← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

يصنع منها شيئاً، قال: فأُري عبد الله بن زيد الأذان في المنام، فأتي النبي ﷺ فأخبره، فقال: «ألقه على بلال» فألقاه، فأذن بلال، فقال عبد الله: أنا رأيته، وأنا كنت أريده، قال: «فأقم أنت» (١). ثانياً: عن عبد الله بن زيد ﵁ أنه أُري الأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى، قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: «علمهن بلالاً» فعلمتهن بلالاً، قال: فتقدمت، فأمرني أن أقيم، فأقمت) (٢).

стр. 702

وهذا يدل على أنه لا بأس أن يؤذن أحد ويقيم آخر (١). دليل القول الثاني أما القول الثاني-وهو أن الأولى أن يقيم من أذن- فيستدل له بحديثي زياد بن الحارث الصدائي وابن عمر-﵄، وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ. ووجه الاستدلال منهما: هو أن فيهما بيان أن من أذن فهو يقيم، فدل على أن ذلك أولى، وهذا ليس مخالفاً لحديث عبد الله بن زيد ﵁؛ لأن هذا يدل على الأولوية، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ على الجواز، ولا منافاة بينهما (٢). الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي: أولاً: أن الراجح هو القول الثاني؛ وذلك لأن به يمكن الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة، وما دام يمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة لا

стр. 703

يصار إلى ترك بعضها (١). ثانياً: أنه لا يصح دعوى نسخ ما يدل على جواز أن يؤذن أحد ويقيم غيره؛ لأن النسخ إنما يصار إليه عند تعذر الجمع بين الأدلة، وفي هذه المسألة أمكن الجمع بين الأدلة كما سبق ذكره (٢). والله أعلم.

стр. 704

المطلب الثاني عشر: إفراد الإقامة ذهب بعض الحنفية (١) إلى أن إفراد الإقامة كان أولاً، ثم نسخ بالإقامة مثنى مثنى. وعكس الحازمي فذهب إلى أن إفراد الإقامة هو الناسخ للإقامة مثنى مثنى (٢). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة،

стр. 705

لكن السبب الأصلي للاختلاف هو تعارض الأحاديث الواردة فيها (١). الأدلة ويستدل لمن قال بنسخ إفراد الإقامة بما يلي: أولاً: عن أبي محذورة (٢) ﵁ أن رسول الله ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، وفيه: «والإقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله» (٣).

стр. 706

ثانياً: عن الأسود بن يزيد (١) «أن بلالاً كان يثني الأذان ويثني الإقامة، وإنه كان يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير» (٢). ثالثاً: عن سويد بن غفلة قال: سمعت بلالاً «يؤذن مثنى، ويقيم مثنى» (٣).

стр. 707

ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أبي محذورة ﵁ هذا متأخر؛ لأنه كان بعد فتح مكة، وفيه تثنية الإقامة فيكون ناسخاً لحديث إفراد الإقامة؛ لأنه كان أول ما شرع الأذان، كما يدل عليه حديث أنس ﵁، ويؤكد القول بالنسخ أن بلالاً ﵁ كان يقيم بعد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، كما يدل عليه حديث الأسود، وسويد بن غفلة؛ لأنهما قدما المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ ورويا عن بلال ﵁ ذلك (١). ويستدل لمن قال بنسخ تثنية الإقامة بما يلي: أولاً: عن أنس ﵁ قال: ذكروا النار والناقوس (٢)، فذكروا اليهود والنصارى، «فأُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة» (٣). ثانياً: عن ابن عمر ﵁ قال: «كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين

стр. 708

مرتين، و الإقامة مرة مرة، غير أنه يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة» فإذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا للصلاة) (١). ثالثاً: عن سلمة بن الأكوع (٢) ﵁ قال: «كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة فرداً» (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أنس ﵁ يدل أن بلالاً ﵁ أمر بإفراد الإقامة، وكان ذلك أول ما شرع الأذان، لكن الأمر بقي على إفراد الإقامة حتى بعد فتح مكة، حيث أقره الرسول ﷺ على الإفراد بها بعد فتحها، وحتى إلى وفاة الرسول الله ﷺ ؛ بدليل حديثي ابن عمر ﵁ وسلمة بن الأكوع؛ حيث إنهما يدلان على استمرار إفراد الإقامة طول عهد الرسول

стр. 709

- ﷺ (١). وإذا كان الأمر كذلك فيكون ذلك ناسخاً لتثنية الإقامة؛ لأن الإفراد بها آخر الأمرين (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في صفة الإقامة على أربعة أقوال: القول الأول: أن الإقامة مثنى مثنى. وهو مذهب الحنفية (٣)، وروي ذلك عن علي، وسلمة بن الأكوع، وأبي محذورة ﵃. وبه قال مجاهد، وأبو العالية، وإبراهيم النخعي، والثوري، والحسن بن حي (٤). القول الثاني: أن الإقامة تفرد، مرة مرة. وهو مذهب المالكية (٥)، وبه قال الليث بن سعد (٦).

стр. 710

القول الثالث: أن الإقامة تفرد، مرة مرة، إلا قوله: (قد قامت الصلاة) فإنه يقولها مرتين. وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وروي عن ذلك عن عمر، وابنه عبد الله، وأنس ﵃ وبه قال أكثر العلماء، ومنهم: الحسن البصري، ومكحول، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر (٣). القول الرابع: أن الشخص مخير بين إفراد الإقامة وتثنيتها. وهو قول للإمام أحمد (٤)، ونحوه قول إسحاق بن راهوية، وداود بن علي، وابن جرير الطبري (٥). الأدلة ويستدل للقول الأول -وهو أن الإقامة مثنى مثنى- بما يلي: أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث أبي محذورة ﵁ والأسود بن يزيد، وسويد بن غفلة؛ حيث إن فيها الإقامة مثنى مثنى.

стр. 711

ثانياً: عن عبد الله بن زيد ﵁ أنه أُري الأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى، قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: «علمهن بلالاً» فعلمتهن بلالاً، قال: فتقدمت، فأمرني أن أقيم، فأقمت) (١). ثالثاً: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أخبرني أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله بن زيد الأنصاري ﵁ رأى في المنام الأذان فأتي النبي ﷺ فأخبره فقال: «علمه بلالاً»، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة) (٢).

стр. 712

ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث ظاهر؛ حيث إنها تدل على أن الإقامة مثنى مثنى (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن الإقامة مرة مرة- بحديث أنس ﵁ قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» (٢). فإنه يدل على أن الإقامة مرة مرة (٣). واعترض عليه: بأنه جاء في روايات أخري لحديث أنس ﵁ زيادة: (إلا الإقامة) مما يدل على تكرار قوله: (قد قامت الصلاة). (٤). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أن الإقامة مرة مرة، إلا قوله: (قد قامت الصلاة) فيقوله مرتين- بما يلي: أولاً: حديث ابن عمر

стр. 713

وحديث سلمة بن الأكوع ﵄ الذين سبق ذكرهما في دليل من قال بنسخ تثنية الإقامة؛ فإنهما يدلان على إفراد الإقامة. ثانياً: عن أنس ﵁ قال: «فأُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة، إلا الإقامة» (١). ثالثاً: عن سعد (٢) مؤذن رسول الله ﷺ : (أن أذان بلال كان مثنى مثنى، وإقامته مفردة) (٣). ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إنها تدل على إفراد الإقامة (٤). دليل القول الرابع أما القول الرابع فدليله كل ما صح وروي في الإقامة، ومنها ما سبق ذكره في دليل الأقوال السابقة.

стр. 714

ووجه لاستدلال منها هو: أن كل ما روي عن النبي ﷺ في ذلك محمول على الإباحة والتخيير، وكله جائز؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ جواز ذلك، وعمل به أصحابه، فمن شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بهذا (١). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-و الله أعلم بالصواب- أن الراجح هو جواز صفتي الإقامة وهما الشفع والإيتار، كما هو القول الرابع، وذلك لأن بلالاً ﵁ كان مؤذناً في المدينة، وأبو محذورة ﵁ كان مؤذناً في مكة، وقد روي عن كل منهما تثنية الإقامة وإفرادها (٢)، وهو دليل للتخيير وإباحة كلا الصفتين، ورد لقولي النسخ المتضادين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد ذكر بعض ما ورد في صفة الأذان والإقامة: (وإذا كان كذلك فالصواب مذهب أهل الحديث، ومن وافقهم، وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبي ﷺ ، لا يكرهون شيئاً من ذلك، إذ تنوع صفة الأذان والإقامة، كتنوع صفة القراءات والتشهدات، ونحو ذلك، وليس لأحد أن يكره ما سنه رسول الله ﷺ لأمته. وأما من بلغ به الحال إلى الاختلاف والتفرق حتى يوالي ويعادي ويقاتل على مثل هذا ونحوه مما سوغه الله تعالى، كما يفعله بعض أهل الشرق، فهؤلاء

стр. 715

من الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعاً. وكذلك ما يقوله بعض الأئمة-ولا أحب تسميته- من كراهة بعضهم للترجيع، وظنهم أن أبا محذورة غلط في نقله، وأنه كرره ليحفظه، ومن كراهة من خالفهم شفع الإقامة، مع أنهم يختارون أذان أبي محذورة، هؤلاء يختارون إقامته، ويكرهون أذانه، وهؤلاء يختارون أذاته ويكرهون إقامته، فكلاهما قولان متقابلان، والوسط أنه لا يكره لا هذا ولا هذا) (١). ولكن الأولى مع هذا إيتار الإقامة؛ لكون الأحاديث الدالة عليها أصح وأثبت من أحاديث تثنيتها (٢) والله أعلم.

стр. 716

المبحث الثاني طهارة ما يصلى فيه، وعليه، واستقبال القبلة وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: اشتراط اجتناب النجاسة لصحة الصلاة. المطلب الثاني: رش الماء على بول الكلب إذا بال في المسجد. المطلب الثالث: بول ما يؤكل لحمه. المطلب الرابع: الصلاة في المقبرة والحمام وأعطان الإبل وغير ذلك مما ورد النهي عن الصلاة فيها. المطلب الخامس: تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام.

стр. 717

المطلب الأول: اشتراط اجتناب النجاسة لصحة الصلاة ذهب ابن حزم، والمجد ابن تيمية (١) إلى اشتراط اجتناب النجاسة لصحة الصلاة، وأن ما يستدل منه على عدم اشتراط ذلك فهو منسوخ؛ لتقدمه، وتأخر ما يدل على الاشتراط (٢). والقول بالنسخ ليس له أي أثر في اختلاف أهل العلم في المسألة، وإنما السبب لاختلافهم فيها هو تعارض ظواهر الآثار (٣). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عبد الله ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة وجمع من قريش في مجلسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟

стр. 718

أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها (١) فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم (٢)، فلما سجد رسول الله ﷺ وضعه بين كتفيه وثبت النبي ﷺ ساجداً فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك. فانطلق منطلق إلى فاطمة (٣)، وهي جويرية فأقبلت تسعى، وثبت النبي ﷺ ساجداً حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش» (٤). ثانياً: عن ابن عباس ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان

стр. 719

يمشي بالنميمة (١) (٢). ثالثاً: قول النبي ﷺ لفاطمة ابنة أبي حبيش: «لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي» (٣). رابعاً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله «أمر النبي ﷺ بذنوب (٤) من ماء فهريق عليه» (٥). خامساً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم

стр. 720

نعالكم؟» قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال: «إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً» أو قال: «أذى» (١). سادساً: عن جابر بن سمرة ﵁ قال: سأل رجل النبي ﷺ : يصلي في الثوب الذي يأتي فيه أهله؟ قال: «نعم إلا أن يرى فيه شيئاً فيغسله» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث-غير حديث ابن مسعود ﵁ تدل على أن اجتناب النجاسة شرط لصحة الصلاة، وهي متأخرة؛ لأنها مدنية، فتكون ناسخة لما يدل عليه حديث ابن مسعود ﵁ من عدم الاشتراط؛ لأنه كان بمكة قبل الهجرة (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في اشتراط اجتناب النجاسة لصحة الصلاة على ثلاثة أقوال:

стр. 721

القول الأول: أن إزالة النجاسة من شروط صحة الصلاة. وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول جمهور أهل العلم (٤). القول الثاني: أن إزالة النجاسة شرط لصحة الصلاة مع الذكر للنجاسة، والقدرة على إزالتها، وليست بشرط مع النسيان، أو مع عدم القدرة. وهو قول للإمام مالك، وقال به بعض أصحابه (٥). القول الثالث: أن إزالة النجاسة ليست بشرط لصحة الصلاة، بل سنة من سنن الصلاة على كل حال، أي سواء ذكرها أم لا، وقدر على إزالتها أم لا. وهو قول المالكية (٦).

стр. 722

الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أن إزالة النجاسة شرط لصحة الصلاة- بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ-غير حديث ابن مسعود ﵁؛ حيث إنها تدل على غسل النجاسات من الثياب، والأرض، والبدن، فدل ذلك أن إزالتها شرط لصحة الصلاة (١). ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. (٢)، فإنه روي عن ابن عباس، والحسن، وابن سيرين أتهم قالوا: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. اغسلها بالماء وانقها من الدرن والقذر (٣). فدلت هذه الأدلة أن إزالة النجاسة شرط لصحة الصلاة (٤). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن إزالة النجاسة شرط لصحة الصلاة عند الذكر والقدرة فقط- بما يلي: أولاً: أما اشتراط ذلك عند الذكر والقدرة فللأدلة التي سبق ذكرها

стр. 723

في دليل القول الأول -غير حديث ابن مسعود، وأبي سعيد-﵄ (١). ثانياً: أما عدم اشتراط ذلك عند النسيان وعدم القدرة فلما يلي: أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. ثانياً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. ووجه الاستدلال منهما: هو أن الحديث الأول يدل على عدم اشتراط ذلك عند عدم القدرة، ولذلك لم يقطع الصلاة عندما أُلقي عليه الدم والفرث، بل استمر فيها. والحديث الثاني يدل على جواز صلاة من صلى وفي ثوبه نجاسة إذا كان ساهياً غير عالم بها، فلو كان إزالة النجاسة شرطاً مع عدم الذكر لما بنى على صلاته (٢). واعترض عليه: بأن الحديث الأول كان بمكة قبل الهجرة في وقت لعل الصلوات الخمس لم تكن فُرضت، ولم تحكم بنجاسة الدم وذبائح المشركين، والأمر بتجنب النجاسة متأخر؛ لأنه كان بالمدينة (٣). أما الحديث الثاني فالقذر المذكور فيه لعله كان شيئاً مستقذراً ولم يكن

стр. 724

نجساً، أو كان شيئاً يسيراً من طين الشوارع، وذلك معفو عنه (١). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث بما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديثي ابن مسعود وأبي سعيد الخدري ﵄. ووجه الاستدلال منهما: هو أنه ﷺ رُمي عليه بالدم والفرث فلم يقطع الصلاة، فلو كانت إزالة النجاسة شرطاً لصحة الصلاة لقطع الصلاة. وخلع نعليه ولم يعد الصلاة بل بنى على ما مضى من الصلاة، ولو كانت إزالة النجاسة شرطاً لأعاد الصلاة، فثبت أن إزالة النجاسة سنة وليست بشرط لصحة الصلاة (٢). ويعترض عليه بما اعترض به على وجه استدلال القول السابق. الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم الصواب-أن الراجح هو أن اجتناب النجاسة شرط لصحة الصلاة، وذلك لما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. (٣)، فإنه ظاهر في الثياب

стр. 725

الملبوسة، وأن معناه طهرها من النجاسة (١). ثانياً: ولأنه ورد أحاديث كثيرة تدل على اجتناب النجاسة والطهارة منها، والاحتياط للصلاة واجب، وليس المرء على يقين من أدائها إلا في ثوب طاهر، وبدن طاهر، وموضع طاهر من النجاسة (٢). ثالثاً: ولأن الأدلة التي استدل بها من قال بعدم اشتراط اجتناب النجاسة لصحة الصلاة يتطرق إليها احتمالات، وبعضها كان بمكة فيتطرق إليها كذلك احتمال النسخ، لأن الأحاديث الدالة على إزالة النجاسة متأخرة؛ لأنها مدنية، بخلاف أدلة من قال باشتراط اجتناب النجاسة لصحة الصلاة، فإن فيها ما لا يتطرق إليها احتمالات، لذلك كان القول بها متعيناً. والله أعلم.

стр. 726

المطلب الثاني: رش الماء على بول الكلب إذا بال في المسجد ذهب البيهقي إلى أن بول الكلب نجس، وينضح مكان الكلب بالماء إن كان ذلك في المسجد، وأن عدم رش الماء على بوله إذا كان في المسجد منسوخ (١). ويدل عليه كلام ابن حجر، وإن لم يصرح بالنسخ (٢). وتين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، لكن السبب الأصلي للاختلاف هو هل يتعين الماء في تطهير الأرض النجس، أو أن جفافها بالشمس وغيرها تؤثر في تطهيرها (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً» (٤). ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ولغ الكلب في

стр. 727

إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات» (١). ثالثاً: عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات» (٢). رابعاً: عن ابن عباس ﵁ قال: أخبرتني ميمونة ﵂ أن رسول الله ﷺ أصيح يوما واجماً (٣)، فقالت ميمونة-﵂: يا رسول الله، لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله ﷺ : «إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، أمَ والله ما أخلفني» قال: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو (٤) كلب تحت فسطاط (٥) لنا، فأمر به فأُخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له: «قد وعدتني أن تلقاني البارحة» قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة. فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير) (٦).

стр. 728

خامساً: عن ابن عمر ﵁ قال: (كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول وهو في المسجد بأعلى صوته: (اجتنبوا اللغو في المسجد) قال ابن عمر: كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ وكنت فتى شاباً عزباً، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك) (١). سادساً: عن عائشة-﵂ قالت: «أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب» (٢). ويستدل من هذه الأدلة على النسخ بالوجهين التاليين: الوجه الأول: أن بعض هذه الأحاديث تدل على نجاسة الكلب، ونضح

стр. 729

مكانه بالماء، فتكون ناسخة للحديث الذي يدل على عدم رش الماء على بوله إذا بال في المسجد؛ لأن ذلك كان قبل أمره ﷺ بقتل الكلاب وغسل الإناء من ولوغه (١). الوجه الثاني: أن دخول الكلاب إلى المسجد وعدم رش الماء على بوله كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها، وجعل الأبواب عليها، يدل عليه قول ابن عمر: (كان عمر بن الخطاب يقول بأعلى صوته: اجتنبوا اللغو في المسجد) ثم قوله: (كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ففيه إشارة إلى أن ذلك كان في الابتداء، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد حتى من لغو الكلام، فيكون ذلك ناسخاً للحالة الأولى (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم فيما يطهر به الأرض إذا أصابتها نجاسة على قولين: القول الأول: أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها تطهر بالماء، وكذلك بالجفاف إذا ذهب أثرها، فيجوز الصلاة عليها دون التيمم. وهو مذهب الحنفية (٣)، ونحوه قول سفيان الثوري (٤)، وقول في مذهب

стр. 730

أحمد، اختاره بعض الحنابلة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (١). القول الثاني: أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها لا تطهر إلا بالماء. وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول الحسن بن حي، وأبي ثور، وابن المنذر (٥). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها تطهر بالماء، وكذلك بالجفاف إذا ذهب أثرها- بما يلي: أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث ابن عمر ﵁ وفيه: (وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك).

стр. 731

ثانياً: عن أنس ﵁ قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله «أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فهريق عليه» (١). وجه الاستدلال منهما: هو أن الصحابة ﵃-لم يرشوا الماء على بول الكلاب؛ لأنها جفت وذهب أثر النجاسة، إذ من المعلوم أن النجاسة لو كانت باقية لوجب غسل ذلك. وأمر ﷺ بصب الماء على بول الأعرابي عند بقاء أثر النجاسة. فثبت منه أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها تطهر بالجفاف إذا ذهب أثر النجاسة، كما تطهر بالماء (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها لا تطهر إلا بالماء- بما سبق في دليل القول الأول من حديث أنس ﵁. ووجه الاستدلال منه: هو أن النبي ﷺ أمر بصب الماء على بول الأعرابي، ولو طهرها يبسها لتركها حتى تيبس، فثبت منه أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها لا تطهر إلا بالماء (٣). واعترض عليه: بأن الأمر بصب الماء عليه دون تركها حتى تيبس لعله

стр. 732

كان لأجل تعجيل تظهير الأرض، وليس لأن طهارتها لم يكن يحصل بغيره (١). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لأنه يمكن به الجمع بين الأحاديث المختلفة، وذلك بحمل حديث صب الماء على البول بما إذا كان أثر النجاسة موجوداً وأريد تعجيل التطهير، فإن تطهيرها يكون بالماء، وحمل حديث ابن عمر في عدم رش الماء على بول الكلاب بما إذا جفت الأرض وذهب أثر النجاسة، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكناً لا يصار إلى ترك بعضها ولا إلى النسخ (٢). والله أعلم.

стр. 733

المطلب الثالث: بول ما يؤكل لحمه ذهب الإمام أبو حنيفة-﵀ إلى أن بول ما يؤكل لحمه نجس، وأن ما يدل على شرب أبوال الإبل فإنه قد نسخ بالأمر بالتنزه من البول (١). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، والسبب الثاني له هو الاختلاف في مفهوم الأحاديث التي يُستدل بها في المسألة (٢). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أنس ﵁ قال: قدم أناس من عكل (٣) أو عرينة (٤) فاجتووا (٥) المدينة، «فأمرهم النبي ﷺ بلقاح (٦) وأن يشربوا من أبوالها وألبانها» فانطلقوا فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار،

стр. 734

فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم وألقوا في الحر يستسقون فلا يسقون (١). ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثر عذاب القبر من البول» (٣). ثالثاً: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» (٤).

стр. 735

رابعاً: عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا من البول» (١). ويستدل منها على النسخ: بأن النبي ﷺ أمر بالاستنزاه من البول من غير فصل بين بول وبول فيدل ذلك على نجاسة جميع الأبوال؛ لأن قوله: (من البول) عام يشمل جميع الأبوال، سواء كان بول إنسان أو بول مأكول اللحم أو غيره (٢)، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يكون ناسخاً لحديث العرنيين الذي فيه الأمر بشرب أبوال الإبل؛ لأن حديث العرنيين

стр. 736

والأمر فيه بشرب أبوال الإبل كان في أول الإسلام، حيث ذكر فيه المثلة، ثم حرمت المثلة ونسخ جوازها (١)، فعلم أن إباحة البول كالمثلة، أي كما نسخ إباحة المثلة كذلك نسخ إباحة البول (٢). واعترض عليه بما يلي: أ- إن النسخ لا بد فيه من تأخر الناسخ، وعدم التوفيق بين النصين، وما ذكر من وجه الاستدلال هو احتمل، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٣). ب- إن نسخ واحد من أحكام النص لا يوجب نسخ بقيتها (٤). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم بول ما يؤكل لحمه على قولين: القول الأول: أن بول ما يؤكل لحمه نجس. وهو مذهب الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، وقول للإمام أحمد (٧)، وروي

стр. 737

ذلك عن جابر بن زيد، والحسن البصري، وابن سيرين، وحماد بن أبي سليمان، وبه قال ابن حزم (١). القول الثاني: أن بول ما يؤكل لحمه طاهر. وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية (٢) ........................................ ومذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول عطاء، والنخعي، والزهري، والثوري، والليث (٥). الأدلة ويستدل للقول الأول بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ. ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. (٦)، والبول خبيث وكانت العرب تستخبثه (٧).

стр. 738

ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (١). فقوله في الحديث: (من البول) عام يشمل جميع الأبوال (٢). واعترض عليه: بأن المراد به بول الإنسان؛ لما في رواية أخرى لهذا الحديث: (لا يستتر من بوله) (٣). وأجيب: بأن كلا الروايتين ثابت، ورواية: (لا يستتر من البول) فيه زيادة على رواية الآخرين وزيادة العدل يجب قبوله (٤). ويستدل للقول الثاني -وهو أن بول ما يؤكل لحمه طاهر- بأدلة منها ما يلي: أولاً: ما سبق في دليل ا لقول بالنسخ من حديث أنس ﵁، وفيه: «فأمرهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها». والنجس لا يباح شربه، ولو كان للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة (٥). ثانياً: عن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يصلي قبل أن يبني المسجد في

стр. 739

مرابض (١) الغنم» (٢). ثالثاً: عن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أ أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ» قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم فتوضأ من لحوم الإبل» قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم) قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا) (٣). ومرابض الغنم لا تخلو من أبوالها، فدل على طهارتها، وإلا لما جازت الصلاة فيه (٤). رابعاً: عن ابن عباس ﵁ قال: «طاف النبي ﷺ بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه» (٥). والنبي ﷺ أمر بتطهير المساجد وتنظيفها، وقد طاف بالبيت على بعير،

стр. 740

فدل ذلك على أن بول ما يؤكل لحمه طاهر، إذ لو كانت نجسة لكان فيه تعريض المسجد الحرام للتنجيس، مع أن الضرورة ما دعت إلى ذلك (١). خامساً: عن ابن عباس ﵁ أنه قيل لعمر بن الخطاب ﵁: حدثنا من شأن العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ (٢) شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع، حتى نظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله قد عودك الله في الدعاء خيراً فادع لنا، فقال: «أتحب ذلك؟) قال: نعم، قال: فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلت سحابة فسكبت فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (٣). ولو كان ماء الفرث إذا عصر نجساً لم يجز للمرء أن يجعله على كبده فينجس بعض بدنه وهو غير واجد لماء طاهر يغسل موضع النجس منه (٤).
следующие страницы →