← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 789

الكافي في علوم الحديث

أبو الحسن التبريزي

Полный текст (803 стр.). Показаны 450–489 · переход к 455.

стр. 450

الثاني: أن يكونَ الرَّاوي أكبرَ قدرًا بأن يكونَ حَافِظًا عالمًا، والمرويّ عنه شَيخًا حَافظًا فحسب، كمالِكٍ في روايته عن عبدِ اللّه بن دِينار (١)، وأحمد بن حنبل، ح وإسحاق بن راهويه في روايتهما عن عُبيد (٢) الله بن موسى. الثالث: أن يكونَ الرَّاوي أكبرَ من الوَجْهَين، كرواية كثيرٍ مِنَ الحفَّاظِ عن تَلاميذهم. قلت: وذلك كرواية البُخاريِّ عن أبي عيسى التِّرمذي حديثَ قوله ﷺ لعلي: "لا يحل لأحدٍ يجنُبُ في هذا المسجدِ غَيري وغيرك" (٣). قال الترمذي: "سمع محمدٌ منِّي هذا الحديث" (٤)، والله أعلم.

стр. 451

وكرواية عبد الغني (١) الحافظ عن مُحمَّد بن علي الصُّوري، وكرواية أبي علي البَرْقَانِيّ عن أبي بَكْر الخَطِيب، وكرواية الخطيبِ عن أبي نَصْر بن مَاكُولا. ومن هذا القَبيل رواية الصَّحابي عن التَّابعي (٢)، كرواية العَبَادِلة وغيرهم عن كَعبٍ الأحبار، فإنَّه أدرك زمَن رسولِ اللّه ﷺ ، ولم يَرَه، وكان إسلامهُ في خلافةِ عُمر بن الخطَّاب (٣) على الأصحِّ، وهو كَعْبُ بن ماتع يدعى أبا إسحاق، هكذا أورده ابن الأثير (٤). وكذلك رواية التَّابعيِّ عن تابع التَّابعي، كما بيَّنَا في الزُّهري والأنْصاري عن مالك، وكعَمْرو بن شُعيب، فإنَّه ليس بتابعيِّ (٥)، وروى

стр. 452

عنه أكثر من سَبعين (١) رجلًا من التَّابعين. * * *

стр. 453

الباب الثالث في ما يتعلق بالسند والمتن وذلك يشتملُ على كيفيَّة سماعِ الحديث، وتحمُّله، وصفةِ ضَبطهِ وروايتهِ، وآدابِ رُواته وَطَالبيه، وفيه فصولٌ:

стр. 454

الفصل الأول في أهلية التَّحمُّل وفيه ثلاثةُ أطْرَاف: ١١٤ - الأول: في وَقْت التَّحمُّل: فيصحّ التَّحمُّل قبلَ وجودِ الأهليَّة، فتُقبل روايةُ مَن تَحَمَّل قبلَ الإسلام وروى بعدَه (١)، وكذلك رواية مَن سَمِع قبلَ البلوغِ وروى بَعده؛ لأنَّ النَّاسَ قَبِلُوا روايةَ أحداثِ الصَّحابة كالحَسَنِ، والحُسَينِ، وابنِ عبَّاسٍ، وابنِ الزُّبير، وأشباهِهم، من غيرِ فرق [بين] (٢) ما تحمَّلوه قبل البلوغِ وبعدَه، ولم يزالوا قديمًا وحديثًا يُحضِرُون الصِّبيانَ مجالسَ الحديثِ والسَّماعِ، ويعتدُّون بروايتهم (٣).

стр. 455

قال الشيخ تقي الدين: "ومما عُلم أنَّ الصَّحابيَّ تحمّله قبلَ الإسلام ثم رواه بعده: حديثُ جُبير بن مُطْعِم أنّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقرأ في المغرب بالطور" (١). قلتُ: ومنه عبدُ الله بن سَرْجِس المزنيّ على الأَصَحِّ. قال عَاصِمٌ الأحولُ: رأى رسولَ الله ﷺ ، ولم تكُن له صُحبةٌ (٢). فمرادُ عاصمٍ أنه أدْركَ رسولَ اللّه ﷺ قبلَ الإسلام، لأنا رُوّينا

стр. 456

مسندًا عنه أحاديثَ متَّصلةً في "مسند الإمام أحمد" (١)، ومن هذا يُفهمُ أنَّ قولَهم في حَدِّ المرسَلِ: هو قَولُ التَّابعيِّ: قال رسول الله ﷺ ، ليس على الإطلاق، فإنَّ عبدَ الله المذكورَ تَابعيٌّ (٢)، وقوله: قال رسول الله ﷺ متَّصلٌ مرفوعٌ غيرُ مُرسَل، والله أعلم. * [متى يطلب ويكتب الحديث]: ١١٥ - الثاني: قال أبو عبد الله الزُّبيري (٣): "يُسْتَحَبُّ كَتْبُ

стр. 457

الحديثِ في العشرين، لأنَّه مُجتمَعُ العَقْل" (١). قال: "وأُحِبُّ أن يَشتغَل دَونها بحفْظِ القرآنِ والفَرائِضِ" (٢). وقد ورد عن سُفيانَ الثَّوريِّ قال: "كان الرَّجُلُ إذا أرادَ أنْ يَطْلُبَ الحديثَ تعبَّد قبل ذلك عِشرينَ سَنَةً" (٣). وقال موسى بن هارون: "أهلُ البَصرة يكتبون لعَشْرِ سنين، وأهل الكوفة لِعِشْرين، وأهل الشَّام لثلاثين" (٤). هذا في تلك الأعصار (٥)، وأما في زَمَاننا هذا يَنبغي أن يبكَر

стр. 458

بإسماعِ الصَّغير في أَولِ يومٍ يصحُّ سماعهُ (١) إبقاءً لسلْسِلةِ الإسناد، وأَمَّا الاشتغالُ بِكِتْبَةِ (٢) الحديثِ، وتحصيلهِ، وضبطهِ، وتقييدهِ؛ فمن حين يتأهَّلُ له، ويصْلُحُ لذلك، ويختلف ذلك باختلاف الأَشْخَاص (٣). ١١٦ - الثالث: أول زمان يصح فيه سماع الصغير: فقال القاضي عياض الحافظ: "إنَّ أهلَ الصَّنعة حدَّدوا في ذلك خمس سنين، وهي سنُّ محمود بن الربيع" (٤)، وذكر رواية البخاري في "صحيحه" بعد أن ترجم: (متى يصحُّ سماعُ الصَّغير) بإسناده عن مَحمود بن الرَّبيع قال: "عَقَلْتُ من النَّبيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّها في وجهي، وأنا

стр. 459

ابنُ خمس سنين مِنْ دَلْوٍ" (١)، وهذا الذي استقرَّ أهلُ الحديثِ من المتَأخِّرين، فيكتبون لابن خمس سنين فصاعدًا: سَمع، ولمن دونها: حَضَر أو أُحْضِر (٢). والصَّوابُ أنْ يُعتبَر في كلِّ صغيرٍ بحالهِ، فإنْ وُجد مرتفعًا عن حال مَنْ لا يعقل، وَفَهِمَ الخطابَ، وَرَدَّ الجواب، ونحوَ ذلكَ صُحِّح سَمَاعهُ، وإنْ كان له دُون خمس، وإِن لم يكن كذلك؛ لم يصحَّح سماعه، وإنْ كان ابنَ خمس سنين (٣). وروي مثل هذا عن أحمد بن حنبل (٤)، ومُوسى بن هَارون الحمَّال (٥)، وقد نُقِلَ أنَّ صَبيًّا ابنَ أربعَ سنين حُمِلَ إلى المأمون، وقَد قرأ

стр. 460

القرآنَ، ونَظَر في الرَّأي، إلَّا أنَّه إذا جاعَ يَبْكي (١). * * *

стр. 461

الفصل الثاني في طُرُق تحمُّل الحديث من السَّماع، والإجازة، والمناولة، وغيرها وهي ثمانيةُ أنواع: ١١٧ - النوع الأَول: السَّماع من لفظ الشيخ . * [الإملاء والتحديث، أيهما أرفع ؟]: وهو ينقسم إلى إملاءٍ وتحديثٍ من غيرِ إملاء، سواءٌ: كان من حفظهِ أو مِنَ الكتاب. وهذا النَّوع أرفعُ الأنواعِ عند الجماهير، وأول قِسْمَيه، أرفعُ (١) من الثاني. * [ما يقول السامع]: والسَّامع عند الرِّواية في هذا يقول: حدَّثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعتُ فلانًا يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان. وهكذا قاله القاضي عياض (٢).

стр. 462

* [أرفع العبارات]: وقال الخطيب (١): "أرفع العبارات: سمعتُ (٢)، ثم حدَّثنا وحدَّثني، ثم يتلو ذلك أخبرنا، وهو كثيرٌ في الاستعمال". * [الفرق بين حدثنا وأخبرنا وأنبانا]: وقال الشَّيخ تقي الدِّين: "وكان هذا كلُّه قبل أن يشيعَ تخصيصُ أخبرنا بما قُرئَ على الشَّيخ" (٣). ثم يتلُو أَخبرنا قول: أنبأنا، وهو قليلٌ في الاستعمال، لا سيّما بعد غَلَبتهِ في الإجَازة. * [الفرق بين حدثنا وسمعت]: وحدَّثنا وأخبرنا أرفعُ من سَمِعْتُ من جهةٍ أخرى، وهو أنه ليس في

стр. 463

سمعتُ دلالةٌ على أنَّ الشَّيخ روى له الحديثَ، وخاطبَه به، وفي حدَّثنا وأخبرنا دلالةٌ على ذلك (١). وسأل الخطيب شيخه أبا بكر البَرْقَاني فيما رواه لهم عن أبي القاسم عبد اللّه بن إبراهيم الجَرجاني (٢)، ويقول: سَمعتُ، ولا يقول: حدَّثنا، ولا أخْبَرنا، فذكر أنَّ أبا القاسم كان عَسِرًا في الرِّواية، وكان البَرْقَانيُّ يجلسُ بحيث لا يراه أبو القاسم، ولا يعلمُ بحضورهِ، فيسمع منه ما يحدِّث به الشَّخص الدَّاخل (٣)، فلذلك يقول: سمعتُ، ولا يقول: حدَّثنا، ولا أخبرنا، لأنَّ قصدَه الرِّوايةُ للدَّاخل (٤).

стр. 464

* [قول النسائي: قراءة عليه وأنا أسمع]: قلت: وكذلكَ رُوي عن أبي عبد الرَّحمن أحمد بن شُعيب النَّسائي أنه قال فيما رواه عن الحارِثِ بن مِسْكِين يقول: قراءةً عليه وأنا أسمعُ، ولا يقول: أخبرنا، ولا حدَّثنا، فإنَّ الحارِثَ كان وليَ القضاءَ بمصر، وبينه وبين النَّسائيّ خُشونةٌ، لم يمكنه حضورَ مجلسِهِ، وكان يستتر في موضع، ويسمع حيث لا يراه، فلذلك تورَّع، وتحرَّى (١)، والله أعلم. * [قول الراوي: قال لنا أو ذكر لنا]: وأما قولُ الراوي: قال لنا فلانٌ، أو ذَكَر لنا، فهو مِن قَبيل حدَّثنا فُلان، غير أنه لائقٌ بما سُمِع في المذاكرة، وهو به أشبه مِن حدَّثنا. وأوضع العبارات في ذلك أن يقول: قال فلان، أو ذكر فلان من غير لفظة: "لي"، و"لنا"، ونحو ذلك، لكن مع ذلك محمولٌ على السَّماع إذا عرف لقاؤه، كما بيَّنَا في الإسناد المعَنْعَن (٢)، لا سيما إذا عُرِفَ مِنْ حاله أنه لا يقول: قال فلان إلَّا فيما سَمِعه منه. ١١٨ - النّوع الثاني: القراءة على الشَّيخ . * [العرض وصحته]: وأكثرُ المحدِّثين يسمُّونها (عَرضًا) من حيث أنَّ القارئَ يعرضُ

стр. 465

على الشَّيخ ما يقرأ (١)، سواءٌ كنتَ (٢) تقرأ من الكتاب، أو مِنْ حفظِكَ، أو كان القارئُ غيرَك وأنتَ تسمع، وسواء حفظ الشيخ ما تقرأ عليه أو لم يحفظ، لكن يمسك أصلَه هو أو ثقة غيره. ولا خلاف في أنَّها روايةٌ صحيحةٌ (٣). * [هل العرض مثل السماع أو دونه ؟]: ثم اختَلَفوا في أنَّ القراءةَ على الشَّيخ: هل هو مثلُ السَّماع منه، أو دونه، أو فوقه: فنُقِلَ عن أبي حنيفة الإمَام، وابن أبي ذئب، وغيرِهما ترجيحُ القراءة على الشَيخ على السَّماع من لَفظهِ، وروي ذلك عن مالكٍ أيضًا (٤).

стр. 466

وروي عن مالك (١) وغيره أنهما سواء. وقيل: إن التَّسوية مذهب معظم علماءِ الحجاز، والكوفةِ، ومذهب مالكٍ، وأشياخهِ من أهلِ المدينةِ، ومذهب البُخاريِّ (٢). والصَّحيحُ ترجيح (٣) السَّماع مِن لَفْظِ الشَّيخِ والقراءةُ منه مرتبةٌ ثانيةٌ. وقيل: هذا مذهبُ جمهورِ أهلِ المشرق (٤). قلتُ: ومما يعضدُ هذا المذهبَ أنَّ السَّماع من لفظِ الشَّيخ موافق للأصل، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبرَ الناسَ ابتداءً، وأسْمَعَهم بما جاء به، والتَّقرير على ما جرى بحضرتهِ ﷺ ، أو السّؤالِ عنهُ مرتبةٌ ثانية، فالأول أولى، واللّه أعلم.

стр. 467

* [العبارة عن العرض في الرواية]: وأما العبارةُ عنها عند الرواية فعلى مراتب: أجودها: يقول: قرأتُ على فلانٍ، أو قُرئ عليه وأنا أسمع، وأقرَّ به، وهذا شائعٌ من غيرِ إشكال، ويجوزُ فيه من العبارات ما في السَّماع إذا أَتى بها مقيَّدة، كقولنا: حدَّثنا فلان قراءةً عليه، وأخبرنا فلان قراءة عليه، وفي الشِّعر: أنشدنا فلان قراءة عليه. وأما إطلاق حدثنا وأخبرنا فاختلف فيه على ثلاثةِ مذاهب: فمنهم مَن مَنَع منهما جميعًا، وقيل: إنه قولُ ابنِ المبارك، ويحيى بن يحيى التَّميمي، وأحمد بن حنبل، والنَّسائيّ، وغيرِهم (١). ومنهم مَنْ جَوَّزَهُما جميعًا، وقيل: إنَّ هذا مذهب الحجَازِيين، والكُوفيين، والزُّهري، ومالكٍ، وسفيان بن عيينة، وَيَحيى بن سَعيد

стр. 468

القَطَّان، والبخاريِّ، وغيرهِم (١). وهؤلاء يجوِّزون أيضًا أن يقال فيه: سمعتُ فلانًا (٢). والمذهب الثالث: الفرق بينهما، وهو المنعُ مِنْ إطلاقِ حدَّثنا (٣)، ويجوز إطلاقُ أخبرنا، وهو مذهبُ الشَّافعيِّ، وأصحابهِ، ومنقولٌ عن مُسلمٍ، وجمهورِ أهلِ المشرق (٤).

стр. 469

وذكر مُحَمَّد بن الحَسَن التَّميمي المصريُّ (١) أن هذا مذهَبُ الأكثرِ من أصحاب الحديث، وهو الشَّائعُ الغالبُ على أهل الحديثِ، ومصطلحٌ عليه للتَّمييز. وحكي (٢) عن أبي حاتم مُحمَّد بن يَعقوبَ الهرويِّ أنَّه قَرَأ على بعضِ الشُّيوخ، عن الفَرَبْرِيِّ "صحيح البخاري"، وكان يقول في كلّ حديث: حَدَّثكُم الفَرَبْرِيُّ، فلما فَرَغَ من الكتاب سمع الشيخ يذكُر أنَّه إنَّما سَمِعَ الكتابَ من الفَرَبْرِيّ قراءةً عليه، فأَعادَ أبو حاتمٍ قراءةَ الكتابِ كُلِّه، وقَالَ له في جَميعِهِ: أخَبَركُم الفَرَبْرِيّ (٣).

стр. 470

فروع: [في العرض] * [إذا كان أصل الشيخ بيد غيره]: ١١٩ - الأول: إذا كَان أصلُ الشَّيخ بيَدِ غيرِه، وهو موثوقٌ به، مراعٍ لما يَقْرأ، والشَّيخ يحفظُ ما يُقرأُ عَلَيه، فهو كما لو كان الأصلُ بيدهِ (١)، وإذا كان الشَّيخُ يُقْرأ عَلَيه (٢)، فالمختار أن السَّماعَ صحيحٌ (٣)، وبه عَملَ معظمُ الشُّيوخ، وأهل الحديثِ، خلافًا لبعض الأصوليين (٤).

стр. 471

* [إذا كان أصل الشيخ بيد القارئ]: وإذا كان أصلُ الشَّيخ بيدِ القَارِيّ، وهو موثوقٌ به دِيْنًا ومعرفةً فهو أولى بالتَّصحيح، وإن كان بَيَدِ مَنْ لا يُوثَقُ به، ولا يؤمَنُ إهمالهُ، سواءٌ كان (١) القارئ أو غيره، لم يصحّ السَّماع إذا كان الشَّيخُ غيرَ حافظٍ لما يقرأُ عَلَيه. * [لا يشترط نطق الشيخ لفظًا عند العرض عليه]: ١٢٠ - الثاني: إذا قرأ القارئ على الشيخ، ويقول: أخبرك فلان، أو قلت: أخبرنا فلان، والشَّيخُ ساكتٌ، مصغٍ إليه، فاهمٌ لذلك، كَفَى ذلكَ في صِحَّة السَّماع، وَتَجويز الرِّواية به (٢)، ولا يشترط نُطقُ الشَّيخ

стр. 472

لفظًا، خلافًا لبعض الظَاهريةِ (١)، وأبي إسحاق الشِّيرازي، وأبي الفَتح سُلَيم الرَّازي، وأبي نَصْر بن الصَّبَّاغ (٢)، فإنَّهم اشترطوا نُطقَ الشَّيخ بذلك.

стр. 473

وقال أبو نَصر: لَيسَ لَهُ أن يقولَ: حدَّثني، وأخَبَرني، بل لَهُ أن يعملَ بما قُرئَ عليه، وله أن يرويَ قائلًا: قُرِئَ عليه وهو يَسمع. وشَرَطَ بعضُ الظاهرية إقرارَ الشَّيخ بعد تمام السَّماع (١)، والصَّحيح ما ذكرناه. * [التفريق بين حدثني وحدثنا، وأخبرني وأخبرنا]: ١٢١ - الثالث: قال الحاكم: "الذي أختارهُ في الرِّواية، وعهدتُ عليه أكثرَ مَشايخي فيما سمع من المحدِّث هو وحدَه يقول: حدَّثني، وإنْ سَمِعَ معه غيرُه يقول: حدَّثنا، وفيما قرأ على المحدِّث بنفسه يقول:

стр. 474

أخبرني، وفيما قُرئ على المحدِّث وهو حاضر يقول: أخبرنا" (١). * [إنْ شك في وجود غيره]: وإنْ شَكَّ في وجود غيره فلْيَقُلْ: حدَّثني، أو أخبرني، لأن الأصلَ عدمُ الغير (٢). - واختاره الحافظ أحمدُ البيهقي (٣). * [حكم التفريق المذكور]: ثم هذا التفصيل من الأصلِ مُسْتَحبٌّ غيرُ واجب، حكاه الخطيبُ أبو بكر عن أهل العلم كافَّة (٤)، فيجوز أن يقولَ فيما سَمِع أو قَرأ وحدَه: حدَّثنا، وأخبرنا، وفيما سَمِع، وقرأ مع غيره: حدَّثني وأَخبرني. * [حكم تبديل أدواتِ التحمل عند الأداء]: ١٢٢ - الرابع: قال أحمد بن حَنبل: "اتَّبع لفظَ الشَّيخ في حدَّثني، وحدَّثنا، وسمعتُ، وأخْبرنا، ولا تعْدُوه" (٥).

стр. 475

وإنْ جوَّزتَ الرِّواية بالمعنى (١)، إلَّا إذا عُرِفَ من مَذْهبِ ذلك المصنِّفِ التَّسوية. * [عدم جواز التبديل في الكتب المصنفة]: قال الشيخ تقي الدين: "ليسَ لك فيما تجدهُ من الكُتب المصنَّفة أنْ تُبدِّلَ ما قيل فيه من لفظ أخبرنا بحدَّثنا ونحو ذلك، لاحتمال أن يكون ذلك قَولُ مَن لا يرى التَّسوية. وما ذكر الخطيب (٢) من إجْرَاء ذلك الخلافَ في هذا مَحمولٌ على ما يُسمع من لفظ المحدِّث لا الموضوع في كتاب مؤلَّف" (٣). * [المذاهب فيما إذا كان التلميذ (السامع) أو الشيخ (المسمِّع) ينسخ وقت القراءة]: ١٢٣ - الخامس: إذا كان السَّامع أو المسمِّع يَنسخُ وَقْتَ القراءةِ،

стр. 476

هل يصحُّ سماعهُ فيه أم لا؟ فيه ثلاثة مذاهب: الأول: لا يصحُّ مُطلَقًا، وهو مَذْهب إبراهيم العربي، وأبي أَحمد بن عَدِيّ، والأستاذ أبي إسحاق الإسْفَرايينيِّ (١). الثاني: يصحُّ مُطلقًا، وهو مذهبُ ابنِ المبارك، ومُوسى بن هَارون الحمَّال، ومحمَّد بن الفَضل، وعَمرو بن مَرْزُوق، وأبي حَاتِم الرَّازي (٢). الثالث: التَّفصيلُ، فإن امتنعَ فهمُ النَّاسخ للمقروءِ، لم يصحّ السَّماع، وإنْ فهم، صَحَّ (٣).

стр. 477

* [عجيبة في حفظ الدارقطني]: وروي عن الدَّارقطنيِّ أثه حضر مجلسَ إسماعيل الصَّفَّار، فجلس ينسخُ جُزءًا، وإسماعيلُ يُملي، فقال له بعضُ الحاضرين: لا يصحُّ سماعُكَ وأنتَ تَنْسخ، فقال: فَهمي للإملاءِ خلافُ فهمِكَ، ثم قال: أتحفظُ كَم أملى الشَّيخُ مِنَ الحديثِ؛ فقال: لا، فقال الدَّارقطنيِّ: أملى ثمانيةَ عشَرَ حديثًا، وعَدَّها بأسانيدها مفصَّلة، فوُجدَت كما قَال، فتعجَّب الناسُ منه (١). * [إذا كان التلميذُ أو الشيخ يتحدث، أو كان القارئ يفرط في الإسراع أو كان خفيف القراءة أو بعيدًا عن القارئ وما شابه]: ١٢٤ - السادس: ما ذكرنا في النَّسخ من التَّفصيلِ يَجري مثلهُ إذا كان الشَّيخُ أو السَّامع يتحدَّث، أو كان القارئ خفيفَ القِراءة، أو يفرط

стр. 478

في الإسْرَاع (١)، أو كان السَّامِعُ بعيدًا عن القارئ، أو نحو ذلك (٢). ثم الظَّاهر أنّهُ يعفى في كلِّ ذلك عن قدْر يَسير، نحو كَلِمَتَين (٣).

стр. 479

* [إجازة الشيخ جميع السامعين رواية الكتاب الذي سمعوه]: ويستحب للشَّيخ أنْ يجيزَ لجميع السَّامعين روايةَ جميعِ الكتاب الذي سَمِعوه بالتَّلفُّظِ أو الكِتابة، لينجبرَ له بالإجازةِ ما فَاتَه، ولذلك قال أبو محمد بن عَتَّاب (١) الأندلسي: "لا غنى في السَّماع عن الإجازة" (٢).

стр. 480

* [إذا سمع الشخص من المملي]: وإن كان شخصٌ بعيدًا عن المملي (١) لم يسمعه منه، فبلَّغ عنه المسْتَمْلِي فلا يجوزُ لمن سَمع عن المبلِّغ أن يرويَ ذلك عن المملي عند المحقِّقين، وهو الصَّوابُ (٢).

стр. 481

* [صحة السماع ممن هو وراء حجاب]: ١٢٥ - السابع: يصحُّ السَّماعُ ممَّن هُو وراءَ حِجَاب، إذ عُرِفَ صوتهُ فيما حَدَّثَ بلفظهِ، وعُرِفَ حضورُه فيما قُرئَ عليه، أو عُلم ذلك بخبرِ عدلٍ يُوثَق به. وروي عن شُعبَة (١) خلافُ ذلك، وهو بعيد عن الصواب لما ثبت

стр. 482

أن الصَّحابَة سَمِعُوا عن عائشةَ وغيرَها من أزواج النبي ﷺ من وراء حِجَابٍ اعتمادًا على الصَّوت (١).

стр. 483

* [إذا قال الشيخ رجعت عن إخباري، أو قال للتلميذ: لا تروه عني]: ١٢٦ - الثامن: مَنْ سَمع من مُحدِّث حديثًا، ثم قال له الشَّيخُ: لا تروه عنِّي، أو رجعتُ عن إخباري إِيَّاك، ونحو ذلك، على أنْ أَسْنَد ذلك إلى أنّه أخطأ فيه، أو شَكَّ فيه؛ لا تجوز روايته ذلك الحديثَ، وإن لم يكن شيء من ذلك، بل يمنعه عن الرِّواية عنه لا يضرُّ ذلك (١). وللسَّامع أن يرويَ عنه، كما إذا قال: "إنِّي أُخْبرُكم ولا أُخْبِرُ فُلانًا"، لا يضرُّ لفلانِ، ويجوزُ أنْ يرويَ عنه (٢). ١٢٧ - النوع الثالث: الإجازة، وهي سبعةُ أقسام: * [أقسام الإجازة]: ١٢٨ - الأول: أنْ يجيز لمعيَّنٍ في مُعيَّنٍ . مثل أن يقولَ: أجَزْتُ لك، أو لزيدٍ الكتابَ الفُلانيَّ، أو ما

стр. 484

اشتملتْ عليه فِهْرِسْتي (١) هذه، وهذا القسم على أنواع:

стр. 485

الإجَازةُ المجرَّدةُ عن المناولة. * [اختلاف العلماء في العمل بها]: واختلف العلماء في جواز الرواية بالإجازة والعمل به، فأبطلها جماعةٌ من الفقهاء، كالماوردي (١)، والقاضي الحسين (٢)، وعزاه الماوردي إلى مذهب الشَّافعي (٣).

стр. 486

وقالا: "لو جازت الرواية بالإجازة لبطَلَت الرحلة" (١)، وكذا أبطلها جماعةٌ من المحدِّثين، كإبراهيمَ بن إسْحَاق الحربيِّ (٢)، وأبي

стр. 487

الشَّيخ عبد الله بن محمد الأصبهاني (١)، وأبي نَصر الوائلي (٢)، وكذا أبطلها جماعة من الأصوليين (٣).

стр. 488

وعن أبي طاهر الدَّبَّاس أحدُ الأئمة (١) الحنفيَّة قال: "منَ قَال لغيرِه: أجزتُ لكَ أنْ ترويَ عنِّي ما لم تَسْمَعْ، فكأنَّه يقول له: أذنتُ لَكَ أنْ تكذِبَ عَليَّ" (٢). * [المذهب الصحيح وما عليه العمل في ذلك]: والمذهبُ الصَّحيحُ الذي استَقَرَّ عليه العملُ، وبه قال جماهيرُ العلماءِ مِنَ المحدِّثين والفُقهاءِ والأصوليين (٣): جوازُ الإجازةِ والرِّواية

стр. 489

بها، لأنَّ المجِيزَ مجيزٌ لمروَيّاته جُملةً، فيصحَّ كما لو أخبر تفصيلًا، وإخبارهُ لا يفتقرُ إلى التَّصريح نُطْقًا كالقراءة عليه، وإنَّما الغَرَضُ حصولُ الإفهامِ، والفَهْمُ يحصلُ بها (١).
следующие страницы →