رده وبيان ما هو الراجح.
ثانياً: أنه يجوز القنوت قبل الركوع وبعده، لما روى أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يقنت بعد الركعة وأبو بكر ﵁ وعمر ﵁ حتى كان عثمان ﵁ قنت قبل الركعة ليدرك الناس» (١).
وفي رواية عنه ﵁ أنه سُئل عن القنوت في صلاة الصبح فقال: (كنا نقنت قبل الركوع وبعده) (٢).
لكن الراجح في النوازل هو القنوت بعد الركوع؛ وذلك لأن
стр. 842
أكثر من نقل ذلك عن الصحابة ذكر أن النبي ﷺ فعله بعد الركوع، وقد سبق جملة من تلك الأحاديث في المسألة السابقة وفي التي قبلها.
أما القنوت في الوتر فالراجح أن محله قبل الركوع، وقد سبق ما يدل على ذلك في أدلة القول الأول، وهي أدلة بعضها صريح في ذلك، وهي بمجموعها تصلح للاحتجاج بها.
أما أدلة القول الثاني في القنوت في الوتر بعد الركوع فقد سبق عند تخريجها ما يدل على أنها لا تصلح للاحتجاج بها، ولا تقوى على معارضة أدلة القول الأول الدالة على أن القنوت في الوتر قبل الركوع.
والله أعلم.
стр. 843
المطلب السابع: وضع اليدين قَبْلَ الركبتين عند السجود
ذهب بعض أهل العلم (١) ومنهم ابن خزيمة (٢)، والماوردي (٣)، وابن قدامة (٤)، إلى أن الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين عند السجود منسوخ، وأن وضع الركبتين قبل اليدين ناسخ له.
وذهب ابن حزم إلى عكس ذلك؛ حيث قال بوجوب وضع اليدين إذا سجد قبل الركبتين، وأن الحديث الدال على ذلك ناسخ لما خالفه (٥).
стр. 844
وتبين منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب اختلاف الفقهاء فيها، إلا أن السبب الأصلي لاختلافهم فيها هو اختلاف الآثار الواردة فيها (١).
ويستدل لمن قال بنسخ وضع اليدين قبل الركبتين إذا سجد بما يلي:
أولاً: عن وائل بن حجر ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (٢).
стр. 845
ثانياً: عن أنس ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ كبر حتى حاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى استقر كل مفصل منه في موضعه، ثم رفع رأسه حتى استقر كل مفصل منه في موضعه، ثم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه» (١).
стр. 846
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا سجد أحدكم فليبتدئ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل» (١).
رابعاً: عن سعد بن أبي قاص ﵁ قال: (كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأُمرنا بالركبتين قبل اليدين) (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على وضع الركبتين قبل اليدين، ثم حديث سعد ﵁ يدل على أن الأمر بوضع الركبتين قبل اليدين متأخر عن الأحاديث الدالة على وضع اليدين قبل
стр. 847
الركبتين، فتكون هذه الأحاديث ناسخة لما يدل على وضع اليدين قبل الركبتين (١).
واعترض عليه: بأن حديث سعد ﵁ حديث ضعيف؛ لذلك لا يصح الاستدلال منه على النسخ (٢).
دليل من قال بنسخ وضع الركبتين قبل اليدين عند السجود
واستدل على ذلك بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» (٣).
стр. 848
ويستدل منه على النسخ: بأنه يدل على وضع اليدين قبل الركبتين، ثم هذا الحديث وارد بشرع زائد، فيكون ناسخاً لإباحة وضع الركبتين قبل اليدين عند السجود والتي يدل عليها بعض الأحاديث (١).
واعترض عليه: بأنه لا يصح منه الاستدلال على النسخ؛ لأنه لا يوجد دليل على أن هذا الحديث متأخر عن الأحاديث الدالة على وضع الركبتين قبل اليدين، بل مع تلك الأحاديث ما يدل على تأخرها كرواية سعد ﵁ السابق، وأن وائل بن حجر ﵁ وهو أحد من رُوي عنه الحديث الدال على وضع الركبتين قبل اليدين- وفد إلى رسول الله ﷺ بعد فتح مكة، وأبو هريرة ﵁ وهو الراوي لحديث الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين- أسلم سنة سبع قبل الفتح (٢).
هذا كان قول من قال النسخ، ودليله.
أما جمهور أهل العلم فقالوا بجواز وضع الركبتين قبل اليدين إذا سجد، وعكسه (٣)، لكنهم اختلفوا في الأفضل منهما على قولين:
القول الأول: أن الأفضل والمستحب هو وضع الركبتين قبل اليدين.
وهو قول الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، ...............................................
والحنابلة (٦)، وجمهور أهل
стр. 849
العلم (١)، وممن روي عنه ذلك وقال به: عمر ﵁، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهوية، وابن المنذر (٢).
القول الثاني: أن الأفضل والمستحب هو وضع اليدين قبل الركبتين.
وهو قول المالكية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، وبه قال الأوزاعي (٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن المستحب تقديم الركبتين على اليدين إذا سجد- بالأدلة التي سبق ذكرها في دليل قول من قال بنسخ وضع اليدين قبل الركبتين؛ حيث إنها تدل على وضع الركبتين قبل اليدين، لكن لوجود حديث معارض لها يكون الأفضل وضع الركبتين قبل اليدين، مع جواز العمل بالحديث المعارض له، وبذلك يجمع بين هذه الأحاديث كلها (٦).
стр. 850
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن الأفضل وضع اليدين قبل الركبتين إذا سجد-بما يلي:
أولاً: ما سبق في دليل قول من قال بنسخ ما يدل على وضع الركبتين قبل اليدين من حديث أبي هريرة ﵁.
ثانياً: عن ابن عمر ﵁ أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: «كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك» (١).
стр. 851
وهما يدلان على تقديم اليدين على الركبتين عند السجود (١).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن القول بنسخ ما يدل على تقديم اليدين على الركبتين عند السجود ضعيف؛ لأن الحديث الدال على ذلك- مع أنه صريح في الدلالة على النسخ- ضعيف لذلك فهو لا يقوى على معارضة ما يخالفه (٢).
كما أن القول بنسخ ما يدل على وضع الركبتين قبل اليدين ليس عليه أي دليل، وهو أضعف من قول من قال بعكسه (٣).
ثانياً: أن الأحاديث الدالة على تقديم الركبتين على اليدين عند الهوي إلى السجود لم يسلم أي واحد منها عن الكلام فيه، إلا أنها بمجموعها يدل على أن لها أصلاً، وقد صحح بعضها بعض أهل العلم (٤).
لكنها صريحة في الدلالة على تقديم الركبتين على اليدين عند السجود، وأن ذلك من صفة صلاة النبي ﷺ ، ولا تحتمل غير ذلك.
ثالثاً: إن الأحاديث التي يُستدل منها على تقديم اليدين على الركبتين عند الهوي إلى السجود أصح، وأقوى إسناداً من الأحاديث التي
стр. 852
يستدل منها على تقديم الركبتين على اليدين (١).
ثم هما حديثان كما سبق:
أحدهما: حديث أبي هريرة ﵁، وهو يشتمل على جملتين: نهي (فلا يبرك كما يبرك البعير)، وأمر (وليضع يديه قبل ركبتيه).
وقد اختلفوا في معنى هذا النهي:
فذهب بعضهم إلى أن معناه: أن البعير عند البروك يضع يديه أولاً، ورجلاه قائمتين، وإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولاً، وتبقى يداه على الأرض، وهذا هو الذي نهي عنه ﷺ وفعل خلافه؛ حيث كان يقع منه أول ما يقع على الأرض الأقرب منها فالأقرب، وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى (٢).
فيكون معنى هذا النهي: النهي عن وضع اليدين قبل الركبتين كما يفعل البعير، وعلى هذا فيكون معنى هذا الحديث موافقة لمعنى حديث وائل بن حجر ﵁ وهو تقديم الركبتين على اليدين عند الهويّ إلى السجود.
قالوا: ولو كان المقصود من الحديث تقديم اليدين على الركبتين لقال: (فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير) لكن بين اللفظين فرقاً، فإن النهي في قوله: (كما يبرك البعير) نهي عن الكيفية وليس المراد النهي عن البروك على ما يبرك عليه البعير وإلا لقال: (فلا يبرك على ما يبرك عليه
стр. 853
البعير) ولكان نهياً على ما يسجد عليه (١).
قالوا وعلى هذا المعنى فالجملة الثانية وهي: (وليضع يديه قبل ركبتيه) مما انقلب على بعض الرواة أصله ومتنه، ولعله: (وليضع ركبتيه قبل يديه)، وقد روي عن أبي هريرة ﵁ كذلك ففي رواية عنه مرفوعاً: (إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل) (٢).
فيكون الحديث على هذا المعنى موافقاً لحديث وائل بن حجر لا مخالفاً، ويكون دليلاً للقول الأول لا للثاني (٣).
فهذا احتمال يتطرق إلى هذا الحديث.
والاحتمال الآخر وهو ما استدل منه أصحاب القول الثاني، هو أن معنى قوله: (فلا يبرك كما يبرك البعير) النهي عن بروك كبروكه، وهو أن البعير إذا برك فأول ما يقع منه على الأرض ركبتاه اللتان في يديه، فيقتضي ذلك أن لا يخر المصلى على ركبتيه، بل عليه أن يتلقى الأرض بكفيه، وبذلك يكون الشطر الأول من الحديث متفقاً مع الشطر الثاني (وليضع يديه قبل ركبتيه)، ويكون المصلي بذلك مخالفاً لما يفعله البعير عند بروكه (٤).
الحديث الثاني هو حديث ابن عمر ﵁، وهو صحيح إلا أنه مختلف
стр. 854
في رفعه ووقفه، ورجح ابن المنذر والبيهقي الوقف (١)، ثم روي عن نافع عن ابن عمر (أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه) (٢).
فتبين مما سبق أن أدلة القول الأول صريحة فيما يراد بها، إلا أن فيها ضعفاً، لكن هي بمجموعها تصلح للاحتجاج بها وتفيد أن لها أصلاً (٣)، ويدعمها عمل بعض الصحابة كعمر
وابن مسعود ﵃ (٤).
أما أدلة القول الثاني فهي أصح وأقوى إسناداً، إلا أنها يتطرق إليها من الاحتمالات ما يضعف الاستدلال بها (٥).
لذلك يكون العمل بالطريقتين جائزاً، وما قاله أصحاب القول الأول راجحاً.
والله أعلم.
стр. 855
المطلب الثامن: الإقعاء في الصلاة
ذهب الخطابي (١)، والماوردي (٢) إلى أن الإقعاء (٣) في الصلاة منسوخ، ومنهي عنه.
والقول بالنسخ في المسألة أحد أسباب الاختلاف عند القائلين به، لكن السبب الأصلي لاختلاف الفقهاء فيها هو اختلاف الآثار الواردة فيها، واختلافهم في المراد بالإقعاء (٤).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عائشة-﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع
стр. 856
لم يُشخِصْ رأسه ولم يُصَوِّبْه ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالساً، وكان يقول في كل ركعتين التَّحِيَّة، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة (١) الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُعِ، وكان يختم الصلاة بالتسليم) (٢).
ثانياً: عن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا علي أحب لك ما أحب لنفسي،
وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقع بين السجدتين» (٣).
وفي رواية عنه ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يا علي لا تقع إقعاء الكلب) (٤).
стр. 857
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: (أمرني رسول الله ﷺ بثلاث ونهاني عن ثلاث: أمرني بركعتي الضحى كل يوم، والوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب) (١).
رابعاً: عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى) (٢).
خامساً: حديث أبي حميد الساعدي ﵁ في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، وفيه: (ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في
стр. 858
الأخرى مثل ذلك» (١).
فهذه الأدلة تدل على أن السنة في الجلوس هو أن تنصب رجلك اليمنى، وتفرش اليسرى
وتجلس عليها، كما أن فيها النهي عن الإقعاء، فيمكن أن يكون حديث ابن عباس ﵁ الذي يدل على سنية الإقعاء منسوخاً بهذه الأدلة، ولعل ابن عباس ﵁ لم يبلغه النهي (٢).
واعترض عليه: بأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث وعلم التاريخ، وهنا لا يُعلم المتأخر من المتقدم، ثم الجمع بينها ممكن، وذلك بحمل الأحاديث الدالة على النهي على الإقعاء الذي هو أن يضع أليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه، وحمل ما يدل على سنية الإقعاء على الإقعاء الذي هو أن يضع أليتيه على عقبيه وتكون ركبتاه في الأرض، فكلاهما إقعاء لكن أحدهما جائز والآخر مكروه (٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
ولا خلاف بين أهل العلم في عدم جواز الإقعاء الذي فُسر بأن يجلس الرجل على أليتيه ناصباً فخذيه مثل إقعاء الكلب (٤)، واختلفوا في
стр. 859
الإقعاء الذي هو أن ينصب القدمين ويجلس على العقبين على قولين:
القول الأول: يكره الإقعاء في الصلاة.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول أكثر أهل العلم (٥).
القول الثاني: أنه لا بأس بالإقعاء بين السجدتين، وأنه من السنة.
وهو رواية عن الإمام الشافعي (٦)، وعن الإمام أحمد (٧)، وروي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير ﵃، وسالم، ونافع، وطاوس، وعطاء، ومجاهد (٨).
стр. 860
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو كراهة الإقعاء في الصلاة- بأدلة منها ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ؛ حيث جاء في بعضها صفة الجلوس بأن ينصب رجله اليمنى ويجلس على رجله اليسرى، وجاء في بعضها النهي عن الإقعاء، فدل ذلك على كراهة الإقعاء (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن نصب القدمين والجلوس على العقبين جائز وسنة- بما يلي:
أولاً: عن طاوس يقول: قلنا لابن عباس ﵁ في الإقعاء على القدمين فقال: «هي السنة» فقلنا له: إنا لنراه جفاء بالرجل، فقال ابن عباس: «بل هي سنة نبيك ﷺ ) (٢).
ثانياً: عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه إذا سجد حين يرفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول: «إنه من السنة» (٣).
ثالثاً: عن طاوس سمع ابن عباس يقول: «من السنة أن يمس عقبيك
стр. 861
إليتيك» قال طاوس: (ورأيت العبادلة الثلاثة يقعون، ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير-﵃) (١).
فهذه الأدلة تدل على أن الإقعاء على القدمين بين السجدتين سنة كالافتراش (٢).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، والأدلة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولاً: إن ادعاء نسخ الإقعاء غير صحيح؛ لأن الأحاديث الواردة في النهي عن الإقعاء وفي سنيته لا يعلم المتأخر منه عن المتقدم، ثم الجمع بينهما ممكن كما سبق ذلك، فلذلك يكون القول بالنسخ مرجوحاً وغير صحيح (٣).
ثانياً: أن الراجح هو القول بأن الإقعاء بين السجدتين سنة كالافتراش، وهو أن ينصب القدمين ويجلس على العقبين مع كون الركبتين على الأرض، وذلك لما يلي:
стр. 862
أ-لأن النهي جاء عن إقعاء كإقعاء الكلب، وإقعاء الكلب هو أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض. فهذا هو المنهي عنه، وهو غير النوع الذي قيل بسنيته، لذلك لا يكون هذا النهي مشتملاً للنوع الذي قيل بسنيته (١).
ب- ولأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين الأحاديث، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكنا لا يصار إلى ترك بعضها ولا إلى النسخ (٢).
والله أعلم.
стр. 863
المبحث الرابع: سجودا السهو، والتلاوة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: عمد الكلام وسهوه في الصلاة.
المطلب الثاني: سجود السهو بعد السلام.
المطلب الثالث: السجدة في سورة النجم، والانشقاق، والعلق.
стр. 864
المطلب الأول: عمد الكلام وسهوه في الصلاة
أجمع أهل العلم على أن من تكلم عامداً في صلاته، وهو لا يريد إصلاح صلاته، أن صلاته فاسدة (١).
ولا خلاف بينهم في نسخ الكلام في الصلاة (٢).
لكنهم اختلفوا هل نُسخ عمد الكلام فقط أم نسخ عمده وسهوه؟
فذهب أكثر الحنفية (٣)، وبعض الحنابلة (٤): إلى نسخ الكلام مطلقاً أي سواء كان عمداً أم سهواً، قالوا: فمن تكلم فيها عمداً أم سهواً فسدت صلاته، وعليه أن يستأنفها.
وممن صرح بالنسخ: محمد بن الحسن (٥)، والطحاوي (٦)، والقاضي
стр. 865
أبو يعلى (١).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث أبي هريرة ﵁ الدال على عدم بطلان الصلاة بسهو الكلام ناسخ لبطلان الصلاة به في حديث ابن مسعود ﵁ دون عمده. فمن تكلم ساهياً في صلاته أو سلم ساهياً فإنه يبني على صلاته ويسجد للسهو، ولا يستأنفها.
وروي ذلك عن الإمام الشافعي (٢)، ............................................
والحميدي (٣)، وصرح به الحازمي، ونسبه إلى الإمام أحمد، وإسحاق وأكثر أهل الحجاز والشام (٤).
وكأنهم سلموا نسخ الكلام مطلقاً، ثم قالوا بنسخ النهي عن سهوه دون عمده.
ويتبين منه ومما يأتي من أدلة الأقوال: أن سبب اختلاف الفقهاء في المسألة أمران: القول بالنسخ، واختلاف الآثار الواردة فيها (٥).
стр. 866
الأدلة
ويستدل لمن قال بنسخ الكلام في الصلاة مطلقاً بأدلة منها ما يلي:
أولاً: عن عبد الله ﵁ أنه قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي (١) سلمنا عليه فلم يرد علينا، وقال: «إن في الصلاة شغلاً» (٢).
وفي رواية عنه ﵁ قال: كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه فلم يرد عليّ السلام، فأخذني ما قدُمَ وما حدُث، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة» فرد علي السلام (٣).
стр. 867
ثانياً: عن زيد بن أرقم (١) ﵁ قال: «كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام» (٢).
وفي رواية عنه ﵁ قال: «كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام» (٣).
ثالثاً: عن معاوية بن الحكم السلمي (٤) ﵁ قال: بينا أنا أصلي مع رسول
стр. 868
الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أُمَّياه، ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (١).
رابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة له فانطلقت، ثم رجعت وقد قضيتها، فأتيت النبي ﷺ فسلمت عليه، فلم يرد عليّ، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله ﷺ وجد عليًّ أَنّي أبطأت عليه، ثم سلمت عليه فلم يرد عليّ، فوقع في نفسي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فرد عليّ فقال: «إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي» وكان على راحلته متوجهاً إلى غير القبلة (٢).
خامساً: حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ وفيه: «أيها الناس، ما لكم
стр. 869
حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟ إنما التصفيق للنساء. من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله، إلا التفت» (١).
سادساً: عن عطاء بن أبي رباح (أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى بأصحابه الظهر أو العصر ركعتين، ثم سلم، فقيل له: إنك صليت ركعتين، قال: أكذلك؟ قالوا: نعم، فأعاد بهم الصلاة) (٢).
ويستدل من هذه الأدلة على نسخ الكلام في الصلاة مطلقاً بالوجوه الآتية:
أولاً: إن حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم ﵄ يدلان أن الكلام كان مباحاً في الصلاة، ثم جاء النهي عنه فنسخ به الإباحة السابقة، ثم هذا النهي ليس فيه تقييد الكلام بالعمد، فهو يشمل العمد والسهو، فيكون ذلك دالاً على نسخ مطلق الكلام أي سواء كان عمداً أم سهواً (٣).
ثانياً: إن قول النبي ﷺ في حديث معاوية بن الحكم السلمي: «إن هذه
стр. 870
الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» يفيد العموم، فيشمل عمد الكلام وسهوه، فيكون ذلك أيضاً دالاً على نسخ مطلق الكلام (١).
ثالثاً: إن حديث جابر ﵁ فيه أن رسول الله ﷺ لم يرد على جابر ﵁ السلام، وذكر ﷺ أنه منع من ذلك أنه كان يصلي، فدل ذلك على منع الكلام في الصلاة ونسخه، وإذا كان الصلاة يترك فيها رد السلام فغيره أحق أن يترك، وهو يشمل عمد الكلام وسهوه (٢).
رابعاً: إن حديث سهل بن سعد ﵁ فيه الأمر بالتسبيح عند حدوث ملمة ومن نابه شيء في صلاته، وهو بعد حديث أبي هريرة ﵁، إذ لو كان قبله لأنكر عليهم ترك المأمور به من التسبيح، ولكان القوم لا يخالفونه إلى الكلام مع علمهم بحظر الكلام والأمر بالتسبيح، ففيه دليل على أن الأمر بالتسبيح ناسخ لإباحة الكلام في الصلاة ومتأخر عنه (٣).
خامساً: إن النهي عن الكلام في الصلاة ونسخه جاء في المدينة؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤). مدنية باتفاق، وهو الأصل في نسخ الكلام في الصلاة (٥)، ثم هو بعد حديث أبي هريرة ﵁ الدال على عدم بطلان الصلاة
стр. 871
بسهو الكلام، فيكون ناسخاً له، ويدل على تأخر نسخ الكلام على حديث أبي هريرة ما يلي:
أ-أن في حديث أبي هريرة ﵁ أن ذو اليدين (١) كلم رسول الله ﷺ فقال: (أقصرت الصلاة أم نسيت)، وأبو هريرة أسلم بعد قتل ذي اليدين قاله ابن عمر ﵁ (٢)، وقال الزهري وغيره (٣): استشهد ذو اليدين ببدر. فهذا يدل أن أبا هريرة ﵁ لم يكن حاضراً في تلك الصلاة، وإنما أسلم بعد ذلك ورواه عن بعض الصحابة، وأن حديث نسخ الكلام في الصلاة كان بعد قصة ذي اليدين؛ لأن ممن روى إباحة الكلام في الصلاة: زيد بن أرقم وأبو سعيد-﵄ وهما إنما صحبا النبي ﷺ في المدينة، ثم أبو سعيد ﵁ في السن دون زيد بن أرقم، وهو يخبر أنه أدرك إباحة الكلام في الصلاة، فدل ذلك على تأخر نسخ الكلام في الصلاة على حديث أبي هريرة ﵁ (٤).
стр. 872
واعترض على هذا: بأن ألفاظ حديث أبي هريرة ﵁ تدل على أنه كان حاضراً في تلك الصلاة بنفسه (١)، وأن المقتول ببدر ليس ذو اليدين بل هو ذو الشمالين (٢).
واعترض على هذا الاعتراض: بأنهما إن كانا واحداً فقد قتل هو ببدر، فتكون القصة المذكورة في الحديث قبل إسلام أبي هريرة ﵁، لأنه أسلم بعد ذلك، وإن كانا اثنين فكذلك؛ لأن ذا الشمالين قتل ببدر، وهو المذكور في حديث أبي هريرة ﵁ كذلك، حيث روي عنه: (أن رسول الله ﷺ صلى يوماً، فسلم في ركعتين، ثم انصرف، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول الله أنقصت الصلاة أم نسيت) (٣).
стр. 873
فيكون الحديث في سهو رسول الله وكلامه في الصلاة قبل بدر، سواء كان المقتول ببدر ذو اليدين أم ذو الشمالين.
فإن قيل: إن الحديث على هذا السياق من رواية الزهري، وهو قد وهم فيه فذكر ذا الشمالين مكان ذي اليدين، وقال: إنه قتل ببدر؟ (١).
فيقال: لم ينفرد به الزهري حتى يقال أنه وهم فيه فقد تابعه على ذلك غيره (٢).
ب-يدل على أن حديث نسخ الكلام في الصلاة بعد حديث ذي اليدين ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قد كان مع رسول الله ﷺ في يوم ذي اليدين، ثم هو لما سها وصلى ركعتين وسلم وتكلم وأُخبر أنه صلى ركعتين، استأنف الصلاة، ولم يبن، فلو لم يكن نُسخ ذلك عنده لفعل كما فعل رسول الله ﷺ ولما استأنف الصلاة، فدل ذلك على ثبوت نسخ حديث ذي اليدين ﵁ وتقدمه على أحاديث نسخ الكلام (٣).
دليل من قال بأن حديث أبي هريرة ﵁ ناسخ لحديث ابن مسعود ﵁
стр. 874
وغيره في سهو الكلام دون عمده
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي- قال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا- قال: (فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد فقالوا: أقصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين، قال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: «لم أنس ولم تقصر»، فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟» فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر) (١).
ثانياً: عن عمران بن حصين ﵁ (أن رسول الله ﷺ صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله فذكر له صنيعه وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: «أصدق هذا؟» قالوا: نعم. فصلى ركعة ثم سلم،
стр. 875
ثم سجد سجدتين ثم سلم) (١).
ثالثاً: حديث معاوية بن الحكم السلمي، وقد سبق ذكره في دليل القول السابق.
ويستدل منها على النسخ: بأن النهي عن الكلام مطلقاً في الصلاة، ونسخه كان في مكة قبل الهجرة، أو في بداية الهجرة قبل غزوة بدر، وحديث أبي هريرة ﵁ ومعاوية بن الحكم متأخر عنه؛ لأن أبا هريرة ﵁ أسلم سنة سبع بعد خيبر، وفي حديث معاوية بن الحكم أنه تكلم في الصلاة سهواً، وكان ذلك كذلك بعد نسخ الكلام في الصلاة، فثبت من ذلك أن حديث أبي هريرة ﵁ وعمران بن الحصين ومعاوية بن الحكم بعد حديث ابن مسعود ﵁ وغيره في نسخ الكلام، فيكون ذلك ناسخاً لعمومه في سهو الكلام دون عمده (٢).
واعترض عليه: بان القول بأن حديث أبي هريرة ﵁ بعد حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره في نسخ الكلام معارض بعكسه، وهو إن لم يكن أقوى فليس بأضعف منه، ثم هذا الاستدلال على النسخ مبني على تأخر إسلام الراوي، وقد ذكر أهل العلم أن التاريخ لا يعلم بتقدم أو تأخر إسلام الراوي، وأنه ليس دليلاً على النسخ (٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
стр. 876
وقد اختلف أهل العلم في الكلام في الصلاة هل يفسدها مطلقاً أم لا، على ثلاثة أقوال مشهورة:
القول الأول: أن الكلام في الصلاة مفسد لها مطلقاً، فمن تكلم فيها عمداً أو سهوًا فعليه أن يستأنف الصلاة.
وهو قول الحنفية (١)، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض أصحابه (٢)، وروي ذلك عن إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن، وقتادة، وحماد بن أبي سلميان، وسفيان الثوري (٣).
القول الثاني: أن الصلاة لا يفسدها سهو الكلام، وكذلك عمده إن كان لإصلاح الصلاة.
وهو مذهب المالكية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥).
القول الثالث: أن عمد الكلام يبطل الصلاة دون السهو، والنسيان.
стр. 877
وهو قول الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢). ورُوي نحو ذلك عن: ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس-﵃، وعروة، وإسحاق، وأبي ثور (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو بطلان الصلاة بسهو الكلام وعمده- بالأدلة التي أُستدل بها للقول بنسخ الكلام في الصلاة مطلقاً.
ووجه الاستدلال منها: أنها تدل على منع الكلام في الصلاة مطلقاً من غير فصل بين العمد والنسيان (٤).
واعترض عليه: بأن هذه الأدلة وإن كانت مطلقة إلا أن فعل الرسول ﷺ في حديث
ذي اليدين، وتقريره لمعاوية بن الحكم السلمي وعدم الأمر له بالإعادة يقيده بالعمد، دون السهو والنسيان (٥).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن الصلاة يبطلها عمد الكلام دون سهوه وما كان لإصلاح الصلاة- بأدلة منها ما
стр. 878
يلي:
أولاً: ما سبق ذكره من حديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن الحكم السلمي ﵃.
ثانياً: عن عبد الله ﵁ قال: صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليت كذا و كذا، فثنى رجله واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم يسلم ثم يسجد سجدتين» (١).
فهذه الأدلة تدل على أن الكلام سهواً أو لمصلحة الصلاة لا يفسدها، لذلك بنى رسول الله ﷺ على صلاته، ولم يأمر معاوية بن الحكم بإعادة صلاته (٢).
واعترض عليه: بأن هذه الأدلة تحتمل أن تكون بعضها قبل النهي عن
стр. 879
الكلام في الصلاة، وبعضها عن جهل، وقد نُهي عن الكلام مطلقاً، وبين النبي ﷺ ما به التذكير عند النسيان أو عندما ينوب شيء في الصلاة (١)؛ حيث قال: «من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله، إلا التفت» (٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن الصلاة يفسدها عمد الكلام دون سهوه- بنفس أدلة القول الثاني.
ووجه الاستدلال منها: أن تلك الأدلة تدل على أن الكلام في الصلاة إذا كان سهواً لا يفسدها، وإلا لما بنى رسول الله ﷺ على صلاته، ولأمر معاوية بن الحكم بإعادة صلاته لما تكلم جاهلاً، والجاهل في حكم الناسي، لذلك لم يأمره بإعادة صلاته (٣).
ويعترض عليه بما اعترض على وجه استدلال القول الثاني.
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: أن الكلام في الصلاة نسخ بالمدينة وبعد الهجرة، ويدل عليه ما يلي:
стр. 880
أ-أن الآية التي هي الأصل في نسخ الكلام في الصلاة، وهي قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١). نزلت بالمدنية وبعد الهجرة بالاتفاق، حتى قيل: إنها نزلت عام الخندق (٢).
ب-ولأن قول زيد بن أرقم ﵁: (كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه) (٣). يدل كذلك على أن نسخ الكلام في الصلاة والنهي عنه كان بعد الهجرة؛ لأن زيد بن أرقم إنما صحب رسول الله ﷺ وصلى خلفه بعد الهجرة، بل كان من صغار الأنصار؛ حيث استصغر يوم أحد، وأول مشاهده الخندق، وهو يحكي أنه أدرك إباحة الكلام في الصلاة فدل ذلك على أن الكلام إنما نسخ بعد الهجرة (٤).
ج- أن في بعض روايات حديث ابن مسعود ﵁ ما يدل على أن النهي عن الكلام كان بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥). وأن ذلك كان بعد الهجرة، ومن هذه الروايات:
١ - عن عبد الله ﵁ قال: كنت آتي النبي ﷺ وهو يصلي، فأسلم عليه