها الصلاة؟ قال: «نعم، إذا صليت الصبح فدع الصلاة حتى تطلع الشمس، فإنها تطلع بقرني شيطان، ثم صل فالصلاة محضورة متقبلة حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح، فإذا كانت على رأسك كالرمح فدع الصلاة، فإن تلك الساعة تسجر فيها جهنم وتفتح فيها أبوابها، حتى تزيغ الشمس عن حاجبك الأيمن، فإذا زالت فالصلاة محضورة متقبلة حتى تصلي العصر، ثم دع الصلاة حتى تغيب الشمس» (٣).
стр. 673
ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأحاديث تدل على النهي عن الصلاة عند انتصاف النهار، من غير فرق بين صلاة وصلاة، لذلك تكون الصلاة غير جائزة فيه (١).
واعترض عليه: بأن النهي المذكور في هذه الأحاديث عام، لكن قد ورد عن رسول الله ﷺ ما يخصص هذا العموم، كقوله ﷺ : «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٢).
لذلك يكون الأولى حمل هذا النهي على الصلوات التي تفعل بدون سبب سابق عليها، ويكون قضاء الفوائت ونحوه مستثنىً من هذا العموم (٣).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو جواز الصلاة عند استواء النهار أي صلاة كانت- بما استُدل به للقول بالنسخ.
وقد سبق وجه الاستدلال منها، وما يرد به عليه.
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو عدم جوز الصلاة عند نصف النهار، إلا يوم الجمعة وإلا التي لها سبب فتجوز وسط النهار- بأدلة منها ما يلي:
стр. 674
أولاً: الأحاديث التي سبقت في دليل القول الأول، والتي فيها النهي عن الصلاة عند وسط النهار.
ثانياً: حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (١).
ثالثاً: عن أبي قتادة السلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (٢).
رابعاً: حديث أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ وفيه: «يا ابنة أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (٣).
خامساً: عن جبير بن مطعم (٤) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا بني عبد مناف
стр. 675
لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار» (١).
سادساً: رواية ثعلبة بن أبي مالك القرظي، وقد سبق في دليل القول بالنسخ، وفيه: «أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج عمر ﵁.
سابعاً: عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة» (٢).
стр. 676
ثامناً: عن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: «إن جهنم تُسجّر إلا يوم الجمعة» (١).
ووجه الاستدلال منها: أن الأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة عند وسط النهار تدل على عدم جواز الصلاة فيه، لكن ليس المراد بها جميع الصلوات، بل التي لا يوجد لها سبب سابق، أما مالها سبب كالصلاة الفائتة، والركعتان لدخول المسجد وركعتا الطواف ونحوها، فالنهي في تلك الأحاديث لا يشملها؛ للأحاديث الواردة فيها، فتكون الصلاة لسبب مخصوصة من ذلك النهي، وبذلك يجمع بين هذه الأحاديث كلها، كما أن الصلاة وسط النهار يوم الجمعة مستثنى من ذلك النهي للأحاديث الواردة فيها، ولرواية ثعلبة بن أبي مالك؛ حيث يدل
على أن الصحابة كانوا
стр. 677
يصلون في ذلك الوقت (١).
واعترض عليه: بأن القول بجواز الصلاة وسط النهار يوم الجمعة مطلقاً ضعيف؛ لضعف دليله، مع معارضته للأحاديث الصحيحة الدالة على عدم جوز الصلاة في ذلك الوقت (٢).
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع- وهو جواز قضاء الفوائت، وركعتي الطواف وإعادة الجماعة، وسط النهار، وعدم جواز غيرها- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: أما جواز قضاء الفوائت فلحديث أنس ﵁، وقد سبق ذكره.
ثانياً: أما جواز ركعتي الطواف في وسط النهار فلحديث جبير بن مطعم ﵁، وقد سبق ذكره في دليل القول السابق.
ثالثاً: أما جواز إعادة الجماعة في ذلك الوقت فلحديث أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (٣).
стр. 678
رابعاً: أما عدم جواز الصلوات غير ما ذكر فلأحاديث النهي عن الصلاة في هذا الوقت، وقد سبق ذكرها في دليل القول الأول.
فهي عامة تشمل ذات السبب وغيرها؛ ولأنه إذا تعارض التحريم والندب، يكون ترك المحرم أولى (١).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن
الراجح ما يلي:
أولاً: أن القول بنسخ النهي عن الصلاة وسط النهار قول ضعيف ومردود؛ إذ ليس عليه أي دليل كما سبق ذكره.
ثانياً: لا يجوز لأحد أن يتحرى الصلاة عند وسط النهار وغيره من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
ثالثاً: أنه يستثنى من هذا النهي الصلاة التي لها سبب، وفي غيرها يبقى على العموم، وبذلك يمكن الجمع بين الأحاديث كلها الواردة في المسألة، والجمع بين الأحاديث أولى من ترك بعضها.
والله أعلم.
стр. 679
المطلب العاشر: الصلاة بعد العصر
ذهب داود الظاهري إلى إباحة الصلاة بعد العصر وعند غروب الشمس، وأن الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك منسوخة (١).
وعكس أبو عوانة فذهب إلى نسخ إباحة الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس (٢).
وتبين منه ومما يأتي من الأدلة أن سبب الاختلاف في المسألة أمران: القول بالنسخ، وتعارض الآثار الواردة فيها (٣).
ويستدل لمن قال بنسخ الأحاديث الدالة على النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس بما يلي:
أولاً: عن عائشة-﵂ قالت: «ركعتان لم يكن رسول الله
стр. 680
- ﷺ يدعهما سراً ولا علانيةً: ركعتان قبل الصبح، وركعتان بعد العصر» (١).
وفي رواية عنها-﵂ قالت: «والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله وما لقي الله تعالى حتى ثقل عن الصلاة، وكان يصلي كثيراً من صلاته قاعداً، تعني الركعتين بعد العصر، وكان النبي ﷺ يصليهما ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب
ما يُخفف عنهم» (٢).
ثانياً: عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ ينهى عنها ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر ثم دخل عليّ وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه قولي له: تقول لك أم سلمة يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه، ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه. فلما انصرف قال: «يا ابنة أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (٣).
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر
стр. 681
قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (١).
رابعاً: حديث أبي ذر ﵁ وفيه: «صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (٢).
خامساً: حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٣).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث منها ما يدل بعمومه على جواز الصلاة بعد العصر، وعند غروب الشمس، ومنها ما يدل على أن النبي ﷺ صلى ركعتين بعد العصر، وأنه ﷺ داوم على ذلك حتى الموت، وهي بعد النهي عن الصلاة بعد العصر، فتكون ناسخة للنهي عن الصلاة بعد العصر (٤).
واعترض عليه بما يلي:
أولاً: أن النبي ﷺ إنما صلى ركعتين بعد العصر، ولم يصل عند غروب الشمس، والنهي عن الصلاة عند الغروب أشد منه عن الصلاة بعد العصر، فلا يصح الاستدلال من الصلاة بعد العصر على نسخ النهي عن الصلاة عند
стр. 682
غروب الشمس (١).
ثانياً: أنه قد صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصلاة بعد العصر، وصلاته الركعتين بعد العصر يحتمل أن يكون ذلك من خصائصه ﷺ ، فلا يصح الاستدلال من ذلك على نسخ النهي عن الصلاة بعد العصر (٢).
دليل من قال بنسخ جواز الصلاة بعد العصر
أولاً: عن أبي بصرة الغفاري (٣) ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ العصر بالمُخَمَّص (٤) فقال: «إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم» (٥).
стр. 683
ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس» (١).
ثالثاً: عن ابن عباس ﵄ قال: شهد عندي رجال مرضِيُّون وأرضاهم عندي عمر: «أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب» (٢).
رابعاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» (٣).
خامساً: حديث أم سلمة-﵂ وفيه: (فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه قولي له: تقول لك أم سلمة يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما) (٤).
وفي رواية عنها ﵂-قالت: (لم أر رسول الله ﷺ يصلي بعد العصر قط إلا مرة جاءه ناس بعد الظهر فشغلوه في شيء، ولم يصل بعد الظهر شيئاً حتى صلى العصر، قال: فلما صلى العصر دخل بيتي فصلى
стр. 684
ركعتين) (١).
سادساً: عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال» (٢).
سابعاً: عن ابن عباس ﵄ قال: (إنما صلى النبي ﷺ الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما) (٣).
стр. 685
ويستدل منها على النسخ: بأن بعض هذه الأحاديث يدل على أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعضها يدل على أن النبي ﷺ صلى بعد العصر ركعتا الظهر حيث شغل عنهما، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما، وبعضها يدل على أن النبي ﷺ كان يصليهما وينهى عنهما. فثبت من ذلك أن نهيه ﷺ عن الصلاة بعد العصر ومنها الركعتان ناسخ لجواز ذلك (١).
واعترض عليه: بأنه إن كان المراد أن التطوع بعد العصر كان مشروعاً، ثم نهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر، فصار ذلك منسوخاً، فهو صحيح، لكن يحتاج ذلك أولاً إلى إثبات سبقية المشروعية.
وإن كان المراد: أن فعل النبي ﷺ للركعتين بعد العصر منسوخ، فهو غير صحيح؛ لقول عائشة-﵂: (والذي ذهب به ما تركهما حتى
стр. 686
لقي الله) (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الصلاة بعد العصر على أربعة أقوال:
القول الأول: يكره التطوع بعد العصر إلى أن تبدأ الشمس بالغروب، ولا بأس بقضاء
الفوائت وصلاة الجنازة فيه، ولا يجوز الصلاة عند غروب الشمس إلا عصر يومه.
وهو مذهب الحنفية (٢)، ونحوه قول المالكية إلا أنهم أجازوا عند الغروب قضاء الفوائت (٣).
القول الثاني: لا تجوز الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وكذلك عند غروبها إلا ما له سبب كقضاء الفائتة وتحية المسجد، ونحوهما فيجوز ذلك.
وهو مذهب الشافعية (٤).
стр. 687
القول الثالث: تجوز صلاة الجنازة بعد العصر لا عند غروب الشمس، ويجوز قضاء الفائتة، وركعتي الطواف، وإعادة الجماعة بعد العصر وعند غروب الشمس، ولا يجوز التطوع بغيرها لا بعد العصر ولا عند غروب الشمس.
وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (١).
القول الرابع: يجوز التطوع بعد العصر لا عند غروب الشمس.
ورُوي ذلك عن: علي والزبير، وابنه عبد الله، وعبد الله بن عمر، وتميم الداري (٢)، و النعمان بن بشير، وأبي أيوب الأنصاري، وعائشة، وأم سلمة-﵃، واختاره ابن حزم (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو كراهة التطوع بعد العصر إلى أن تبدأ
стр. 688
الشمس بالغروب، وجواز قضاء الفوائت، وصلاة الجنازة فيه، وعدم جواز الصلاة عند غروب الشمس إلا عصر يومه- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: أما كراهة الصلاة بعد العصر فللأحاديث الدالة على النهي عن الصلاة بعد العصر، كحديث ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي بصرة الغفاري ﵃، وغيرهم، وقد سبق جملة من هذه الأحاديث في المسألتين السابقتين، وفي دليل من قال بنسخ جواز الصلاة بعد العصر. وقد جاء فيها النهي عن الصلاة بعد العصر، فدل ذلك على كراهة الصلاة بعد العصر (١).
ثانياً: أما جواز قضاء الفوائت وفعل صلاة الجنازة بعد العصر قبل بدأ الشمس في الغروب فلما يلي:
أ- حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٢).
ب- الإجماع، فقد أجمع المسلمون على جواز صلاة الجنازة بعد العصر قبل أن تميل الشمس للغروب (٣).
ثالثاً: أما عدم جواز الصلاة عند غروب الشمس إلا عصر يومه أو قضاء الفوائت، فلما يلي:
стр. 689
أ- أما جواز عصر يومه فلحديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (١).
ب- أما جواز قضاء الفوائت فلما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أنس ﵁ (٢).
ج- أما عدم جواز صلاة غير ما ذكر عند غروب الشمس، فلأحاديث النهي، ومنها:
١ - عن عقبة بن عامر ﵁ يقول: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب حتى تغرب» (٣).
٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها» (٤).
فهذه الأحاديث تدل على أنه لا يجوز الصلاة عند غروب الشمس (٥).
стр. 690
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو عدم جواز الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وكذلك عند غروبها إلا ما له سبب كقضاء الفائتة وتحية المسجد، ونحوهما- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: الأحاديث السابقة والتي فيها النهي عن الصلاة بعد العصر وعند غروب الشمس.
ثانياً: حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (١).
ثالثاً: عن أبي قتادة السلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (٢).
رابعاً: حديث أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ وفيه: «يا ابنة أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (٣).
خامساً: عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا بني عبد مناف لا
стр. 691
تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار» (١).
ووجه الاستدلال منها: أن الأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة بعد العصر وعند غروب الشمس تدل على عدم جواز الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، لكن ليس المراد بها جميع الصلوات، بل التي لا يوجد لها سبب سابق، أما مالها سبب كالصلاة الفائتة، والركعتان لدخول المسجد وركعتا الطواف ونحوها، فالنهي في تلك الأحاديث لا يشملها؛ للأحاديث الواردة فيها، فتكون الصلاة لسبب مخصوصة من ذلك النهي، وبذلك يجمع بين هذه الأحاديث كلها (٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو جواز صلاة الجنازة بعد العصر لا عند غروب الشمس، وجواز قضاء الفائتة، وركعتي الطواف، وإعادة الجماعة بعد العصر وعند غروب الشمس، وعدم جواز تطوع بغيرها لا بعد العصر ولا عند غروب الشمس- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: أما جواز صلاة الجنازة بعد العصر؛ فلإجماع المسلمين على ذلك، أما عدم جوازها عند غروب الشمس فلحديث عقبة بن عامر ﵁ (٣).
ثانياً: أما جواز قضاء الفوائت فلما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من
стр. 692
حديث أنس ﵁.
ثالثاً: أما جواز ركعتي الطواف بعد العصر وعند الغروب فلحديث جبير بن مطعم ﵁، وقد سبق ذكره كذلك.
رابعاً: أما جواز إعادة الجماعة في ذلك الوقت فلحديث أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (١).
خامساً: أما عدم جواز الصلوات غير ما ذكر فلأحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر وعند غروب الشمس، وقد سبق بيانها. وهي أحاديث عامة تشمل ذات السبب وغيرها.
ولأنه كما روي عن النبي ﷺ أنه صلى الركعتين بعد العصر فقد صح عنه كذلك أنه نهى عن الصلاة بعد العصر، وفعل النبي ﷺ يدل على الندب، ونهيه على التحريم، وعند التعارض يقدم التحريم على الندب؛ لأن ترك المحرم أولى من فعل المندوب (٢).
стр. 693
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع- وهو جواز صلاة التطوع بعد العصر إلى ما قبل الغروب- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: الأحاديث السابقة في أدلة قول من قال بنسخ النهي عن الصلاة بعد العصر؛ حيث أنها تدل على أن النبي ﷺ كان يصلي التطوع بعد العصر، فدل ذلك على الجواز.
ثانياً: عن علي ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة» (١).
ثالثاً: عن زيد بن خالد الجهني ﵁: (أن عمر رآه يصلي بعد العصر ركعتين- وعمر خليفة- فضربه بالدرة وهو يصلي كما هو، فلما انصرف قال له زيد: يا أمير المؤمنين فوالله لا أدعهما أبداً بعد إذ رأيت رسول الله ﷺ يصليهما، فجلس إليه عمر، وقال: يا زيد بن خالد لو لا أني أخشى أن يتخذهما الناس سلماً إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما) (٢).
стр. 694
فهذه الأدلة تدل على أن الصلاة جائزة بعد العصر ما لم تصفر الشمس ولم تتضيّف للغروب (١).
واعترض عليه: بأنه لاشك في أن النبي ﷺ كان يصلى ركعتين بعد العصر، لكن صح عنه ﷺ أنه كان ينهى عن الصلاة بعد العصر، فإما يجمع بين هذه الأحاديث، وذلك بحمل فعل النبي ﷺ الركعتين بعد العصر على خصوصيته كما قاله بعض أهل العلم (٢)، وإما يرجح أحاديث النهي؛ لأن فعل النبي ﷺ الركعتين بعد العصر يدل على الجواز والندب، ونهيه يدل على التحريم، وإذا تعارض الندب والتحريم فيقدم التحريم (٣).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح ما يلي:
أولاً: أن القول بنسخ النهي عن الصلاة بعد العصر وعند غروب الشمس قول ضعيف ومردود، وقد سبق ما يرد به هذا القول، ويضاف إلى ذلك أن الصحابة-﵃ لم يختلفوا في النهي عن الصلاة
стр. 695
بعد العصر، وإنما اختلفوا في جواز الركعتين بعد العصر، فمن قال بجواز ذلك رأى أن النهي مختص بوقت الغروب، وأنه يجوز قبل ذلك صلاة ركعتين لثبوت ذلك من فعل النبي ﷺ . فكيف يقال بنسخ ما اتفقوا عليه بما اختلفوا فيه؟. على أن صلاة التطوع عند الغروب لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يفعله، وقد ثبت عنه النهي عن الصلاة عند غروب الشمس، لذلك ذهب بعض أهل العلم إلى تحريم التطوع عند الغروب وكراهته قبل ذلك، وأن النهي عند الغروب أشد منه قبل ذلك، لعدم وجود المعارض عند الغروب، بخلاف ما قبله (١).
كما أن القول بنسخ الصلاة بعد العصر ضعيف؛ لأن عائشة-﵂ حكت أن النبي ﷺ داوم على الركعتين بعد العصر حتى لقي الله تعالى، فكيف يقال بنسخ ذلك ولا يعلم تاريخ النهي، أما فعله ﷺ الركعتين فقد ذكرت عائشة ﵂ أنه ﷺ داوم عليها حتى الموت.
ثانياً: لا يجوز لأحد أن يتحرى الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وكذلك في غيره من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
ثالثاً: يجوز أن يصلى بعد العصر قبل اصفرار الشمس ما يوجد له سبب؛ لأن النبي ﷺ لما فاتته الركعتان بعد الظهر صلاهما بعد العصر.
стр. 696
رابعاً: تكره صلاة التطوع بعد العصر إذا لم يوجد لها سبب، ويحرم عند الغروب؛ وذلك لأن النهي عن الصلاة عند الغروب أشد، ولم يوجد له ما يعارضه، بخلاف ما بعد العصر، حيث ويوجد ما يعارضه، وهو وإن كان يدل على الجواز إلا أن النهي يقدم عليه لأمرين:
الأول: لأن النهي عن الصلاة بعد العصر ثابت من قول النبي ﷺ ، وصلاة الركعتين بعد العصر ثبت من فعله ﷺ ، وعند التعارض يقدم قوله ﷺ على فعله؛ لاحتمال تخصيصه ﷺ بما فعله (١).
الثاني: أن أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر عامة، وقد تعارضت مع ما يدل على الجواز والندب، فيقدم ما يدل على النهي على ما يدل على الجواز؛ لأن ترك المحظور أولى من فعل المندوب (٢).
والله أعلم.
стр. 697
المطلب الحادي عشر: أن يؤذن أحد ويقيم آخر
ذهب ابن شاهين إلى أن من أذن (١) فهو يقيم، وأن رخصة أن يؤذن أحد ويقيم غيره منسوخ (٢).
والقول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف، لكن السبب الأصلي لاختلاف الفقهاء في المسألة هو اختلاف الأحاديث الواردة فيها (٣).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن زياد بن الحارث الصدائي (٤) ﵁، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أؤذن في صلاة الفجر، فأذنت، فأراد بلال (٥) أن يقيم، فقال رسول الله
стр. 698
- ﷺ : «إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم» (١).
ثانياً: عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ كان في مسير له، فحضرت الصلاة، فنزل القوم فطلبوا بلالاً فلم يجدوه، فقام رجل فأذن، ثم جاء بلال، فقال القوم: إن رجلاً قد أذن، فمكث القوم هوناً، ثم إن بلالاً أراد أن يقيم الصلاة، فقال له النبي ﷺ : «مهلاً يا بلال، فإنما يقيم من أذن» (٢).
стр. 699
ويستدل منهما على النسخ: بأن هذا الحديث (من أذن فهو يقيم) متأخر عن الحديث الذي يدل على جواز أن يؤذن أحد ويقيم آخر؛ لأن ذاك كان في أول ما شرع الأذان، وهذا الحديث كان بعد ذلك بلا شك، حيث كان النبي ﷺ في مسير له، فيكون هذا اللاحق ناسخاً لذاك السابق، وأولى بالأخذ (١).
واعترض عليه: بأنه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الحديثين، والجمع هنا ممكن، وذلك بحمل حديث الصدائي على الأولوية، وغيره على الجواز (٢).
هذا كان من قال بالنسخ ودليله.
стр. 700
وقد اتفق أهل العلم على جواز أن يؤذن أحد ويقيم آخر (١)، واختلفوا في الأولى على
قولين:
القول الأول: أنه لا بأس أن يؤذن أحد ويقيم آخر.
وهو قول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وأبي ثور، وروي ذلك عن علي ﵁ (٤).
القول الثاني: أنه يستحب أن يقيم من أذن.
وهو قول الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والليث، والثوري (٧).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أنه لا بأس أن يؤذن أحد ويقيم آخر- بما يلي:
أولاً: عن عبد الله بن زيد (٨) ﵁، قال: أراد النبي ﷺ في الأذان أشياء لم
стр. 701
يصنع منها شيئاً، قال: فأُري عبد الله بن زيد الأذان في المنام، فأتي النبي ﷺ فأخبره، فقال: «ألقه على بلال» فألقاه، فأذن بلال، فقال عبد الله: أنا رأيته، وأنا كنت أريده، قال: «فأقم أنت» (١).
ثانياً: عن عبد الله بن زيد ﵁ أنه أُري الأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى، قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: «علمهن بلالاً» فعلمتهن بلالاً، قال: فتقدمت، فأمرني أن أقيم، فأقمت) (٢).
стр. 702
وهذا يدل على أنه لا بأس أن يؤذن أحد ويقيم آخر (١).
دليل القول الثاني
أما القول الثاني-وهو أن الأولى أن يقيم من أذن- فيستدل له بحديثي زياد بن الحارث الصدائي وابن عمر-﵄، وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منهما: هو أن فيهما بيان أن من أذن فهو يقيم، فدل على أن ذلك أولى، وهذا ليس مخالفاً لحديث عبد الله بن زيد ﵁؛ لأن هذا يدل على الأولوية، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ على الجواز، ولا منافاة بينهما (٢).
الراجح
بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولاً: أن الراجح هو القول الثاني؛ وذلك لأن به يمكن الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة، وما دام يمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة لا
стр. 703
يصار إلى ترك بعضها (١).
ثانياً: أنه لا يصح دعوى نسخ ما يدل على جواز أن يؤذن أحد ويقيم غيره؛ لأن النسخ إنما يصار إليه عند تعذر الجمع بين الأدلة، وفي هذه المسألة أمكن الجمع بين الأدلة كما سبق ذكره (٢).
والله أعلم.
стр. 704
المطلب الثاني عشر: إفراد الإقامة
ذهب بعض الحنفية (١) إلى أن إفراد الإقامة كان أولاً، ثم نسخ بالإقامة مثنى مثنى.
وعكس الحازمي فذهب إلى أن إفراد الإقامة هو الناسخ للإقامة مثنى مثنى (٢).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة،
стр. 705
لكن السبب الأصلي للاختلاف هو تعارض الأحاديث الواردة فيها (١).
الأدلة
ويستدل لمن قال بنسخ إفراد الإقامة بما يلي:
أولاً: عن أبي محذورة (٢) ﵁ أن رسول الله ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، وفيه: «والإقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على
الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله» (٣).