Полный текст (803 стр.). Показаны 345–384 · переход к 350.
стр. 345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = إلَّا بولي، عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة وغيرهم". وقال الحاكم بعد أن صحح الحديث: "فقد صحَّ وثبت بروايات الأئمة الأثبات سماع الرواة بعضهم من بعض؛ فلا تعلل هذه الروايات بحديث ابن علية وسؤاله ابن جريجٍ عنه، وقوله: إني سألت الزهري عنه فلم يعرفه؛ فقد ينسى الثقة الحافظ الحديث بعد أن حدث به، وقد فعله غير واحد من حفاظ الحديث".
وذكره الحافظ في "التلخيص" (٣/ ١٥٧) وقال: "وليس أحد يقول فيه هذه الزيادة غير ابن علية، وأعل ابن حبان وابن عدي وابن عبد البر والحاكم وغيرهم الحكاية عن ابن جريجٍ، وأجابوا عنها على تقدير الصحة بأنه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون صليمان بن موسى وهم فيه".
وانظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (٧/ ١٠٧)، و"الكامل في الضعفاء" لابن عدي (٣/ ١١١٥ - ١١١٦).
على أن سليمان بن موسى لم يتفرد به؛ فقد تابعه جعفر بن ربيعة عند أحمد في "المسند" (٦/ ٦٦)، وأبي داود في "السنن" (رقم ٢٠٨٤)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٧)، والبيهقي في "الكبرى" (٧/ ١٠٦)، وعبيد الله بن أبي جعفر عند الطحاوي (٣/ ٧)، وحجاج بن أرطاة عند ابن ماجة في "السنن" (رقم ١٨٨٦)، وأحمد في "المسند" (١/ ٢٥٠ و ٦/ ٢٦٠)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٤/ ١٣٠)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٧)، والبيهقي في "الكبرى" (٧/ ١٠٦ و ١٠٦ - ١٠٧).
وأخرجه الترمذي في "العلل الكبير" (١/ ٤٣٠) من طريق زمعة بن صالح، والدارقطني في "السنن" (٢٢٧/ ٣) من طريق محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه، كلاهما عن الزهري به، وزمعة بن صالح ومحمد بن يزيد بن سنان وأبوه فيهم ضعف؛ فبمجموع هده الطرق يتقوَّى الحديث ويصحّ.
وصححه ابن حبان وابن الجارود وأبو عوانة وغيرهم، وأعله الطحاوي بالحكاية الباطلة عن ابن جريجٍ، وللحديث شواهد منها حديث جابر =стр. 346
والصَّحيح ما عليه الجمهورُ، لأن المرويَّ عنه بصَدَدِ النِّسيان، والرَّاوي عنه ثقةٌ جازمٌ في السَّماع (١) ، لا تردُّ روايته بالاحتمال، كما أنه إذا مات المرويُ عنه أو جُنَّ.
وقد روى كثيرٌ من الأكابر أحاديث نسوها بعدما حدَّثوها عمن سمعها منهم، فكان أحدهم يقول: حدَّثني فلانٌ عني، عن فلان بكذا.
وجمع الخطيب ذلك في كتاب "أخبار مَنْ حدَّث ونسي" (٢) .
* [كراهة الرواية عن الأحياء]:
ولأجل أن الإنسان معرَّض للنِّسيان كَرِه بعضُ العلماء الرِّواية عن الأحياء، منهم الشَّافعي قال لابن عبد الحكم: "إياك والرواية عن الأحياء" (٣) . الحواشي
(١٣٥) .(١) قال مُغَلطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٢/ ب) هنا: "لقائل أن يقول: والراوي عنه أيضًا معرض للسهو والنّسيان، إذ السهو من جبلّة البشر، وسمِّيتَ إنسانًا لأنك ناسٍ، فينبغي أنهما يتهاترا، وينظر في ترجيح أحدهما على الآخر".
قال أبو عبيدة: وهذا ما قدمناه مفصَّلًا قريبًا، والحمد لله وحده.(٢) ولعلي بن عمر الدارقطني (شيخ شيخ الخطيب) كتاب في هذا أيضًا، واسم كتاب الخطيب "أخبار مَنْ حدّث ونسي" في جزء، كما تراه في "المنتظم" (٨/ ٢٦٦)، "إرشاد الأريب" (٤/ ٢٠)، "تذكره الحفاظ" (٣/ ١١٤٠)، "كتاب يوسف العش عن الخطيب" (ص ١٣٢)، ولخصه السيوطي في "تذكرة المؤتسي فيمن حدّث ونسي"، وهو مطبوع عن الدار السلفية بالكويت، بتحقيق الشيخ صبحي السامرائي، وانظر: "محاسن الاصطلاح"(٣٠٣) .(٣) أخرجه الخطيب في "الكفاية" (١/ ٤١٧) بإسناد صحيح، وذكره البيهقي =стр. 347
* [أخذ الأُجرة على التحديث]:
٩٧ - الحادية عشرة: من أخذ أجرًا على التَّحديث فلا تقبل روايته عند قوم، وهو قول أحمد بن حنبل، لاسحاق بن راهويه، وأبي حاتم الرازي، لأن ذلك يخرم المروءةَ عرفًا، وتتطرَّقُ إليه التُّهمة (١) .
ورخَّص في ذلكَ أبو نُعيم الفَضْل بن دُكَين، وعليُّ بن عبد العزيز (٢) ، وآخرون (٣) .......................... الحواشي
(١) بمعنى: أنه عثر على من يأخذ الأجر على الرواية ادّعاؤه وتزيّده ما لم يسمع، لأجل ما كان يعطي، ولهذا قال شعبة: لا تكتبوا عن الفقراء شيئًا، فإنهم يكذبون لكم، واكتبوا عن زياد بن مخراق، فإنه رجل موسر لا يكذب. انظر: "الكفاية"(١٥٤) ، "فتح المغيث" (١/ ٣٢١)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٢٥٤)، كتابي "المروءة وخوارمها"(٦٩) .(٢) هو الإمام أبو محمد البغوي، قال الذهبي في "التذكرة" (٢/ ٦٢٢) عنه: "كان يأخذ على التحديث، ولا شك أنه كان فقيرًا مجاورًا".(٣) أخذهم كان على أنواع، فبعضهم كان يأخذ من كلّ واحد، والبعض منهم =стр. 348
قياسًا على تعليم القرآن (١) .
وكان أبو الحسين بن نَقُّور (٢) يأخذ الأجرة على التَّحديث (٣) ، فإن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أفتاه بجوازها، لأن أصحاب الحديث كانوا يَمْنعونه عن الكسب لعياله (٤) .
٩٨ - الثانية عشرة: مَنْ عُرف بالتَّساهل في سماع الحديث .
لا تُقبل روايته، كمن لا يبالي بالنَّوم (٥) في مجلس السَّماع، وكمن الحواشي
(١) قال البُلقيني في "محاسن الاصطلاح"(٣٠٦) : "هذا قوي" وفي "صحيح البخاري"(٥٧٣٧) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن أحقّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب اللَّه". وانظر بسط المسألة في: "ينبوع العين الثرَّة في تفريع مسألة الإمامة بالأجرة" لابن لب الغرناطي (ت ٧٨٢ هـ) (ص ٨١ وما بعد)، "أخذ الأجرة على أعمال الطاعات والمعاصي" (ص ١٣ - ٦٦) للطريقي، "أخذ المال على أعمال القُرب" لعادل شاهين (٢/ ٤٥٦ - ٥٥٤)، "الاستئجار على القربات الشرعية" (١١٣ - ١٤٤) لصديقنا علي أبو يحيى.(٢) هو أحمد بن محمد البغدادي البزار، مسند العراق (ت ٤٧٠ هـ). ترجمته في "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٨١)، (العبر) (٣/ ٢٧٢)، "السير" (١٨/ ٣٧٢).(٣) كان يأخذ على "نسخة طالوت" دينارًا، كما في مصارد ترجمته.(٤) انظر "فتح المغيث" (١/ ٣٢١)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٥٣).(٥) إذا كان النوم خفيفًا كالنعاس، بحيث لا يختلّ معه فهم الكلام، فلا يضرّ في كلٍّ من التحمُّل والأداء، وقد كان المزي وابن حجر ربما ينعس الواحد منهما في حال إسماعه، ويغلط القارئ، أو يزلّ، فيبادر للرّد عليه. نعم، تسمَّح بعض الناس - قديمًا - في الإقراء وهم نائمون، ولكن إذا كان السامع على مذهب تجويز الإجازة، فلا يضره النوم القليل والكثير. انظر: "نكت الزركشي" (٣/ ٤٢٣ - ٤٢٤)، "فتح المغيث" (١/ ٣٢٨)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٨).стр. 349
يُحدِّث لا من أصلٍ مُقابلٍ صَحيحٍ (١) ، ومن هذا القَبيل مَن عُرِفَ بالتَّلقين في الحديث (٢) ، ولا رواية من كَثُر الشَّواذُّ والمناكيرُ في حديثه (٣) ، ولا الحواشي
(١) قال الذهبي في "السير" (١٦/ ٣٨٩) ذاكرًا تجوُّز بعض أهل الحديث في التسامح، حتى وصل بهم الحد - كما قال - إلى (التحديث من غير أصل) وقال عنه: "قد عمّ اليوم وطمّ، فنرجو أن يكون واسعًا بانضمامه إلى الإجازة".
قلت: وهذا من الشَّره في التصدّر والاستعجال للوصول إليه، من غير إحكام (العدة)، وصوره في زماننا كثيرة، يصعب حصرها وعدُّها، ولا قوة إلَّا باللَّه العظيم!
بقي: لو حدَّث من أصل مصحح، وكثر سهوه أو أسرع في السرد، على وجه لا تظهر فيه حروف بل كلمات، فهذا لا يدخل في الإجازة المقرونة بالسماع، لأنه يزعم أنه سمع من الشيخ جميع الجزء، وحقيقة الأمر ليس كذلك، فهو مما لا يطابق الواقع وفيه تشبُّع بما لم يعط، ولا سيما إن لم يكن جميع ما في الكتاب واضحًا، وقد تتصحف أو تتحرف فيه بعض الكلمات، وقد تعجم بعض الحروف، ويلتبس بعض الشكل، وهمُّ المجيز والمجاز - مع هذه الحالة - الكثرة "والحفظ هو الإتقان لا الكثرة" كما في "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٢١٥). وينظر كتابي "البيان والإيضاح" (ص ١١٦ - ١١٧ - طبع الدار الأثرية، الأردن). والمهم إن إطلاق عدم القبول ينبغي تقييده بما إذا لم تكن قرينة تزيل الريبة عن روايته، وإلا فتُقبل.(٢) يقع هذا للمغفَّلين والمختلطين، إذ التلقين: إلقاء كلام إلى الغير في الإسناد أو المتن، فيبادر المغفل للتحديث به، وهذا من علامات عدم التثّبت والضبط، وعليه فإن الوثوق يسقط بروايته. انظر "توضيح الأفكار" (٢/ ٢٥٧).(٣) لأن الضابط مخالفاته قليلة بالنسبة لموافقاته للثقات، وليس المراد مجرد المخالفة أو الوهم، فمن لا يهم؟! وإنما المراد الكثرة في ذلك، والمخالفة الفاحشة، نعم، من ميزت مخالفاته، بالرواية عن شيخ معين، أو أهل بلدة معينين، اقتصر على عدم حجيَّة ما يخالف فيه، والعكس، وقد وقع =стр. 350
روايةَ مَن عُرِفَ بكَثرة السَّهو في رواياته، إذا لم يحدِّث من أصلٍ صحيحٍ (١) .
وقال ابنُ المبارك، وأحمدُ بن حَنبل، والحميديُّ، وغيرُهم: "مَنْ غَلِط في حديث وبُيِّن له غلطُه، ولم يَرجِعْ عنه، وأصرَّ على رواية ذلك الحديث سقطت رواياته، ولم يكتب عنه" (٢) .
قال الشيخ تقي الدين: "وفيه نظر، وهو غير مستنكر إذا ظهر ذلك على جهة العِناد" (٣) .
قلت: إذا كان إصرارهُ على الخطأ بعد التَّنبيه عن عِنَادٍ، فينبغي أن لا يكتب عنه، وسقطت رواياته لأنه كالمستخفِّ بالحديث بترويج قوله الباطل، وإذا كان عن جهل فأولى بالسُّقوط؛ لأنه ضمُّ جهلٍ إلى المكابرة على الحق (٤) . الحواشي
(١) حدَّث بعض الرواة بعد ذهاب أصولهم، أو احتراقها، فردَّت رواياتهم إلَّا من تميّزت رواياته، فعرف من روى عنه قبل ذهاب هذه الأصول، كابن لهيعة، ورواية العبادلة عنه، وزيد عليهم جماعة، وليس هذا محل تحرير ذلك.(٢) ترى نحوه عند ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٦٦) والخطيب في "الكفاية"(٢٢٩) والسخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٢٧٤ - ط المنهاج)، ونقله عن المذكورين.(٣) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٢٠).(٤) نقله السخاوي "فتح المغيث" (٢/ ٢٧٤ - ط المنهاج) عن التاج التبريزي قوله هنا "لأن المعاند كالمستخفّ" وعنده: " … جهله إنكاره الحق"، وزاد: "وكأن هذا فيمن يكون نفسه جاهلًا، مع اعتقاده علم من أخبره".
قال أبو عبيدة: ثم وجدتُ السخاوي نقله عن الزركشي في "النكت على =стр. 351
* [الرواية في العصور المتأخّرة لبقاء سلسلة الإسناد وأثر ذلك على شروط أهلية الرواة]:
٩٨ - الثالثة عشرة: أعْرَض النَّاسُ في هذه الأعصارِ المتأخِّرةِ عن اعتبار مجموع ما بيَّنَّا من الشُّروط في السَّامع ومشايخهِ (١) ، فلم يتقيَّدوا الحواشي
(١) هذا في زمنه رحمه اللَّه تعالى، أما في زماننا فالأمر محصور بين من لهم عناية بالحديث بالرسوم والألفاظ، ولا سيما في حق من يتتبع الإجازات والمرويات، فهمُّ الواحد منهم مكلاتبة علماء الهند والسند، وتتصل أسانيده بالجن والحن، ورتن الهندي، وبكل من هب ودب، وقد صوّر ذلك العلامة السلفي محمد البشير الإبراهيمي في مقالة له نشرت في جريدة "البصائر" العدد(٣٣) سنة ١٩٤٨ م، قال رحمه الله تعالى:
"ولقد أصابَ كاتبُ هذه السطور مسٌّ من هذا الجنون في أيام الحداثة، ولم أتبيَّن منشأه في نفسي إلَّا بعد أن عافاني اللَّه منه وتاب عليّ؛ ومنشؤه هو الإدلال بقوة الحافظة، وكان من آثار ذلك المرض أنني فُتنتُ بحفظ أنساب العرب، فكان لا يُرضيني عن نفسي إلَّا أن أحفظ أنساب مضر وربيعة بجماهرها ومجامعها، وأن أنسُبَ جماهر حِمير وأخواتها، وأن أعرف كلّ ما أثر عن دغفل في أنساب قريش، وما اختلف فيه الواقدي ومحمد بن السائب الكلبي، ثم فُتنتُ بحفظ الأسانيد، وكدتُّ ألتقي ( … وذكر مُعتنيًا بجمع الإجازات) في مستشفى هذا المصنف من المجانين بالرواية، لولا أن الله سلَّم، ولولا أن الفطرة ألْهَمَتْني: أن العلم ما فُهم وهُضم، لا ما رُويَ وطُويي. =стр. 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = زُرتُ يومًا الشيخ أحمد البرزنجي ﵀ في داره بالمدينة المنورة وهو ضرير، وقد نُمِي إليه شيء من حفظي ولزومي لدور الكتب، فقال لي بعد خوض في هذا الحديث: أجزتُك بكل مروياتي من مقروء ومسموع بشرطه … إلخ، فألْقى في روعي ما جرى على لساني وقلت له: إنك لم تُعطِني علمًا بهذه الجُمل، وأحْرِ أن لا يكون لي ولا لك أجر، لانك لم تتعَب في التلقين وأنا لم أتعَب في التلقِّي؛ فتبسبم ضاحكًا من قولي ولم يُنكر، وكان ذلك بدأ شفائي من هذا المرض، وإن بقيَتْ في النفس منه عقابيل، تَهيج كلما طاف بي طائف العُجْب والتعاظم الفارغ إلى أن تناسيته متعمدًا؛ ثم كان الفضل لمصائب الزمان في نسيان البقية الباقية منه؛ وإذا أسفت على شيء من ذلك الآن فعلى تناسيّ لأيام العرب، لأنَّها تاريخ، وعلى نسياني أشعار العرب، لأنَّها أدب. وحضرت بعد ذلك طائفةً من دروس هذا الشيخ في "صحيح البخاري" على قلّتها وتقطعها؛ وأشهَد أني كنت أسمع منه علمًا وتحقيقًا؛ فقلت له يومًا: الآن أعطيتَني أشياء وأحْرِ بنا أن نؤجَر معًا، أنت وأنا؛ فتبسّم مبتهجًا وقال لي: يا بنيّ هذه الدراية، وتلك الرواية. فقلت له: إن بين الدراية والعلم نسبًا قريبًا في الدلالة، تُرادفه أو تقفُ دونه؛ في نسبةُ الرواية إلى العلم؟ وقطعَ الحديث صوت المؤذن وقال لي بعد الصلاة: حدّثني بحديثك عن نسبة الرواية إلى العلم، قلت له ما معناه: إن ثمرة الرواية كانت في تصحيح الأصول وضبط المتون وتصحيح الأسماء، فلما ضُبطت الاصول وأُمِن التصحيف في الأسماء خَفّ وزن الرواية وسقطت قيمتها، وقلت له: إن قيمة الحفظ - بعد ذلك الضبط - نزلتْ إلى قريب من قيمة الرواية، وقد كانت صنعة الحافظ شاقةً يوم كان الاختلاف في المتون، فكيف بها بعد أن تشعب الخلاف في ألفاظ البخاري في السند الواحد بين أبي ذر الهروي، والأصيلي، وكريمة، والمستملي، والكشميهني، وتلك الطائفة، وهل قال حدثني أو حدثنا أو كتاب أو باب؛ إن هذا لتَطويل ما فيه من طائل. ولا أراه علْمًا بل هو عائق عن العلم؛ وقلت له: إن عمل الحافظ اليونيني على جلالة قدره في الجمع بين هذه الروايات ضرب في حديد بارد، لا أستثني منه إلَّا عمل ابنِ مالك، وإن ترجيح ابن مالك لإعراب لفظة لأدلُّ على الصحة =стр. 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = في اللفظ النبوي من تصحيح الرواية، وقد يكون الراوي أعجميًّا لا يقيم للإعراب وزنًا؛ فلماذا لا نَعمَد إلى تقوية الملكة العربية في نفوسنا، وتقويم المنطق العربي في ألسنتنا، ثم نجعل من ذلك موازين لتصحيح الرواية، على أن التوسع في الرواية أفضى بنا إلى الزهد في الدراية، وقلت له: إنك لو وقفت على حلق المحدّثين بهذا الحرم، محمد بن جعفر الكتاني ومحمد الخضر الشنقيطي وغيرهما لسَمعتَ رواية وسردًا، لا دراية ودرسًا، وإن أحدهم ليَقرأ العشرين والثلاثين ورقة من الكتاب في الدولة الواحدة! فأين العلم؟ وقلت له: إن مَن قَبْلنا تنبهوا إلى أن دولة الرواية دالت بضبط الأصول وشهرتها فاقتصروا على الاوائل، يعنون الأحاديث الأولى من الأمهات وصاروا يكتفون بسماعها أو قراءتها في الإجازات؛ وما اكتفاء القدماء بالمناولة والوجادة إلَّا من هذا الباب.
قلت له هذا وأكثر من هذا، وكانت معارفُ وجهِه تدل على الموافقة ولكنه لم ينطق بشيء، وأنا أعلم أن سبب سكوته هو مخالفة ما سمع لما ألِف ﵀.
ولقيت يومًا لشيخ يوسف النبهاني ﵀ بباب من أبواب الحرم فسلَّمت عليه فقال لي: سمعت آنفًا درسَك في الشمائل، وأعجبني إنحازك باللوم على مؤلفي السِّير في اعتنائهم بالشمائل النبوية البدنية، وتقصيرهم في الفضائل الروحية؛ وقد أجزتُك بكلل مؤلفاتي ومروياتي وكل ما لي من مقروء ومسموع من كلّ ما تضمنه ثبتي … إلخ. فقلت له: أنا شاب هاجرتُ لأستزيدَ علمًا وأستفيد من أمثالكلم ما يكملني منه، وما أرى عملكم هذا إلَّا تزهيدًا لنا في العلم؛ وماذا يفيدني أن أروي مؤلفاتك وأنا لم أستفد منك مسألة من العلم؟ ولماذا لم تنصب نفسَك لإفادة الطلاب؟ فسكَت، ولم يكن له ﵀ درس في الحرم، وإنما سمعتُ من خادم له جَبَرْتي أنه يتلقى عنه في حجرته درسًا في فقه الشافعية.
وكان بعدَ ذلك يُؤثر محلي على ما بيننا من تفاوُت كبير في السن، وتباين عظيم في الفكرة. رحم اللَّه جميع من ذكرنا وألْحقَنا بهم لا فاتين ولا مفتونين. =стр. 354
بها في رواياتهم لتعذَّر الوفاء بذلك، ولما كان المقصودُ في هذا الزَّمان بقاءَ سلسلةِ الإسْنَادِ التي خُصَّت بهذه الأمّة، وجب اعتبارُ شروطٍ تليقُ بهذا الغَرَض (١) ، فلْيُكْتَفَ في أهليَّة الشَّيخ بكونه مُسلمًا بالغًا عاقلًا، غيرَ الحواشي
(١) كلامه ﵀ في عصر الخير، وأول ظهور الشر، أما في عصرنا فلا فائدة من السماع، وتتبع الإسناد العالي، إلَّا المحاكاة والتقليد، دون تحصيل المقصد والثمرة، والتدقيق اليوم ليس من جهة السماع من الشيوخ، وإنما من تحصيل المخطوطات وتعدد الطبعات، وهذه مرحلة بعد مرحلة تقديم الإجازة على السماع في العصور التي سبقتها، كما تراه عند السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٢٨٨).
ومن دقة بعضهم إثبات حال البعض عند السماع، كما تراه - مثلًا - في آخر المجلد الثامن من "السنن الكبرى" للبيهقي (٨/ ٣٥٠) ففيه: "سمع هذا المجلد ثلاثة كان النوم يعتريهم أحيانًا حالة السماع، وكانوا يتحدّثون أحيانًا، ولهم فوات … " وفصَّل في بيانه، وكان هذا السماع على ابن الصلاح.
وهذا النوم الذي كان يعتريهم بعدَ النَّسْخ، أو حالة السماع أحيانًا، هو في الأغلب الأكثر ليس من الكسَل والتواني وقِلَّةِ الاهتمامِ بالسماع والمسموع، وإنما هو من التعب والجُهدِ الذي يَلحقُهم وُيلاحِقُهم في الانهماك في الطلب والتحصيلِ، لأنهم كانوا يقومون قبلَ الفجر لما تيسَّر من قيام الليل، ثم يتابعون لصلاة الفجر، ثم يَحضُرون المجلسَ من بعد الصلاة إلى الضحى العالي أو أقلَّ قليلًا أو أكثر، فلذلك يَلحقُهم الوَنَى والفُتُورُ فيُغلَبُون على أنفسهم.
وليسوا هم كحالِ بعضِ الطلبة المرفَّهين في عصرنا، يَسهرون إلى نصفِ الليل أو نحوِه على المِذياع والتِّلْفَاز أو غيرهما! ولا يقومون لصلاة الصبح إلَّا قهرًا أو جبرًا، وإذا حضروا في الدرس حضرَتْ أشباحُهم، وسَرَحَتْ أرواحُهم، فلا يفهمون إلَّا قليلًا إن لم يناموا، فإذا ناموا فمن إهمالٍ ومَلَل، =стр. 355
متظاهر بالفِسق والسُّخف، و [في] ضبطه بوجودِ سماعهِ مُثبتًا بخطٍّ غيرِ متَّهم، وبروايته مِن أصلٍ مُوافقٍ لِأَصْلِ شَيْخهِ (١) . الحواشي
(١) هذا الذي قرره ابن الصلاح وتبعه المصنف، وفيه توسع، وشكى منه الذهبي في غير كتاب من كتبه، بل في مواطن من "السير" وحده، وتتبعه يطول، وأكتفي بذكر كلام ابن الأثير في مقدمة "جامع الأصول" (٧٣ - ٧٤)، قال بعد كلام:
"على أن الضَّبط في زماننا هذا، بَلْ وقَبْله من الأزمان المتطاولة، قلَّ وجوده في العالم، وعَزَّ وقوعه، فإن غاية درجات المحدِّث - في زمانِنا - المشهور بالرواية، الذي ينصِب نَفْسَهُ لإسماعِ الحديث في مجالس النَّقْل: أن تكون عنده نُسخة قد قرأها أَو سمعها، أو في بلدته نسخة عليها طبقَةُ سماعٍ، اسمه مذكورٌ فيها، أو لَهُ مناولة، أو إجازةٌ بذلك الكتاب، فإذا سُمِعَ عليه، استَمَعَ إلى قارئهِ، وكتَبَ له خطَّه بقراءته، ولعلَّ قارئهُ قد صَحَّفَ فيه أماكن لا يَعْرِفُها شيخُه، ولا عثر عليها، وإن سأله عنها، كان أحسنُ أجْوبِتِه أن يقول: كذا سمعتُها، إن فَطِن لها.
وإذا اعتبرْتَ أحوالَ المشايخ من الْمُحَدِّثينَ في زماننا، وَجَدْتَها كذلك أو أكثرها، ليس عندهم من الدّراية علم، ولا لهم بصواب الحديث وخَطَئه معرفةٌ، غيرُ ما ذكرنا من الرِّوايةِ على الوجه المشروح، على أنه ما يُخلي الله بلادَه وعبادَه من أَئمَّةٍ يَهْتدِي بهم العالمون، وحفَّاظٍ بأخذ عنهم المهمِلون، وعلماء يقتدي بهم الجاهلون، وأفاضل يحرسون هذا العلم الشريف من الضياع، ويقرئونه صحيحًا كما انتهى إليهم في الأسماع، ويصونون معاقده من الانحلال، وقواعده من الزلل والاختلال، حفظًا لدينه، وحراسةً لقانونه.
نفعنا الله وإيَّاكم مَعْشَر الطَّالبينَ بما آتاهم الله من فضله، ووفَّق كُلًّا منَّا ومنكم للسَّداد في قوله وفعله". =стр. 356
وقد قال بنحو ما ذكرنا الحافظ أبو بكر البيهقي (١) ، واحتجَّ له بأنَّ الأحاديثَ التي صحَّت، أو وَقَفَتْ بين الصِّحة والسّقم قد دُوِّنتْ، وجُمعت في كُتُب الحديث، فلا يجوز أن يذهب شيءٌ منها على جميعهم (٢) ، وإنْ جاز أن يذهب على بعضهم، فمن جاء اليوم بحديثٍ لم الحواشي
(١) نقل كلامه ابن الصلاح في: "المقدمة" (ص ١٢١)، وجماعة ممن اختصر كتابه، مثل: ابن جماعة (شيخ المصنف) في "المنهل الروي"(٦٩) والنووي في "الإرشاد" (١/ ٣١٩)، وينظر "تدريب الراوي" (١/ ٥٧٢ - ط طارق عوض الله).(٢) في هامش الأصل ما نصُّه: "قال شيخنا تقي الدين ابن جماعة: قول البيهقي: "فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه"، فيه إطلاق، ونقبله إذا لم يكن الجائي به من أئمة النقل، أو كان ولم توجد الشروط المعتبرة. أما إذا كان ووجدت، فإنه يُقبل منه، وما المانع من ذلك؟! وهل هذا إلَّا مثل إحالتهم وجود المجتهد في زماننا، وهو يفتر عن حين ما، =стр. 357
يوجد عند جميعهم لم يُقبل منه، ومَنْ جاء بحديثٍ معروفٍ عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجَّة قائمة به، والقَصدُ بالسَّماع منه بقاءُ الحديث مُسلسلًا بحدَّثنا وأخبرنا (١) .
٩٩ - الرابعة عشرة: في بيان ألفاظ مستعملة في هذا الشأُن من الجرح والتعديل، وقد رتَبها ابن أبي حاتم (٢) وأحسن وأجاد.
* [ألفاظ التعديل]:
أما ألفاظ التَّعديل فعلى مراتب، بعضُها أعلى درجةً من بعضٍ:
الأولى: وهي أعلى المراتب (٣) ، أن يقال: فلانٌ ثقةٌ مُتقن، أو الحواشي
(١) قال الذهبي في (أوائل) "الميزان" (١/ ٤): "العمدة في زماننا ليس على الرواة، بل على المحدِّثين والمفيدين الذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين. ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره".
قلت: والعمدة في زماننا على المخرِّجين، والمؤلفين، والشراح؛ هذا الذي بقي من علوم الحديث. والدراسات الموضوعية الجذرية الجادّة قليلة، وجلَّ الجهود مكررة، وممن مهر من المشتغلين قام بجمع الطرق والحكم على الحديث، والعمل به، والدعوة إلى ما فيه، وهم مدرسة من أهل الحديث مفرَّقة في الأصقاع، وهم قلّة، وفي غربة، نصرهم الله ونضَّر وجوههم وحتى مطالعهم، وبيَّن نزلهم، وكثَّرهم وجعلنا منهم. وعلى رأسهم في عصرنا شيخنا الإمام الألباني رحمه الله تعالى.(٢) في كتابه "الجرح والتعديل" (٢/ ٣٧) والمذكور عند المصنف مأخوذ منه، وصرَّح بذلك ابن الصلاح، وحذف المصنف عبارته، وأورد في كتابه "المعيار في علل الأخبار" (١/ ٣٨ - ٤١) المراتب المذكورة هنا، مع بعض الإيضاحات، والله الموفق.(٣) زاد الحافظ أبو عبد الله الذهبي في (مقدمة) كتابه "ميزان الاعتدال" درجة =стр. 358
ثبت، أو حُجَّة، أو ثقة ثقة - بالتَّكرير -، وهو ممن يحتجُّ به، وكذا إذا قيل في العدل: إنه حافظ ضابط.
الثانية: وهي أدنى من الأولى: أنْ يُقال: إنه صَدوق، أو محلُّه الصِّدق (١) ، أو لا بأس به، فهو ممن يكتبُ حديثهُ، ويُنظر فيه، لأنَّ هذه العبارة لا تشعر بالضَّبط، فيختبر حتى يعرف ضبطُه، وقد تقدَّم بيان الاعتبار.
وجاء عن عبد الرَّحمن بن مَهدي القدوة في هذا الفن: "حدثنا أبو خلدة، فقيل: أكان ثقة؛ قال: كان صدوقًا وكان مأمونًا وكان خيِّرًا، الثقة شعبة وسفيان" (٢) . الحواشي
(١٥٧) ونبه عليه المصنف في "المعيار" وسيأتي كلامه، والحق بها السيوطي في "تدريب الراوي"١/ ٥٧٥ - ط طارق) غيرها، قال: "قلت: ومنه "لا أحد أثبت منه" و"مَنْ مثل فلان! " و"فلان لا يُسأل عنه"، ولم أر من ذكر هذه الثلاثة، وهي في ألفاظهم".
وانظر "نكت الزركشي على مقدمة ابن الصلاح" (٣/ ٤٣١).
قال أبو عبيدة: ومن ألفاظ هذه المرتبة: "أمير المؤمنين في الحديث"، "أوثق الناس".
ومما ينبغي أن يذكر هنا أن (الحجة) أقوى من (الثقة)، ففي "سؤالات الآجري": "سألت أبا داود عن سليمان ابن بنت شرحبيل. فقال: ثقة يخطئ كما يخطئ الناس. قلت: هو حجة؟ قال: الحجة أحمد بن حنبل". انظر "التهذيب" (٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨).(١) زاد في "المعيار" (١/ ٣٨) عليه: "وعدَّ صاحب "الميزان" فلان ثقة - من غير ضميمة - من الثانية، وصدوق من الثالثة، ولا مشاحة في الاصطلاح".(٢) أسند مقولة ابن مهدي: ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٣٧) =стр. 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٤٧١) ، وفي الموطنين (شعبة وسفيان) فلا عبرة لقول مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٣/ أ): "الذي رأيت في كتاب الخطيب وغيره عن ابن مهدي في هذا: الثقة شعبة ومسعر، لم أر لسفيان ذكرًا، وكأنه تصحف على الشيخ لقرب شبههما"! وهو في "الكفاية" للخطيب (٢٢ - ط النمنكاني) و (ص ٥٩ - ٦٠ التيجاني) و (١/ ٩٨ رقم ٣٢ - ط أبي إسحاق الدمياطي): (شعبة وسفيان". وهو كذلك مسندًا عند: ابن عدي في مقدمة "الكامل" (١/ ١٦٦) وابن حبان في مقدمة "المجروحين" (١/ ٤٩) والحاكم في "المدخل إلى الصحيح" (١١٣ - ١١٤)، فلا وجه لكلام مُغُلْطاي، وينظر في هذا "التقييد والإيضاح" (١٥٨ - ١٥٩)، "محاسن الاصطلاح"(٣٠٨) .
بقيت كلمة مهمة للعلَّامة ذهبي العصر المعلِّمي اليماني حول هذه الكلمة، قال في "التنكيل" (١/ ٧٢):
"إن كلمة ابن مهدي بظاهرها منتقدة من وجهين:
الأول: أنه وكافة الأئمة قبله وبعده يطلقون كلمة "ثقة" على العدل الضابط وإن كان دون شعبة وسفيان بكثير.
الثاني: أن أبا خلدة قد قال فيه يزيد بن زريع والنسائي وابن سعد والعجلي والدارقطني: "ثقة"، وقال ابن عبد الج: "هو ثقة عند جميعهم، وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ"، وأصل القصة أن ابن مهدي كان يحدث فقال: "حدثنا أبو خلدة" فقال له رجل: "كان ثقة؟ " فأجاب ابن مهدي بما مر. فيظهر لي أن السائل فخَّم كلمة "ثقة" ورفع يده وشدها بحيث فهم ابن مهدي أنه يريد أعلى الدرجات، فأجابه بحسب ذلك، فقوله: "الثقة شعبة وسفيان" أراد به الثقة الكامل الذي هو أعلى الدرجات، وذلك لا ينفي أن يقال فيمن دون شعبة وسفيان: "ثقة" على المعنى المعروف، وهذا بحمد الله تعالى ظاهر؛ وإِن لم أر من نبه عليه، وقريب منه أن المروذي قال: =стр. 360
وأما قول يحيى بن معين: "إذا قلتُ: فلان لا بأس به فهو ثِقة، وإذا قلتُ: هو ضعيف فليس هو بثقة، لا يكتب حديثه" (١) فقال الشَّيخُ تقيُّ الدين: "إنه نسب هذا الاصطلاح إلى نفسه خاصة، فلا يقاوم ما نقله ابن أبي حاتم عن أهل العلم على ما بَيَّنَّا" (٢) .
قلتُ: أراد الشَّيخُ تقيُّ الدين أن قوله: "لا بأس به" لا يوجب أن يكون ثقةً على اصطلاح الجماعة (٣) كما بَيَّنَاه، وقوله: "إذا قلت: ضعيف الحواشي
(١) أخرجه ابن أبي خيثمة في "تاريخه الكبير" (ص ٣١٥ - أخبار المكيين) وابن شاهين في "تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين" (ص ٤٢) وفي "الثقات" (ص ٤٦٤)، والخطيب في "الكفاية"(٢٢) .(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٢٤)، ولخصه المصنف في "المعيار" (١/ ٣٨)، فقال عقب قوله السابق: "يكتب حديثه وينظر [فيه] " زاد: "ومثله من كان مأمونًا، ودونه في التعديل: فلان لا أعلم به بأسًا، هكذا قاله الشيخ تقي الدين بن الصلاح".(٣) يجدر هنا ذكر أمرين:
الأول: ليس المذكور خاصًّا بابن معين، فمن طريقة دحيم إذا قال: فلان ليس به بأس؛ فهو ثقة عنده، حكى ذلك عنه أبو زرعة الدمشقي، أفاده مُغُلطاي في "إصلاحه" (ق ٣٣/ أ) وقال: "رأيت للنسائي شيئًا من ذلك في كتاب "الكنى"، ومنه تعلم ما في قول ابن الصلاح السابق: "قوله - أي ابن معين - خاصة"! وينظر لزامًا: "نكت الزركشي على مقدمة ابن الصلاح" (٣/ ٤٣٣) "التنكيل" (١/ ٦٩).
والآخر: عكَّر العراقي في "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٧) على هذا بقوله: "لم يقل ابن معين: إن قولي: ليس به بأس كقولي ثقة، حتى يلزم منه التساوي بين اللفظين، إنما قال: إن من قال فيه هذا، فهو ثقة، وللثقة مراتب، فالتعبير =стр. 361
فليس بثقة"، فإن ليس بثقةٍ لا يوجب الضَّعفَ على مذهب الجماعة، كما بيَّنَّا في حكاية ابن مهدي، والله أعلم.
الثالثة: أن يقال: إنه شَيخ (١) ، دون الثانية، ويُكتب حديثهُ، وُينظر فيه.
الرابعة: أن يقال: إنه صَالح الحديث، يُكتب حديثه للاعتبار.
وقال صاحب "الميزان": "ومن هذه المرتبة أن يقال: جيِّد الحديث، وشيخٌ وَسَط، وشيخٌ حسن الحديث، وصدوق إن شاء الحواشي
(١) قال ابن القطان في "الوهم والإيهام" (٣/ ٤٨٢): "يعنون بذلك أنه ليس من طلبة العلم ومقتَنيه، وإنما هو رجل اتفقت له رواية الحديث، أو أحاديث أخذت عنه"، وأقره الزركشي في "نكته" (٣/ ٤٣٤).стр. 362
الله، وصُويلح" (١) .
الخامسة: (٢) ولم يَذكره الشيخ تقيُّ الدين: أن يقال: صدوق، لكنه مبتدع، أو فيه لِين، أو ضعيف من قبل الحفظ، أو له أوهام، أو غلط، فيقبل ما يرويه في الشَّواهد والاعتبار دون الأصول والأحكام.
* [ألفاظ التجريح]:
- وأما ألفاظ الجرح (٣) فكذا على مراتب: الحواشي
(١) ميزان الاعتدال (١/ ٤).(٢) قال العراقي في "التقييد والإيضاح" (ص ١٦٢ - ١٦٣):
"إن المصنف أهمل من ألفاظ التوثيق والجرح أكثر مما زاده على ابن أبي حاتم، فرأيت أن أذكر منها ما يحضرني لتعرف وتضبط، فأما ألفاظ التوثيق: فمن المرتبة الثانية على مقتضى عمل المصنف قولهم: فلان مأمون، فلان خيار، وهاتان من الرتبة الثالثة على مقتضى عمل الذهبي في جعله أعلى الدرجات تكرار التوثيق كما تقدم. ومن الرتبة الرابعة أو الثالثة قولهم: فلان إلى الصدق ما هو، فلان جيد الحديث، فلان حسن الحديث، وفلان صويلح، وفلان صدوق إن شاء الله، وفلان أرجو أنه لا بأس به. وأما ألفاظ التجريح فمن الرتبة الأولى وهي ألين ألفاظ التجريح: قولهم: فلان فيه مقال وفلان ضعف وفلان تحرف وتنكر وفلان ليس بالمتين أو ليس بحجة أو ليس بعمدة أو ليس بالمرضي، وفلان للضعف ما هو وسيّئ الحفظ وفيه خلف وطعنوا فيه وتكلموا فيه. ومن الرتبة الثانية وهي أشد من الأولى: فلان واه، فلان ضعفوه، فلان منكلر الحديث. ومن الرتبة الثالثة وهي أشد منهما قولهم فلان ضعيف جدًّا، فلان واه بمرة فلان لا يساوي شيئًا، فلان مطرح وطرحوا حديثه ورام به ورد حديثه، ومن الرتبة الرابعة: فلان متهم بالكذب وهالك وليس بثقة، ولا يعتبر به، وفيه نظر، وسكتوا عنه، وهاتان العبارتان يقولهما البخاري فيمن تركوا حديثه، ومن الرتبة الخامسة ولم يذكرها المصنف فلان وضاع، فلان دجال، ولهم ألفاظ أخر يستدل بهذه عليها، والله أعلم".(٣) انظر تتمتها مع مراتبها المختلفة في الهامش السابق.стр. 363
الأولى: وهي أدناها مرتبةً في الجرح، وهي قريبٌ من آخر مراتب التَّعديل، أن يقال: ليِّن الحديث، لا يحتجّ به، سيّئ الحفظ، متكلَّم فيه، تعرف وتنكر، فيه مقالٌ، ليس بالقويِّ، ليس بذاك، ليس بحُجَّة، كان مأمونًا، وقد يُضَعَّف.
وقال الدَّارقطنيُّ: "إذا قلتُ: فلان ليِّن الحديث فلا يكون ساقطًا، ولكن مَجروحًا بشيء لا يُسقط عدالته" (١) .
الثانية: أن يقال: فُلانٌ واهٍ، أو ضَعيفٌ، أو ضعَّفوه، وهو أولى من قولهم: فلان ضعيف الحديث، قاله الشيخ تقي الدين (٢) .
الثالثة: أن يقال: فلان ضعيف جدًّا، أو واهٍ بمرَّة، أو ليس بشيء، أو لا شيء، أو ضعيفٌ واهٍ، أو ضعيف الحديث جدًّا.
الرابعة: أن يقال: متروك الحديث (٣) ، أو ذاهب الحديث، سكتوا عنه، ساقط، هالك، فيه نظر، لا يكتب حديثه، ليس بثقةٍ ولا مأمونٍ.
الخامسة: وهي أردى العبارات (٤) أن يقال: فلان دجَّال، كَذَّاب، وضَّاع للحديث، أو يضعُ الحديث، أو يَكذب في الحديث.
وأقلُّ من هذا المتَّهم بالكذب، متَّفق على تركه، ونحو ذلك. الحواشي
(١) سؤالات السهمي للدارقطني(٧٢) وأسنده الخطيب في "الكفاية"(٢٣) .(٢) في "المقدمة" (ص ١٢٥).(٣) في هامش الأصل: "وكذا قولهم: فلان منكر الحديث. يعني: أنه لا يحتج بحديثه، لغلبة النكارة عليه، بخلاف قولهم: حدَّث بأحاديث مناكير، أو عنده مناكير ...... ".(٤) أردأ منها: "أكذب الناس"، "دجَّال الدجاجلة"، "ركن من أركان الكذب".стр. 364
وهذا التَّرتيبُ بعضهُ يوافق ما أورده الشَّيخُ تقيُّ الدِّين، وبعضهُ لما أورده الحفَّاظ في مصنَّفاتهم (١) نقلتُ من هذا (٢) ، والله أعلم.
* * * الحواشي
(١) اعتمد على مقدمة "الميزان" (١/ ٤)، وللمعاصرين جهود جيدة في هذا الباب، وعناية مستطابة في جمع ألفاظ الجرح والتعديل. وتحليلها. فللدكتور أحمد معبد عبد الكريم "ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل بين الإفراد والتكرير والتركيب"، ومن هذه الكتب أيضًا: "شرح ألفاظ التوثيق والتعديل النادرة أو قليلة الاستعمال" و"شرح ألفاظ التخريج النادرة أو قليلة الاستعمال" كلاهما للشيخ سعدي الهاشمي، "الشرح والتعليل لألفاظ الجرح والتعديل" للشيخ يوسف محمد صدِّيق، "شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل" للشيخ مصطفى إسماعيل، وهو كثير العناية بها وأكْثَر من سؤال شيخنا الألباني عن الألفاظ النادرة، واستفاد من أجوبته عليها.(٢) كذا العبارة في الأَصل!стр. 365
الفصل الثاني في تقسيم السَّند
وفيه ثلاثة أنواع
* [المسلسل]:
١٠٠ - النوع الأول: في المسلسل، وهو نعت للإسناد، هو عبارة عن تتابع إسناد الرجال وتواردهم فيه واحدًا بعد واحدٍ على صفةٍ أو حالةٍ واحدة.
* [أقسامه]:
وذلك إما أن يكون صفةً للرِّواية والتَّحمُّل، وإما أن يكون صفةً للرُّواة، أو حالةً لهم من أقوالهم، وأفعالهم، وغير ذلك.
* [أمثلته]:
مثال ما يكون صفةً للرواية والتحمُّل: ما يتسلسل بسمعتُ فلانًا، قال: سمعتُ فلانًا، إلى آخر الإسناد.
ويتسلسل بحدَّثنا إلى آخره، أو بأخبرنا، أو بأخبرنا والله فلان، وهكذا (١) . الحواشي
(١) ذكر الحاكم في "المعرفة"(٣٠) من أنواع المسلسل: أن يكون ألفاظ الأداء في جميع الرواة دالة على الاتصال وإن اختلفت أدوات التحمل، قلت: ويلحق بهذا - على ما في "الجواهر المكللة" للسخاوي - التسلسل بقول كلّ واحدٍ من الرواة: "صمَّت أُذناي إن لم أكن سمعته"، والذي درجت عليه =стр. 366
ومثال ما يرجع إلى صفات الرُّواة قولهم (١) : "اللَّهم أعنَّا على شُكْرِك وذِكْركَ" (٢) المسلسل بقولهم: إنِّي أحبُّكَ فَقُلْ.
وحديث التَّشبيك باليد (٣) ، في أشباه ذلك. الحواشي
(٥٧) .(١) بعدها في الأصل: "ثنا" وعبارة "المقدمة" (ص ٢٧٥ - ٢٧٦): "ومثال ما يرجع إلى صفات الرواة وأقوالهم ونحوها إسناد حديث: اللهم أعنِّي … ".(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٤، ٢٤٧)، والبخاري في "الأدب المفرد" (ص ٢٣٩)، وعبد بن حميد في "مسنده" (ص ٧١)، وأبو داود(١٥٢٢) ، والنسائي(١٣٠٣) ، وابن خزيمة(٧٥١) ، وابن حبان (٥/ ٣٦٤، ٣٦٥) رقم (٢٠٢٠، ٢٠٢١)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٠٧) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤/ ٩٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٤١)، والتسلسل في بعض الرواة عند أحمد والنسائي، فقال ثلاثة رواة عند أحمد: "إني أحبك فقل" وعند النسائي اثنان. وأخرجه بالتسلسل في جميع رواته: الحاكم (١/ ٥٦٠ و ٤/ ٣١١) والبيهقي في "الشعب" (٤/ ٩٩ رقم ٤٤١٠) والضياء المقدسي في "جزء فيه أحاديث وحكايات" (ق ٣/ أ) و"خمسة أحاديث مسلسلات" (٣٩٨ - ضمن "التنويه والتبيين") والثعالبي في "منتخب الأسانيد" (ق ٢٧) والعلائي في "المسلسلات المختصرة المقدمة أمام المجالس المبتكرة" (ص ٢٤) والسخاوي في "الجواهر المكللة" (ق ٦٤) والسيوطي في "جياد المسلسلات" (رقم ١١) ومحمد عابد السندي في "حصر الشارد" (٢/ ٥٥٠) ومحمد عبد الباقي الأيوبي في "المناهل السلسلة" (ص ٢٤) وابن عقيلة في "الفوائد الجليلة)(٧٦) وأبو الفيض الفاداني في "العجالة في الأحاديث المسلسلة" (ص ٢٦ - ٢٧) وقال السخاوي: "هذا حديث صحيح المتن والتسلسل".(٣) وهو حديث: "خلق الله التربة يوم السبت" أخرجه مسلم(٢٧٨٩) دون تسلسل، وأخرجه مسلسلًا بالمشابكة: الحاكم في "المعرفة" (٣٣ - ٣٤) وابن الجوزي في "مسلسلاته" (ق ٧) والسيوطي في "حُسن التسليك في حكم التشبيك" (٢/ ١١ - ١٢/ ضمن "الحاوي") وفي "جياد المسلسلات" =стр. 367
ومن المسلسل اتفاق أسماء الرواة، كجزء المحمَّدين (١) ، أو أنسابهم، أو بلدانهم بأنهم كلهم من قبيلة كذا، أو من بلد كذا (٢) .
ومنه المسلسل بالفقهاء، فقيهٍ، عن فقيهٍ: كحَديثِ "المتبايعان بالخيار" (٣) .
قلت: ولي فيه رواية عمن ووى عن الحافظ زكي الدين عبد العظيم (٤) بسنده عن إمام الحرمين، بسنده عن الشَّافعي الإمام، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، والله أعلم. الحواشي
(١٢٣) وفي "تدريب الراوي" (٢/ ٣٩٦) والسخاوي في "الجواهر المكللة" (ق ٨٠) - وقال: "المتن دون تسلسل صحيح" - وابن عقيلة في "الفوائد الجلية" (ص ٦٩) ومحمد بن جعفر الكتاني في "المسلسلات" (٥١، ٥٣) ومحمد بن عبد الباقي الأيوبي في "المناهل السلسلة" (٥٨ - ٦٠) وأبو الفيض الفاداني في "المناهل السلسلة" (١٣ - ١٤).(١) أخرج بالتسلسل بالمحمدين حديثَ محمد بن عبد الله بن جحش رفعه: "غّط فخذك فإنها عورة" ابن حجر في "الإمتاع بالأربعين" (ص ٢٤٠ - ٢٤١) والسخاوي في "الجواهر المكللة" (ق ٥٣/ ب) والسيوطي في "الرياض الأنيقة في أسماء خير الخليقة" (ص ٥٣) وفي "جياد المسلسلات"(٢٠٢) وابن عقيلة في "الفوائد الجليلة" (ص ١٣٦ - ١٣٧)، ومحمد عبد الباقي الأيوبي في "المناهل السلسلة"(٢٢٧) وأبو الفيض الفاداني في "العجالة في الأحاديث المسلسلة" (ص ٧٣ - ٧٥) وقال ابن حجر: "هذا حديث عجيب التسلسل بالمحمَّدين". وافتتح أبو موسى المديني (ت ٥٨١ هـ) كتابه "نزهة الحفاظ" بأربعة أحاديث أخر كلها مسلسلة بالمحمدين.(٢) انظر أنواع المسلسلات في "المعرفة"(٤٦٢) ، "التقييد والإيضاح" (٢٣٦ - ٢٣٨)، "المسلسلات عند المحدثين"(١٨) .(٣) مضى تخريجه من غير التسلسل، وانظر الهامش الآتي.(٤) المنذري (ت ٦٥٦ هـ)، وأسند الحديث في "جزئه المتبايعان بالخيار" =стр. 368
* [أفضله]:
وأفضله ما كان فيه دلالة على اتِّصال السَّماع (١) .
* [فوائده]:
ومن فضيلة التسلسل اشتمالُه على مزيد الضَّبط من الرُّواة (٢) .
* [ضعف التسلسل]:
وقَلَّ ما تسلم المسلسلات من ضعف في وصف التَّسلسل، لا في أصل المتن (٣) . الحواشي
(٢٧) ومن طريقه الذهبي في "السير" (١٠/ ٦٣ - ٦٤) - وقال: "وهو مسلسل في طريقنا الأول بالفقهاء إلى منتهاه" - وعلمُ الدين البرزالي في "مشيخة ابن جماعة" (١/ ٤٣٨) والسيوطي في "جياد المسلسلات"(٨١) وفي خاتمة "تدريب الراوي" (٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧) ومحمد بن عبد الباقي الأيوبي في "المناهل السلسلة" (ص ٢٦٦ - ٢٦٧) وأبو الفيض الفاداني في "العجالة" (ص ٣٩ - ٤٠).(١) كالمسلسل بقول كلّ راوٍ (سمعت)، أو (أشهد بالله لسمعت)، أو "صُمَّت أُذناي إن لم أكن سمعت" أو "أطعمني" أو "سقاني" أو "أول حديث سمعته منه"، وهكذا.(٢) ومن فوائده وأهميته: الاقتداء بالنبي ﷺ في بعض الأقوال أو الأفعال، إنْ صح التسلسل إليه. انظر كتابي "البيان والإيضاح"(٧٩) .
ومن فوائده: معرفة مخرج الحديث، وتعيين ما لعله يقع من الرواة مهملًا، والترجيح إذا كان مسلسلًا بالفقهاء، فإن الترجيح يقع بخصوصهم على ما عارضه من ليس مشده متَّصفًا بذلك، انظر: "فتح المغيث" (٣/ ٥٧)، "كتب المسلسلات عند المحدثين" (ص ٢٣).(٣) استشكل بعضهم أن يكون من فوائد المسلسلات اشتمالها على مزيد الضبط من الرواة؛ لأن زيادة الضبط تنافي الضعف، والضعف هو الغالب على هذه المسلسلات، فأجيب عنه بأن تلك الفضيلة بحسب الأصل، =стр. 369
ومن المسلسل ما ينقطع سلسلته في وسط إسناده، وذلك كالمسلسل بأول حديث سمعتهُ، على ما هو الصَّحيح في ذلك (١) .
قلت: وقع لي حديث "الرَّاحمون يرحمهم الرحمنُ، ارحموا مَن في الأرض يرحمُكُم مَنْ في السَّماء" (٢) من طريق شيخي الحافظ قاضي الحواشي
(٢٣) .(١) قال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٥٨٦) في ترجمة (أبي نصر محمد بن طاهر الوزيري الأديب المفسر) (ت ٣٦٥ هـ): "روى الحديث المسلسل بالأوليِّة، فزاد تسلسله إلى منتهاه، فطعنوا فيه لذلك".
قلت: والصحيح في تسلسله أنه ينتهي بالراوي عن ابن عيينة فيه، وهو عبد الرَّحمن بن بشر العبدي. انظر كتابي "البيان والإيضاح"(٧٩) وحديث المسلسل بالأولية: "الراحمون يرحمهم الرَّحمن .. " انظر تخريجه في الهامش الآتي، وراجع "المنهل الروي"(٥٧) .(٢) أخرجه بالتسلسل بالأولية: وهو قول كلّ راو بالقيد المذكور في الهامش السابق: "وهو أول حديث سمعته منه: الضياء المقدسي في "الأحاديث المسلسلات" (ق ٢ - ٣) والعلائي في "المسلسلات المختصرة" (ص ٢١) وابن قدامة في "صفة العلو" (ص ٤٥) وابن المستوفي في "تاريخ إربل" (١/ ٤٠٦) وعلم الدين البرزالي في "تخريج مشيخة بدر الدين ابن جماعة" (١/ ٨٢) والذهبي في "السير" (١٧/ ٦٥٦ - ٦٥٧) و"معجم الشيوخ" (١/ ٢١ - ٢٤) والسيوطي في "جياد المسلسلات" (ص ٧٣ - ٨٠) وابن ناصر الدين في "مجالس في تفسير قوله تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ " (ص ٢٢) والتجيبي في "مستفاد الرحلة" (ص ٤٤٢) والعراقي في "الأربعين العشارية" =стр. 370
القضاة بدر الدين ابن جماعة - أبقاه الله تعالى - بهذه السلسلة.
وفي المسلسلات كَثرة، ووقع لي أيضًا حديث: "لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يرمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومرِّه" (١) مسلسلًا الحواشي
(٤) والكتاني في "المسلسلات" (ص ٤١ - ٤٥)، و"فهرس الفهارس" (١/ ٩٣) وعبد العزيز الغماري في "التحفة العزيزية في حديث الرحمة المسلسل بالأولية" وأبو الفيض الفاداني في "العجالة"(٩) و"ثبت الكزبري" (ص ٣٢) و"أسانيد الكتب الحديثية السبعة" (ص ٥) و"المقتطف من إتحاف الأكابر" (ص ١٦٦) و"النفحة السبعة"(١٦٦) ومحمد الأمير الكبير في "ثبته" (ص ١٧٣) في جماعة آخرين يطول تعدادهم، ويصعب حصرهم، وجَمَعَ طرقَه جماعة.(١) أخرجه مسلسلًا: الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ١٨٢) والخلعي في (التاسع) من (فوائده) والذهبي في "السير" (٨/ ٢٨٧) والعراقي في "التبصرة والتذكرة"(٨٢) والسيوطي في "جياد المسلسلات" (ص ٢٢٠) والسخاوي في "الجواهر المكللة" (ق ٨٢) وابن عقيلة في "الفوائد الجليلة" (ص ١٨٤) ومحمد عبد الباقي الأيوبي في "المناهل السلسلة"(١٨٠) والفاداني في "العجالة" (ص ٩٦) وغيرهم.
قال الذهبي على إثره: "وتَسَلْسَل إليَّ هذا الكلام، وهو كلام صحيح، لكن الحديث واهٍ لمكان الرَّقاشي".
قلت: هو يزيد بن أبان متروك.
وفي هذا الحديث المُسَلْسَل اتْفَقت أحوال الرواة الفعليَّةِ والقوليَّة، بقبْض كلِّ راوٍ منهم على لحيته، مع قوله: آمنت بالقدر … إلى آخره.
قال الشيخ عباس رضوان الحسني المدني (١٢٩٣ - ١٣٤٦) رحمه الله تعالى في "فتح البَر بشرح بلوغ الوَطَر" (ص ٤٨): "ولعلَّ الأخذ باللحية للإِشارة =стр. 371
بقبض على لحيته، وقال: آمنت بالقدر خيره وشرِّه، وحلوه ومُرِّه، من المبدأ إلى منتهاه من طريق الشَّيخ زكيِّ الدِّين عبدِ العظيم الحافظِ بسَنَده، عن الحاكم، بإسنده هكذا مُسَلْسَلًا باللفظ (١) المذكور إلى رسول الله ﷺ ، والله أعلم.
١٠١ - النوع الثاني: المزيد في متصل الإسناد .
* [مثاله]:
مثاله: ما روي عن عبد الله بن المبارك قال: حدثنا سُفيان، عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني بُسْرُ بن عُبيد الله قال: سمعت أبا إدريس يقول: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت أبا مَرْثَد الغَنَويَّ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القُبور، ولا تصلُّوا إليها" (٢) .
فَذِكْرُ سفيانَ وأبي إدريس في هذا الإسناد زيادة.
أما ذكر سفيان فالوهم فيه ممن دون ابن المبارك، لأن جماعة ثقات يروونه (٣) عن ابن المبارك، عن ابن جابر نفسه (٤) . الحواشي
(١) في الأصل: "بلفظ".(٢) سيأتي تخريجه، ضمن التفصيل في طرقه.(٣) في الأصل"يرووه" والصواب بإثبات النون.(٤) منهم: * حسن بن الربيع البجلي؛ رواه عنه مسلم(٩٧٢) .
* هناد؛ رواه عنه الترمذي في "السنن"(١٠٥٠) وفي "العلل الكبير" (١/ ٤١٩) =стр. 372
ومنهم مَنْ صرَّح بلفظ الإخبار بينهما.
وأما ذكر أبي إدريس فابن المبارك فيه نسب إلى الوهم، لأن جماعة ثقات رووه عن ابن جابر، ولم يذكروا أبا إدريس بين بسر وواثلة، ومنهم من صرح بسماع بُسْر من واثِلة (١) . الحواشي
(٧٩٤) والحاكم (٣/ ٢٢٤)، والبيهقي (٢/ ٤٣٥) وينظر "الحلية" (٩/ ٣٨).
* نعيم بن حماد؛ أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٩/ ١٩٣) بإسقاط (أبي إدريس).
* زكريا بن عدي، رواه عنه عبد بن حميد (ص ١٧٢).
* عبيد الله بن محمد التيمي، أخرجه الطحاوي (١/ ٥١٥).(١) ممن وقفت على رواياتهم:
* الوليد بن مسلم؛ أخرجه مسلم(٩٧٢) ، وأحمد (٤/ ١٣٥) والنسائي (٢/ ٦٧) والترمذي(١٠٥١) وابن خزيمة(٧٩٣) والطبراني (١٩/ رقم ٤٣٣) وفي "مسند الشاميين"(٥٨١) والطحاوي (١/ ٥١٥) والبيهقي (٤/ ٧٩)، وفي رواية أحمد تصريح بسماع بُسر من واثلة.
* عيسى بن يونس؛ أخرجه أبو داود(٣٢٢٩) ، وفيه تصريح بسماع بسر من واثلة.
* بِشْر بن بكر؛ أخرجه أبو عوانة (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩) والطحاوي (١/ ٥١٥) والحاكم (٣/ ٢٢١)، وفيها التصريح بالسماع، ووقفه الحاكم! أو هكذا وقع في كتابه!
* صدقة بن خالد، أخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" =стр. 373
وقال أبو حاتم: "كثيرًا ما يحدِّث بُسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك، فظنَّ أن هذا ممَّا رواه عن أبي إدريس، عن واثلة، وقد سمع هذا بُسر عن واثلة" (١) .
* [متى يتحقق الوهم]:
* وإنَّما تحقَّق الوهم للزائد إذا دلَّت قرينةٌ أنَّ الرَّاوي لم يسمع من كليهما، فيحمل حينئذٍ على الزِّيادة، أو يثبت الوهم كما ذكر أبو حاتم في الزيادة، أما إذا لم توجد قرينة ذلك فمن الجائز قد سمع ذلك من رجل عنه، ثم سمعه منه نفسه، فيكون بُسر في الحديث المذكور قد سمعه من أبي إدريس، عن واثلة، ثم لقي واثلةَ فسمعه منه كما جاء مثله مصرِّحًا به في غير هذا، فلا يحمل على الوهم. الحواشي
(٥٨٠) وأبو نعيم (٢/ ١٩) وفيها التصريح بالسماع.
* "الوليد بن مزيد؛ أخرجه أبو عوانة (١/ ٣٩٨) والبيهقي (٤/ ٧٩).
فهؤلاء جميعًا رووه دون ذكر (أبي إدريس)، وانظر التعليق الآتي.(١) "العلل" (١/ ٣٠٤) ونقل الترمذي عن البخاري قوله: "حديث ابن المبارك خطأ، أخطأ فيه ابن المبارك، وزاد فيه عن أبي إدريس"الخولاني"، وهكذا قال الدارقطني في "العلل" (٧/ ٤٣ - ٤٤ رقم ١١٩٩) وأقره المزي في "تحفة الأشراف" (٨/ ٣٢٩).
وقال ابن خزيمة (٢/ ٨): "أدخل ابن المبارك بين بُسر بن عبيد الله وبين واثلة: أبا إدريس الخولاني في هذا الخبره.
قلت: وقد خالف ابنَ المبارك خمسةٌ من الشاميين في إسناد حديث شامي، وهم أعلم به منه، وأما رواية نعيم بن حماد والعباس بن الوليد النرسي عن ابن المبارك بإسقاط أبي إدريس، فلعله رجوع منه، إلى الجادة، واختلف فيه على النرسي، وتقدمت روايته.стр. 374
وقد يستدل على قبولهم الزيادة بأن الظاهر ممن وقع هذا منه أن يذكر السَّماعَين، فإذا لم يجئ ذكر ذلك حُمِلَ على الزِّيادة (١) .
١٠٢ - النَّوع الثَّالث: التَّدليسُ، وحُكمُ المدلِّس .
* [أقسام التدليس]:
أما التدليس فقسمان (٢) :
* [تدليس الإسناد]:
الأول: تدليس الإسناد، وهو أن يرويَ عمَّن لَقيه ما لم يسمعْه منه، أو مَن عَاصَره ولم يَلْقَه (٣) ، موهمًا أنه قَد لَقيه وسَمِعَه، وإنَّما يكونُ تدليسًا إذا لم ينصّ في روايته على سماعه منه، أما إذا نصَّ فهذا كَذب (٤) ؛ لأنه الحواشي
(١) نعم، شرطه أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزِّيادة، وإلا فمتى كان معنعنًا ترجحت الزيادة، انظر "نزهة النظر"(٤٧) وشروحها، ونقل الترمذي عن البخاري قوله: "حديث ابن المبارك خطأ، أخطأ فيه ابن المبارك".(٢) جعله الحاكم ستة أقسام، وتبعه عليه أبو عمرو الداني في "جزء في علوم الحديث"، (ص ١٣٦ - ١٥٨ - بتحقيقي) ووضحتها ووجهت الأمثلة المسوقة عليها في شرحي على جزء أبي عمروالمسمى "بهجة المنتفع" (ص ٣٧٠) وهو منشور، ولله الحمد والمنة. وانظر "محاسن الاصطلاح"(٢٣٢) وفيه: "الأقسام الستة التي ذكرها الحاكم داخلة تحت القسمين السابقين .......... ".(٣) هذا هو الإرسال، وكان الأقدمون يطلقونه على (التدليس)، والفرق بينهما أن الإرسال لا يوهم السماع، بخلاف التدليس فهو يُوهمه، فلما أضيف لعدم السماع المعاصرة أوهمه من هذا الوجه، فألحقوه بالتدليس. وانظر كتابي "بهجة المنتفع" شرح فقرة(١١٩) واعترض على قيد "من عاصره ولم يلقه" وانظر تطويلًا في رد هذا الاعتراض: "المرسل الخفي" (١/ ٨٥ وما بعد).(٤) للتدليس طرق وعرة، وقد يقع إيهام التصريح بالسماع في تدليس (العطف) أو (السكوت) أو (القطع)، وكان يفعله (عمر بن علي المقدَّمي) قال ابن سعد =стр. 375
لم يسمعْه، فلا يسمَّى تدليسًا بأن يقول في روايته: أخبرنا فلان، أو حدَّثنا فلان، أو سمعتُ عن فلان، وإنما يكون تدليسًا إذا قال: قال فلان، أو عن فلان، ونحو ذلك.
مثاله: ما روي عن عَليِّ بن خَشْرَم قال: كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري، فقيل له: حدَّثكم الزُّهري، فسَكَت، ثم قال: الزهري، فقيل: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمع من الزهري، حدَّثني عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزُّهري (١) . الحواشي
(١) أخرجه الحاكم في "المدخل" (ص ٧٠) و"المعرفة" (رقم ٢٤١ - ط السلوم) ومن طريقه الخطيب في "الكفاية" (رقم ١١٥٧ - ط الدمياطي) وأبو عمرو الداني في "جزء في علوم الحديث" (رقم ٩١ - بتحقيقي).
واشتهر عن ابن عيينة أنه لم يدلس إلَّا عن ثقة، وأنه لا يفعل ذلك غيره! =стр. 376
قلت: هذا النَّوعُ هو المنقطعُ يجب الحكمُ بضَعفه (١) ، والله أعلم.
* [تدليس الشيوخ]:
الثاني: تدليس الشَّيوخ، وهو أن يروي عن شيخ حديثًا سمعه منه، ويسمِّيه، أو يكنيه، أو يصفه بما لا يُعرف، كي لا يُعرف (٢) .
* [حكم التدليس]:
وأما القسم الأول فمكروهٌ جدًّا، وكان شُعبةُ من أشدِّهم ذمًّا له (٣) . الحواشي
(١) إيراد هذا التقرير عقب مثال فيه تدليس ابن عيينة ليس بدقيق، اللهم إلَّا إذا دخلت عليه قيود، وينظر الهامش السابق.(٢) يدخل في هذا القسم تدليس التسوية أيضًا، بأن يصف شيوخ السند بما لا يعرفون به من غير إسقاط، فيكون تسوية الشيوخ، كذا في "النكت الوفية" (ق ١٤٣ / ب).
قلت: وأما إسقاط المدلس مَنْ بعد شيخه إن كان ضعيفًا، فهو شر أنواع التدليس، وهو يلحق بالقسم الأول، وهو الذي يطلق عليه (تدليس التسوية).
ويلتحق بقسم تدليس الشيوخ (تدليس البلاد)، كما إذا قال المصري: حدثني فلان بالأندلس وأراد موضعًا بالقرافة، وجلُّ أمثلته نظرية واحتمالية، وأثره غير ظاهر ظهور الانواع السابقة في التطبيق العملي.(٣) أوردت أقواله في ذمه، مع توجيهها، وتعقب من حملها على التجوز في كتابي =стр. 377
وقال الشَّافعيُّ الإمامُ: "التدليس أخو الكذب" (١) .
* [حكم المدلِّس]:
١٠٣ - أما حُكم المدلِّس، فقد اختلفوا في قبول رواية مَنِ اشتهر بهذا التَّدليس، فجعله فريقٌ من المحدِّثين مَجروحًا بذلك، والصَّحيح التفصيل (٢) ، في رواه بلفظٍ محتملٍ لم يبيِّن فيه السَّماعَ والاتِّصال (٣) الحواشي
(١) ظفرت بها عن الشافعي عن شجة، أخرجها بسند صحيح له: الخطيب في "الكفاية"(٥٠٨) وابن عدي في مقدمة "الكامل" (١/ ٤٧) والبيهقي في "مناقب الشافعي" (٢/ ٣٥) وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ١٠٧). وبعد إثبات هذا وجدت في هامش الأصل ما نصه: أعلق هذا بالشافعي، وإنما رواه عن شعبة".(٢) نعم، الصحيح التفصيل، إذ ليست أغراض المدلِّسين محصورة في النوع المذموم، وإنما لهم أغراض أخرى، باعث بعضها الخير، ولا سيما عند التابعين، حتى قال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ٣٤٠) عن تدليس التابعين: "إن غرضهم من ذكر الرواية أن يدعوا إلى الله " قال: "فكانوا يقولون: قال فلان لبعض الصحابة"، قال: "فأما غير التابعين، فأغراضهم فيه مختلفة".
فكان همُّ التابعين تبليغ ما تحمَّلوه من السُّنَّة، ونشرها، ليعمل مَنْ بعدهم بها، وبلَّغوها إليهم بأقرب طريق وأسهله، رغبة في الاختصار، فنسبوها إلى أعلى من تنسب إليه من الثقات، دون مراعاة لأدوات التحمل، وتسلسل الرواة، ولا سيما أن بعض الناس في زمنهم صُبغوا بغير الفطرة، وحادوا عن الجادة، واجتالتهم البدع، وأصبح - يا للأسف - بعض الرواة من الصحابة وتلاميذهم (أعلى طبقة في التابعين) غير عدول عندهم، فلم يكن - بالجملة - همُّ من دلَّس من التابعين ما عُرف عند المتأخِّرين من الرواة، وتوسَّعوا فيه؛ إذ كان يدلس الواحد من المتأخرين ويغيِّر اسم من سمع منه لكونه أصغر سنًّا منه، أو كونه حيًّا، أو إيهامًا للسامعين بكثرة الشيوخ، أو تفننًا في العبارة.
فهذه الأغراض متفاوتة، ولذا المدلِّسون على طبقات، ويختلف حكم التدليس بحسب الباعث عليه من جهة، والأثر المترتب عليه من جهة أخرى، =стр. 378
حكمهُ حكمُ المرسل (١) ، وما رواه بلفظٍ مبيِّن للاتِّصال نحو: سمعت، الحواشي
(٦٨) عن التدليس: "ويختلف الحال في كراهته بحسب الغرض الحامل عليه".
ومن أشنع وأبشع وأفظع أنواعه: تدليس التسوية، وهو أن يروي المدلس حديثًا عن شيخ ثقة، بسندٍ فيه راوٍ ضعيف، فيحذفه المدلس من بين الثقتين اللذين لقي أحدهما الآخر، ولم يذكر أولهما بالتدليس، ويأتي بلفظ محتمل، فيسؤي الإسناد كذ ثقات، وهذا النوع لا يقبل فيه تصريح المدلس بالسماع من شيخه، وإنما لا بدَّ من تصريح جميع مَنْ فوقه بالسَّماع أيضًا.
ويلحق به في السوء أن يكون عند الراوي حديثين بإسنادين مختلفين، فيرويهما بأحدهما، وكذا أن يسمع حديثًا من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه، فيرويه عنهم باتفاق، وهذا يسمَّى (تدليس المتون)!
وسبب سوء التسوية أنه باب لترويج الكذب، وسبب سوء تدليس المتون أنه مدعاة لأن يقع الغير في الكذب على رسوله الله ﷺ .
وذمُّ العلماء للتدليس مشهورٌ، وكان أكثرهم كراهة له - كما قال المصنف قبلُ - شعبة، ولذا تكررت عبارته واشتهرت.(١) فهو على هذا الحال عيب في الرواية، وليس في الراوي، ولكن هذا ليس على إطلاقه، نعم، هو كذلك ما لم يؤثر على مرويات الراوي بصفة عامة، وأنه إن صرح بالسماع زالت تهمة التدليس، هذا كله حق، ولكن إذا كثر وكان المدلس يسقط الثقات ويتعمد ذلك في باب الرواية لا في المذاكرة، وكان في حفظه شيء، وأكثر من التدليس ولا سيما عن المجاهيل والمتروكين والضعفاء، فإن هذا يعود على جملة رواياته، ولا سيما إن قامت القرائن أنه لا يضبط فيما يصرح به، أو يشتبه عليه، أو يلقِّن إياه، أو لا يتميز =стр. 379
وحدثنا، وأخبرنا؛ فهو مقبول محتجٌّ به.
وفي "الصحيحين" وغيرهما من الكتب المعتبرة من حديث هذا الضَّرب كثير جدًّا (١) ، كقتادة، والأعمش، والسَّفيانين، وهُشيم، وغيرِهم، لأنَّ التَّدليس ليس كذبًا، وإنما هو ضَرْبٌ من الإيهام بلفظٍ محتملٍ.
ثم الحكمُ بأنَّه لا يُقبل من المدلِّس حتى يبيِّن، أجراه الشافعي الإمام فيمن عرف دلَّس مرّة (٢) . الحواشي
(١) تمشية عنعنتهم وهم مدلسون محمول على (تحسين الظن) قاله المزي للسبكي، ومع هذا فقد أعلَّت بعض الحروف بعنعنتهم، كما تجده في "علل مسلم" لأبي الفضل الشهيد وفي مواطن من كلام الدارقطني، وانظر للمسألة: "النكت" لابن حجر (٢/ ٦٣٥ - ٦٣٦) "جامع التحصيل"(١١٠) ، "شرح النووي على صحيح مسلم" (١/ ٣٣)، وانظر الهامش الآتي.(٢) قال في "الرسالة" (ص ٣٧٩): "ومَنْ عرفناه دلَّس مرّة، فقد أبان لنا عورته في روايته، وليس تلك العورة بالكذب، فنرد بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق، فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق. فقلنا: لا نقبل من مدلِّسٍ حديثًا حتى يقول فيه حدثني أو سمعت".
قلت: الذي جرى عليه أئمة النقد أنهم تتبعوا تدليس المشاهير، وميَّزوا ما سمعوه وما دلَّسوه، فقبلوا الأول، وإن لم يقع تصريح منهم بالسماع. ففي عبارة الشافعي تأصيل، ولكنه ليس على إطلاقه من حيث التطبيق، ولذا قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٩/ ٢٨٧) - مثلًا -: "وقال بعض من يقول بالتيمم إلى المرفقين: قتادة إذا لم يقل سمعت أو حدثنا، فلا حجّة في نقله" وقال: "وهذا تعسُّف". =стр. 380
قال الشيخ محيي الدين: "ما كان في "الصحيحين" وغيرهما من الكتب الصحيحة من المدلِّس بعن محمولٌ بثبوت سماعه من جهةٍ أخرى" (١) .
* [مفسدة التدليس]:
وقال قاضي القُضَاة تقيُّ الدِّين: "وللتَّدليس مَفْسَدة إذ يصير الراوي الحواشي
(١) التقريب (١/ ٣٦٣ - مع "التدريب")، "الإرشاد" (١/ ٢١١)، وكلامه واقع في كثير من الأمثلة، ويقع ثبوت السماع من خارج "الصحيحين"، ولكن هذا ليس مستغرقًا لجميع الأسانيد، ويعجبني ما قاله الصنعاني في "توضيح الأفكار" (١/ ٣٥٦) هنا: "يحتمل أن الشيخين لم يعرفا سماع ذلك المدلس الذي رويا عنه، لكن عرفا لحديثه من التوابع ما يدلُّ على صحته مما لو ذكراه لطال، فاختار إسناد الحديث إلى المدلس لجلالته وأمانته وانتفاء تهمة الضعف عن حديثه، ولم يكن في المتابعين الثقات الذين تابعوا المدلس من يماثله ولا يقاربه فضلًا وشهرة، مثل أن يكون مدلس الحديث سفيان الثوري والحسن البصري أو نحوهما، ويتابعه على روايته عن شيخه أو عن شيخ شيخه من هو دونه من أهل الصدق ممن هو ليس بمدلس".
وينظر: "النصيحة" لشيخنا الألباني (٢٧ - ٢٨).стр. 381
مجهولًا، فيسقط العملُ بالحديث؛ لجهالة الراوي، وإنْ كان عدلًا في نفس الأمر، وله مصلحةٌ، وهو امتحان النَّفس في استخراج التَّدليسات" (١) .
وأما القسم الثاني فأمرُه أخفُّ (٢) وفيه تضييعٌ للمروي عنه، وتوعيرُ طريقِ معرفتهِ (٣) على مَنْ يطلبُ الوقوفَ على حالهِ.
* [عودة إلى حكم التدليس]:
وتختلف كراهيةُ ذلك بحسب الغَرَضِ الحاملِ عليه (٤) ، فقد يكونُ الحواشي
(١) الاقتراح (ص ٢١٤) بتصرف.
ومن مفاسد التدليس وسوالبه: التزيُّن بعدم، والتشبُّع بما لم يعط، وأما امتحان النفس، فهي مصلحته، ومثاله: ما ذكره الذهبي في "رحلته" أنه لما اجتمع بابن دقيق العيد، سأله ابن دقيق العيد: مَنْ أبو محمد الهلالي؟ فقال: سفيان بن عيينة، فأعجبه استحضاره. أفاده السخاوي، وانظر كتابي "البيان والإيضاح"(٨٥) .(٢) لم يبِّين المصنِّفُ - تبعًا لابن الصلاح - حكمه، واكتفى بقوله: "أمره أخف"، فأردت بيان الحكم فيه للفائدة: وقد جزم أبو نصر ابن الصباغ في "العدة" أن من فعل ذلك لكون من روى عنه غير ثقة عند الناس، وإنما أراد أن يغيّر اسمه ليقبلوا خبره، يجب أن لا يقبل خبره، وإن كان هو يعتقد فيه الثقة، فقد غلط، لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو، وإنما كان لصغر سنه، فيكون ذلك رواية عن مجهول لا يجب قبول خبره حتى يعرف من روى عنه، قاله العراقي في "التقييد والإيضاح"(١٠٠) .(٣) قد يكون لامتحان الأذهان في استخراج المدلسات، واختبار الحفظ، وقد يكون لغير ذلك فتحصل المفسدة، قاله البُلقيني في "محاسن الاصطلاح"(٢٣٥) .(٤) هذا من جهة، وتختلف الكراهة أيضًا على حسب الأثر المترتب عليه، كما بيَّنَاه قريبًا، والحمد لله وحده.стр. 382
لأجلِ أنَّ شيخَه غيرُ ثقةٍ، أو أصغرُ من الرَّاوي عنه، أو متأخِّرُ الوفاة قد شاركه في السَّماع منه جماعة دونه، أو كونُه كثيرَ الرِّواية عنه، أو رواه عنه ولا يحب تكرار شخصٍ على صورةٍ واحدة، وقد تسمَّح بهذا القسم الحافظ أبو بكر الخطيب (١) وغيرُه من المصنِّفين (٢) .
قلت: وتسامحهم هذا إنما يجوزُ إذا لم يكن الشَّيخ المكنيُّ عنه ليس (٣) هالكًا ساقطًا، وأما التَدليس عن مثل الكذَّابين الوضَّاعين الحواشي
(١) تسمُّحه واقع بلا دافع في طريقة روايته عن مشايخه في كتبه، وتفطن لهذا ابنُ الصلاح في (النوع الثامن والأربعين)، فقال: "والخطيب الحافظ يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه. وكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب وعن أبي محمد الخلال، والجميع عبارة عن واحد.
ويروي أيضًا عن أبي القاسم التنوخي، وعن علي بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، وعن علي بن أبي علي المعدل والجميع شخص واحد، وله من ذلك الكثير".
ومن الجدير بالذكر أن الخطيب في (تقعيده) في "الكفاية" (٢/ ٤٠٢) لم يتسمَّح، إذ قال: "وفي الجملة، فإنَّ كلّ مَنْ روى عن شيخ شيئًا سمعه منه وعدل عن تعريفه بما اشتهر من أمره، فخفي ذلك على سامعه، لم يصح الاحتجاج بذلك الحديث للسامع، لكون الذي حدث عنه في حاله، ثابت الجهالة، معدوم العدالة، ومن كان هذا صفته فحديثه ساقط، والعمل به غير لازم، على الأصل الذي ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم"!!(٢) مثل: أبو موسى المديني في جزئها ذكر ابن أبي الدنيا وما وقع لي عاليًا من حديثه" فإني وجدت فيه (من رقم ١٥ - ٣١) يروي هذه الأخبار عن أبي بكر الشافعي في "الغيلانيات"، وينوِّع اسمه على ألوان وضروب، لإخفائه على قارئه.(٣) كذا في الأصل، ولا داعي لها، إذا سبق "إذا لم يكن ....... ".стр. 383
كمحمَّد بن سعيد المصلوبِ الزِّنديقِ، صَلَبه المنصورُ في زَنْدَقَتهِ، فلا يجوزُ أصلًا (١) .
قال عبد الله بن أحمد بن سوادة: "قلَب أهلُ الشَّام اسمَه على مئة اسم" (٢) .
وقال أبو الفرج الحافظ: "والذي وصل إلينا من تدليسهم تسعة عشر وجهًا" (٣) ، والتَّدليس عن مثل هذا بعد المعرفة بحاله لا يجوز أصلًا. الحواشي
(١) لأنه حينئذ بمعنى إخفاء العلة لحديث مطروح أو موضوع، ليروج، وهو من الحرام في دين الله ، ولذا يعجبني صنيع ابن حزم في رسالته "التلخيص لوجوه التخليص" (ص ٢٥٠ - ٢٥٢) فإنه أورد مقولة شعبة: "لأن أَزني أحبُّ إليَّ من أن أُدلِّس"، وقال على إثرها ما نصه: "وأنا أقول: لأن يضرب عنقي، أو أصلب، أو يرمى بي وأهلي وولدي؛ أحبُّ إليَّ من أقطع الطريق، أو أقتل النفس التي حرم الله بغير حق، وأنا أعلم أن ذلك حرام، وهذا أحبَّ إليَّ من أنْ أستحلَّ الاحتجاج بحديث عن النبي ﷺ لا أعتقده صحيحًا، أو أن أردَّ حديثًا صحيحًا عنه ﷺ ولم يصح نسْخُه بنصٍّ آخر، ولا صح عندي تخصيصُه بنصٍّ آخر"، فهذا محمول على ظاهره، خلافًا لمن قال إن كلام شعبة محمول على المبالغة في الزجر! قال مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٢٢/ ب) بعد نقله نقل ابن الصلاح لمقولة شعبة: "لأن أزني .. " وصنيعه في توجيهها على المبالغة في الزجر، قال: "وشرع - أي ابن الصلاح - في الاعتذار عنه - أي: عن شعبة -، ولو رأى ما ذكره الخطيب لكان له مندوحة عن ذكر ما ذكره، وهو قول شعبة: التدليس في الحديث أشد من الزنا" انتهى.
ووافقه البلقيني في "محاسن الاصطلاح" (ص ٢٣٤) فقال تحت (فائدة): "قد جاء عن شعبة … " وساق قوله. قال: "وهذا الذي قاله شعبة ظاهر، فإن آفة التدليس لها ضرر كبير في الدين وهي أضر من أكل الربا، … ".(٢) نقلها العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٧١) دون تسمية القائل.(٣) الموضوعات (١/ ٢٨٠) وسرد الأوجه جميعًا.стр. 384
الفصل الثالث: فيما يقع في الإسناد من العُلوِّ والنُّزولِ، وغيِرهما
وفيه تسعة أنواع:
* [أنواع العلوّ والنُّزول]:
١٠٤ - النوع الأول: في عُلوِّ الإسناد ونزولهِ ، وفيه طرفان:
الطرف الأول: في علو الإسناد ، وهو على خمسة أقسام (١) :
* [أنواع العلو]:
الأول: القُرْبُ من رسولِ الله ﷺ بإسنادِ نظيف غيرِ ضعيفٍ.
الثاني: ما ذكره الحاكم أبو عبد الله (٢) ، وهو القُربُ من إمامٍ من أئمَّة الحديث، وَإِنْ كَثُر العددُ من ذلك الإمام إلى رسول الله ﷺ .
الثالث: العلو بالنسبة إلى رواية "الصَّحيحين"، وغيرِهما من الكتب المعروفةِ المعتمدِ عليها. الحواشي
(١) انظرها في "مسألة العلو والنزول في الحديث"، للإمام ابن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧ هـ)، مع مقدمة محققه الفاضل الشيخ صلاح مقبول حفظه الله تعالى، وينظر كتابي "البيان والإيضاح" (ص ١٤٤ - ١٤٧) ومن لطيف ترتيب المصنف أنه وضع (العلو) عقب (التدليس) لأن قومًا دلَّسوا بسبب إظهار العلو، وروى بعضهم عن ضعفاء بسببه، ووقع هذا لأئمة أعلام.(٢) في "المعرفة" (ص ١٢٤).следующие страницы →