وقد اختلف أهل العلم في الكلام في الصلاة هل يفسدها مطلقاً أم لا، على ثلاثة أقوال مشهورة:
القول الأول: أن الكلام في الصلاة مفسد لها مطلقاً، فمن تكلم فيها عمداً أو سهوًا فعليه أن يستأنف الصلاة.
وهو قول الحنفية (١)، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض أصحابه (٢)، وروي ذلك عن إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن، وقتادة، وحماد بن أبي سلميان، وسفيان الثوري (٣).
القول الثاني: أن الصلاة لا يفسدها سهو الكلام، وكذلك عمده إن كان لإصلاح الصلاة.
وهو مذهب المالكية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥).
القول الثالث: أن عمد الكلام يبطل الصلاة دون السهو، والنسيان.
стр. 877
وهو قول الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢). ورُوي نحو ذلك عن: ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس-﵃، وعروة، وإسحاق، وأبي ثور (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو بطلان الصلاة بسهو الكلام وعمده- بالأدلة التي أُستدل بها للقول بنسخ الكلام في الصلاة مطلقاً.
ووجه الاستدلال منها: أنها تدل على منع الكلام في الصلاة مطلقاً من غير فصل بين العمد والنسيان (٤).
واعترض عليه: بأن هذه الأدلة وإن كانت مطلقة إلا أن فعل الرسول ﷺ في حديث
ذي اليدين، وتقريره لمعاوية بن الحكم السلمي وعدم الأمر له بالإعادة يقيده بالعمد، دون السهو والنسيان (٥).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن الصلاة يبطلها عمد الكلام دون سهوه وما كان لإصلاح الصلاة- بأدلة منها ما
стр. 878
يلي:
أولاً: ما سبق ذكره من حديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن الحكم السلمي ﵃.
ثانياً: عن عبد الله ﵁ قال: صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليت كذا و كذا، فثنى رجله واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم يسلم ثم يسجد سجدتين» (١).
فهذه الأدلة تدل على أن الكلام سهواً أو لمصلحة الصلاة لا يفسدها، لذلك بنى رسول الله ﷺ على صلاته، ولم يأمر معاوية بن الحكم بإعادة صلاته (٢).
واعترض عليه: بأن هذه الأدلة تحتمل أن تكون بعضها قبل النهي عن
стр. 879
الكلام في الصلاة، وبعضها عن جهل، وقد نُهي عن الكلام مطلقاً، وبين النبي ﷺ ما به التذكير عند النسيان أو عندما ينوب شيء في الصلاة (١)؛ حيث قال: «من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله، إلا التفت» (٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن الصلاة يفسدها عمد الكلام دون سهوه- بنفس أدلة القول الثاني.
ووجه الاستدلال منها: أن تلك الأدلة تدل على أن الكلام في الصلاة إذا كان سهواً لا يفسدها، وإلا لما بنى رسول الله ﷺ على صلاته، ولأمر معاوية بن الحكم بإعادة صلاته لما تكلم جاهلاً، والجاهل في حكم الناسي، لذلك لم يأمره بإعادة صلاته (٣).
ويعترض عليه بما اعترض على وجه استدلال القول الثاني.
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: أن الكلام في الصلاة نسخ بالمدينة وبعد الهجرة، ويدل عليه ما يلي:
стр. 880
أ-أن الآية التي هي الأصل في نسخ الكلام في الصلاة، وهي قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١). نزلت بالمدنية وبعد الهجرة بالاتفاق، حتى قيل: إنها نزلت عام الخندق (٢).
ب-ولأن قول زيد بن أرقم ﵁: (كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه) (٣). يدل كذلك على أن نسخ الكلام في الصلاة والنهي عنه كان بعد الهجرة؛ لأن زيد بن أرقم إنما صحب رسول الله ﷺ وصلى خلفه بعد الهجرة، بل كان من صغار الأنصار؛ حيث استصغر يوم أحد، وأول مشاهده الخندق، وهو يحكي أنه أدرك إباحة الكلام في الصلاة فدل ذلك على أن الكلام إنما نسخ بعد الهجرة (٤).
ج- أن في بعض روايات حديث ابن مسعود ﵁ ما يدل على أن النهي عن الكلام كان بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥). وأن ذلك كان بعد الهجرة، ومن هذه الروايات:
١ - عن عبد الله ﵁ قال: كنت آتي النبي ﷺ وهو يصلي، فأسلم عليه
стр. 881
فيرد علي، فأتيته فسلمت عليه وهو يصلي، فلم يرد عليّ، فلما سلم أشار إلى القوم فقال: «إن الله -يعني- أحدث في الصلاة، أن لا تكلموا إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين» (١).
فهذا يدل على أن النهى عن الكلام في الصلاة كان بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وقد سبق أن هذه الآية مدنية بلا خلاف، ومتأخرة النزول.
٢ - عن حميد الحميري، عمن يرضى به أن النبي ﷺ لما رجعت مهاجرة الحبش نزع عن ذلك، فكان يسلم عليه في الصلاة فلا يرد، فقيل له: قد كنت يا نبي الله ترد وأنت بمكة في الصلاة، قال: «إن في الصلاة شغلاً» (٢).
فهذا يدل على أن النبي ﷺ كان يرد السلام بمكة، وبعد الهجرة نسخ ذلك فكان لا يرد.
ثانياً: إن الأدلة التي استدل بها من قال بالنسخ مطلقة وعامة تشمل جميع أنواع الكلام؛ حيث إنها ليس فيها ما يدل على الفرق بين العمد والسهو والنسيان (٣).
стр. 882
ثالثاً: إن حديث ذي اليدين يحتمل أن يكون قبل نسخ الكلام في الصلاة، فيكون منسوخاً بأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة كما زعمت الحنفية (١).
ويحتمل أن يكون بعده، فيكون مخصصاً لأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة، كما
زعمت الشافعية (٢).
رابعاً: أن حديث ذي اليدين قبل أمر النبي ﷺ بالتسبيح لمن من نابه شيء في صلاته، وقبل قوله: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني» (٣)؛ لأنه لو كان قبلهما لذكَّروه، ولسبحوا له حتى يتذكر، وينتبه، وإذ لم يفعلوا ذلك دل أنه قبلهما (٤).
خامساً: إن حديث (من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله) أصل في التنبيه والتذكير لكل من نابه شيء في صلاته، سواء كان إماماً أو غيره، وبذلك يكون هو وحديث: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (٥)، متوافقان، ولذلك يظهر- والله أعلم- أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، سواء كان عمداً
стр. 883
أم غيره، وأن من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه إذا سبح التفت إليه، وتذكر.
ومع هذا كله لو نسي شخص وسلم قبل تمام صلاته، ثم تذكره من قريب، أو كان إماماً فأخبره أحد المأمومين بذلك فله أن يبني على صلاته، ويسجد للسهو؛ وذلك لظاهر حديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم ﵃، وعدم وجود ما يصرح على أن النهي عن الكلام في الصلاة كان بعد تلك الأحاديث.
والله أعلم.
стр. 884
المطلب الثاني: سجود السهو بعد السلام
ذهب بعض أهل العلم (١)، ومنهم الإمام الشافعي (٢) إلى أن سجود السهو كله قبل السلام، سواء كان لزيادة أو نقصان، وأنه ناسخ لأحاديث سجود السهو بعد السلام، وأنه آخر الأمرين من فعل النبي ﷺ .
ويتبين منه ومما يأتي من أدلة الأقوال أن سبب الاختلاف في المسألة أمران: القول بالنسخ، واختلاف الآثار الواردة فيها (٣).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عبد الله ابن بحينة (٤) ﵁ «أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم» (٥).
стр. 885
ثانياً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً (١) للشيطان» (٢).
ثالثاً: عن عبد الرحمن بن عوف (٣) ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو اثنين فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثاً فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثاً صلى أو أربعاً فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم» (٤).
стр. 886
رابعاً: عن يوسف (١) أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ صلى بهم، فقام وعليه جلوس فلم يجلس، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل أن يسلم، وقال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع» (٢).
стр. 887
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على أن سجود السهو كله قبل السلام؛ حيث إن حديث عبد الله ابن بحينة، وحديث معاوية ﵄ يدلان على السجود قبل السلام في النقصان، وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ وعبد الرحمن بن عوف-﵄-يدلان على السجود قبل السلام في الزيادة، ثم إن معاوية ﵁ قد صحب النبي ﷺ بعد فتح مكة، وهو يحدث أن النبي ﷺ سجد قبل السلام، فيدل ذلك على أن السجود قبل السلام هو آخر الأمرين، وأنه الناسخ لما يدل على السجود بعد السلام، ويؤكد ذلك ما روي عن الزهري أنه قال: (سجد رسول الله ﷺ سجدتي السهو قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين بعد السلام) (١)، فثبت بذلك أن سجود السهو كله قبل السلام، سواء كان للزيادة أم للنقصان، وأنه آخر الأمرين (٢).
واعترض عليه: بأن حديث معاوية ﵁ لا يصح الاستدلال منه على النسخ؛ لأن في سنده كلام، ثم روى عنه السجود بعد السلام (٣)، وعلى تقدير صحته وسجوده قبل السلام فإن قوله: (هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع)
стр. 888
يحتمل أن يكون المراد به أن من ترك الجلوس الأول في الصلاة وقام فإنه يستمر في القيام ولا يعود إلى الجلوس، ويسجد سجدتين للسهو، وهذا مروي عن النبي ﷺ في حديث المغيرة بن شعبة (١)، فيكون حديث معاوية ﵁ في معنى ذلك، ولا يكون المراد به خصوص السجدتين قبل السلام (٢).
ثم هذا الاستدلال على النسخ مبني على تأخر إسلام الراوي، وقد ذكر أهل العلم أن التاريخ لا يعلم بتقدم أو تأخر إسلام الراوي، وأنه ليس دليلاً على النسخ (٣).
أما حديث الزهري ففيه دلالة على النسخ، لكن فيه ضعف وانقطاع، فلا يقع معارضاً للأحاديث الصحيحة الثابتة ولا ينسخها (٤).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز سجود السهو قبل السلام وبعده (٥)، ولكنهم اختلفوا في الأفضل منهما على خمسة أقوال مشهورة:
القول الأول: أن سجود السهو محله بعد السلام، سواء كان للزيادة
стр. 889
أو للنقصان.
وهو مذهب الحنفية (١)، وروي نحو ذلك عن علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عباس، وابن الزبير، ﵃ والحسن، وإبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح (٢).
القول الثاني: أن السجود إن كان لنقصان كان قبل السلام، وإن كان لزيادة كان بعد السلام.
وهو مذهب المالكية (٣)، وقول للإمام الشافعي (٤)، وقول للإمام أحمد (٥)، وقول أبي ثور (٦).
القول الثالث: أن محل سجود السهو كله قبل السلام، سواء كان لزيادة أو نقصان.
وهو مذهب الشافعية (٧)، ورواية عن الإمام أحمد (٨)، وروي نحو ذلك
стр. 890
عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، ومعاوية ﵃ وسعيد بن المسيب، ومكحول، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، والأوزاعي، والليث بن سعد (١).
القول الرابع: أن السجود كله قبل السلام، إلا في السلام قبل إتمام الصلاة، وفيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه، فيسجد بعد السلام.
وهو مذهب الحنابلة (٢).
القول الخامس: أن سجود السهو كله بعد السلام، إلا في موضعين فإن الساهي مخير فيهما بين أن يسجدهما قبل السلام أو بعده، أحدهما: من سها فقام من ركعتين، ولم يجلس. وثانيهما: إذا لم يدر المصلي أصلى ركعة أو ركعتين، أو صلى ثلاثاً أو أربعاً.
وهو قول الظاهرية، ومنهم ابن حزم (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن سجود السهو كله بعد السلام- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: حديث أبي هريرة ﵁ في قصة ذي اليدين وفيه: فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟» فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم ثم كبر وسجد
стр. 891
مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر) (١).
ثانياً: عن عبد الله ﵁ قال: صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجله واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم يسلم ثم يسجد سجدتين» (٢).
ثالثاً: عن عمران بن حصين ﵁ (أن رسول الله ﷺ صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله فذكر له صنيعه وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: «أصدق هذا؟» قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم) (٣).
رابعاً: عن زياد بن علاقة (٤) قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فنهض في
стр. 892
الركعتين، قلنا: سبحان الله، قال: سبحان الله، ومضى فلما أتم صلاته وسلم، سجد سجدتي السهو، فلما انصرف قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصنع كما صنعت» (١).
خامساً: عن عبد الله بن جعفر (٢) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من شك في صلاته
فليسجد سجدتين بعد ما يسلم» (٣).
стр. 893
سادساً: عن ثوبان (١) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم» (٢).
ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأدلة تدل على أن سجود السهو بعد السلام، وكان السجود في بعضها لزيادة كحديث أبي هريرة وعبد الله بن مسعود ﵄ كما كان السجود في بعضها الآخر للنقصان كحديث المغيرة بن شعبة ﵁، وحديث ثوبان ﵁ يدل على أن لكل سهو
стр. 894
سجدتان بعد ما يسلم، سواء كان لزيادة أو نقصان، فثب بذلك أن سجود السهو كله بعد السلام (١).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث تدل على أن سجود السهو بعد السلام، لكن هناك أحاديث صحيحة كذلك تدل على أن سجود السهو قبل السلام، وقد سبق ذكر بعضها في دليل القول بالنسخ، وليس القول ببعضها أولى من القول بالبعض الآخر.
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن السجود إن كان لنقصان كان قبل السلام، وإن كان لزيادة كان بعد السلام- بأدلة منها: حديث عبد الله ابن بحينة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وعمران بن حصين ﵃، وقد سبق ذكر بعضها في دليل القول بالنسخ، وبعضها في دليل القول الأول.
ووجه الاستدلال منها هو: أن حديث عبد الله ابن بحينة، ومعاوية بن أبي سفيان-﵄ كان فيهما السجود لنقص فكان قبل السلام، وحديث أبي هريرة، وعبد الله بن مسعود، وعمران بن حصين ﵃ كان فيها السجود لزيادة فكان بعد السلام، فثبت منه أن السجود إذا كان لزيادة فيكون بعد السلام، وإذا كان لنقصان فيكون قبل السلام، وبذلك
стр. 895
يجمع بين هذه الأخبار كلها (١).
واعترض عليه: بأنه قد جاء عكس هذا القول في بعض الأحاديث؛ حيث إن حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فيه السجود قبل السلام، والسجود فيه للزيادة، وحديث المغيرة بن شعبة ﵁ فيه السجود بعد السلام، والسجود فيه للنقصان (٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن سجود السهو كله قبل السلام- بالأحاديث السابقة في دليل القول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منها هو: أن تلك الأحاديث ذكر فيها السجود قبل السلام، وهي بعضها كان فيها السجود لنقصان كحديث عبد الله ابن بحينة، ومعاوية ﵄، وبعضها كان فيها السجود لزيادة كحديث أبي سعيد الخدري ﵁ وعبد الرحمن بن عوف
﵄، فثب بذلك أن سجود السهو كله قبل السلام (٣).
واعترض عليه: بأن تلك الأحاديث تدل على أن سجود السهو قبل السلام، لكن هناك
أحاديث صحيحة كذلك تدل على أن سجود السهو بعد
стр. 896
السلام، وقد سبق ذكر بعضها في دليل القول الأول، وليس القول ببعضها أولى من القول بالبعض الآخر.
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع- وهو أن محل سجود السهو كله قبل السلام، إلا في السلام قبل إتمام الصلاة، وفيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه، فيسجد بعد السلام- بأدلة منها: حديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن بحينة، وأبي سعيد الخدري ﵃، وقد سبق ذكرها.
ووجه الاستدلال منها: أن حديث أبي هريرة وعمران بن حصين ﵄ فيهما السجود بعد السلام؛ لأن فيهما السلام قبل إتمام الصلاة، وحديث عبد الله بن مسعود ﵁ فيه السجود كذلك بعد السلام؛ لأنه في البناء على غالب الظن، أما غير هذين الموضعين فيكون السجود فيه قبل السلام؛ لدلالة بقية الأحاديث (١).
واعترض عليه: بأنه وجد سجود السهو بعد السلام في غير الموضعين السابقين؛ حيث إن حديث المغيرة بن شعبة ﵁ يدل على سجود السهو بعد
стр. 897
السلام لترك الجلوس والتشهد الأول، و هو غير الموضعين السابقين (١).
دليل القول الخامس
ويستدل للقول الخامس- وهو أن سجود السهو كله بعد السلام، إلا في موضعين فإن الساهي مخير فيهما بين أن يسجدهما قبل السلام أو بعده، أحدهما: من سها فقام من ركعتين، ولم يجلس. وثانيهما: إذا لم يدر المصلي أصلى ركعة أو ركعتين، أو صلى ثلاثاً أو أربعاً- بالأحاديث السابقة في دليل القول بالنسخ، ودليل القول الأول.
ووجه الاستدلال منها: أن حديثا عبد الله ابن بحينة والمغيرة بن شعبة ﵄-فيهما القيام من الركعتين وترك الجلوس والتشهد، ثم في حديث عبد الله ابن بحينة ﵁ السجود قبل السلام، وفي حديث المغيرة ﵁ السجود بعد السلام، لذلك يكون الساهي مخيراً بين أن
يسجدهما قبل السلام أو بعده.
كما أن حديث عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري ﵄ فيما إذا شك الشخص في صلاته كم صلى؟ ثم في حديث عبد الله ﵁ السجود بعد السلام، وفي حديث أبي سعيد ﵁ السجود قبل السلام، لذلك يكون الساهي كذلك مخيراً بين ذلك.
ويكون السجود في غير هذين الموضعين بعد السلام؛ لبقية
стр. 898
الأحاديث؛ حيث فيها السجود بعد السلام (١).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولاً: إن ادعاء نسخ الأحاديث الدالة على السجود بعد السلام ضعيف؛ يدل على ضعفه ما سبق في الاعتراض عليه في وجه الاستدلال على النسخ.
ولأن ذلك مبني على أن سجود السهو بعد السلام مذكور في حديث ذي اليدين وهو قتل ببدر، و مذكور في حديث ابن مسعود ﵁ وهو متقدم الإسلام، وأن السجود قبل السلام من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ وهو من أحداث الأنصار وأصاغرهم، ومن رواية معاوية ﵁ وهو إنما صحب النبي ﷺ بعد فتح مكة، وكل هذا ضعيف؛ لأن الأصح أن ذا اليدين لم يقتل ببدر، وإنما روى قصته أبو هريرة ﵁ وهو أسلم عام خيبر، سنة سبع، كما أن السجود في حديث معاوية ﵁ في غير الصورة المذكورة في حديث ذي اليدين وابن مسعود-﵄-فلا منافاة بينهما، ولا يصح أن يكون السجود في صورة قبل السلام نسخاً للسجود بعده في صورة أخرى، كما أن النسخ إنما يكون بما يناقض المنسوخ، والنبي ﷺ سجد بعد السلام، ولم ينقل عنه أحد أنه نهى عن ذلك، فكل
стр. 899
هذا مما يضعف القول بالنسخ ويدل على عدم صحته (١).
ثانياً: أنه يجوز سجود السهو قبل السلام وبعده؛ لوجود أحاديث صحيحة دالة على ذلك (٢).
ثالثاً: أن الأولى أن يسجد في المواضع التي سجد فيها رسول الله ﷺ كما سجد هو، وفي غيرها إن كان لزيادة فبعد السلام، وإن كان لنقص فقبل السلام، وهذا فيه جمع بين الأقوال والأدلة.
والله أعلم.
стр. 900
المطلب الثالث السجدة في سورة النجم، والانشقاق، والعلق
ذهب بعض أهل العلم (١) إلى نسخ السجدة في سورة النجم، والانشقاق، والعلق. وذهب بعضهم إلى نسخ السجود في سورة النجم وحدها (٢).
وقد ظهر منه أن القول به أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة فيها، وكذلك عمل أهل المدينة-عند من يحتج به-سبب آخر لاختلافهم فيها (٣).
ويستدل لمن قال بنسخ السجود في هذه السور بما يلي:
أولاً: عن عبد الله ﵁ قال: (قرأ النبي ﷺ النجم بمكة فسجد فيها،
стр. 901
وسجد من معه غير شيخ (١) أخذ كَفّاً من حصىً أو تراب ورفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. فرأيته بعد ذلك قتل كافراً) (٢).
ثانياً: عن ابن عباس ﵁ (أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس) (٣).
ثالثاً: عن زيد بن ثابت ﵁ قال: «قرأت على النبي ﷺ (والنجم) فلم يسجد فيها» (٤).
رابعاً: عن ابن عباس ﵁ (أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل (٥)، منذ تحول إلى المدينة) (٦).
стр. 902
خامساً: عن أبي الدرداء ﵁ قال: (سجدت مع النبي ﷺ إحدى عشر سجدة، ليس فيها من المفصل شيء: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج، وسجدة الفرقان، وسليمان سورة النمل، والسجدة، وفي ص، وسجدة الحواميم) (١).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن مسعود وابن عباس ﵁
стр. 903
الأول كانا بمكة، وحديث ابن عباس الثاني، وزيد بن ثابت وأبي الدرداء ﵃ كانت بعد الهجرة،
وهي تدل على ترك السجود في سورة النجم، والانشقاق والعلق، فتكون هذه الأحاديث ناسخة للسجود في المفصل، ومنها السجدة في النجم (١).
واعترض عليه: بأنه لا يصح الاحتجاج بحديث ابن عباس الثاني، وكذلك حديث أبي الدرداء-﵄؛ لأنهما ضعيفان لا يقوم بمثلهما الحجة، ثم قد ثبت السجود في المفصل عن النبي ﷺ بعد الهجرة؛ حيث روى أبو هريرة ﵁ أنه رأى النبي ﷺ سجد في المفصل، وأبو هريرة أسلم سنة سبع من الهجرة، فكيف يقال بنسخ السجود في المفصل، على أن الأحاديث الدالة على السجود فيها يثبت السجود فيها، والمثبت مقدم على النافي (٢).
أما حديث زيد بن ثابت ﵁ فهو صحيح، وترك السجود فيه يحتمل أنه كان لبيان جواز ترك السجود، أو أن زيداً ﵁ كان هو القارئ، وهو لم يسجد فلم يسجد النبي ﷺ كذلك، لا لأن السجود فيها نسخ؛ لما سبق أن النبي ﷺ سجد فيها بعد الهجرة (٣).
стр. 904
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في السجدة في المفصل على قولين مشهورين:
القول الأول: أنه يسجد في سور المفصل: النجم، والانشقاق، والعلق.
وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وروي ذلك عن: أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وعمار، وأبي هريرة، وابن عمر-﵃. وبه قال عمر بن عبد العزيز، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور (٤).
القول الثاني: أنه لا سجود في المفصل.
وهو المشهور عن الإمام مالك، ومذهب المالكية (٥)، والقول القديم للإمام الشافعي (٦).
стр. 905
وروي ذلك عن: ابن عباس، وابن عمر، وأبي بن كعب-﵃. وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وطاوس، وعطاء (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أنه يسجد في المفصل- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: حديث ابن مسعود وابن عباس-﵄ وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ؛ حيث إنهما يدلان على السجود في النجم.
ثانياً: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قرأ لهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم «أن رسول الله ﷺ سجد فيها» (٢).
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: «سجد رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾» (٣).
стр. 906
وفي رواية عنه ﵁ قال: «سجدنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾» (١).
وفي رواية أخرى عنه ﵁ أنه قال: «سجدنا مع رسول الله ﷺ في: والنجم،
و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾» (٢).
رابعاً: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه رأى أبا هريرة ﵁ سجد في خاتمة (النجم)، قال أبو سلمة: يا أبا هريرة رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها؟ قال: «لو لا أني رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها لما سجدت فيها» (٣).
خامساً: عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ قرأ «والنجم» فسجد وسجد معه من حضره من الجن والإنس والشجر» (٤).
стр. 907
سادساً: عن عمرو بن العاص ﵁ «أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان» (١).
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث أنها تدل على ثبوت السجود في المفصل وأن النبي ﷺ سجد فيها حتى بعد الهجرة (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أنه لا سجود في المفصل- بحديث زيد بن ثابت، وابن عباس، وأبي الدراء ﵃ وقد سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ حيث إنها تدل على أن النبي ﷺ لم يسجد فيها بعد الهجرة (٣).
واعترض عليه: بان تلك الأحاديث ضعيفة لا يصلح للاحتجاج بها، غير
стр. 908
حديث زيد بن ثابت ﵁، وترك السجود فيه لا يدل على الترك بالكلية، بل يحتمل أن ذلك كان لبيان جواز ترك السجود، أو أن زيداً ﵁ لم يسجد وكان هو القارئ، لذلك لم يسجد النبي ﷺ ، ثم الأحاديث الدالة على السجود في المفصل مثبتة، والمثبت مقدم على النافي (١).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولاً: إن القول بنسخ السجود في المفصل غير صحيح؛ لأن مبناه على أن السجود في المفصل كان بمكة، وأنه ترك ذلك بعد الهجرة، لكن هذا الأصل ضعيف وغير صحيح؛ لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ أنه سجد فيها بعد الهجرة، كما رواه عنه أبو هريرة ﵁ وغيره، فثبت بذلك أن القول بالنسخ غير صحيح.
ثانياً: أن الراجح هو القول الأول، وذلك:
أ- لصحة الأحاديث الدالة على أن النبي ﷺ سجد في سورة النجم، والانشقاق، والعلق.
ب- ولأن أدلة القول الثاني بعضها ضعيف لا يصلح للاحتجاج به، وبعضها صحيح لكن يرجح عليه الأحاديث المثبتة؛ لأنه إذا تعارض المثبت
стр. 909
والنافي، فإنه يقدم المثبت على النافي.
كما أن الترك فيها يحتمل أموراً عدة كما سبق ذكرها، لذلك يرجح الأحاديث الدالة على السجود في المفصلوالله أعلم.
стр. 910
المبحث الخامس صلاة التطوع، وما يكره في الصلاة أو يفسدها
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: حكم قيام الليل.
المطلب الثاني: الوتر على الراحلة.
المطلب الثالث: النفخ في الصلاة.
المطلب الرابع: الالتفات في الصلاة.
المطلب الخامس: حمل الصبي في الصلاة.
المطلب السادس: قطع الصلاة بمرور الكلب والحمار والمرأة.
المطلب السابع: قتال المار بين يدي المصلي.
المطلب الثامن: الحكم إذا صلى وأمامه تصاوير.
стр. 911
المطلب الأول: حكم قيام الليل
ذهب جمهور أهل العلم- ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة- إلى أن قيام الليل كان واجباً في أول الإسلام، ثم صار تطوعاً، ونُسخ الوجوب (١).
ونحوه قول عائشة (٢)، وابن عباس-﵄، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والإمام البخاري، وأبو داود السجستاني (٣)، ونقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر (٤)، والنووي (٥).
وذهب بعض أهل العلم، ومنهم الحسن البصري إلى أن المنسوخ من قيام الليل هو تقديره بمقدار معين من نصف الليل وثلثه، ونحو ذلك، إلا أن وجوب قيام الليل بالقليل باق (٦).
стр. 912
ويستدل لمن قال بنسخ وجوب قيام الليل مطلقاً بأدلة منها ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (١).
ثانياً: حديث سعد بن هشام (٢) عن عائشة-﵂، وفيه: فقلت: أنبئيني عن قيام
رسول الله ﷺ ، فقالت: (ألست تقرأ يا أيها المزمل؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولاً كاملاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة) (٣).
стр. 913
ثالثاً: عن طلحة بن عبيد الله ﵁ يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر (١) الرأس نسمع دَوِيَّ (٢) صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «خمس صلوات في اليوم والليلة» فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» (٣).
رابعاً: حديث عبد الله بن عمر-﵄ عن حفصة-﵂ عن رسول الله ﷺ ، وفيه: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» (٤).
خامساً: عن عبد الله بن عمرو-﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل فترك قيام
стр. 914
الليل» (١).
ويستدل منها على نسخ وجوب قيام الليل بالوجوه الآتية:
أولاً: إن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ جاء بعدما افترض الله قيام الليل في
أول هذه السورة كما في حديث عائشة-﵂ فنسخ الله به فرض قيام الليل السابق، وصار تطوعاً بعد ما كان فريضة. وحديث عائشة-﵂ صريح في ذلك (٢).
ثانياً: إن قوله ﷺ : «لا، إلا أن تطوع» يدل على عدم وجوب صلاة غير الصلوات الخمس، وأن غير الخمس من الصلوات تطوع، فيكون ذلك دالاً على نسخ فرض قيام الليل (٣).
ثالثاً: إن حديث عبد لله بن عمر، وعبد الله بن عمرو-﵃ يدلان كذلك على نسخ وجوب قيام الليل؛ لأن فرض قيام الليل كان في أول الإسلام، وحديثهما متأخر عن ذلك، ثم هما يدلان على عدم فرضية قيام
стр. 915
الليل؛ فدل ذلك على نسخ وجوب قيام الليل (١).
ويستدل لمن قال: إن المنسوخ من قيام الليل هو تقديره بمقدار معين من نصف الليل ونحوه، مع بقاء وجوب قيام الليل بالقليل، بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٢).
ووجه الاستدلال منه هو: أن هذه الآية ناسخة لوجوب قيام الليل المذكور في أول السورة، وهو مقدر بنصف الليل ونحوه، فيكون المنسوخ هو تقديره بقدر معين، ويبقى نفس القيام واجباً بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، فإن المراد به أي صلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل (٣).
واعترض عليه: بأن الآية تحتمل ذلك، وتحتمل أن يكون المراد بها قراءة ما تسير من القرآن، وهو ليس مقدراً بمقدار معين، كما ليس فيه تقييده بالليل.
فإن أريد به الاحتمال الثاني فليس فيه أي دليل على بقاء وجوب شيء من قيام الليل، وعلى الاحتمال الأول فتدل الآية على بقاء شيء من وجوب