← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

والأمر فيه بشرب أبوال الإبل كان في أول الإسلام، حيث ذكر فيه المثلة، ثم حرمت المثلة ونسخ جوازها (١)، فعلم أن إباحة البول كالمثلة، أي كما نسخ إباحة المثلة كذلك نسخ إباحة البول (٢). واعترض عليه بما يلي: أ- إن النسخ لا بد فيه من تأخر الناسخ، وعدم التوفيق بين النصين، وما ذكر من وجه الاستدلال هو احتمل، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٣). ب- إن نسخ واحد من أحكام النص لا يوجب نسخ بقيتها (٤). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم بول ما يؤكل لحمه على قولين: القول الأول: أن بول ما يؤكل لحمه نجس. وهو مذهب الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، وقول للإمام أحمد (٧)، وروي

стр. 737

ذلك عن جابر بن زيد، والحسن البصري، وابن سيرين، وحماد بن أبي سليمان، وبه قال ابن حزم (١). القول الثاني: أن بول ما يؤكل لحمه طاهر. وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية (٢) ........................................ ومذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول عطاء، والنخعي، والزهري، والثوري، والليث (٥). الأدلة ويستدل للقول الأول بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ. ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. (٦)، والبول خبيث وكانت العرب تستخبثه (٧).

стр. 738

ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (١). فقوله في الحديث: (من البول) عام يشمل جميع الأبوال (٢). واعترض عليه: بأن المراد به بول الإنسان؛ لما في رواية أخرى لهذا الحديث: (لا يستتر من بوله) (٣). وأجيب: بأن كلا الروايتين ثابت، ورواية: (لا يستتر من البول) فيه زيادة على رواية الآخرين وزيادة العدل يجب قبوله (٤). ويستدل للقول الثاني -وهو أن بول ما يؤكل لحمه طاهر- بأدلة منها ما يلي: أولاً: ما سبق في دليل ا لقول بالنسخ من حديث أنس ﵁، وفيه: «فأمرهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها». والنجس لا يباح شربه، ولو كان للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة (٥). ثانياً: عن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يصلي قبل أن يبني المسجد في

стр. 739

مرابض (١) الغنم» (٢). ثالثاً: عن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أ أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ» قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم فتوضأ من لحوم الإبل» قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم) قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا) (٣). ومرابض الغنم لا تخلو من أبوالها، فدل على طهارتها، وإلا لما جازت الصلاة فيه (٤). رابعاً: عن ابن عباس ﵁ قال: «طاف النبي ﷺ بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه» (٥). والنبي ﷺ أمر بتطهير المساجد وتنظيفها، وقد طاف بالبيت على بعير،

стр. 740

فدل ذلك على أن بول ما يؤكل لحمه طاهر، إذ لو كانت نجسة لكان فيه تعريض المسجد الحرام للتنجيس، مع أن الضرورة ما دعت إلى ذلك (١). خامساً: عن ابن عباس ﵁ أنه قيل لعمر بن الخطاب ﵁: حدثنا من شأن العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ (٢) شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع، حتى نظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله قد عودك الله في الدعاء خيراً فادع لنا، فقال: «أتحب ذلك؟) قال: نعم، قال: فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلت سحابة فسكبت فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (٣). ولو كان ماء الفرث إذا عصر نجساً لم يجز للمرء أن يجعله على كبده فينجس بعض بدنه وهو غير واجد لماء طاهر يغسل موضع النجس منه (٤).

стр. 741

سادساً: عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما أكل لحمه فلا بأس ببوله» (١). وهذا ظاهر في طهارة بول ما يؤكل لحمه. الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي: أولاً: أن الراجح هو القول الثاني، وذلك لما يلي: أ-لأن أدلة القول الأول ليست نصاً في المسألة؛ لأن قوله: (استنزهوا من البول) وقوله: (لا يستتر من البول) يحتمل كل منهما أن يكون المراد به بول الإنسان، ويؤكد هذا الاحتمال ورود قوله: (لا يستتر من البول) بلفظ: (لا يستتر من بوله)، ويحتمل أن يكون المراد به عموم الأبوال، فيشمل بول ما

стр. 742

يؤكل لحمه، لكن على هذا الاحتمال-مع ضعفه- يقال: إن بول ما يؤكل لحمه مخصوص منه بدليل الأحاديث الدالة على الطهارة. ب-ولأن الأحاديث الدالة على طهارتها أكثر وأقوى. ج-ولأن ما يؤكل لحمه مما يكثر ملابسة الناس له، ومباشرتهم لكثير منه؛ حيث إن الإبل والغنم كانت غالب أموالهم، فلو كانت أبوالها نجسة لا تصح الصلاة معها، ويجب غسل الثياب والأبدان والأواني منها، لبينه النبي ﷺ بياناً يحصل به معرفة الحكم، ولو بين ذلك لنقل، وعدم ذلك كله دليل على طهارة أبوالها وعدم نجاستها (١). ثانياً: أنه لا يصح دعوى نسخ ما يدل على طهارة بول ما يؤكل لحمه؛ وذلك لما يلي: أ-لأنه لا يوجد دليل على أن حديث: (استنزهوا من البول) كان بعد حديث العرنيين، والنسخ لا بد فيه من دليل يدل على تأخر الناسخ، ولا يثبت ذلك بالاحتمال (٢). ب- ولأنه لا يصار إلى النسخ إلا عند عدم التوفيق بين النصين، وهنا يمكن التوفيق بينهما، وذلك بحمل حديث (استنزهوا من البول) على بول الإنسان، أما حديث العرنيين فهو في بول الإبل، ولا منافاة بينهما (٣).

стр. 743

ومع هذا ينبغي أن يصلي الشخص نظيف الثوب والبدن والمكان، وأن يتوقى جميع أنواع الأبوال؛ خروجاً من خلاف العلماء، وأداءً للفريضة على يقين. والله أعلم.

стр. 744

المطلب الرابع: الصلاة في المقبرة والحمام وأعطان الإبل وغير ذلك مما ورد النهي عن الصلاة فيها ذهب ابن عبد البر إلى أنه يجوز الصلاة في كل مكان إذا كان طاهراً من الأنجاس، وأن النهي عن الصلاة في المقبرة، والمزبلة، والحمام، وأعطان (١) الإبل، وغير ذلك مما ورد النهي عن الصلاة فيه، فإنه قد نسخ (٢). وظهر منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، ولكن السبب الأصلي له هو تعارض ظواهر الآثار الواردة فيها (٣). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت

стр. 745

إلى الناس عامة» (١). ثانياً: عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» (٢). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فُضلتُ على الأنبياء بست: أُعطيتُ جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأُحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيُّون» (٣). رابعاً: عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه، حتى إذا صلى وانصرف إليهم، فقال لهم: «لقد أُعطيتُ الليلة خمساً ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونُصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لمُلئ منه رعباً، وأُحلت لي الغنائم آكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها،

стр. 746

وجُعلت لي الأرضُ مساجد وطهوراً، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم (١) وبيعهم (٢)، والخامسة هي ما هي، قيل لي: سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله» (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على جواز الصلاة في أي مكان من الأرض إذا كان طاهراً، وقد أخبر ﷺ أن ذلك من فضائله فتكون ناسخة للأحاديث التي جاء فيها النهي عن الصلاة في المقبرة، والحمام، وأرض بابل، وأعطان الإبل وغير ذلك؛ لأن الفضائل جائز فيها الزيادة، ولا يجوز عليها النسخ ولا التبديل ولا النقص، فثبت بذلك أن قوله ﷺ : «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» متأخر عن تلك الأحاديث الدالة على النهي، وحديث عبد الله بن عمرو ﵁ يدل على ذلك؛ حيث ذكر فيه أن ذلك كان في غزوة تبوك، وهي من آخر غزوات الرسول ﷺ (٤).

стр. 747

واعترض عليه: بأنه لا يصار إلى النسخ ما دام الجمع بين الأحاديث ممكناً، والجمع هنا ممكن، وذلك باستثناء الأماكن التي جاء النهي عن الصلاة فيها من عموم حديث: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» فالفضيلة باقية، والأرض كلها مسجد إلا مكاناً جاء النهي عن الصلاة فيه. كما أنه لا يصح دعوى تأخر حديث: «وجلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» على جميع الأحاديث التي جاء فيها النهي عن الصلاة في بعض الأماكن، وخاصة أحاديث النهي عن الصلاة في المقابر وبناء المساجد عليها، فإنها متأخرة جداً، فإن لم تكن هي ناسخة لغيرها فليست هي منسوخة بغيرها (١). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في الصلاة في الأماكن التي جاء النهي عن الصلاة فيها على ثلاثة أقوال مشهورة: القول الأول: أنه يكره الصلاة فيما جاء النهي عن الصلاة فيه، كالمزبلة، والمجزرة، و المقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، ونحوها، لكنها تصح إن لم تكن فيها نجاسة.

стр. 748

وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن الإمام مالك (٣)، وعن الإمام أحمد (٤). القول الثاني: يجوز الصلاة في كل مكان لا يكون فيه نجاسة. وهو مذهب المالكية (٥). القول الثالث: أنه لا تصح الصلاة في الأماكن التي جاء النهي عن الصلاة فيها. وهو مذهب الحنابلة (٦). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو كراهة الصلاة فيما جاء النهي عن الصلاة فيه، لكنها تصح إن لم يكن نجساً - بما يلي:

стр. 749

أولاً: أما أنها تصح إذا لم يكن المكان نجساً فللأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ حيث إنها تدل على جواز الصلاة على الأرض كلها (١). ثانياً: وأما أنها تكره فيما جاء النهي عن الصلاة فيه فلما يلي: أ- حديث عائشة وابن عباس ﵄ -عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» -يحذر ما صنعوا-) (٢). ب-حديث جابر بن سمرة ﵁ وفيه: (قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم» قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» (٣). ج- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة» (٤).

стр. 750

د- عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة (١) الطريق، وفي الحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله» (٢). وحُمل هذه الأحاديث على الكراهة دون عدم الجواز؛ جمعاً بين هذه الأحاديث وبين الأحاديث الدالة على أن الأرض كلها مسجد وطهور (٣).

стр. 751

دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني بالأدلة السابقة في دليل القول بالنسخ ووجه الاستدلال منها: هو أن تلك الأحاديث عامة تدل على جواز الصلاة في جميع الأماكن ما دامت طاهرة، والأخذ بها أولى؛ لأنها تدل على أن ذلك من فضائله ﵊، وذلك مما لا يجوز نسخه (١). واعترض عليه: بأن النهي عن الصلاة في بعض الأماكن فيه أحاديث صحيحة، وبعضها متأخرة عن تلك الأحاديث العامة، ثم هي خاصة، لذلك يكون الأخذ بها أولى بل متعيناً؛ عملاً بالأحاديث كلها (٢). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو عدم صحة الصلاة في الأماكن التي جاء النهي عن الصلاة فيها- بالأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ، وفي دليل القول الأول. ووجه الاستدلال منها: هو أن الأحاديث الدالة على النهي مخصصة لعموم الأحاديث الدالة على العموم، ولا تعارض بينهما (٣).

стр. 752

الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أنه لا يجوز الصلاة في الأماكن التي ثبت وصح النهي عن الصلاة فيها، وأن الأحاديث الدالة على ذلك محكمة غير منسوخة، وذلك لما يلي: أولاً: لأن الأحاديث التي تدل على المنع من الصلاة في تلك الأماكن صريحة في النهي، وهي تدل على التحريم وعدم الجواز، وحملها على الكراهة غير صحيح لوجهين: أ-لأن الأصل في النهي التحريم وعدم الجواز (١). ب-ولأن من تلك الأحاديث أحاديث النهي عن الصلاة في المقابر، واتخاذها مساجد، وحمل هذه الأحديث على الكراهة دون التحريم بعيد؛ لأنه جاء فيها الألفاظ التالية: ١ - أن من يتخذ القبور مساجد فهم شرار الخلق عند الله تعالى، فعن عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور فقال رسول الله ﷺ : «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح -أو الرجل الصالح- بنو على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك

стр. 753

الصور أولئك شرار الخلق عند الله» (١). ٢ - أن النبي ﷺ لعن من يتخذ القبور مساجد، فعن عائشة وعبد الله بن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة (٢) له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» -يحذر ما صنعوا-) (٣). ٣ - الجمع بين لفظ: (لا) الدال على النهي، ولفظ: (النهي) فعن جندب (٤) ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك» (٥).

стр. 754

فتبين من هذه الألفاظ المذكورة في هذه الأحاديث أن النهي عن الصلاة في المقابر و اتخاذها مساجد للتحريم. ثانياً: ولأن الأحاديث الدالة على النهي عن الصلاة في بعض الأماكن لا تعارض بينها وبين حديث: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»؛ لأنها مخصصة من عمومه (١)، على أن في بعض طرق حديث (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) ما يدل على أن هذا الحديث ليس المراد به أن جميع الأرض مكان للصلاة بحيث لا يستثنى منها أي مكان، بدليل ما يلي: أ-عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجداً و طهوراً». (٢) فهذا الحديث يدل على أن الأرض النجسة ليست مكاناً للصلاة؛ لأن الطيبة هي الطاهرة، وبهذا القيد خرج من عموم حديث (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) المزبلة، والمجزرة، وكل مكان نجس. ب- جاء في رواية عبد الله بن عمرو ﵁ (وجُعلت لي الأرضُ مساجد وطهوراً، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون

стр. 755

ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم) (١). فهذا يدل على أن المراد بالحديث هو العموم بالنسبة للأمم السابقة؛ حيث كان الواجب عليهم الصلاة في أماكن عبادتهم دون خارجها، وأن هذه الأمة يجوز لها أن تصلي خارج مساجدهم، وليس المراد بهذا العموم العموم الكلي بحيث لا يستثنى منه أي مكان، فثبت بذلك أن عموم هذا الحديث لا يشمل الأماكن التي جاء النهي عن الصلاة فيها. ثالثاً: ولأنه لا يصح القول بتأخر حديث: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) عن الأحاديث الدالة على النهي حتى يكون ناسخاً لها؛ لأن من تلك الأحاديث أحاديث النهي عن الصلاة في المقابر واتخاذها مساجد، وهي متأخرة جداً؛ لأنه سبق في حديث عبد الله بن عباس وعائشة ﵄-أن النبي ﷺ عند الموت لعن على من فعل ذلك، وفي حديث جندب ﵁ أنه سمع ذلك من النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢).

стр. 756

فكيف يقال أن هذه الأحاديث منسوخة بحديث: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» وقد قال ﷺ ذلك في غزوة تبوك، كما ذكر ذلك في حديث عبد الله بن عمرو ﵄. فثبت مما تقدم ضعف قول من قال بالنسخ، كما تبين أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث كلها، وأن الأرض كلها مسجد إلا ما ثبت النهي عن الصلاة فيه. والله أعلم.

стр. 757

المطلب الخامس تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام لا خلاف بين أهل العلم في أن النبي ﷺ بعد ما هاجر إلى المدينة صلى قبل بيت المقدس سنة وبضعة أشهر، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى بيت الله الحرام، ونسخ كون بيت المقدس قبلة، وصارت قبلة المسلمين الكعبة المشرفة وبيت الله الحرام (١). لكنهم اختلفوا في صلاته ﷺ بمكة قبل الهجرة هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى الكعبة على قولين: القول الأول: أنه ﷺ كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس، لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، إلى أن قدم المدينة، ثم بالمدينة صلى إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً أو نحوها حتى صرفه الله إلى الكعبة (٢).

стр. 758

الثاني: أنه ﷺ كان بمكة يصلى إلى الكعبة طول مقامه بمكة، ثم لما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس سنة وأشهراً، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة (١). وكذلك اختلفوا في توجه النبي ﷺ إلى بيت المقدس هل كان بنص الكتاب، أم كان بالسنة على قولين: القول الأول: أن ذلك كان ثابتاً بالكتاب، فيكون من باب نسخ القرآن بالقرآن (٢). القول الثاني: أن ذلك كان ثابتاً بالسنة، ونسخ بالقرآن، فيكون من باب نسخ السنة بالقرآن (٣). أدلة النسخ من أدلة نسخ استقبال بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام ما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤). ثانياً: عن البراء بن عازب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ صلى نحو بيت

стр. 759

المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله :: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس-وهم اليهود-: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] فصلى مع النبي ﷺ رجل ثم خرج بعد ما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ وأنه توجه نحو الكعبة، فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة) (١). ثالثاً: عن ابن عمر ﵁ قال: بين الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: «إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها»، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) (٢). رابعاً: عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فمرّ رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة قد حولت، فمالوا كماهم نحو القبلة) (٣).

стр. 760

خامساً: عن ابن عباس ﵁ قال: (أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا-والله أعلم- شأن القبلة قال الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فاستقبل رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، فقال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]. يعنون بيت المقدس، فنسخها فصرفه الله إلى البيت العتيق فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]) (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: (إن أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم ﵇، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء فأنزل الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يعني نحوه، فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ

стр. 761

عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]. وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال ابن عباس: وليميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة) (١). وفي رواية ثالثة عنه ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس وهو بمكة والكعبة بين يديه، وبعد ما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة» (٢). والله أعلم.

стр. 762

المبحث الثالث: صفة الصلاة . وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: رفع اليدين في الصلاة في غير الافتتاح. المطلب الثاني: الجهر بالتسمية في الصلاة. المطلب الثالث: التطبيق في الركوع. المطلب الرابع: القنوت في صلاة الفجر. المطلب الخامس: الدعاء على آحاد الكفرة في القنوت. المطلب السادس: القنوت بعد الركوع. المطلب السابع: وضع اليدين قبل الركبتين عند السجود. المطلب الثامن: الإقعاء في الصلاة.

стр. 763

المطلب الأول: رفع اليدين في الصلاة في غير الافتتاح ذهب بعض الحنفية، منهم الطحاوي إلى أن رفع اليدين في غير افتتاح الصلاة قد نسخ، لذلك لا يسن رفعهما في غير تكبيرة الافتتاح (١). وتبين منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب اختلاف أهل العلم فيها، ولكن السبب الأصلي لاختلافهم فيها هو تعارض الآثار الواردة فيها (٢). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: «فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة» (٣).

стр. 764

ثانياً: عن عبد الله ﵁ قال: (صليت مع النبي ﷺ ، ومع أبي بكر، ومع عمر ﵄-فلم يرفعوا أيديهم إلا عند التكبيرة الأولى في افتتاح الصلاة) (١). ثالثاً: عن البراء ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود» (٢).

стр. 765

وفي رواية: (فرفع يديه في أول مرة» وقال بعضهم: «مرة واحدة» (١).

стр. 766

رابعاً: عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: «سمع الله لمن حمده» ولا يفعل ذلك في السجود) (١). خامساً: عن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ : «أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شي ء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر» (٢).

стр. 767

سادساً: عن كليب الجرمي (١)، وكان من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁ (أن علياً ﵁ كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى التي يفتتح بها الصلاة، ثم لا يرفعهما في شيء من الصلاة) (٢). سادساً: عن مجاهد قال: (ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول

стр. 768

ما يفتتح) (١). ويستدل منها على النسخ: بأن علي بن أبي طالب وابن عمر-﵄-قد رويا أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه، ثم روي عنهما أنهما كانا لا يرفعان أيديهما عند الركوع، وعند الرفع منه، فثبت من ذلك أن الرفع كان ثم نسخ، وإلا لما تركهما؛ إذ لا يظن بهما أنهما يخالفان فعله ﵇ إلا بعد ثبوت النسخ عندهما، ويكون حديث ابن مسعود والبراء ﵄ بعد أحاديث رفع اليدين في غير الافتتاح، وأن أحاديث الرفع كانت في ابتداء الإسلام ثم نسخت (٢). ويؤكد النسخ ما روي: أ-عن ابن عباس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة، وترك ما سوى ذلك» (٣).

стр. 769

ب-عن ابن الزبير ﵁ أنه رأى رجلاً يرفع يديه من الركوع، فقال: مه، «فإن هذا شيء فعله رسول الله ثم تركه» (١). واعترض عليه بما يلي: أولاً: أن ما روي عن ابن عباس وابن الزبير ﵄ فلا يعرفان أصلاً، وقد ثبت عنهما الرفع، فلا يصح الاستدلال من ذلك على النسخ (٢). ثانياً: أما الاستدلال من أثر علي وابن عمر ﵄ على النسخ فلا يصح كذلك لما يلي: أ- لأن ما روي عنهما لا يخلو من كلام، ثم عدم الرفع من فعلهما، وقد صح رفع اليدين عن النبي ﷺ من روايتهما، فلم يكونا يخالف الرسول ﷺ ، ثم قد روي عنهما رفع اليدين، فكان الأخذ به أولى؛ لموافقة فعلهما لروايتهما. على أن جماعة الصحابة ﵃ على رفع اليدين، فلا يقال: أنهم خفي عليهم هذه السنة، وعلمه واحد أو اثنان (٣).

стр. 770

ب- أن علي بن أبي طالب وابن عمر-﵄ لم ينفردا برواية رفع اليدين في الصلاة عن النبي ﷺ حتى يستدل بفعلهما-وهو عدم رفع اليدين- على نسخ روايتهما -وهو رفع اليدين- بل قد رواه عن النبي ﷺ عدد كبير من الصحابة حتى بلغ حد التواتر، وعمل به جماعة الصحابة بعده؛ حتى قال الحسن البصري، وحميد بن هلال (١): (كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم في الصلاة) (٢). قال البخاري: فلم يستثن الحسن وحميد بن هلال أحداً من أصحاب النبي ﷺ دون أحد (٣). وقال أبو حازم (٤): (رأيت سهل بن سعد الساعدي في ألف من

стр. 771

أصحاب رسول الله ﷺ يرفع يديه في كل خفض ورفع) (١). فلو كان رفع اليدين في الصلاة منسوخاً لما عمل به هؤلاء الصحابة-﵃ بعد النبي ﷺ ، ولما خفي عليهم؛ لأن ممن روي عنه ذلك الخلفاء الراشدون، والعشرة المبشرون (٢). ج- إنه لو صح ثبوت ترك رفع اليدين عن علي وابن عمر ﵄ وكذلك حديث ابن مسعود ﵁ وغيره، فيحتمل أن ذلك كان لبيان الجواز وأن الرفع ليست بسنة لا تصح الصلاة بدونها، وهذا الاحتمال أولى؛ لما يُجمع به بين الروايات كلها مرفوعة وموقوفة، وليس في ذلك ما يدل على النسخ (٣). ثالثاً: إنه قد جاء في رواية أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الصلاة حتى لقي الله، فكيف يقال بنسخه؟ فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان لا يفعل ذلك في السجود، فما زالت تلك صلاته

стр. 772

حتى لقي الله تعالى» (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في رفع اليدين في غير الافتتاح على قولين مشهورين: القول الأول: أن المصلي لا يرفع يديه في غير افتتاح الصلاة. وهو قول الحنفية (٢)، وأشهر الروايات عن الإمام مالك، وقول أكثر

стр. 773

المالكيين (١). ورُوي عدم الرفع في غير الافتتاح عن: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر-﵃، وعن الأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن حي (٢). القول الثاني: أن المصلي يرفع يديه في افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه، زاد بعضهم: وإذا قام من الركعتين. وهو رواية عن الإمام مالك- قيل: هو قوله الأخير (٣) - واختيار بعض المالكيين (٤)، ومذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وقول أكثر الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وممن روي عنه ذلك: فمن الصحابة:

стр. 774

أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وأبو قتادة، وأبو أسيد الساعدي، ومحمد بن مسلمة، وسهل بن سعد الساعدي، ومالك بن الحويرث (١)، ..................................................... ووائل بن حجر (٢)، وأبو حميد الساعدي (٣)، وأبو هريرة ﵃ (٤). ومن التابعين فمن بعدهم: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح،

стр. 775

ومجاهد، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين، وطاوس، ومكحول، وأبي قلابة، ونافع، والليث بن سعد، وابن المبارك، والأوزاعي، وأبي عبيد، وإسحاق بن راهوية، وأبي ثور، ومحمد بن جرير الطبري (١). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أن المصلي لا يرفع يديه إلا في افتتاح الصلاة- بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأدلة التي أُستدل بها للقول بالنسخ-غير حديث ابن عمر وعلي ﵄ مرفوعاً-. ثانياً: عن جابر بن سمرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خَيل شُمْسٍ؟ اسكنوا في الصلاة» (٢). فهذا الحديث فيه الأمر بالسكون في الصلاة وإنكار لرفع اليدين فيها (٣). واعترض عليه: بأن المراد برفع اليدين في هذا الحديث هو رفعهما في
следующие страницы →