Полный текст (803 стр.). Показаны 205–244 · переход к 210.
стр. 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) .
وقال الإمام أبو عَمْرو بن الصلاح - عقيب قول أحمد: مَنْ سمع مِنْ عبد الرزاق بعد العَمَى لا شيء -: "وجَدْتُ أحاديثَ رواها الطبراني، عن الدَّبَري، عن عبد الرزاق استنكرتها، فأحَلْتُ أَمْرَها على ذلك" وانظر له "إكمال تهذيب الكمال" (٨/ ٢٦٦) رقم(٣٢٩١) .
وأذكر من باب الاستطراد: بقية طرق حديث حذيفة التي وقفتُ عليها، ثم أتمم تخريج الحديث، فأقول والله المستعان، وعليه التكلان:
أخرجه البزار في "البحر الزخار" (٧/ ٢٩٩) رقم(٢٨٩٥) والحاكم (٣/ ٧٠) وأبو نعيم مختصرًا (١/ ٦٤) من طريق شريك عن أبي اليقظان عن أبي وائل عن حذيفة رفعه.
وقال البزار عقبه: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن حذيفة إلا بهذا الإسناد، وأبو اليقظان اسمه عثمان بن عمير".
وإسناده ضعيف، عثمان أبو اليقظان ضعّفوه.
وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٠٠ - ترجمة عمر/ تحقيق سكينة الشهابي) من طريق عمرو بن عبد الغفار الفقيمي عن شريك عن عمار الدُّهني عن سالم عن أبي الجعد عن حذيفة به مرفوعًا. وشريك شيعي، لين الحديث، وعمرو الفقيمي هو آفة هذا الطريق، قال ابن المديني: رافضي، تركته لأجل الرفض، وقال العقيلي وغيره: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: متروك =
_________(١) هو كذلك، ففيه تفضيل عليّ على الشيخين ﵃، وهذا يخالف نصوصًا كثيرة.стр. 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٦٨) بقوله: "يرويه زيد بن يُثَيْع واختلف عنه؛ فرواه أبو إسحاق، واختلف عن أبي إسحاق أيضًا، فقال يونس بن أبي إسحاق وإسرائيل من رواية عبد الحميد بن أبي جعفر الفرَّاء عنه، وفُضَيْل بن مرزوق وجميل الخيَّاط: عن أبي إسحاق عن زيد بن يُثَيْع عن علي، وقال الحسن بن قُتَيْبة: عن يونس بن إسحاق عن أبي إسحاق عن زيد بن يُثَيْع عن سلمان الفارسي. وقال الثَّوْري: عن أبي إسحاق عن زيد بن يُثَيْع عن حُذَيْفَة. وقال شَرِيك: عن أبي إسحاق وعثمان أبي اليَقْطَان عن أبي وائل عن حُذَيْفة. وقال إسرائيل: عن أبي إسحاق عن زيد بن يُثَيْع مُرْسَلًا، لم يذكر عليًّا، ولا حُذَيْفَة، والمُرْسَلُ أشْبَهُ بالصواب".
قلت: أخرجه أحمد في "المسند" (١/ ١٠٨ - ١٠٩) وفي "الفضائل" (١/ ٢٣١) رقم(٢٨٤) وابنه عبد الله في "السنة"(١١٨٦) ومن طريقهما الضياء في "المختارة" (٣/ ٨٦) رقم(٤٦٣) وابن الأثير في "أسد الغابة" (٤/ ٣٠ - ٣١) وابن الجوزي في "العلل"(٤٠٦) وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (١/ ٢٥٣) جميعهم من طريق إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق عن جده أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي رفعه.
وهذه أصلح طرقه، وسبق ذكر الذهبي لها.
ورواه كذلك عن أبي إسحاق: فُضيل بن مرزوق - وهو صدوق يهم، ورمي بالتشيع - عند البزار في "البحر الزخار" (٣/ ٣٢ - ٣٣) رقم(٧٨٣) - وقال: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد" - والطبراني في "الأوسط" (٢/ ٣٤١) رقم(٢١٦٦) - وقال: "لم يرو هذا الحديث عن فضيل إلا زيد بن الحُباب" - والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٧٠) - وقال: "صحيح"، وتعقبه الذهبي في "التلخيص" بقوله: "قلت: فيه فضيل بن مرزوق ضعّفه ابن معين، وقد خرج له مسلم، لكن هذا الخبر =стр. 207
فهذا إسناد صورته صورة الاتصال، وهو منقطع (١) في موضعين، الحواشي
(٤٠٧) - من طريق أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن سلمان، تفرد به الحسن بن قتيبة عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه.
والحسن بن قتيبة متروك، وانظر له "الضعفاء الكبير" (١/ ٢٤١) رقم(٢٨٧) .
والخلاصة: إن الحديث ضعيف، وزيد بن يثيع لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي، كما قال مسلم في "المنفردات والوحدان" (ص ١٣٧) رقم(٣٦٩) ، وقول ابن حجر عنه في "التقريب" - كذا رأيته بخطه فيه -: "ثقة" من التساهل الشديد! وخبره مردود لاضطرابه فيه، والعجب من الحاكم فإنه صححه في "المستدرك" ولم يعلّه بالانقطاع الذي نص عليه في "المعرفة"!!(١) قال الحافظ ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح" (٢/ ٥٧٢): "إن هذا المثال إنما يصلح للحديث المدلّس؛ لأن كل راوٍ من رواته قد لقي شيخه فيه، وسمع منه، وإنما طرأ الانقطاع فيه من قبل التدليس؛ والأولى في مثال المنقطع أن يذكر ما انقطاعه فيه من عدم اللقاء؛ كمالك عن ابن عمر ﵁ والثوري عن إبراهيم النخعي، وأمثال ذلك"، وينظير له كتابي "بهجة المنتفع"(٣٦٠) .стр. 208
فإن عبد الرزاق لم يسمع من الثَّوريِّ، وإنما سمعه من النُّعمان بن أبي شَيبة الجَنَدِيّ عن الثَّوريِّ، ولم يسمعه الثَّوريُّ من أبي إسحاق، وإنما سمعه من شريك، عن أبي إسحاق.
ومثال الثاني: ما روي عن أبي العلاء بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن رجلين، عن شداد بن أوس، عن رسول الله ﷺ في الدعاء في الصلاة: "اللّهم إني أسألك الثبات في الأمر" (١) . الحواشي
(١) أخرجه الحاكم النيسابوري (محمد بن عبد الله) في كتابه "معرفة علوم الحديث" (١٧٣/ رقم ٥٠) في (ذكر النوع التاسع من علوم الحديث): (معرفة المنقطع من الحديث) وقال على إثره: "هذا الإسناد مثل لنوعٍ من المنقطع، لجهالة الرجلين بين أبي العلاء بن الشخّير وشداد بن أوس، وشواهده في الحديث كثيرة" - ومن طريق الحاكم أبو عمرو الداني في "جزئه في علوم الحديث" (رقم ٧٦ - بتحقيقي) - وحذف الحاكم أوله، وفيه: "ما من عبد مسلم يأوي إلى فراشه، فيقرأ سورة من كتاب الله حين يأخذ مضجعه، إلا وكّل الله به ملكًا لا يدع شيئًا يقربه ويؤذيه، حتى يهبّ من نومه متى هبّ".
وأخرجه مقتصرًا على هذه القطعة: النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤٧٢/ رقم ٨١٢) - وعنه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (رقم ٧٤٨ - مع "عجالة الراغب المتمني") - أخبرنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ثنا عبد العزيز بن موسى عن هلال بن حِقّ عن الجريري عن أبي العلاء به، وفي هذه الطريق عند ابن السني: "هلال بن حِقّ قديم السَّماع من الجُرَيري".
وهذه فائدة مهمة، فالجُريري - واسمه: سعيد بن إياس، ثقة، ولكنه اختلط قبل موته بثلاث سنين -.
وممن رواه عنه قبل اختلاطه - فيما وقفت عليه - اثنان، هما:
* سفيان الثوري، وقال: "عن الحنظلي أو رجل من بني حنظلة" أخرجه الترمذي(٣٤٠٧) والطبراني (٧/ رقم ٧١٧٥) - ومن طريقه ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٣/ ٧٣) - ومحمد بن عبد الواحد الدقاق في "معجم =стр. 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٢٢٧) والطبراني في "الكبير" (٧/ رقم ٧١٨٠) وفي "الدعاء، (رقم ٦٢٧) - ومن طريقه ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٣/ ٧٥) - وابن حبان (٢٤١٦ - موارد) من طرق عن حماد بن سلمة به.
قال ابن حجر في "إتحاف المهرة" (٦/ ١٦٨) عقب رواية ابن حبان: "هذا الحديث لم يسمعه أبو العلاء من شداد، وإنما سمعه من رجل من بني حنظلة، عن شداد، وكذا هو في الترمذي والنسائي".
وقال شيخنا في "الصحيحة"(٣٢٢٨) : "ورجاله ثقات، لكنه منقطع بين العلاء وشداد".
وممن أثبت الواسطة بينهما، فرواه عن الجُريري به:
* يزيد بن هارون، وقال: "عن الحنظلي أو رجل من بني حنظلة".
أخرجه أحمد (٤/ ١٢٥) - ومن طريقهه عبد الغني المقدسي في "الترغيب في الدعاء" (ص ١٤٥ - ١٤٨/ رقم ٨٥) - وابن حجر في "نتائج الأفكار" (٣/ ٧٢).
* وهكذا قال خالد بن عبد الله الواسطي، مثل يزيد وسفيان.
أخرجه الطبراني في "الدعاء" (رقم ٢٧٥) وفي "الكبير" (رقم ٧١٧٩، ٧١٧٧) ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٦٧) وابن حجر في "نتائج الأفكار" (٣/ ٧٢).
* وهكذا قال: سالم بن نوح.
أخرجه عمر بن شبة ومن طريقه ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٣/ ٧٢).
بينما قال عدي بن الفضل: "عن رجلين قد سماهما" أخرجه الطبراني في "الكبير"(٧١٧٩) ، وفي "الدعاء"(٦٢٦) . =стр. 210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فهؤلاء الرواة عن الجُريري: هلال وابن الفضل قالا: "رجلين"، وقال هلال: "من بني حنظلة"، وقال عدي: "أنه قد سماهما"، وأسقطهما بالكلية حماد بن سلمة، وقال خمسة آخرون: "عن رجل"، قال الثوري ويزيد وخالد وسالم: "من بني حنظلة"، وقال بشر: "من بني مجاشع". وهذا تفصيل الإجمال الذي ذكره أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٦٧) لما قال: "ورواه الثوري وبشر بن المفضل وعدي بن الفضل وحماد بن سلمة عن الجريري، على اختلاف بينهم، في مَنْ بين شداد وأبي العلاء" انتهى.
قال أبو عبيدة: والراجح من الوجوه والألوان السابقة: "عن رجل من بني حنظلة" وهو قول الجماهير، بما فيهم سفيان، وهو ممن سمع الجريري قبل الاختلاط، نَصَّ على ذلك العجلي وغيره.
ثم نظرت في "جمهرة النسب" (ص ١٩٤ - ١٩٥) للكلبي، فوجدت (بني مالك بن حنظلة): "ولد مالك بن حنظلة دارمًا"، و"ولد دارم بن مالك: مجاشعًا" فلا خلاف بين القولين، ويكون بشر - وهو من الثقات الأثبات الذين سمعوا من سعيد الجريري قبل الاختلاط - قد حفظه، وتابعه عليه مطرف بن الشخير كما سيأتي، وحينئذ تكون الأقوال مؤتلفة غير مختلفة.
بقي قول من قال: "قد سماه" فيستفاد منه أنه معروف عند الجريري!
وظفرتُ في "النكت على مقدمة ابن الصلاح" (٢/ ٨ - ٩) للزركشي: "قال بعضهم: ويُشبه أن يكون هذا الرجل هو المطلب بن عبد الله الحنطلي"، وكذا قال ابن الملقن في "المقنع في علوم الحديث" (١/ ١٤٣)، ولا أدري ما مستندهما في ذلك! وظفرتُ براوٍ قد رواه عن شداد بن أوس، ويكنى (أبا الأشعث الصنعاني) واسمه: شراحيل بن كليب بن آده الصنعاني، نسبة لصنعاء اليمن، وترجمه غير واحد في أهل اليمن، منهم: الرازي (ت ٤٦٠) في "تاريخ صنعاء" (ص ٣٠٠) قال: "وكان شراحيل بن شرحبيل بن كليب بن أذرَشير من الأبناء، وهو أبو الأشعث الصنعاني، نزل أخيرًا دمشق. وتوفي بها".
قلت: وبها أخذ عن شداد، وسمع منه هذا الحديث، وترجمه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٤٣٦ - ٤٤٢).
وقوله: "من الأبناء" معناه: من أبناء الفرس القادمين مع سيف بن ذي =стр. 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٢٥) تحت (ممن لم يحفظ لنا نسبه) فإن كان هو الرجل من مجاشع أو من بني حنظلة فبالولاء لا الصُّلب، إلا أن تكون (كليب) التي ينسب إليها هي قبيلة كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم، كما في "موسوعة قبائل العرب" (٥/ ١٨٧٢).
ويؤيد ذلك أن شراحيل نسب إلى (كليب)، نقله ابن عساكر في "تاريخه" (٢٢/ ٤٣٨) عن ابن معين والبخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٢٥٥) وابن سعد في "الطبقات" (٥/ ٥٣٦) وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٤٧٣) ومسلم بن الحجاج في "الكنى" (١/ ٩٩) والدولابي في "الكنى والأسماء" (١/ ١٠٩) وأبو أحمد الحاكم في "الكنى والأسامي" (١/ ٤٢٧) وجماعة، وهو الذي ارتضاه صاحب "الكمال" (١٢/ ٤٠٨، تهذيب المزي) وتتابع عليه مترجموه.
فإن ثبت هذا، فيحول هذا المثال!
وهذا تخريج رواية أبي الأشعث عن شداد:
أخرجه الطبراني في "الكبير" (٧/ رقم ٧١٣٥) ومن طريقه أبو نعيم (١/ ١٦٦) وابن عساكر (٤١٣/ ٢٢ و ٥٦/ ٢٧٤) من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن يزيد الرحبي عن أبي الأشعث به. وسنده جيد، رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف لا يضر، قاله شيخنا الألباني في "الصحيحة"(٣٢٢٨) وزاد بعد كلام، وأن طرقًا له "كلها لا تخلو من ضعف أو جهالة أو انقطاع".
قلت: ليس كذلك؛ فهذا الإسناد حسن، فمحمد بن يزيد الرحبي الدمشقي روى عنه جمع جلهم ثقات، أورد ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٢٧٤) منهم سبعة، اثنان منهم ثقات، والباقون صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٩/ ٣٥).
وفات المعلّق على "الإحسان" إيراد هذا الطريق، ولم يفصح عن درجة الحديث، وجزم في "الموارد" (٢/ ١٠٨٩) بضعفه، فتعقبه شيخنا الألباني في "الصحيحة"(٣٢٢٨) ؛ فغيَّر الحكم، فحسَّنه لطرقه في تعليقه على "المسند" =стр. 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥) ، وابن قتيبة في "عيون الأخبار" (٢/ ٣٠٤) وابن عساكر - واختصره - (٢٢/ ٤١١) من طريق عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وأحمد (٤/ ١٢٣) حدثنا رَوح، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٦٦ و ٦/ ٧٧ - ٧٨) وابن حجر في "نتائج الأفكار" (٣/ ٧٦) من طريق يحيى بن عبد الله البابلتي جميعهم عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس في سفر، فنزل منزلًا، فقال لغلامه، ائتنا بالسُّفرة نعبث بها، فأنكرتُ عليه، فقال: ما تكلّمتُ بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطِمُها وأزمُّها غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي، واحفظوا مني ما أقول لكم: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا كنز الناس الذهب والفضة … " الحديث.
ورواه مختصرًا عن الأوزاعي دون ذكر الحديث: ابن المبارك في "الزهد" (ص ٢٨٩) ومن طريقه ابن عساكر (٢٢/ ٤١٢) والسهروردي في "عوارف المعارف" (ص ٣٩). قال ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٣/ ٧٦): "رجاله من رواة الصحيح، إلا أن في سماع حسان بن عطية من شداد نظر". وقال أبو =стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٩٣٥) والطبراني في "الكبير"(٧١٥٧) وفي "الدعاء"(٦٣٠) وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٦٦) من طريق سُويد بن عبد العزيز قال: حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي عبيد الله مسلم بن مِشْكم قال: خرجت مع شداد بن أوس، فذكر قصة فيها هذا الحديث.
وسويد بن عبد العزيز لين الحديث، وباقي رجاله ثقات، وحسان بن عطية لم يدرك شدادًا، وهو ممن يروي عن مسلم بن مِشكم، فإن كان هو الواسطة بين حسان وشداد، فيكون سويد متابعًا من اثنين من الثقات، وآخر ضعيف وهو البابلتي.
ومسلم بن مِشْكم، ثقة، وثقه أبو مسهر ودُحيم ويعقوب بن سفيان، والعجلي وابن حبان، وهو خزاعي، فأستبعد أن يكون هو (رجل من بني حنظلة) أو (من بني مجاشع).
ورواه الأوزاعي عن جُماهِر بن حميد أبي المنيب الجُرَشي عن شداد رفعه: "إذا رأيتم الناس يكنزون الذهب والفضة … ".
أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١١/ ٢٤٧) وأسند إلى علي بن المديني، قوله: "وأبو المنيب عندي لم يسمع من شداد شيئًا، ولم يُدْركه، كان الأوزاعي يروي عن أبي المنيب هذا" قال: "جُماهِر بن حُميد الجُرَشي مجهول لم يرو عنه غير يعلى".
وظفرتُ بطرق أخرى لهذا الحديث، هي:
أخرجه أبو نعيم (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦) من طريق برد بن سنان عن سليمان بن موسى أن شداد بن أوس قال يومًا: هاتوا السفرة. وذكر نحو القصة المذكورة آنفًا، وفيه: "دعوا هذه وخذوا خيرًا منها: اللهم إنا نسألك التثبت في الأمر … " وأورده لم ينمه إلي النبي ﷺ ، وقال عقبه:
"كذا رواه سليمان بن موسى موقوفًا ورواه حسان بن عطية عن شداد مرفوعًا".
قلت: وسليمان هذا هو الأشدق، وله أوهام وغرائب، وهو من صغار التابعين، وفي سماعه من شداد نظر!
وأخرجه أبو نعيم (١/ ٢٦٧) من طريق أبي معشر عن محمد بن عبد الله =стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الشُّعيثي عن شداد، وأسنده، وذكر القصة على نحو مُخالِفٍ فيه للجماعة، فقال: شيّع شداد غزاةً، فدعوه إلى سفرتهم، فقال: لو كنت أكلت طعامًا منذ بايعت رسول الله ﷺ ، حتى أعلم من أين هؤلاء؛ لأكلت، ولكن عندي هدية، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إني أسألك الثبات … " الخ.
واسم أبي معشر: عبد الرحمن بن أبي نجيح المدني، ضعيف، وقال ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٧٧/ ٣) وأشار إلى طريقي أبي نعيم: "في كل منهما انقطاع".
وظفرت بالحديث وفيه القصة مجودة على وجه التمام والكمال، ورواه مطرف بن الشّخير عن رجل من بني مجاشع.
أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٤١٢ - ٤١٣) بسنده إلى علي بن عبد الله المديني، ثنا عبد الأعلي بن عبد الأعلى عن رجل، عن مُطَرّف بن عبد الله بن الشخير عن رجل من أهل بلقين قال: - وأحسبه من بني مُجَاشع - قال: انطلقنا نؤم البيت فلما علونا في الأرض إذا نحن بأخبية مثبوتة وإذا فيها بفُسطاط، فقلت لصاحبي: عليك بصاحب الفُسطاط فإنه سيد القوم، فلما انتهينا إلى باب الفسطاط فسلّمنا، فردّ السلام، ثم خرج إلينا شيخ، فلما رأيناه هبناه مهابة لم نهبها ولدًا قط ولا سلطانًا، فقال: ما أنتما؟ قلنا: فئة نؤم البيت، قال: وأنا قد حدثتني نفسي بذاك، ولا أراني إلّا سأصحبكم، ثم نادى للرجال، فخرج إليه من تلك الأخبية شباب يدقون إليه كما تدق النسور، فجمعهم ثم خطبهم، وقال: إني تذكرت بيت ربي، ولا أراني إلا زائره، فجعلوا ينتحبون عليه بكاء، فالتفتُّ إلى شابٍّ منهم فالتفت إليّ وقال: لا تعرفه؟ قلت: لا، قال: هذا شداد بن أَوْس صاحب رسول الله ﷺ ، كان أميرًا فلما أن قتل عثمان اعتزلهم، قال: ثم دعا لنا بسويق له عريض فجعل يبس لنا ويطعمنا وشقينا، فلما حضر خروجه خرجنا معه، فلما علونا في الأرض قال لغلام له: يا غلام؛ اصنع لنا طعامًا ما نقطع عنا الجوع بصغره، كلمة قالها ما تمالكنا أن ضحكلنا، فالتفت فرآنا فقال: ما لي أراكم إلا صغار فكما قلنا: يرحمك الله، إنك كنت لا تكاد أن تتكلم فلما تكلمت لا نتمالك أن ضحكنا، وإنا نغيضك يرحمك الله، قال: وما أراني إلّا مفارقكم، =стр. 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٦٧٥) "!
وأفاد شيخنا الألباني في "تمام المنة"(٢٢٥) خطأ تقييد الدعاء الذي فيه بعد التشهد الأخير وقبل السلام، كما ذهب إليه سيد سابق في "فقه السنة" (ص ١٢٩)، وحكمه على ما في "جامع الترمذي" إنما هو على الإسناد فقط، بخلاف ما في "السلسلة الصحيحة"(٣٢٢٨) فهو على مجموع الطرق، =стр. 216
وأطلق الشَّافعيَّ وأبو القاسم الطبراني المقطوع على المنقطع (١) .
[المعضَل ومثاله]:
٥٠ - الفرع الثاني: المعضَل، بفتح الضاد، وهو الذي سقط منه أكثر من واحد، وهو أخص من المنقطع، إذ يطلق عليه المنقطع أيضًا.
مثاله: كما إذا قال الشافعي: عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ وترك مالكًا ونافعًا.
وإذا قال تبع التابعي: قال رسول الله ﷺ ، كان معضلًا أيضًا.
وقال أبو نصر السجزي: نحو قول مالك: بلغني عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : "للمملوك كسوته وطعامه … " (٢) الحديث، يسمِّيه أصحاب الحديث معضلًا. الحواشي
(٢٢٥) من التضعيف للتحسين، وكذا من "تخريج المشكاة"(٩٥٥) ، و"ضعيف النسائي"(١٣٠٣) ، و"ضعيف الجامع"(١١٩٠) ، وظفرتُ بمراجعته عن تضعيفه في "هداية الرواة" (١/ ٤٢٨) رقم(٩١٥) وفات هذا محمد حسن الشيخ في "تراجع العلامة الألباني فيما نص عليه تصحيحًا وتضعيفًا" وعودة حسن عودة في "(٥٠٠) حديث مما تراجع عنها العلامة المحدث الألباني في كتبه".(١) شهر هذا القول عن أبي بكر البرديجي، ووقوع (المقطوع) على (المنقطع) في كلام الشافعي والطبراني بناءً على أن المنقطع كل ما لا يتصل إسناده، سواء كان يُعزى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره.
انظر: "محاسن الاصطلاح"(٢١٤) ، "الكفاية"(٥٩) ، "شرح العراقي على الألفية" (١/ ١٢٤)، "جزء في علوم الحديث" لأبي عمرو الداني(١١٣) وتعليقي عليه.(٢) أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٨٠ - الليثي) و (٢/ ١٦٠ رقم ٢٠٦٤ - رواية أبي مصعب الزهري) و (٥٩٩/ ١٤٦٤ - رواية سويد بن سعيد). ورواه مالك موصولًا فقد وصله عنه اثنان: =стр. 217
وقال الشيخ تقي الدين: "قول الفقهاء وغيرهم: قال رسول الله ﷺ : كذا وكذا، كله من قبيل المعضل" (١) ، وذكر أيضًا في المعلق كما ذكرنا، فيكون بعضُ المعلّق معضلًا وبعضه غيره، فبينهما عمومٌ من وجه.
وقال الحاكم: "إذا روى تابع التابعيّ عنه حديثًا موقوفًا عليه وهو حديث متَّصلٌ مسندٌ إلى رسول الله ﷺ فهو معضل أيضًا، كما إذا روى عن الأعمش، عن الشعبي، عن أنس، عن رسول الله ﷺ متصلًا" (٢) . الحواشي
(٨٩) ، كلاهما عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة به.
قلت: والحديث له أوجه أخرى متصلة، منها ما أخرجه مسلم(١٦٦٢) من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكير بن الأشج حدثه عن العجلان مولى فاطمة عن أبي هريرة به.
وقال مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٢٠/ ب): "ولم يذكر من بينهما - أي بين مالك وأبي هريرة - وهو مذكور في كتاب "الغرائب" للدارقطني، و"الكفاية" للخطيب"، ثم قال: "ثم إنّ ابن الصلاح أبعد فيه النجعة، إذ هو مذكور في كتاب الحاكم، وسماه معضلًا، ثم ذكر وصله خارج "الموطأ"، كما ذكرناه " ثم قال: "فينبغي للعالم بهذه الصناعة أن يميز بين المعضل الذي لا يوصل والمعضل الدي يوصل، ويبين ما أعضله الراوي في وقت ثم وصله في وقت".(١) "المقدمة" (ص ٦٠).(٢) "معرفة علوم الحديث" (ص ١٩٥ - ١٩٦)، وعبارة المصنف مشوشة، وعبارة الحاكم: "والنوع الثاني من المعضل: أن يعضله الراوي من أتباع التابعين، فلا يرويه عن أحد، ويوقفه فلا يذكره عن رسول الله صلى الله عليه وآله معضلًا، ثم يوجد ذلك الكلام عن رسول الله ﵌ متصلًا".стр. 218
قال الشيخ تقي الدين: "هذا باسم المعضل أولى، لأن هذا الانقطاع بواحد مضموم إلى الوقف، فيشتمل على الانقطاع باثنين الصحابي ورسول الله ﷺ " (١) .
وفيه بحث ظاهر، والله أعلم بالصواب (٢) .
فروع:
[المرفوع]:
٥١ - الأول: المرفوع: ما أسند إلى رسول الله ﷺ خاصة من قوله أو فعله أو تقريره، متّصلًا كان أو منقطعًا.
[الموقوف]:
٥٢ - والموقوف: ما أسند إلى الصَّحابيِّ من قوله أو فعله، ولا يقع على غير ذلك.
[المقطوع]:
٥٣ - والمقطوع: الموقوف على التابعي من قوله أو فعله. الحواشي
(١) "المقدمة" (ص ٦١) والعبارة فيها تصرف.(٢) قال السيوطي في "تدريب الراوي" (٣٢٨/ ١) نقلًا عن شيخه الشُّمِّنيِّ: "خص التبريزي المنقطع والمعضل بما ليس في أول الإسناد، وأما ما كان في أوله، فمعلَّق، وكلام ابن الصلاح أعم". وقال الحافظ ابن حجر في "نزهة النظر" (ص ١٠٨ - ١٠٩): "بين المعلق والمعضل عموم وخصوص من وجه، فمن حيث تعريف المعضل بأنه ما سقط منه اثنان فصاعدًا يجتمع مع بعض صور المعلق، ومن حيث تقييد المعلق بأنه من تصرف مصنف من مبادئ السند يفترق عنه، إذ هو أعم من ذلك".стр. 219
[الموقوف الذي له حكم الرفع]:
٥٤ - فإذا قال الصحابي: كُنَّا نفعل، كذا، نظر؛ فإن أضاف إلى زمان النبي ﷺ فهو من قبيل المرفوع، لأن الظاهر أن رسول الله ﷺ : اطلع على ذلك وأقرهم، وتقريره حجة مرفوعة كما بيَّنَّا.
٥٥ - ومنه قول الصَّحابي: كنا لا نرى بأسًا بكذا ورسول الله ﷺ فينا، أو كان كذا وكذا على عهده، أو كانوا يفعلون كذا في حياته، أو كنا نعزل والقرآن ينزل (١) ، فكل ذلك وأشباهه (٢) مرفوعٌ مسندٌ مخرَّج في كتب المساند.
وإن لم يضف إلى زمانِ رسول الله ﷺ ، بل قال الصَّحابي: كنا نفعل كذا، أو كان الصَّحابة يعملون كذا؛ فهو أيضًا حُجَّةٌ لا لكونه مرفوعًا، بل لكونه ظاهرًا في الإجماع (٣) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم(٥٢٠٩) ، ومسلم في "صحيحه" برقم(١٤٤٠) .(٢) مثل: "أوجب علينا كذا … " و"حرم علينا كذا … " أو "أُبيح لنا كذا … " أو "أُحل لنا كذا … "، وهذا أظهر في الرفع، ويبعد تطرّق أي احتمال من احتمالات المعكرين على رفعه، ومثله: "ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك"، وانظر الثمر المستطاب" (٢/ ٤٠٤)، "التعليقات الرضية" (٣/ ٦٣)، "الإرواء" (٢/ ٢٣).(٣) هذه العبارات لها جهتان: جهة الفعل، وهو صادر عن الصحابة، فتكون موقوفة، وجهة التقرير، وهو مضاف إلى النبي ﷺ ، من حيث إن الأمر أو الفعل أو النهي لا يصدر إلا منه، والفطرة لا تدرك إلا بخبر.
ولاحظ أن قوله (كنا) على الجمع يعطي حجية أقوى من قول الواحد، واحتمال أن يخفى هذا القول بحيث لا يطلع عليه النبي ﷺ ضعيف، فالظاهر من حال الصحابي مع عدالته، ومعرفته بأوضاع اللغة، أنه لا يطلق ذلك إلا فيما تحقق أنه أمر أو نهي من غير شك، نفيًا للتلبيس عنه ما يوجب على سامعه =стр. 220
وذكر الحاكم فيما روى عن المغيرة بن شعبة قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه بالأظافر" (١) أن هذا يتوهّمه مَن ليس من أهل الحواشي
(١) أخرجه الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ١٤٥) - ومن طريقه أبو عمرو الداني في "جزء في علوم الحديث في بيان المتصل … " رقم (٥٢ - بتحقيقي)، والسلفي في "المجاز والمجيز" (ص ١٤٤)، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (٢/ ١٧١ - ١٧٢)، رقم(٦٥٩) -: حدثنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ بأسداباذ، ثنا محمد بن أحمد الزيبقي، ثنا زكريا بن يحيى المنقري، ثنا الأصمعي، حدثنا كيسان مولى هشام بن حسان، عن محمد بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن المغيرة بن شعبة قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه بالأظافير".
وعند السلفي: "كيسان مولى هشام بن حسان عن محمد بن سيرين" فأسقطه. نعم، بخط المؤتمن الساجي في حاشيته على "المعرفة": "كذا في كتابه، ومحمد بن سيرين مشهور، ولا يعرف محمد بن حسان".
قلت: ولذا أسقطه بعض نساخ الأصل كما في هامشه، وفي هامش نسخ أخرى منه: "كذا وقع عن محمد بن حسان، وصوابه عن هشام بن حسان، والله أعلم".
قال أبو عبيدة: ليس كذلك، والصواب ما صوّبه البيهقي، ودليله: ما قاله السخاوي "فتح المغيث" (١/ ٢١٣) بعد ذكره لتخريج الحاكم له، =стр. 221
الصَّنعة مسندًا، يعني: مرفوعًا لذكر رسول الله ﷺ ، وليس بمسندٍ، بل هو موقوف، وكذلك قاله الخطيب (١) . الحواشي
(١) في "الجامع" (٢/ ٢٩١)؛ فقد قال: "فهذا يتوهمه من ليس من أهل الصنعة مسندًا لذكر رسول الله ﷺ فيه، وليس بمسند، وإنما هو موقوف على صحابي، حكى فيه عن غير النبي ﷺ فعلًا".
قال أبو عبيدة: ولي هنا ملاحظات:
الأولى: نقل كلام الحاكم أيضًا: أبو عمرو الداني في "جزئه … " (فقرة رقم ٥٤ - بتحقيقي)، والسخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٢١١). =стр. 222
وقال الشيخ تقي الدين (١) : "بل هو مرفوعٌ، لكونه أحرى باطلاعه ﷺ ، فكان مراد الحاكم أنه موقوفٌ من جهة اللفظ، وهو كذلك".
[تعقب ابن الصلاح]:
قلت: في صحة هذا الحديث بحث، لما طعن بعض الحفاظ في رواته، وعلى تقدير الصِّحة (٢) ؛ فإن ثبت عدم اطلاعه ﷺ فهو من قبيل الموقوف، وإلا فهو مرفوع (٣) ، إذ لا فرق بينه وبين قوله: "كانوا يفعلون كذا"، "كانوا لا يرون بأسًا بكذا في حياته"، كيف نجعل هذا مرفوعًا مطلقًا، ونجعل ذاك مرفوعًا معنى، وموقوفًا بحسب اللفظ؟ والله أعلم.
٥٦ - وأما إذا قال الصَّحابيُّ: أُمرنا بكذا، أو نُهينا عن كذا، فالصَّحيح أنه مسنذ مرفوع أيضًا عند علماء الحديث والأصوليين، لأن مطلق الاسم بظاهره يصرف إلى من إليه الأمر والنهي، وكذلك قول الصحابي: من السُّنَّة كذا، إذ لا يراد عند الإطلاق إلا سنَّة النبي ﷺ ، الحواشي
(١) "المقدمة" (ص ٤٩).(٢) هو كذلك، كما بيّنَّاه في التخريج.(٣) انظر كتابي "بهجة المنتفع" (ص ٢٩٥ - ٢٩٧).стр. 223
ومنه قول أنس: "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" (١) .
ولا فرق بينَ أن يُضيف إلى زمان النَّبي ﷺ أو أطلق.
[متى يكون تفسير الصحابي مسندًا]:
٥٧ - وأما تفسير الصحابي الآية؛ فإن كان مما يتعلّق بسبب نزولها؛ فهو مسند مرفوع يخبر به الصَّحابي أو غيره، كقول جابر ﵁:
"كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ " (٢) .
وإن لم يتعلَّقْ به؛ فمعدود من الموقوفات (٣) .
[صيغ المرفوع]:
٥٨ - وأما ما قيل في إسناده عند ذكره الصحابي: مرفوعًا، أو يرفعه، أو يبلغ به، أو يُنْميه، أو رواية، أو نحو ذلك كما روي عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رواية: "تقاتلون قومًا صغارَ الأعين .. " (٤) الحديث.
وبه عن أبي هريرة يبلغ به قال: "الناس تبع لقريش … " (٥) الحديث. الحواشي
(١) أخرجه البخاري (٦٠٣، ٦٠٥، ٦٠٦، ٦٠٧، ٣٤٥٧)، ومسلم(٣٧٨) .(٢) أخرجه البخاري(٤٥٢٨) ، ومسلم(١٤٣٥) .(٣) ينظر تحرير هذا كتابيَّ: "الإمام مسلم ومنهجه في "الصحيح" ٢/ ٥٥٨ - ٥٦٠)، "بهجة المنتفع" (ص ٢٩٩ وما بعدها) وفيه تعقب مَنْ قَرَّر خلاف هذا.(٤) أخرجه البخاري (٢٩٢٨، ٢٩٢٩، ٣٥٨٩، ٣٥٩٠)، ومسلم(٢٩١٢) .
وانظر (رواية) ولها حكم الرفع في "المستدرك" (٤/ ١٢٦)، و"السلسلة الصحيحة"(٦٢٧) .(٥) أخرجه البخاري(٣٤٩٦) ، ومسلم(١٨١٨) .стр. 224
فكل هذا وأمثاله (١) كناية عن رفع الصحابي الحديث إلى رسول الله ﷺ ، وحكمه حكم المرفوع صريحًا (٢) .
٥٩ - وقال الشيخ تقي الدين: "وكذلك إذا قال الراوي: عن التابعي: يرفع الحديث، أو يبلغُ به مرفوع أيضًا، لكنه مرفوغ مرسل" (٣) .
[الإسناد المعنعن]:
٦٠ - الثاني: الإسناد المعنعن، وهو الذي يقال فيه: فلان عن فلان، هو من قبيل الإسناد المتَّصل على الصَّحيح عند جمهور أئمة الحديث، وادعى أبو عَمرو الدَّاني المقرئُ الحافظُ إجماعَ أهلِ النَّقل على ذلك (٤) .
[شروط حجية الإسناد المعنعن]:
ويشترط في هذا أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت الحواشي
(١) مثل: يأثره، فهو في حكم الرفع، أفاده الدارقطني في "العلل" (٨/ ١٤٢).(٢) هذا مذهب البخاري ومسلم، وصنيع البخاري في "صحيحه" أشهر، وسبق عنه مثالان على "رواية، و"يبلغ به"، وفيه برقم (٥٦٨٠، ٥٦٨١): "رفع الحديث"، ورقم(٧٤٠) : "لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي ﷺ ".
وينظر في تقرير ذلك: "معرفة علوم الحديث"(١٤٣) للحاكم، "ملخص الموطأ" للقابسي(٣٨) ، كتابي "بهجة المنتفع" (ص ١٧٨).(٣) "المقدمة" (ص ٥١).(٤) "جزء في علوم الحديث" (ص ٦١ - بتحقيقي)، وبينت في شرحي له المسمى "بهجة المنتفع" (ص ١٨٢ - وما بعدها) صحة ما ذكره أبو عمرو، وأن نقل الإجماع من كيس أبي عمرو وأن عبارته مركّبة من كلامي الحاكم والقابسي، وفيه رد على من تعقّب ابن الصلاح بأن أبا عمرو نقل عن الحاكم، فكان ينبغي نسبة ذلك له!стр. 225
ملاقاة بعضهم بعضًا مع براءتهم من التَّدليس (١) ، وهذا قول جمهور الأمة من علماء الحديث إلا أن مسلمًا لم يشترط الملاقاة (٢) ، وادعى الإجماع (٣) فيه، ثم إنه محمول على ظاهر الاتِّصال (٤) كما بيَّنا، إلى أنْ يظهرَ فيه خلافُ ذلك.
وقيل: العنعنة من قبيل المرسلِ والمنقطع إلى أن يثبت اتِّصالهُ، والصحيح ما ذكرناه لأنَّ البخاريَّ ومُسلمًا أودعاها في "الصحيحين" (٥) ، وهما لا يقولان (٦) بالمراسيل والمنقطع.
[استخدام (عن) في الإجازة، والإسناد المؤنن والمعنعن]:
وقال الشيخ تقي الدين: "كثر في عصرنا استعمال "عن" في الإجازة، فإذا قال أحدهم: قرأت على فلان، عن فلان؛ فاعلم أنه رواه عنه بالإجازة، لكن لا يخرج ذلك عن الاتِّصال، وأما قولهم: إنَّ فلانًا قال كذا، كقولهم: قال مالك، عن الزهري أن سعيد بن المسيَّب قال الحواشي
(١) هي عند علماء الحديث ثلاثة شروط، تأتي قريبًا في كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى.(٢) العبارة ليست دقيقة، وحقُّها: "لم يشترط ثبوت الملاقاة" أو "التصريح بالتحديث"، وما شابه فتأمل!(٣) انظر كلامه مع تحليله في كتابي "الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح" (٢/ ٥٢٤ - ٥٣١).(٤) خرج مسلم بشرطية الإدراك البيِّن بين المعنعِن والمعنعَن عنه، ومثّل عليه بعدة أمثلة.، وهذا مع انتفاء التدليس قائم مقام التصريح بالسماع، فلم يشترطه مسلم وادعى الإجماع عليه مع وجود ما اشترط، وبينت ذلك في "بهجة المنتفع" (ص ٢٠٢ وما بعدها)، فانظره، فإنه مهم.(٥) هذا التصريح فيه بيان خطأ ما شاع وذاع عن البخاري من اشتراطه اللقيا وعدم حجية العنعَنة عنده!(٦) أي: بحجيَّة.стр. 226
كذا، قال مالك: "عن وأن سواء" (١) .
وحكى ابنُ عبد البرّ عن جمهور أهل العلم ذلك، وأن لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمشاهدة مع السَّلامة من التدليس (٢) .
قال أحمد الإمام (٣) ، الحواشي
(١) "المقدمة" (ص ٦٢) وقال السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ١٦٣): "وإنما لم يثبت ابن الصلاح الحكم في أنه رواه بالإجازة، لكونه كان قريبًا من وقت استعمالهم لها، كذلك وقبل فشوّه، وأما الآن فقد تقرر واشتهر، فليجزم به".(٢) فقد قال في "التمهيد" (١/ ١٢): "اعلم وفقك الله أني تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم، ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك، إذا جمع شروطًا ثلاثة؛ وهي: عدالة المحدثين في أحوالهم، ولقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا برآء من التدليس".(٣) لم ينص عليه أحمد، وفهم من قوله: "قال الإمام أحمد: كان مالك زعموا يرى (عن فلان)، و (أن فلانًا) سواء" نقله الخطيب في "الكفاية"(٤٤٧) . وزاد:
"قيل لأحمد: أن رجلًا قال: عن عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله. وعن عروة عن عائشة؛ هل هما سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليسا بسواء".
قال ابن حجر في "النكت" (٢/ ٥٩٠ - ٥٩١): "قلت: ليس كلام كل منهما على إطلاقه، وذلك يتبين من نص سؤال كل منهما. قال: أما قول مالك، فهو واضح. ثم ساق النص المذكور عن الإِمام أحمد، وقال: فقد ظهر الفرق بين مراد مالك وأحمد. وحاصله أن الراوي إذا قال: عن فلان. فلا فرق أن يضيف إليه القول أو الفعل في اتصال ذلك عند الجمهور بشرطه السابق (يعني اللقاء بين المعنعن وشيخه وبراءته من التدليس). وإذا قال: إن فلانًا. ففيه فرق، وذلك أن ينظر، فإن كان خبرها قولًا لم يتعد من لم يدركه، التحقت بحكم "عن" بلا خلاف. كان يقول التابعي: إن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت. فهو نظير ما لو قال: عن أبي هريرة أنه قال: سمعت كذا.
وإن كان خبرها فعلًا، نظر، إن كان الراوي أدرك ذلك التحقت بحكم =стр. 227
ويعقوب بن شَيبة (١) ، وأبو بكر البرديجي (٢) : إن مطلق "أن" محمول على الحواشي
(١) عبارة ابن الصلاح: "قال ابن شيبة هذا القول في "مسنده"، فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير، عن ابن الحنفية، عن عمار ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه فرد علي السلام. وجعله مسندًا موصولًا، وذكر رواية قيس بن سعد لذلك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفية: أن عمارًا مرَّ بالنبي ﷺ وهو يصلي. فجعله مرسلًا من حيث كونه قال: إن عمارًا فعل، ولم يقل: عن عمار".
قال العراقي: "إن ابن الصلاح لم يفهم قصد ابن شيبة، وبيان ذلك: أن يعقوب لم يجعله مرسلًا من حيث لفظ "أن" وإنما جعله مرسلًا من حيث أنه لم يسند حكاية القصة إلى عمار، وإلا فلو قال: إن عمارًا قال: مررت بالنبي ﷺ ، لما جعله. مرسلًا، فلما أتى به بلفظ "أن عمارًا مر"، كان محمد بن الحنفية هو الحاكي لقصة لم يدركها، لأنه لم يدرك مرور عمار بالنبي ﷺ ، فكان نقله لذلك مرسلًا" انتهى. وأقره ابن حجر والسخاوي وانظر "التبصرة والتذكرة" (١/ ١٧٠)، "النكت" (٢/ ٣٧٧)، "فتح المغيث" (١/ ١٦٠).(٢) له جزء مفرد في الموصول والمرسل والمنقطع، لا أعلم عنه شيئًا، والنقل كثير مشتهر منتشر عنه، ويحتاج إلى بحث وفتش عنه، والأيام حبالى، ولا أستبعد وجوده! وكلامه في (المؤنن) موجود في "التمهيد" (١/ ٢٦) وتعقبه بقوله: "هذا عندي لا معنى له" ونقل السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ١٦) أن الذهبي قال عقب قوله: "إنه قوي": والذي أراه أن تقوية كلامه على التفصيل عن المذكورين قبله. وكذا قول السخاوي: "لم ينفرد البرديجي بذلك، فقد قال أبو الحسن الحصار: إن فيها اختلافًا، والأولى أن تلحق بالمقطوع، إذا لم يتفقوا على عدّها في المسند"! وهذه إطلاقات وإجمالات يقضي عليها التفصيل المذكور، فتنبه!стр. 228
الانقطاع، ولا يلحق بـ "عن" حتى يتبيَّن السَّماع في ذلك الخبرِ بعينه من جهة أخرى.
وقال أبو بكر الصَّيرفيُّ الشَّافعيُّ: "إنَّ كلَّ مَن عَلم سماع إنسان، أو لقاء إنسان فحدَّث عنه؛ فهو على السَّماع حتى يعلم أنه لم يسمع، وكذا إذا قال: قال كذا، أو عن، أو ذكر، أو فعل، أو حدَّث، أو كان يقول كذا، فكل ذلك (١) محمول ظاهرًا على الاتِّصال، وأنه تلقَّى ذلك منه من غير واسطة بينهما، مهما ثبت لقاؤه له على الجملة، لأنه لو لم يسمع منه لكان بإطلاقه الرواية عنه من غير ذكر تلك الواسطة بينه وبينه مدلّسًا، والكلام فيمن لم يعرف بالتَّدليس، فيكون الظاهرُ السَّلامةَ منه" (٢) .
قال أبو عمرو المقرئ: "إنّما يدلُّ على الاتصال إذا كان معروفًا بالرواية عنه" (٣) .
وقال الشيخ تقي الدين: "الملاقاة التي اشترطها الجمهور فلا أُراه يستمرُّ بعد المتقدِّمين فيما يوجد من المصنِّفين في تصانيفهم، مما ذكروه عن مشايخهم، قائلين فيه: ذكر فلان، قال فلان، ونحو ذلك" (٤) . الحواشي
(١) ما لم يعلم له استعمال خلافه، انظر: "نكت ابن الصلاح" (٢/ ٣٨٤) لابن حجر، "فتح المغيث" (١١/ ١٦١).(٢) كلام الصيرفي، الظاهر أنه في "شرحه على الرسالة"، وشرحه - فيما أعلم - مفقود! وهو يخص فقرة(١٣٢) منها، والله أعلم.(٣) جزء في علوم الحديث (ص ٦١ - ٦٢/ بتحقيقي)، وانظر شرحي له المسمى "بهجة المنتفع" (ص ١٨٢).(٤) مقدمة ابن الصلاح (ص ٦٧) وعبارته بعدها: "فافهم كل ذلك، فإنه مهم عزيز، والله أعلم".
ومراده: أن القول المذكور ليس له حكم الاتّصال، إلا كان له من شيخه إجازة، يعني: فإنه لا يلزم من كونه سمع عليه، أو أخذ عنه أن تكون له منه إجازة. ينظر "فتح المغيث" (١/ ١٦٢).стр. 229
[اختلاف الوصل والإرسال والرفع والوقف]:
٦١ - الثالث:
الحديث الذي رواه بعضهم مرسلًا، وبعضهم متَّصلًا، كحديث: "لا نكاح إلا بولي" (١) .
رواه إسرائيلُ بن يونس في آخرين، عن جدِّه (٢) أبي إسحاق السَّبيعي، عن أبي بُردة، عن أبيه أبي موسى الأشعري، عن رسول الله ﷺ مسندًا متَّصلًا هكذا (٣) . الحواشي
(١) ورد الحديث عن جماعة من الصحابة، أمثلها حديث عائشة.
أخرجه عبد الرزاق(١٠٤٧٢) والطيالسي(١٤٦٣) وأحمد (٦/ ٤٧، ١٦٥ - ١٦٦) وأبو داود(٢٠٨٣) ، والترمذي(١١٠٢) ، وابن ماجه(١٨٧٩) ، وابن الجارود(٧٠٠) ، والطحاوي (٣/ ٧، ٨)، والدارقطني (٣/ ٢٢١ و ٢٢٥ - ٢٢٦)، والحاكم (٢/ ١٦٨)، والبيهقي (٥/ ١٠٧ و ١١٣ و ١٢٤ و ١٢٥ و ١٣٨) من طرق عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة.
ورجاله رجال الشيخين عدا سليمان بن موسى، وهو صدوق، وللحديث علة، وهي: قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه.
وردَّ هذا الأئمة، منهم الترمذي والحاكم وابن حبان وابن عدي وابن عبد البر، انظر "التلخيص الحبير" (٣/ ١٥٧)، و "السنن الكبرى" (٧/ ١٠٧)، و "إرواء الغليل" (٦/ ٢٤٣ - ٢٤٩)، ولصديقنا الشيخ مفلح الرشيدي دراسة بعنوان "التحقيق الجلي لحديث لا نكاح إلا بوليّ"، وهي مطبوعة، عن مؤسسة قرطبة، مصر.
وانظر: تعليقي على "الأشراف" للقاضي عبد الوهاب (٣/ ٢٨٥).(٢) بعدها في الأصل: "عن"! والصواب حذفها.(٣) أخرجه من طريق إسرائيل به: أحمد (٤/ ٣٩٤) والدارمي(٢١٨٨) وأبو داود(٢٠٨٥) والطحاوي (٣/ ٨) والحاكم (٢/ ١٧٠)، وقال: "فأما إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الثقة، فلم يختلف عنه في وصل هذا الحديث".
وقول المصنف - تبعًا للحاكم -: "في آخرين". هم:
١ - شريك النخعي - وسماعه قديم من أبي إسحاق - عند الدارمي(٢١٨٩) . =стр. 230
ورواه سفيان الثوري (١) ، وشعبة (٢) ، عن أبي إسحاق، عن أبي الحواشي
(٧٠٣) والبيهقي (٧/ ١٠٧).
٤ - أبو عوانة، عند ابن ماجه(١٨٨١) والترمذي(١١٠١) والطيالسي (١٥٥٤ - المنحة) والبيهقي (٧/ ١٠٧).
فهؤلاء كلهم رووه عن أبي إسحاق به. وكذلك رواه يونس بن أبي إسحاق عند الترمذي(١١٠١) ، واختلف عليه فيه، فقال أبو عبيدة عبد الواحد الحداد وأسباط بن محمد وقبيصة بن عقبة: "عن يونس عن أبي بردة عن أبيه" وقال زيد بن الحباب: عن يونس عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه، بريادة (عن أبي إسحاق) وزادها أيضًا: عيسى بن يونس والحسن بن قتيبة، وهذا الاختلاف لا يضر، لأن يونس لقي أبا بردة أو سمع منه. وينظر "السنن الكبرى" (٧/ ١٠٩) للبيهقي.
وممن رواه موصولًا مثل رواية إسرائيل: أبو حنيفة، كما في "جامع المسانيد" (٢/ ١٠٢) و"عقد الجواهر المنيفة" (١/ ١٤٦). ورقبة بن مصقلة العبدي، ومطرف بن طريف الحارثي، وعبد الحميد بن الحسن الهلالي، وزكريا بن أبي زائدة، وغيرهم، انظر "المستدرك" (٢/ ١٧١).(١) روايته عند عبد الرزاق(١٠٤٧٥) والترمذي في "العلل الكبير" (٢/ ٤٢٨) ورواه من طريقه ولكن موصولًا بذكر أبي موسى: أبو كامل الفضيل بن الحسن ثنا بشر بن منصور عن سفيان به، أخرجه هكذا من طرق: ابن الجارود(٧٠٤) والطحاوي (٣/ ٩). ووصله عن سفيان أيضًا: مؤمل بن إسماعيل والنعمان بن عبد السلام، وقرن النعمان رواية سفيان مع شعبة، كما عند الحاكم (٢/ ١٦٩) والبيهقي (٧/ ١٠٩)، ووصله أيضًا: خالد بن عمرو الأموي عن الثوري، أخرجه الخطيب (٦/ ٧٩) وخالد واهٍ بمرة ونسب إلى الوضع، وأخرجه الخطيب أيضًا (٢/ ٢١٤ و ١٣/ ٨٦) موصولًا من طريق مالك بن سليمان حدثنا شعبة وإسرائيل، وفي رواية مالك عنهما نظر، انظر "الميزان" (٣/ ٣٥٣، ٤٢٧).(٢) أخرجه الترمذي في "العلل الكبير" (٢/ ٤٢٨) والطحاوي (٣/ ٩) من طريق شعبة به مرسلًا، وأخرجه البزار في "البحر الزخار" رقم(٣١١١) - ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (١١/ ٢٤) - من طريق يزيد بن زريع =стр. 231
بُردة، عن النبي ﷺ مرسلًا هكذا.
فالصَّحيح أن الحُكْمَ من أسنده (١) إذا كان عدلًا ضابطًا، فيُقْبلُ خبرُه، وإن خالفه غيرُه واحدًا كان أو جماعةً.
وهذا القول صححه الخطيب (٢) ، وهو الصحيح في الأحكام وأصول الفقه (٣) . الحواشي
(١) هذا الذي أراه صوابًا والأدلة عليه كثيرة، منها:
١ - ما أسنده البيهقي (٧/ ١٠٨) عن حجاج بن محمد قال: قلنا لشعبة: حدّثنا حديث أبي إسحاق، قالوا: سلوا عنه إسرائيل، فإنه أثبت فيها مني.
٢ - وقال البخاري: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضر الحديث، أسنده عنه البيهقي (٧/ ١٠٨).
٣ - وهذا الذي رجحه الترمذي في "علله الكبير" (١/ ٤٣٠) و"جامعه" (٣/ ٤٠٠) في كلام مفصَّل مؤصَّل، فليرجع إليه.
٤ - ورجحه أيضًا الحاكم (٢/ ١٧٠) وساق تصحيح ابن مهدي وابن المديني والذهلي وأبي داود الطيالسيِّ لرواية الموصول على المرسل، وهذا الذي رجحه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان (٤٠٧٧، ٤٠٧٨، ٤٠٨٣) والبيهقي وابن حزم في جمع، وينظر في هذا: "بيان الوهم والإيهام" (٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣)، "البدر المنير" (٧/ ٥٤٣ - ٥٤٩).(٢) "الكفاية" (٢/ ٤٩٩).(٣) على تفصيل فيه، والعبرة بالقرائن التي تحتف بكل حديث على حدة، نعم، صنيع مسلم يدل عليه في مواطن عديدة في "صحيحه" لكن بالنظر إلى =стр. 232
وسئل البخاري عن هذا الحديث فحكم من وصل، وقال: الزيادة من الثقة مقبولة، فقال البخاري هذا مع أنَّ مَن أرسله شعبة، وسفيان، وهما جبلان، لهما من الحفظ والإتقان الدَّرجةُ العُليا (١) .
وقيل: إن الحكم للمرسل مطلقًا (٢) .
وقيل: الحكمُ للأكثر (٣) .
وقيل: للأحفظ (٤) . الحواشي
(١) أخرج الأثر عن البخاري الخطيب في "الكفاية" (٢/ ٥٠٣) وعلق عليه ابن حجر في "نكته" (٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧) فقال: "لكن الاستدلال بأن الحكم للواصل دائمًا على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم، لأن البخاري لم يحكم فية بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجَّحت عنده حكم الموصول … " ثم ساق المرجِّحات.
وهذه المسألة كثر الخوض فيها بين طلبة علم الحديث هذه الأيام، وقامت حولها جهود، واستنفدت أوقات، وكادت كلمة المتعنين هذا العلم أن تتشتت بسببها.(٢) عللوه بقولهم: إن سلوك غير الجادّة دال على مزيد الحفظ والغالب على الألسنة الوصل، فإذا جاء الإرسال علم أن مع المرسل زيادة علم. نقله مُغُلْطاي في "الاصلاح" (ق ٢٥/ أ- ب) عن النسائي وابن القطان، وقيل: إن الإرسال قدح والجرح يقدم على التعديل، وسيجيب عنه المصنف. وينظر "فتح المغيث" (١/ ١٦٤).(٣) لأن تطرق السهو والخطأ بعيد، نقله الحاكم في "المدخل"(٢٢) عن أئمة الحديث.(٤) الكثرة تدل على الحفظ إلا في أشياء لها ملابسات ومؤيدات، فجعل هذا قسيمًا لما قبله غير دقيق! نعم، ليست العبرة دائمًا بالعدد، وإنما ينظر =стр. 233
والصّحيح ما ذكرناه!!.
فلو وصل شخصٌ مرّةً، وأرسل أخرى، أو رفعه مرةً، ووقفه أخرى؛ فالحكم للمتَّصلِ، والمرفوعِ، لأنّه كالزِّيادة، وهي عن الثقة مقبولة (١) ، وهو مذهب جمهور أصحاب الحديث، والفقهاء فيما حكاه الخطيب أبو بكر (٢) .
٦٢ - فإن قيل: الإرسالُ نوعُ قَدْحٍ في الحديث، فإذا اجتمع مع الاتِّصال وجب أن يقدَّم الجرحُ على التعديل.
فالجواب عنه: أنَّ الجرح إنما يقدَّم لما فيه من زيادةِ عِلمٍ، والزِّيادة هاهنا مع مَن وَصَل. الحواشي
(٣٥٦) لابن أبي حاتم.
ثم وجدت ابن الوزير يقول في "توضيح الأفكار" (١/ ٣٤٣) بعد كلام: "قلت: وعندي أن الحكم في هذا لا يستمر، بل يختلف باختلاف قرائن الأحوال، وهو موضع اجتهاد".
قلت: وعليه مدار أهل الصنعة، ولا سيما النقاد منهم، مثل: أصحاب "الصحيحين" و"السنن" وصنيع شيوخهم يدل عليه، وكذا صنيع المتأخرين عنهم، كالدارقطني وابن عبد البر والبيهقي وابن دقيق العيد في جماعة آخرين.(١) شرط أبو الفضل بن طاهر المقدسي في كتابه "تصحيح التعليل" أن الزيادة تقبل عند أهل الصنعة عن الثقة المجمع عليه، نقله مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٢٤/ ب).(٢) الكفاية (٢/ ٤٩٩)، وارجع إلى عبارته لتعلم عدم دقة نقل ابن الصلاح، ويلحق هذا المصنف، وتعقب مُغُلْطاي (ق ٢٤/ أ) ابن الصلاح في ذلك، ونقل عبارة الخطيب بطولها، وقال: "فينظر فيما ذكره عنه ابنُ الصلاح".стр. 234
٦٣ - الرابع:
[زيادة الثقة وأقسامها]:
زيادة انفرد بها الثقة، فهي على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون منافيًا لما رواه سائر الثقات، فترد كما سنبيِّنُ في الشَّاذِ إن شاء الله تعالى.
والثاني: أن لا تكون فيها منافاة، ولا مخالفة أصلًا لما رواه غيرُه، كالحديث الذي تفرَّد برواية جملته ثقة، ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفته، وهذا مقبول، وقد ادعى الخطيبُ (١) فيه اتفاق العلماء عليه.
الثالث: ما يقع بين هذين المرتبتين، مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث، مثل ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ، ذكرٍ أو أُنثى مِنَ المسلمين (٢) .
فذكر الترمذي (٣) أن مالكًا تفرَّد من بين الثِّقات بزيادة قوله: "من المسلمين". الحواشي
(١) "الكفاية" (٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩).(٢) أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ٢٨٤)، ولم ينفرد بالزيادة بل توبع عليها - كما سيأتي قريبًا -.(٣) انظر: "السنن" عقب الحديث(٦٧٦) ، ولكن ليس في عبارته النص على التفرد، وإنما قال: "وروى مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ نحو حديث أيوب، وزاد فيه "من المسلمين"، ورواه غير واحد عن نافع، ولم يذكر فيه "من المسلمين، … ". وهو كذلك في "العلل" (٥/ ٧٥٩) آخر "الجامع" وينظر "شرح علل الترمذي" (١/ ٤١٨)، "التقييد والإيضاح"(١١١) .стр. 235
وروى عبيد الله بن عمر (١) ، وأيوب (٢) ، وغيرهما (٣) هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر دون هذه الزيادة، فأخذ بها غيرُ واحدٍ من الأئمة، واحتجُّوا بها، منهم الشافعي، وأحمد.
هكذا نقله الشيخ تقي الدين (٤) .
وقال الشيخ محيي الدين (٥) : "لا يصح التمثيل بحديث مالك، لأنه ليس منفردًا، بل وافقه في هذه الزِّيادة عن نافع: عمر بن نافع، والضَّحاك بن عُثمان"، والأول في "صحيح البخاري" (٦) ، والثاني في "صحيح مسلم" (٧) . الحواشي
(١) روايته عند البخاري برقم(١٥١٢) ، ومسلم برقم(٩٨٤) .
ورواها الحاكم (١/ ١١٠) من طريقه، وأثبتها، وكذلك الدارقطني (كتاب زكاة الفطر) (رقم ٣، ٤)، ولفظه: "على كل مسلم".(٢) روايته عند البخاري برقم(١٥١١) دون الزيادة، وبها عند ابن خزيمة(٣٨٤) .(٣) منهم: الليث في "صحيح مسلم"(٩٨٤) واستوفى من ذكرها على وجه حسن مليح جماعة ممن نكّتوا على ابن الصلاح، مثل: الزركشي (٢/ ١٩٢ وما بعد)، وابن حجر (٢/ ١٧٢)، ومُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٢٥/ أ) والعراقي في "التقييد والإيضاح"(١١٢) والبُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (٢٥٢ - ٢٥٤) قال: "وبذلك يرتد قول من قال: إن مالكًا تفرد بها، وإن غير مالك لا يرويها، لظهور من تابع مالكًا على الزيادة مع كثرة المتابعين". وينظر "فح الباري" (٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، "البدر المنير" (٥/ ٦١٤).(٤) "المقدمة" (ص ٨٧)، وحكاه عنهما وعن مالك الترمذي عقب الحديث(٦٧٦) وفي "العلل" (٥/ ٧٥٩) عقب "الجامع".(٥) "التقريب" (١/ ٣٩٧) بتصرف، و "الإرشاد"، (١/ ٢٣٠ - ٢٣١).(٦) برقم(١٥٠٣) .(٧) برقم(٩٨٤) ، وذكر الزركشي سواهما عشرة أنفس في "نكته" (٢/ ١٩٢ وما بعد) وينظر ما قدمناه قريبًا عن البُلقيني.стр. 236
قلت: إنما مثَّل به حكايةً عن الترمذي، فلا يردُ عليه شيءٌ (١) ، والله أعلم.
٦٤ - الخامس:
[المرسل الخفي]:
المراسيل الخفيُّ إرسالها، وهي تدرك بالاتساع في الرواية، والجمع لطرق الأحاديث، مع المعرفة التامة، والمذكور في هذا الباب منه ما عرف فيه الإرسال بمعرفة عدم السماع من الراوي عنه، أو عدم الحواشي
(١) لم يقبل مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ١/ ٢٥) هذا الاعتذار، وقال: "وليس لقائل أن يقول: الشيخ - أي: ابن الصلاح - إنما حكاه عن غيره فلا يرد عليه، لأنه ذكره للتمثيل، وقرّره ورضي به، ولو كان عنده فيه رد على قائله لردّ، كعادته". وأيّده ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح" (٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧) فقال بعد إيراد كلام الترمذي وابن الصلاح: "وتعقب الشيخ تاج الدين التبريزي كلام الشيخ محيي الدين" بقوله: "إنما مثل به حكاية عن الترمذي فلا يرد عليه شيء". انتهى.
وهذا التعقب غير مرضيٍّ، لأن الإيراد على المصنف من جهة عدم مطابقة المثال للمسألة المفروضة ولو كان حاكيًا، لأنه أقره فرضية، وعلى تقدير عدم الورود من هذه الحيثية، فيرد عليه من جهة تغييره لعبارة الترمذي، لأن الترمذي لم يطلق تفرد مالك به كما بينه شيخنا عنه". قلت: يريد شيخه العراقي، وكلامه في "التقييد والإيضاح" (ص ١١١ - ١١٢)، وتتمة كلامه:
"ثم راجعت كتاب الترمذي فوجدته في (كتاب الزكاة) قد أطلق كما حكاه عنه المصنف. ولفظه [برقم ٦٧٦]: "حديث ابن عمر ﵁ رواه مالك عن نافع، عن ابن عمر ﵄ نحو حديث أيوب، وزاد فيه: "من المسلمين". ورواه غير واحد عن نافع ولم يذكر فيه: "من المسلمين".
وفي "كتاب العلل المفرد" [٥/ ٧٥٩ - آخر "الجامع"] قد قيد كما حكاه عنه شيخنا: فكأن ابن الصلاح نقل كلامه من (كتاب الزكاة) ولم يراجع كلامه في "العلل"، والله أعلم".стр. 237
الالتقاء (١) ، كما في حديث العوَّام بن حَوشب، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: "كان النبي ﷺ إذا قال بلال: قد قامت الصلاة، نهض وكبر" (٢) .
وروي فيه عن أحمد بن حنبل الإمام انه قال: "العوَّام لم يَلْقَ ابنَ أبي أوفى" (٣) .
ومنه ما يحكم بإرساله بمجيء الحديث من وجه آخر بزيادة شخص أو أكثر، كالحديث الذي ذكرناه في مثال المنقطع.
٦٥ - النوع الثاني من الضعيف:
وهو الذي ضعفه ليس لعدم اتِّصال إسنادِه، وذلك ستَّةُ أصناف: الحواشي
(١) انظر: "معرفة علوم الحديث" للحاكم(١٦٧) ، "جزء في علوم الحديث" لأبي عمرو الداني (فصل ١١) (ص ٨٧ - بتحقيقي) وشرحي له "بهجة المنتفع" (ص ٢٥٢).(٢) أخرجه الطبراني في الكبير والبزار في "مسنده" (٥/ ٤٩)، رقم(٢٨٦١) ، وأبو يعلى - كما في "المطالب العالية" -، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٢٢) وابن حزم في "المحلى" (٤/ ١١٧) من طريق الحجاج بن فروخ عن العوام بن حوشب عن ابن أبي أوفى به، وقال ابن المنذر في "الأوسط" (٤/ ١٧٠): "ولا يثبت حديث ابن أبي أوفى عن النبي ﷺ أنه كان إذا قال بلال: قد قامت الصلاة، نهض فكبر؛ لأن الذي رواه الحجاج بن فروخ وهو شيخ مجهول، والعوام بن حوشب لم يسمع من ابن أبي أوفى". وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٥): "حجاج بن فروخ ضعيف جدًّا".(٣) انظر: "جامع التحصيل" (ص ٢٤٩).
والمراد أن العوَّام مع معاصرته لابن أبي أوفى، إلا أنه لم يلقه، فكان هذا مثلًا للمرسل الخفي.стр. 238
٦٦ - الصنف الأول:
[الموضوع]:
الحديث الموضوع، وهو المصنوع، المختلق، وهو شر الأحاديث الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان؛ إلا إذا كان مقرونًا ببيان وضعه للطعن فيه، بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقُها في الباطن، فإنه يجوز روايتها في الترغيب والترهيب (١) ، الحواشي
(١) ليس كذلك عند المحققين، ومنهم ابن معين، فيما حكاه عنه ابن سيد الناس في "عيون الأثر" وهو مذهب ابن العربي المالكي في "عارضة الأحوذي"، وبه جزم ابن حزم في "الإحكام" (١/ ١٣٦) بل هذا مذهب إمامي الصنعة البخاري ومسلم، ونص عليه مسلم في (مقدمة) "صحيحه" (١/ ٢٩)، ونقله عنهم جميعًا القاسمي في "قواعد التحديث" (ص ٩٤)، وينظر له كتابي "الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح" (٢/ ٥٨٦).
ومن قال بهذه القاعدة أجراها في محلها، خلافًا من يتستر وراءها، ويروّج الكذب على النبي ﷺ من حيث يشعر أو لا يشعر. ووضح شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٦٥ - ٦٨) المحل الذي تجري فيه بقوله: "وكذلك ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال: ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يُحتَجُّ به، فإن الاستحباب حكم شرعي، فلا يثبت إلا بدليل شرعي، ومن أخبر عن الله أنه يحب عملًا من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم، ولهذا لم يختلف العلماء في الاستحباب، كما يختلفون في غيره، بل هو أصل الدين المشروع". ثم بيَّن مراد العلماء من العمل بالحديث الضعيف في الفضائل، فقال: "وإنما مرادهم بذلك أنْ يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه الله، أو مما يكرهه الله بنص أو إجماع؛ كتلاوة القرآن، والتسبيح، والدعاء، والصدقة، والعتق، والإحسان إلى الناس، وكراهة الكذب والخيانة، ونحو ذلك، فإذا رُوي حديث في فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها، وكراهة بعض الأعمال وعقابها؛ =стр. 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه، إذا روي فيها حديث لا نعلم أنه موضوع؛ جازت روايته والعمل به؛ بمعنى: أن النفس ترجو ذلك الثواب، أو تخاف ذلك العقاب، كرجل يعلم أن التجارة تربح، لكن بلغه أنها تربح ربحًا كثيرًا، فهذا إنْ صَدق نَفَعه، وإنْ كذب لم يضرّه". ثم ذكر مثالًا للعمل بالحديث الضعيف بشرطه، فقال:
"ومثال ذلك: الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات، وكلمات السلف والعلماء، ووقائع العلماء، ونحو ذلك ممالا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي؛ لا استحباب ولا غيره، ولكنْ يجوز أن يُذكَر في الترغيب والترهيب، والترجية والتخويف، فما عُلِم حسنه أو قبحه بأدلّة الشرع، فإنَّ ذلك ينفع ولا يضر، وسواء كان في نفس الأمر حقًّا أو باطلًا، فما عُلِم أنه باطل موضوع لم يجز الالتفات إليه، فإنّ الكذب لا يفيد شيئًا، وإذا ثبت أنه صحيح أثبِتَتْ به الأحكام، وإذا احتمل الأمرين رُوي لإمكان صدقه، ولعدم المضرّة في كذبه، وأحمد إنما قال: "إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد".
ومعناه: أننا نروي في ذلك بالأسانيد، وإن لم يكن محدثوها من الثقات الذين يحتج بهم، وكذلك قول من قال: يُعمل بها في فضائل الأعمال، إنما العمل بها بما فيها من الأعمال الصالحة؛ مثل التلاوة والذكر، والاجتناب لما كره فيها من الأعمال السيئة.
ونظير هذا قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو: "بلّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
مع قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تُصَدِّقوهم ولا تُكَذِّبوهم"؛ فإنه رخَّص في الحديث عنهم، ومع هذا نهى عن تُصَدِّيقهم وتُكَذِّيبهم، فلو لم يكن في التحديث المطلق عنهم فائدة لما رخّص فيه وأمر به، ولو جاز تصديقهم بمجرد الإخبار لما نهى عن تصديقهم؛ فالنفوس تنتفع بما تظن صدقه في مواضع" ثم قرر أنه: لا يجوز التقدير والتحديد بأحايث الفضائل، فقال: "فإذا تضمّنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديرًا =стр. 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وتحديدًا؛ مثل صلاة في وقت معيّن بقراءة معينة، أو على صفة معينة لم يجز ذلك؛ لأن استحباب هذا الوصف المعتن لم يثبت بدليل شرعي، بخلاف ما لو رُوي فيه: "مَن دخل السوق فقال: لا إله إلا الله … كان له كذا وكذا"؛ فإن ذكر الله في السوق مستحب؛ لما فيه من ذكر الله بين الغافلين …
فأما تقدير الثواب المرويّ فيه فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته …
فالحاصل؛ أن هذا الباب يُروى ويُعمَل به في الترغيب والترهيب، لا في الاستحباب، ثم اعتقاد موجبه، وهو مقادير الثواب والعقاب يتوقف على الدليل الشرعي".
وهذا تحرير بديع، وكلام دقيق، وتصوّر عميق، قلَّ أن تجده مجموعًا بهذا التحرير والتحقيق، وهو ليس خاصًّا به، وإنما قال به جمع حتى من المتساهلين في إيراد الأحاديث الضعيفة، من مثل علي القاري، قال في "المرقاة" (٢/ ٣٨١): "إن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل وإن لم يعتضد إجماعًا" كما قاله النووي، محله الفضائل الثابتة من الكتاب والسنة".
ومن المهم هنا أن يعلم مطلقو الاستدلال بهذه العبارة أن العمل بالحديث الضعيف في الفضائل ليس على إطلاقه عند القائلين به، فقد قال الحافظُ ابن حجر في "تبيين العجب" (ص ٣ - ٤):
"اشتُهر أن أهل العلم يتساهلون في إيراد الأحاديث في الفضائل، وإن كان فيها ضعف ما لم تكن موضوعةً، وينبغي مع ذلك اشتراطُ أن يعتقدَ العاملُ كونَ ذلك الحديثِ ضعيفًا، وأن لا يُشهر ذلك؛ لئلا يعملَ المرءُ بحديث ضعيف فيُشرِّعٌ ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهَّال فيظن أنه سنة صحيحة، وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد بن عبد السلام وغيره، وليحذر المرء من دخوله تحت قوله ﷺ : "مَن حدَّث عني بحديث يُرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبَيْن"، فكيف بمن عمل به؟! ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل؛ إذ الكل شرع".
فهذه شروطٌ ثلاثة مهمّة لجواز العمل به: =стр. 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ١ - أن لا يكون موضوعًا.
٢ - أن يعرف العاملُ به كونه ضعيفًا.
٣ - أن لا يُشهر العمل به.
ومن المؤسف أن نرى كثيرًا من العلماء - فضلًا عن العامة - متساهلين بهذه الشروط، فهم يعملون بالحديث دون أن يعرفوا صحته من ضعفه، وإذا عرفوا ضَعْفَه لم يعرفوا مقداره، وهل هو يسيرٌ أو شديد يمنعُ العملَ به، ثم هم يشهرون العملَ به كما لو كان حديثًا صحيحًا! ولذلك كثُرَت العبادات التي لا تصحُّ بين المسلمين، وصَرَفَهم عن العبادات الصحيحة التي وَرَدت بالأسانيد الثابتة.
ثم إنَّ هذه الشروط تُرجِّحُ ما ذهبنا إليه من أن الجمهورَ لا يُريد المعنى الذي رجَّحناه آنفا؛ لأنَّ هذا لا يُشترط فيه شيءٌ من هذه الشروط كما لا يخفى.
ويبدو لي أنَّ الحافظ ﵀ يَميل إلى عدم جواز العمل بالضعيف بالمعنى المرجوح لقوله فيما تقدم: " … ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل؛ إذ الكلُّ شرعٌ".
وهذا حق؛ لأن الحديث الضعيف الذي لا يوجد ما يعضدُه يحتمل أن يكون كذبًا، بل هو على الغالب كذب موضوع، وقد جزم بذلك بعض العلماء فهو ممَّن يشمله قوله ﷺ : " … يُرى أنه كذبٌ" أي: يظهر أنه كذلك، ولذلك عقَّبه الحافظ بقوله: "فكيف بمن عمل به؟ "، ويؤيِّد هذا ما قاله ابن حبان في "صحيحه" على الحديث: "فكل شاكٍّ فيما يروي أنه صحيح أو غير صحيح، داخل في الخبر".
فنقول كما قال الحافظ: "فكيف بمن عمل به … ؟! ".
فهذا توضيحُ مراد الحافظ بقوله المذكور، وأمَّا حَمله على أنه أراد الحديث الموضوع، وأنه هو الذي لا فرق في العمل به في الأحكام أو الفضائل، كما فعل بعض مشايخ حلب المعاصرين، فبعيد جدًّا عن صياق كلام الحافظ، إذ هو في الحديث الضعيف لا الموضوع كما لا يخفى!
ولا ينافي ما ذكرنا أنَّ الحافظ ذكر الشروطَ للعمل بالضعيف كما ظنَّ =стр. 242
دون التوحيد والأحكام، وينبغي مع ذلك أن يحترز عن لفظ الجزم، فلا يقول فيه: قال رسول الله ﷺ ، وحدَّث، ونحو ذلك، بل يقول: روي عن رسول الله ﷺ ، وبلغني عنه، أو مثل ذلك من الألفاظ غير الجازمة (١) . الحواشي
(١) هذا يؤكد ما سبق أن نبهنا عليه في الهامش السابق من ضرورة بيان ضعف الحديث في حال ذكره، ولو كان ذلك بطريق ما اصطلحوا عليه؛ مثل: (رُوي) ونحوه، قال شيخنا الألباني في مقدمة "صحيح الترغيب والترهيب" (١/ ٥٢):) ولكني أرى أن هذا لا يكفي اليوم؛ لغلبة الجهل، فإنه لا يكاد يفهم أحد من كتب المؤلف، أو قول الخطيب على المنبر: "روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: كذا وكذا … " أنه حديث ضعيف، فلا بد من التصريح بذلك، كما جاء في أثر علي ﵁، قال: "حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله". أخرجه البخاري، ولنعم ما قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في "الباعث الحثيث" (ص ١٠١): "والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال؛ لأن ترك البيان يوهم المطّلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصًا إذا كان الناقل من علماء الحديث الذين يُرجَع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حُجّة لأحد إلا بما صح عن رسول الله ﷺ من حديث صحيح أو حسن".
وزاد المصنف في كتابه "المعيار في علل الأخبار" (١/ ٢١ - ٢٢) في =стр. 243
ثم الكلام في سبب وضعه ومعرفته:
[سبب الوضع]:
٦٧ - أما سبب الوضع فأمران:
الأول: ما وقع لا عن تَعمُّدٍ، بل لغَلَطٍ أو سَهوٍ، كما وقع عن طائفة ضاعت كتبُهم، فحدَّثوا عن حفظهم مع سوء الحفظ، فرفعوا الموقوف، وأدرج في حديثهم ما ليس منه، فرووا مِنْ غَير تنبُّهٍ (١) .
الثاني: أن يقع الوضع عن تعمُّد، وذلك ثلاثة أنواع:
الأول: أنَّ قومًا رووا حديثًا فأخطأوا، ثم عرفوا - وجه الصَّواب، وأصروا على الخطأ، ولم يرجعوا استنكافًا.
الثاني: أن قومًا رووا عن الكذابين، ودلَّسوا أسماءهم (٢) ، وهم في الحواشي
(١) زاد المصنف في "المعيار في علل الأخبار" (١/ ٢٢) عليه:
"أو كما وقع عن طائفة اختلطت عقولهم في أواخر أعمارهم، فخلطوا في الرواية سندًا أو متنًا، أو كانوا ممن يُلقَّن، فيتلقَّن؛ فيروي، ومن هذا الصنف جماعة".(٢) وقع هذا من لهم منزلة ومكانة في علم الحديث، ولا سيما في مجالس المذاكرة، قال الذهبي في "الميزان" (١/ ٣٣٩)، عن (بقية): "نعم، والله صح هذا عنه أنه يفعله، وصح عن الوليد بن مسلم، بل وعن جماعة كبار =стр. 244
مرتبة الكاذبين، لما صح عن النبي ﷺ أنه قال: "من روى عني حديثًا يُرَى أنه كَذِب فهو أحد الكذَّابين" (١) .
ويلحق به ما روى قوم عن طائفة ما رأوهم مثل من روى عن إبراهيم بن هدبة، عن أنس، وكان بواسط يروي عن أنس، ويحدث عن شريك، فقيل له حين حدث عن أنس: لعلك سمعته من شريك! فقال الحواشي
(١) الحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٩٤ - ٩٥ رقم ٦٩٠) ومن طريقه الخطيب في "الجامع" (٢/ رقم ١٢٨٧)، والبيهقي في "جزء الجويباري" (رقم ٩ - بتحقيقي) واللفظ المذكور هو أحد لَفْظَي(١) أحمد في "المسند" (٤/ ٢٥٢ و ٢٥٥)، وباللفظ الآخر أخرجه مسلم في "المقدمة" (١/ ٦٢) عن شعبة وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن المغيرة رفعه.
وعن شعبة أخرجه الطبراني في "جزئه" (١١٩ رقم ١١٣١)، وابن حبان في "مقدمة المجروحين" (١/ ٧)، وابن عدي في "مقدمة الكامل" (١/ ٢٩)، وفي "الكامل" (٢/ ٨١٤)، والحاكم في "المدخل إلى الصحيح"(١٠٣) .
وعن سفيان أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٨/ ٥٩٥ رقم ٥٦٦٦) - ومن طريقه ابن ماجه في "المقدمة" (١/ ١٥ رقم ٤١) - والترمذي (٥/ ٣٦ رقم ٢٦٦٢)، والطبراني في "جزئه" (١١٨ رقم ١٣٠)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (رقم ٥٣٣)، والطحاوي في "المشكل" (١/ ١٧٥)، والبغوي =
_________(١) اللفظ الآخر: "الكاذِبَيْن".следующие страницы →