← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

والحمار والمرأة، فقالت عائشة: (شبهتمونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيت النبي ﷺ يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذيَ النبي ﷺ فانسل من عند رجليه) (١). وفي رواية عنها ﵂ قالت: (لقد كان رسول الله ﷺ يقوم فيصلي من الليل وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله) (٢). ثانياً: عن ميمونة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، قالت: وكان يصلي على الخُمْرَة (٣) (٤). ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ قال: (أقبلت راكباً على حمار أتان (٥)، وأنا

стр. 947

يومئذٍ قد ناهزت (١) الاحتلام ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت فأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك عليّ أحد) (٢). وفي رواية عنه ﵁: (أنه أقبل يسير على حمار ورسول الله ﷺ قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس، فسار الحمار بين يدي بعض الصف ثم نزل عنه فصف مع الناس) (٣). وفي رواية ثالثة عنه ﵁ أنه قال: (جئت أنا وغلام من بني هاشم على حمار، فمررنا بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي، فنزلنا عنه وتركنا الحمار يأكل من بقل الأرض أو قال نبات الأرض، فدخلنا معه في الصلاة، فقال رجل: أكان بين يديه عَنَزَة (٤)؟ قال: لا) (٥).

стр. 948

رابعاً: عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى بالناس فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله سبحان الله، فلما سلم رسول الله ﷺ قال: «من المسبح آنفاً سبحان الله؟» قال: أنا يا رسول الله، إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة، قال: «لا يقطع الصلاة شيء» (١). خامساً: عن الفضل بن عباس (٢) ﵁ قال: (أتانا رسول الله ﷺ ونحن في

стр. 949

بادية لنا ومعه عباس، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى ذلك) (١). سادساً: عن أم سلمة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله (٢) أو عمر (٣) بن أبي سلمة، فقال بيده،

стр. 950

فرجع، فمرت زينب بنت أم سلمة فقال بيده هكذا فمضت، فلما صلى قال: «هن أغلب» (١). سابعاً: عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقطع الصلاة شيء» (٢). ثامناً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان» (٣).

стр. 951

تاسعاً: عن علي وعثمان-﵄ قالا: (لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوهم عنكم ما استطعتم) (١). عاشراً: عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: (لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي) (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عائشة وميمونة وأم سلمة ﵅ يدل على أن مرور المرأة بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، وحديث ابن عباس وأنس ﵄-يدلان على أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع عليه صلاته كذلك، وحديث الفضل بن عباس ﵁ يدل على أن مرور الكلب بين يدي المصلي لا يقطع عليه صلاته أيضاً، وبقية

стр. 952

الأحاديث تدل على أن الصلاة لا يقطعها شيء. ثم هذه الأحاديث متأخرة فتكون ناسخة للأحاديث التي تدل على أن الصلاة يقطعها المرور بين يدي المصلي إذا كان المار من المرأة أو الحمار أو الكلب، ويدل على تأخرها ما يلي: أ- إن من بين هذه الأحاديث حديث ابن عباس ﵁ وهو كان في حجة الوداع، وهي في سنة عشر وفي آخر حياة النبي ﷺ فدل ذلك على تأخره (١). ب- ولأن من بين ذلك حديث عائشة وميمونة-﵄، وفيهما كذلك ما يدل على التأخر عن الأحاديث الدالة على القطع؛ لكون صلاته ﷺ عندهن ولم يزل على ذلك حتى مات خصوصاً مع عائشة-﵂ مع تكرر قيامه كل ليلة، ثم إن حديثهما على أصل الإباحة، فيدل ذلك على التأخر (٢). ج-إن الأحاديث التي فيها أن الصلاة لا يقطعها شيء متأخرة؛ لأن من بينها حديث أنس ﵁، وفيه قول عياش بن أبي ربيعة ﵁: (إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة) فهذا يدل أن أحاديث قطع الصلاة بمرور الحمار وغيره كان أولاً، وقول النبي ﷺ : «لا يقطع الصلاة شيء»، كان بعد ذلك، ويؤكد ذلك ما روي عن عدد من الصحابة ﵃-أنهم قالوا بعد وفات النبي ﷺ : (لا يقطع الصلاة شيء) مع أن بعضاً منهم قد روى عن النبي ﷺ

стр. 953

الأحاديث الدالة على قطع الصلاة بمرور الكلب والحمار والمرأة بين يدي المصلي، فيدل ذلك على ثبوت النسخ عندهم (١). ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على عدم قطع الصلاة بالكلب والحمار والمرأة بما يلي: أولاً: عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل (٢)، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود» قلت (٣): يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: «الكلب الأسود شيطان» (٤). ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل» (٥). ثالثاً: عن عبد الله بن مغفل ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقطع الصلاة المرأة

стр. 954

والكلب و الحمار» (١). رابعاً: عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على قطع الصلاة بمرور من ذكر فيها بين يدي المصلي، فتكون ناسخة للأحاديث الدالة على عدم قطع الصلاة بشيء؛ لأن تلك الأحاديث موافقة لما كانوا عليه قبل ورود الأحاديث الدالة على القطع، فتكون الأحاديث الدالة على القطع بعدها (٣). واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث ليس فيها ما يدل على تأخرها على الأحاديث التي يُستدل منها على عدم القطع، ومجرد كونها أنها جاءت على خلاف الأصل لا تدل على تأخرها، مع أن الأحاديث الدالة

стр. 955

على عدم القطع معها ما يدل على تأخرها كما سبق (١). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في قطع الصلاة بمرور شيء أمام المصلي على ثلاثة أقوال مشهورة: القول الأول: أن الصلاة لا يقطعها ولا يبطلها مرور شيء بين يدي المصلي سواء كان ذلك كلباً أو حماراً أو امرأة أو غير ذلك. وهو قول جمهور الفقهاء (٢)، منهم: الحنفية (٣)، ..................................... والمالكية (٤)، والشافعية (٥). ورُوي ذلك عن: عثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وحذيفة، وعائشة-﵃. وبه قال ابن المسيب، وعروة، وعبيدة، والشعبي، وسفيان الثوري، وأبو ثور، وداود، وابن جرير الطبري (٦). القول الثاني: أن الصلاة لا يقطعها ولا يبطلها مرور شيء بين يدي

стр. 956

المصلي إلا الكلب الأسود البهيم (١). وهو مذهب الحنابلة (٢)، وروي نحوه عن عائشة-﵂ ومجاهد، وهو قول إسحاق بن راهوية (٣). القول الثالث: أن الصلاة يقطعها ويبطلها إذا مر بين يدي المصلي المرأة أو الحمار أو الكلب. وهو رواية عن الإمام أحمد (٤)، وروي نحوه عن ابن عمر، وأنس-﵄ والحسن البصري، وقال به بعض الظاهرية، منهم ابن حزم (٥). الأدلة ويستدل للقول الأول بأدلة منها-وهي أصحها-ما استُدل به للقول بنسخ ما يدل على قطع الصلاة بمرور الكلب، والحمار، والمرأة؛ فإنها تدل

стр. 957

على أن مرور المرأة، والكلب، والحمار وغير ذلك بين يدي المصلي لا يبطل صلاته ولا يقطعها. ثم قال بعضهم: إن هذه الأدلة أقوي وأرجح، كما أن معها ما يدل على تأخرها، لذلك فهي مقدمة على ما يدل على قطع الصلاة إذا مر بين يدي المصلي الكلب والحمار والمرأة (١). وقال بعضهم: يجمع بين هذه الأدلة وبين ما يدل على قطع الصلاة، بأن المراد بعدم القطع أي أن ذلك لا يبطلها. وأما ما يدل على القطع فالمراد بها نقص الخشوع والذكر للشغل بها والالتفات إليها (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن الصلاة لا يقطعها إلا الكلب الأسود- بأدلة منها ما ذكر في دليل من قال بنسخ ما يدل على عدم قطع الصلاة بشيء. ووجه الاستدلال منها: أن هذه الأدلة تدل على قطع الصلاة بمرور من ذكر فيها بين يدي المصلي، لكن تُرك العمل به في المرأة والحمار، أما في المرأة فلحديث عائشة، الذي سبق ذكره في دليل القول بنسخ ما يدل على قطع الصلاة بالكلب والحمار والمرأة. وأما في الحمار فلحديث ابن عباس ﵁ الذي سبق ذكره كذلك في دليل القول بنسخ ما يدل على قطع الصلاة بالمرأة

стр. 958

والحمار والكلب، أما القطع بالكلب فلا معارض له، لأن ما روي في ذلك ففي كلها ضعف لا تقوى على معارضة ما يدل على أنه يقطع الصلاة، لذلك يجب العمل به، ثم الكلب وإن ذكر في بعض الأحاديث مطلقاً إلا أنه يقيده حديث أبي ذر ﵁ وغيره بالأسود (١). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أن الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة- بما سبق في دليل القول بنسخ ما يدل على عدم قطع الصلاة بشيء؛ حيث إنها صريحة في قطع الصلاة بمرور من ذكر في تلك الأحاديث (٢). قالوا: وأما ما يخالف هذه الأحاديث فإما غير صحيح أو غير صريح لذلك لا يعارض به هذه الأحاديث (٣). واعترض عليه: بأن الأحاديث التي اُستدل منها على عدم قطع الصلاة وبطلانها بمرور أي شيء بين يدي المصلي، بعضها أحاديث صحيحة كحديث عائشة وابن عباس في المرأة والحمار، وهما قد استدلا بذلك على عدم قطع الصلاة بهما، وأما الأحاديث الباقية فليست كلها ضعيفة بل من أهل العلم من صحح بعضها أو حسنها، وهي بمجموعها تفيد أن لها أصلاً تصلح للاحتجاج بها، ثم ما صح عن عدد من الصحابة

стр. 959

-﵃ موقوفاً يؤكدها و يقويها (١). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الأحاديث الواردة في قطع الصلاة بمرور المرأة والحمار والكلب بين يدي المصلي صحيحة وصريحة، لذلك لو أعاد أحد الصلاة من مرور شيء ممن ذكر فيها بين يديه فيكون قد أحسن؛ عملاً بظاهر هذه الأحاديث، وخروجاً من خلاف أهل العلم. إلا أن صلاته صحيحة ولا يبطلها مرور شيء بين يديه، وذلك لما يلي: أولاً: لأن القول بأن الأحاديث الدالة على قطع الصلاة بمرور الكلب والمرأة والحمار منسوخة له وجه؛ لأن تلك الأحاديث ذكر فيها قطع الصلاة بمرور الكلب والمرأة والحمار، ثم حديث ابن عباس ﵁ في مرور الحمار بين يدي بعض الصف أو أمام النبي ﷺ وهو يصلي ولم يقطع صلاتهم وقول ابن عباس ﵁ أنه لم ينكر ذلك عليه أحد، يدل أن القطع والإنكار كان أولاً، وأن عدم الإنكار وعدم قطع الصلاة بذلك متأخر عن ذلك، فهذا ما يفهم من كلام ابن عباس ﵁ واستدلاله بعدم الإنكار عليه. كما أن قول عياش بن أبي ربيعة ﵁: إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة، وقول النبي ﷺ له: «لا يقطع الصلاة شيء» يدل أن عدم قطع

стр. 960

الصلاة بشيء كان بعد قطع الصلاة ببعض الأشياء، فيكون عدم القطع ناسخاً ومتأخراً عن القطع على مقتضى هذا الحديث (١). ثانياً: ولأن الأحاديث الدالة على عدم قطع الصلاة بمرور شيء أمام المصلي أخذ بمدلولها أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم (٢)، وهو يدل على ثبوت أصل ذلك عندهم. ثالثاً: ولأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث، وذلك بحمل الأحاديث الدالة على عدم قطع الصلاة بمرور شيء على عدم البطلان، وحمل الأحاديث الدالة على القطع على نقص الخشوع، كما نقل ذلك عن الإمام الشافعي وغيره (٣). أما ادعاء نسخ الأحاديث الدالة على عدم قطع الصلاة بشيء، فلا وجه له، ولا يوجد ما يدل على تأخرها على ما يخالفها، كما سبق بيانه. والله أعلم.

стр. 961

المطلب السابع: قتال المار بين يدي المصلي ذهب بعض الحنفية منهم الطحاوي (١) إلى أن قتال المصلي لمن يمر بين يديه كان ثم نسخ بنسخ الأفعال في الصلاة. ويظهر منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف، لكن السبب الأصلي لاختلاف الفقهاء في المسألة هو اختلافهم في المراد بالقتال المذكور في الحديث (٢). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عبد الله ﵁ أنه قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، وقال: «إن في الصلاة شغلاً» (٣). ثانياً: عن أم سلمة-﵂ قالت: كان النبي ﷺ يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد الله أو عمر بن أبي سلمة، فقال بيده، فرجع، فمرت زينب بنت أم سلمة فقال بيده هكذا فمضت، فلما صلى قال: «هن أغلب» (٤).

стр. 962

ثالثاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان» (١). رابعاً: عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أبي سعيد وابن عمر-﵄-يدلان على قتال المار بين يدي المصلي إذا أبي إلا المرور بين يديه، والقتال ليس من أعمال الصلاة، ثم هو من العمل الكثير، وهو مما يفسد الصلاة، فدل ذلك أن حديثهما كان في الابتداء حين كان العمل في الصلاة مباحاً، ثم نهي عنه بحديث (إن في الصلاة شغلاً)، فيكون ما يدل عليه حديثهما منسوخاً بهذا الحديث، ويؤيده حديث أم سلمة-﵂ (٣). واعترض عليه: بأنه لا يصح الاستدلال من حديث (إن في الصلاة شغلاً) على النسخ؛ لأن حديث (إن في الصلاة شغلاً) قيل: إنه ﷺ قاله في

стр. 963

مكة قبل الهجرة (١)، أما قتال المصلي لمن يمر بين يديه فهو مذكور في حديث أبي سعيد وابن عمر-﵄، وهما قد كانا بعد النبي ﷺ يريان مقاتلة من يأبى إلا المرور بين يدي المصلي، وهما أعلم بما روياه، فلو كان ذلك منسوخاً لما قالا به، كما أن أبو سعيد ﵁ كان صغيراً عند قدوم النبي ﷺ المدينة؛ حيث استصغر في غزوة أحد، فالظاهر أنه سمع هذا الحديث من النبي ﷺ بعد الهجرة، فيكون ذلك متأخراً عن حديث عبد الله بن مسعود ﵁ ولا يصح نسخ المتأخر بالمتقدم (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في قتال المصلي لمن يمر بين يديه إذا أبى إلا المرور بينه وبين ما يستره على قولين: القول الأول: أن المصلي لا يقاتله، وإنما يدفعه ويرده بالتسبيح أو بالإشارة، ونحو ذلك. وهو قول الحنفية (٣)، ونحوه قول المالكية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥).

стр. 964

القول الثاني: أنه يستحب للمصلي أن يصلي إلى سترة، وأن يدفع من يمر بينه وبينها ويرده بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشد، فإن أصر فله قتاله (١). وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أنه لا يقاتله- بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أم سلمة وابن مسعود ﵄. وجه الاستدلال منهما: أن الحديث الأول فيه أن النبي ﷺ أشار ليدرأ المار بين يديه، ولم يقاتل من مر منهم بين يديه، والحديث الثاني يدل على أنه لا يجوز في الصلاة الأعمال التي ليس منها ويشغل عنها، والقتال ليس من أعمال الصلاة فلا يجوز في الصلاة، كما أن الأمر بدفع المار إنما يقصد به حفظ الصلاة عما ينقصها، والقتال يفسدها ويقطعها بالكلية، لذلك لا يقاتل (٤).

стр. 965

واعترض عليه: بأن حديث أم سلمة-﵂-فيه ضعفاً (١)، ثم من مر بين يديه صغير مرفوع عنه القلم (٢). أما حديث ابن مسعود ﵁ فلا تعارض بينه وبين ما يدل على قتال من يأبى إلا المرور بين يدي المصلي؛ لأنه ليس المراد به العمل الكثير، ثم إن الشارع أباح له مقاتلته (٣). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أن له أن يقاتله إذا أصر على المرور بين يديه- بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أبي سعيد وابن عمر ﵄. ووجه الاستدلال منهما ظاهر؛ حيث إنهما يدلان على أن للمصلي أن يقاتل من يمر بين يديه إذا أبى إلا المرور (٤). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الثاني، وهو أن للمصلي مقاتلة من يصر على المرور بينه وبين السترة؛ وذلك لصحة الأحاديث في ذلك عن النبي ﷺ .

стр. 966

أما ادعاء نسخه بحديث (إن في الصلاة شغلا) فلا يصح لما يلي: أ-لأنه لا يوجد ما يدل على أن هذا الحديث متأخر عن تلك الأحاديث، بل قد يكون العكس صحيحاً كما سبق ذلك. ب- ولأنه لو كان ذلك منسوخاً لما عمل به من رواه عن النبي ﷺ بعد النبي ﷺ ، و الحال أن ابن عمر وأبا سعيد الخدري ﵄ كانا يعملان به، حتى قال أبو سعيد ﵁ (والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره لأخذت) (١). والله أعلم.

стр. 967

المطلب الثامن: الحكم إذا صلى وأمامه تصاوير ذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة المصلي إذا صلى وأمامه تصاوير (١) كان أولاً لا بأس به، ثم نسخ ذلك ونُهي عنه. وممن صرح بالنسخ: الحازمي (٢)، وأبو حامد الرازي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤). ويستدل للقول بالنسخ: بحديث عائشة-﵂ أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدودة إلى سهوة (٥)، فكان النبي ﷺ يصلي إليه، فقال: «أخريه عني» قالت: فأخرته فجعلته وسائد (٦). وفي رواية عنها-﵂ قالت: كان في بيتي ثوب فيه تصاوير،

стр. 968

فجعلته إلى سهوة في البيت، فكان رسول الله ﷺ يصلي إليه، ثم قال: «يا عائشة أخريه عني» فنزعته فجعلته وسائد (١). والحديث يدل أن النبي ﷺ صلى إلى جهة ذلك الثوب، وكان فيه تصاوير، ثم أمر بتأخيره وإزالته، فدل ذلك على النهي من ذلك، وعلى نسخ الصلاة إلى جهة فيها صورة (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى نهي الصلاة إلى ما فيه صور، وعلى كراهة ذلك. منهم الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). وذلك: أ-لحديث عائشة ﵂-الذي سبق ذكره في دليل القول

стр. 969

بالنسخ. ب-ولأن فيه تشبيه بعبادة غير الله (١). هذا والقول بنسخ الصلاة إلى ما فيه صورة، يصح لو كان صلاة النبي ﷺ إلى ما فيه صورة عن قصد وإباحة، وإلا فيصح الاستدلال من حديث عائشة-﵂-على النهي عن الصلاة إلى ما فيه صورة، ولا يصح الاستدلال منه على الإباحة ثم نسخ ذلك. … والله أعلم.

стр. 970

المبحث السادس: صلاة الجماعة وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: حكم صلاة الجماعة. المطلب الثاني: موقف المأمومين إذا كانوا اثنين. المطلب الثالث: حكم إذا صلى المسبوق ما فاته ثم يدخل مع الإمام. المطلب الرابع: كيفية صلاة المأموم إذا صلى الإمام جالساً. المطلب الخامس: القراءة خلف الإمام. المطلب السادس: صلاة المفترض خلف المتنفل. المطلب السابع: ما يعاد من الصلوات مع الجماعة إذا صلاها المصلي قبل ذلك في رحله.

стр. 971

المطلب الأول: حكم صلاة الجماعة ذهب بعض أهل العلم إلى أن فرضية صلاة الجماعة كانت في أول الإسلام، ثم نسخ. حكاه القاضي عياض (١) وقواه ابن حجر (٢). وتبين منه أن القول به أحد أسباب الاختلاف، لكن السبب الأصلي لاختلاف الفقهاء في المسألة هو اختلاف الآثار الواردة فيها (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عبد الله بن عمر-﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة» (٤).

стр. 972

وفي رواية عنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعاً وعشرين» (١). ثانياً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفذِّ بخمس وعشرين درجة» (٢). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الرجل في الجماعة تضَعَّفُ على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضِعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خَطْوةً إلا رفعت له بها درجة وحُطّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة» (٣). وفي رواية عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً» (٤).

стр. 973

رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب ليُحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأُحرق عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً (١) سميناً أو مرماتين (٢) حسنتين لشهد العشاء» (٣). خامساً: عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعثٍ فقال: «إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار» ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: «إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما» (٤). سادساً: عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ رجل أعمى (٥) فقال: يا

стр. 974

رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله ﷺ أن يُرَخِّص له فيصلي في بيته، فرخص له فلما ولَّى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» فقال: نعم. قال: «فأجب» (١). سابعاً: عن محمود بن الربيع الأنصاري (٢) أن عتبان بن مالك (٣) ﵁ كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكاناً اتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: «أين تحب أن أصلي؟» فأشار إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله ﷺ (٤).

стр. 975

ويستدل منها على النسخ بالوجوه الآتية: أولاً: إن الأحاديث الثلاثة الأول تدل على جواز صلاة الفذ؛ لأن فيها تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، والأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، فيثبت من ذلك أفضلية صلاة الجماعة على صلاة الفذ مع جواز صلاة الفذ، وإذا ثبت ذلك فتكون هذه الأحاديث ناسخة لفرضية صلاة الجماعة؛ لأن وجوب الجماعة تستلزم عدم جواز صلاة الفذ (١). واعترض عليه: بأنه لا يوجد دليل يثبت تأخر أحاديث فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ عن الأدلة التي تدل على وجوب صلاة الجماعة، حتى تكون ناسخة لها. أما المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة الفذ فلا تدل على عدم وجوب صلاة الجماعة، بل تدل على صحة صلاة الفذ، ولا تنافي بين صحة صلاة الفذ وكون الجماعة واجبة (٢). ثانياً: إن من الأدلة التي تدل على وجوب صلاة الجماعة حديث أبي هريرة ﵁ الذي فيه التهديد بتحريق تارك الجماعة، والتعذيب بالناركان يجوز أولاً ثم نُسخ، يدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ الذي بعده: (وإن النار لا يعذب بها إلا الله)، فدل ذلك أن فرضية صلاة الجماعة كان أولاً

стр. 976

ثم نسخ بنسخ الوعيد المذكور في حقهم (١). واعترض عليه: بأنه لا يلزم من نسخ التعذيب بالنار نسخ وجوب الجماعة؛ لوجود أدلة أخرى تدل على الوجوب. ثالثاً: إن حديث أبي هريرة ﵁ الأخير فيه أن النبي ﷺ لم يرخص للأعمى في التخلف عن الجماعة، وقد انعقد الإجماع على سقوط حضور الجماعة عن ذوي الأعذار، والأعمى من جملتهم، ويدل عليه كذلك حديث عتبان بن مالك ﵁، فدل ذلك أن التشديد في التخلف عن الجماعة كان أولاً، ثم نُسخ ذلك وخُفف فيه (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة على أربعة أقوال: القول الأول: أنها سنة مؤكدة. وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، ووجه عند الشافعية (٥)، ورواية عن الإمام أحمد (٦).

стр. 977

القول الثاني: أنها فرض كفاية. وهو الصحيح من مذهب الشافعية (١). القول الثالث: أنها واجبة، ولكنها ليست شرطًا لصحة الصلاة. وهو مذهب الحنابلة (٢)، واختيار جماعة من الحنفية (٣)، وقول ابن المنذر، وابن خزيمة من الشافعية (٤). وروي نحوه عن ابن مسعود، وأبي موسى-﵄. وبه قال عطاء، والأوزاعي وأبو ثور (٥). القول الرابع: أن الجماعة فرض عين، وشرط لصحة الصلاة. وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وقول داود وأهل الظاهر (٧).

стр. 978

الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أن الجماعة سنة- بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأحاديث الثلاثة الأول التي سبقت في دليل القول بالنسخ. ثانياً: عن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشىً، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام» (١). ثالثاً: عن يزيد بن الأسود العامري (٢) ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: «عليّ بهما» فجيء بهما تُرعدُ فرائصهما (٣)، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» (٤).

стр. 979

رابعاً: عن محجن (١) ﵁ أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ ، فأُذِّن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ فصلى، ثم رجع، ومحجن في مجلسه لم يصل معه، فقال له رسول الله ﷺ : «ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟» فقال: بلى يا رسول الله، ولكني قد صليت في أهلي. فقال له رسول الله ﷺ : «إذا جئت فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت» (٢).

стр. 980

ويستدل منها على أن صلاة الجماعة سنة وليست بفرض بالوجوه الآتية: أولاً: إن بعض هذه الأحاديث يدل على أفضلية صلاة الجماعة على صلاة الفذ، فدل ذلك على جواز الصلاة بدون جماعة، وإذا ثبت ذلك دل ذلك على أن الجماعة سنة ليست فريضة؛ لأنها لو كانت فريضة لما صح صلاة الرجل بدون جماعة (١). ثانياً: إن بعض هذه الأحاديث فيه أن بعض الصحابة-﵃ صلوا بغير جماعة، ثم أدركوا الجماعة فلم يصلوها جماعة، فلم ينكر عليهم النبي ﷺ صلاتهم بغير جماعة، وإنما أنكر عليهم عدم إعادتهم الصلاة جماعة إذ أدركوها، فدل ذلك على أن صلاة الجماعة سنة وليست فرضاً وإلا لأنكر عليهم النبي ﷺ ذلك (٢). واعترض عليه: بأن غاية هذه الأدلة هي صحة صلاة من صلى وحده، وأن الجماعة ليست شرطاً لصحة الصلاة، ولا يلزم من الوجوب الاشتراط،

стр. 981

فهي واجبة ولكن ليست بشرط لصحة الصلاة (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنها فرض كفاية- بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ، والتي فيها بيان أفضلية صلاة الجماعة على صلاة الفذ؛ حيث إنها تدل على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين؛ لأن المفاضلة إنما تكون حقيقتها بين فاضلين جائزين (٢). ثانياً: عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاةُ إلا استحوذ (٣) عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية (٤) (٥). فهذا يدل على وجوبها، لكن صرفه عن الوجوب العيني الأحاديث التي

стр. 982

تدل على أفضلية الجماعة على صلاة الفذ؛ حيث أن تفضيل أحد الفعلين يشعر بتجويزهما جميعاً (١). واعترض عليه: بأن صلاة الجماعة لو كانت فرض كفاية لما أنكر النبي ﷺ على من تخلف عنها مع أنه قد حضرها مع النبي ﷺ جماعة من الصحابة-﵃ (٢). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أن صلاة الجماعة واجبة- بأدلة منها ما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية (٣). ولو لم تكن الجماعة واجبة لرخص في تركها في حالة الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها (٤). ثانياً: ما سبق في دليل القول الثاني من حديث أبي الدرداء ﵁،

стр. 983

وفيه: (فعليك بالجماعة) فإن فيه الأمر بالجماعة، وظاهر الأمر للوجوب (١). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب ليُحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأُحرق عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» (٢). فهذا الحديث ظاهر في وجوبها، إذ لو كانت غير واجبة لما توعد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ﷺ ومن معه، فدل على أنها واجبة (٣). واعترض عليه: أ- بأن الحديث ورد في حق المنافقين، وسياق الحديث يقتضي ذلك، إذ لا يظن بالمؤمنين من الصحابة-﵃ أنهم يؤثرون العظم السمين على حضور الجماعة مع رسول الله ﷺ . فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصه، لذلك لا يصح الاستدلال منه على الوجوب (٤).

стр. 984

وأجيب عنه: بأن النبي ﷺ إنما علق الحكم على التخلف عن الصلاة، لا بخصوص المنافقين، على أن النبي ﷺ كان معرضاً عن عقوبتهم (١). ب-بأن المراد بالحديث من يتخلف عن الجمعة، كما جاء في بعض الروايات (٢). وأجيب عنه: بأن حديث أبي هريرة ﵁ لا تختص الصلاة فيها بالجمعة، والحديث في التخلف عن الجمعة حديث مستقل، فهما واقعتان، على أنه لو أراد الجمعة لما هم بالتخلف عنها (٣). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله ﷺ أن يُرَخِّص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» فقال: نعم. قال: «فأجب» (٤). وإذا لم يرخص للأعمى الذي لا يجد قائداً في التخلف عنها فغيره أولى (٥). خامساً: عن عبد الله ﵁ قال: (من سرَّه أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي

стр. 985

هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة، ويحطُّ عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى (١) بين الرجلين حتى يقام في الصف) (٢). وهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من صفات المنافقين، وقد نُهينا عن التشبه بهم، فدل ذلك على وجوبها (٣). سادساً: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له، إلا من عذر» (٤).
следующие страницы →