← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أصحاب رسول الله ﷺ يرفع يديه في كل خفض ورفع) (١). فلو كان رفع اليدين في الصلاة منسوخاً لما عمل به هؤلاء الصحابة-﵃ بعد النبي ﷺ ، ولما خفي عليهم؛ لأن ممن روي عنه ذلك الخلفاء الراشدون، والعشرة المبشرون (٢). ج- إنه لو صح ثبوت ترك رفع اليدين عن علي وابن عمر ﵄ وكذلك حديث ابن مسعود ﵁ وغيره، فيحتمل أن ذلك كان لبيان الجواز وأن الرفع ليست بسنة لا تصح الصلاة بدونها، وهذا الاحتمال أولى؛ لما يُجمع به بين الروايات كلها مرفوعة وموقوفة، وليس في ذلك ما يدل على النسخ (٣). ثالثاً: إنه قد جاء في رواية أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الصلاة حتى لقي الله، فكيف يقال بنسخه؟ فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان لا يفعل ذلك في السجود، فما زالت تلك صلاته

стр. 772

حتى لقي الله تعالى» (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في رفع اليدين في غير الافتتاح على قولين مشهورين: القول الأول: أن المصلي لا يرفع يديه في غير افتتاح الصلاة. وهو قول الحنفية (٢)، وأشهر الروايات عن الإمام مالك، وقول أكثر

стр. 773

المالكيين (١). ورُوي عدم الرفع في غير الافتتاح عن: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر-﵃، وعن الأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن حي (٢). القول الثاني: أن المصلي يرفع يديه في افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه، زاد بعضهم: وإذا قام من الركعتين. وهو رواية عن الإمام مالك- قيل: هو قوله الأخير (٣) - واختيار بعض المالكيين (٤)، ومذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وقول أكثر الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وممن روي عنه ذلك: فمن الصحابة:

стр. 774

أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وأبو قتادة، وأبو أسيد الساعدي، ومحمد بن مسلمة، وسهل بن سعد الساعدي، ومالك بن الحويرث (١)، ..................................................... ووائل بن حجر (٢)، وأبو حميد الساعدي (٣)، وأبو هريرة ﵃ (٤). ومن التابعين فمن بعدهم: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح،

стр. 775

ومجاهد، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين، وطاوس، ومكحول، وأبي قلابة، ونافع، والليث بن سعد، وابن المبارك، والأوزاعي، وأبي عبيد، وإسحاق بن راهوية، وأبي ثور، ومحمد بن جرير الطبري (١). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أن المصلي لا يرفع يديه إلا في افتتاح الصلاة- بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأدلة التي أُستدل بها للقول بالنسخ-غير حديث ابن عمر وعلي ﵄ مرفوعاً-. ثانياً: عن جابر بن سمرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خَيل شُمْسٍ؟ اسكنوا في الصلاة» (٢). فهذا الحديث فيه الأمر بالسكون في الصلاة وإنكار لرفع اليدين فيها (٣). واعترض عليه: بأن المراد برفع اليدين في هذا الحديث هو رفعهما في

стр. 776

التشهد لا في القيام؛ فإنهم كانوا يرفعون أيديهم في حالة السلام من الصلاة، ويشيرون بها إلى الجانبين يريدون بذلك السلام (١)، يدل على ذلك الرواية الثانية عن جابر بن سمرة ﵁ حيث قال: (كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، والسلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله ﷺ : «علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خَيل شُمْسٍ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه مَن على يمينه وشماله» (٢). ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: حين يفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى البيت، وحين يقوم على الصفا، وحين يقوم على المروة، وحين يقوم مع الناس عشية عرفة، وبجمع، وبين المقامين حين يرمي الجمرة» (٣).

стр. 777

فهذا يدل على أن المصلي يرفع يده في افتتاح الصلاة، ولا يرفعها بعد

стр. 778

ذلك (١). واعترض عليه بما يلي: أ- أن هذا الحديث مختلف في صحته وضعفه (٢)، ومختلف في رفعه ووقفه (٣)، كما أنه ورد بلفظ: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن» وبلفظ: «ترفع الأيدي في سبع مواطن» (٤)، وإذا كان كذلك فلا يتم الاستدلال منه على عدم رفع اليدين في غير الافتتاح، ولا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ الدالة على رفع اليدين في افتتاح الصلاة وعند الركوع، والرفع منه، وإذا قام من الركعتين (٥). ب- أنه لو قيل على ظاهر هذا الحديث وأنه لا ترفع الأيدي إلا المواضع السبعة المذكورة فليس فيه الرفع في تكبيرات العيدين، ورفع الأيدي في الاستسقاء، وفي الدعاء عند القنوت في الصلاة، وغير ذلك، مع أن الحنفية يقولون برفع اليدين فيها، فدل ذلك على أن الحصر المذكور في

стр. 779

بعض الروايات للحديث المذكور غير معتبر، وأنه لا يدل على عدم رفع اليدين في غير الافتتاح، فإن قال قائل: إن تكبيرات العيدين والاستسقاء، ونحو ذلك خرج عن الحصر المذكور بدليل، وهو الأحاديث الواردة في ذلك. قيل له: وكذلك رفع اليدين في الصلاة في غير الافتتاح خرج عن ذلك بدليل، وهو ما ورد في ذلك من الأحاديث (١). رابعاً: عن الأسود قال: (صليت مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة) (٢). فهذا كذلك يدل على عدم الرفع إلا في الافتتاح، وإلا لما تركه عمر ﵁ (٣). واعترض عليه: بأن عمر ﵁ كما روي عنه عدم الرفع، فكذلك روي عنه الرفع، وليس الاستدلال بأحد فعليه أولى من الآخر (٤).

стр. 780

دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أن المصلي يرفع يديه عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، والرفع منه، وكذلك إذا قام من الركعتين عند البعض- بأدلة منها ما يلي: أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: «سمع الله لمن حمده» ولا يفعل ذلك في السجود). ثانياً: عن نافع أن ابن عمر ﵄ كان (إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ (١). ثالثاً: عن مالك بن الحويرث ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما

стр. 781

أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك» (١). رابعاً: عن وائل بن حجر ﵁ أنه رأى النبي ﷺ «رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر حيال أذنيه، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: "سمع الله لمن حمده" رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه» (٢). خامساً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ : «أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شي ء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر». سادساً: عن أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة، قال: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فلمَ

стр. 782

فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعاً ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فأعرض، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذيَ بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقِرَّ كل عظم في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبر، فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحته على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصُبُّ رأسه ولا يُقنع، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى تحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقه الأيسر». قالوا: (صدقت، هكذا كان يصلى ﷺ (١).

стр. 783

والأحاديث في رفع اليدين كثيرة حتى قيل بتواترها، وأن عدد من رواها من الصحابة عن النبي ﷺ بلغ خمسين رجلاً (١). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن القول بأن رفع اليدين في الصلاة في غير الافتتاح منسوخ أو غير مشروع قول ضعيف، ومردود؛ لما يلي: أ- لأن ما استدلوا به على النسخ أمران: أحدهما: ما روي عن ابن عباس وابن الزبير-﵄

стр. 784

مرفوعاً، وهما صريحان في النسخ، إلا أنهما ليس لهما أصلاً، ولم يذكرا في أي كتاب من كتب الحديث؛ فالاستدلال بهما في غاية السقوط؛ لأنهما لا أصل لهما، والأحاديث الدالة على الرفع متواترة، مع صحة أسانيد كثير منها واستقامتها، فكيف ينسخ ما لا أصل له ما هو ثابت عن رسول الله في أحاديث كثيرة مع صحة أسانيدها (١). الأمر الثاني الذي استدلوا به على النسخ: هو أثر علي، وأثر ابن عمر ﵄ وهو أنهما رويا عن رسول الله ﷺ ما يدل على الرفع، ثم هما لم يرفعا، فدل ذلك على نسخ ما رويا. وهذا كذلك غير صحيح، وقد سبق ما يُرد به هذا الاستدلال، ويضاف إليه: بأن علي وابن عمر ﵄ روي عنهما الرفع وعدم ذلك، فالاستدلال من تركهما الرفع على النسخ على احتمال أنهما رويا الرفع وعملا به، ثم تبين لهما النسخ فتركا العمل بالرفع، لا دليل عليه؛ لأنه ليس فيما روي عنهما أن تركهما الرفع كان بعد ما كانا يرفعان، ولذلك للمعارض أن يعكس فيقول: ترك الرفع منسوخ بالرفع؛ لأن علي وابن عمر-﵄ كانا لا يرفعان قبل أن تقوم الحجة عندهما بلزوم الرفع، ثم لما ثبت عندهما ذلك رفعا أيديهما. وليس أحد الاحتمالين

стр. 785

أولى من الآخر؛ لعدم ما يدل عليه (١). ب- أن للمعارض أن يقول: إن ترك رفع اليدين في غير الافتتاح المروي في حديث ابن مسعود ﵁، وغيره، وكذلك ما روي من فعل علي وابن عمر، وغيرهما ﵃ من ترك الرفع منسوخ بأحاديث الرفع؛ لأن عدم الرفع في حديث ابن مسعود ﵁ كان في الابتداء قبل أن يشرع رفع اليدين؛ حيث ذكر معه التطبيق، وكان ذلك في ابتداء الإسلام، ثم صار التطبيق منسوخاً، وسُنّ رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه (٢). ج- أنه كيف يُقال بأن رفع اليدين منسوخ وقد رواه وائل بن حجر ﵁ من صلاة النبي ﷺ ، وهو إنما وفد على النبي ﷺ وصلى خلفه بعد فتح مكة (٣)، وكذلك رواه مالك بن الحويرث، وهو ممن صلى خلف النبي ﷺ في آخر عمره (٤). ثانياً: أن الراجح هو أن يرفع المصلي يديه عند الركوع وعند الرفع منه وإذا قام من الركعتين، وأن ذلك سنة من سنن الصلاة، وذلك لما يلي:

стр. 786

أ- لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك؛ حيث بلغت حد التواتر، مع صحتها، واستقامة أسانيدها (١). ب- ولأن الأحاديث الواردة والتي يُستدل منها على عدم الرفع، كلها لا تخلو من كلام، وضعفها أكثر أهل العلم بأحاديث النبي ﷺ ، مع تطرق الاحتمالات إليها، وهي بكل حال لا تقاوم الأحاديث الدالة على الرفع ولا تعارضها؛ لعدم تكافئها لها (٢). ج- ولأن على احتمال صحة تلك الأحاديث فإنه يمكن الجمع بينها وبين أحاديث الرفع؛ وذلك لأن هذه الأحاديث فيها أن النبي ﷺ رفع يديه أول مرة، كما فيها قول الراوي: أنه لم ير النبي ﷺ يرفع إلا في الافتتاح. أما أحاديث الرفع ففيها زيادة الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه، وبعد ما يقوم من الركعتين، كما فيها قول الراوي أنه رأى النبي ﷺ يرفع في هذه المواطن، والقول قول الشاهد، وكذلك من زاد، ولذا ترفع الأيدي في الافتتاح، وعند الركوع، والرفع منه، وبعد ما يقوم من الركعتين؛ عملاً بالأحاديث كلها (٣). ومع هذا كله فإنه لا تفسد صلاة من لم يرفعها في المواطن المختلف فيها؛ لاحتمال حديث ابن مسعود ﵁ وغيره، وحمل أكثر أهل العلم

стр. 787

أحاديث الرفع على السنية والاستحباب، لكن يكون صاحبه تاركاً للأفضل ولسنة من سنن الصلاة التي ثبتت عن النبي ﷺ ، وصح أسانيدها، وعمل بها أكثر أصحابه وكذلك التابعون لهم، ومن بعدهم من جمهور أهل العلم. والله أعلم.

стр. 788

المطلب الثاني: الجهر بالتسمية في الصلاة ذهب بعض أهل العلم منهم ابن الجوزي إلى أن الأحاديث الدالة على الجهر بالتسمية في الصلاة منسوخة بالأمر بإخفائها، لذلك لا يجهر المصلي بها في الصلاة (١). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة، إلا أن السبب الأصلي لاختلافهم هو اختلاف الآثار الواردة فيها، وهل هي آية من سورة الفاتحة أم لا (٢). ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي: أولاً: عن ابن عباس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم هزأ منه المشركون، وقالوا: محمد يذكر إله اليمامة، وكان مسيلمة (٣) يتسمى الرحمن، فلما نزلت هذه الآية (٤) أُمر رسول الله ﷺ أن

стр. 789

لا يجهر بها» (١). ثانياً: عن سعيد بن جبير قال: «كان رسول الله ﷺ يجهر ب "بسم الله الرحمن الرحيم" بمكة»، قال: وكان أهل مكة يدعون مسيلمة الرحمن، فقالوا: إن محمداً يدعو إلى إله اليمامة، «فأُمر رسول الله ﷺ فأخفاها فما جهر بها حتى مات» (٢).

стр. 790

وفي هذا دلالة على أن الأمر بالإخفاء كان بعد ما كان رسول الله ﷺ يجهر بها، فيكون ذلك ناسخا له (١). واعترض عليه: بأنه قد عارضه ما روي عن ابن عباس ﵁ قال: «أن رسول الله ﷺ لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم، حتى قبض» (٢). وأجيب: بأنه ضعيف، لا يقوي على معارضة حديث ابن عباس ﵁ السابق (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية على

стр. 791

قولين مشهورين: القول الأول: أنه لا يسن الجهر بالبسملة، بل يقرؤها سراً على كل حال. وهو قول الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وجمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم (٣)، وممن روي عنه عدم الجهر بها من الصحابة: أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعمار، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن المغفل، وعبد الله بن عباس ﵃ (٤). وبه قال الحسن، والشعبي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو عبيد، والأوزاعي، وابن المبارك، وإسحاق بن راهوية (٥). القول الثاني: أنه يستحب الجهر بها في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة.

стр. 792

وهو قول الشافعية (١)، وروي الجهر بها عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعن ابن عباس، وعبد الله بن الزبير-﵃، وعن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير. ونسبه النووي إلى أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم (٢). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو عدم الجهر بالبسملة في الصلاة- بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن أنس ﵁: «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة ب: "الحمد لله رب العالمين"» (٣). وفي رواية عنه ﵁ قال: «صليت خلف رسول الله ﷺ ، وخلف أبي بكر، وعمر، و عثمان، فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» (٤).

стр. 793

ثانياً: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك» (١). وهذا كذلك ظاهر في عدم الجهر بها (٢). ثالثاً: عن ابن عبد الله بن المغفل (٣) قال: كان عبد الله بن المغفل إذا

стр. 794

سمع أحدنا يقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم" يقول: «صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وخلف عمر-﵃ فما سمعت أحداً منهم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم» (١). وهذا الحديث أيضاً صريح في عدم الجهر بالتسمية (٢).

стр. 795

دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية- بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن نعيم المجمر (١) قال: صليت وراء أبي هريرة ﵁ فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى إذا بلغ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، فقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين، قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: (والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (٢).

стр. 796

فهذا يدل على جهر البسملة، وأن ذلك كان من صلاة رسول الله ﷺ (١). واعترض عليه: بأنه ليس صريحاً في الجهر، ثم إن أبا هريرة ﵁ وصف الصلاة وقال: (أنا أشبهكم)، فيحمل على معظم ذلك، وأن العموم قد يخصص بقرائن صحيحة (٢). ثانياً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (صلى معاوية ﵁ بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأها للسورة التي بعدها، ولم يكبر حين يهوي، حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان: يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ قال: فلم يصل بعد ذلك إلا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن وللسورة التي بعدها، وكبر حين يهوي ساجداً) (٣).

стр. 797

فهذا يدل على أنه يجهر بها (١). واعترض عليه: بأن أنس ﵁ روى عن النبي ﷺ عدم الجهر بها، وهو صحيح ثابت عنه، أما روايته من عدم الجهر بها فهو لا يقوى على معارضة تلك الرواية الصحيحة الثابتة (٢). ثالثاً: عن أنس ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» (٣).

стр. 798

ويعترض عليه ما اعترض على الحديث السابق المروي عن أنس (١). رابعاً: عن ابن عمر ﵁ قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر-﵄، (فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم) (٢). واعترض عليه: بأنه ضعيف لا تقوم به حجة (٣). وهناك روايات كثيرة-غير ما ذكر- يستدل منها على الجهر بالبسملة إلا أنها لا تخلو من ضعف (٤).

стр. 799

الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: أن الراجح هو عدم سنية الجهر بالتسمية في الصلاة، وذلك لما يلي: أ- لأن الأحاديث الدالة على عدم الجهر بها أقوي في الجملة وأصح، أما ما يستدل منها على الجهر بها فإما ليس بصحيح أو ليس بصريح في

стр. 800

الجهر بها. ب-ولأن الأحاديث التي يستدل منها على الجهر بالبسملة تحتمل أن الجهر بها كان للتعليم أو كما يتفق، كما حصل في غير البسملة (١). ثانياً: إن دعوي نسخ الجهر بالتسمية احتمال لكنه ضعيف؛ حيث إن الرواية الدالة على ذلك متكلم فيها، كما أن الأحاديث التي يستدل منها على الجهر بها لا تخلوا من ضعف في نفسه أو في الاستدلال به (٢). والله أعلم.

стр. 801

المطلب الثالث: التطبيق في الركوع ذهب جمهور أهل العلم (١)، منهم أصحاب المذاهب الأربعة (٢) إلى أن السنة للمصلى أن يضع يديه على ركبتيه في الركوع، ولا يطبق (٣) يديه؛ لأن ذلك كان أولاً ثم نسخ ونهي عنه. وممن صرح بنسخ ذلك: الترمذي (٤)، والنسائي (٥)، وابن خزيمة (٦)، والطحاوي (٧)، وابن حبان (٨)،

стр. 802

والدارقطني (١)، والقاضي عبد الوهاب (٢)، والبيهقي (٣)، والحازمي (٤)، ............ وابن قدامة (٥)، والنووي (٦). ويتبين منه ومما يأتي من أدلة الأقوال أن سبب الاختلاف راجع إلى شيئين: أحدهما القول بالنسخ، والثاني اختلاف الآثار الواردة في المسألة. أدلة من قال بالنسخ ويستدل للقول بأن السنة وضع اليدين على الركبتين في الركوع وأن التطبيق في الركوع منسوخ بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن مصعب بن سعد (٧) يقول: صليت إلى جنب أبي فطبقت

стр. 803

بين كفيَّ ثم وضعتهما بين فخذيَّ، فنهاني أبي وقال: «كنا نفعله فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب» (١). ثانياً: عن علقمة عن عبد الله قال: «علمنا رسول الله ﷺ الصلاة فقام فكبر، فلما أراد أن يركع طبق يديه بين ركبتيه، وركع» فبلغ ذلك سعداً فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بهذا-يعني الإمساك بالركب- (٢). ثالثاً: عن علقمة والأسود قالا: صلينا مع عبد الله، فلما ركع طبق كفيه، ووضعهما بين ركبتيه، وضرب أيدينا ففعلنا ذلك، ثم لقينا عمر بعد، فصلى بنا في بيته، فلما ركع طبقنا كفينا كما طبق عبد الله، ووضع عمر يديه على ركبتيه، فلما انصرف قال: ما هذا؟ فأخبرناه بفعل عبد الله، قال: (ذاك شيء كان يُفعل ثم تُرك) (٣).

стр. 804

رابعاً: حديث أبي حميد الساعدي ﵁ في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، وفيه: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذيَ بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقِرَّ كل عظم في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبر، فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحته على ركبتيه» (١). خامساً: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «إن الركب سُنّت لكم، فخذوا بالركب» (٢). فهذه الأدلة تدل على أن السنة هي الإمساك بالركب ووضع اليدين عليها، ثم حديث سعد وعمر-﵄ صريحان في أن التطبيق كان أولاً، ثم نسخ ذلك بوضع اليدين على الركبتين والإمساك بهما، وأن الإمساك بهما آخر الأمرين (٣).

стр. 805

القول الثاني في المسألة ذهب عبد الله بن مسعود ﵁ وبعض أصحابه إلى أن التطبيق هو السنة في الركوع (١). ويستدل له بما روى علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله ﵁، فقال: أصلى من خلفكم؟ قالا: نعم، فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: «هكذا فعل رسول الله ﷺ ) (٢). فهذا يدل على أن التطبيق في الركوع هو السنة (٣). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن السنة هو الأخذ بالركب؛ وذلك لكثرة الأحاديث الدالة على ذلك مع صحتها.

стр. 806

أما التطبيق فهو وإن ثبت عن رسول الله ﷺ إلا أن حديث سعد بن أبي وقاص وعمر بن الخطاب ﵄ صريحان في نسخ ذلك، وأن ذلك كان أولاً، ثم جاء الأمر بعد ذلك بوضع اليدين على الركب في الركوع، فلذلك لا يبقى له حكم، ولا يصح الاحتجاج به بعد ذلك. والله أعلم.

стр. 807

المطلب الرابع: القنوت في صلاة الفجر ذهب الزهري (١)، وبعض الحنفية (٢)، ومنهم الطحاوي (٣) إلى أن القنوت (٤) في الفجر وغيرها من المكتوبات منسوخ؛ لذلك لا يسن القنوت في شيء منها، سواء الفجر وغيرها. وذهب ابن شاهين إلى أن النهي عن القنوت منسوخ بالقنوت في الفجر، وأن القنوت في الفجر هو الناسخ لغيره (٥). ويتبين مما سبق ومما يأتي من أدلة الأقوال: أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة، كما أن اختلاف الأحاديث الواردة فيها سبب آخر للاختلاف فيها (٦).

стр. 808

دليل القول بنسخ القنوت في الفجر وغيرها من المكتوبات أولاً: عن ابن عمر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول: «اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً» بعد ما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) (١). ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ يقول: كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، ثم يقول وهو قائم: «اللهم انج الوليد بن الوليد (٢)، وسلمة بن هشام (٣)، وعياش بن أبي ربيعة (٤)، والمستضعفين من المؤمنين،

стр. 809

اللهم اشدد وطأتك (١) على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيانَ ورعلاً وذكوانَ وعُصَيَّةَ عصت الله ورسوله». ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) (٢). ثالثاً: عن عبد الرحمن بن أبي بكر (٣) ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة قال: «اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، و المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد

стр. 810

وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لَحْيانَ ورَعْلاً وذَكْوان وعُصيَّة عصت الله ورسوله» فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قال: (فما دعا رسول الله ﷺ بدعاء على أحد) (١). فهذه الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ قنت ثم ترك ذلك بعد ما نزلت هذه الآية فدل ذلك على نسخ القنوت؛ ولذلك لم يكن ابن عمر ﵁ يقنت بعد رسول الله ﷺ ، بل كان ينكر على من كان يقنت (٢). رابعاً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: «قنت النبي ﷺ شهراً يدعو على رَعْلٍ وذَكْوان» (٣). وفي رواية عنه ﵁ قال: «أن رسول الله ﷺ قنت شهراً يدعو على
следующие страницы →