стр. 485
← Улюм аль-хадис следующие страницы →
Улюм аль-хадис · id 789
الكافي في علوم الحديث
أبو الحسن التبريزي
Полный текст (803 стр.). Показаны 485–524 · переход к 490.
стр. 486
стр. 487
стр. 488
وعن أبي طاهر الدَّبَّاس أحدُ الأئمة (١) الحنفيَّة قال: "منَ قَال لغيرِه: أجزتُ لكَ أنْ ترويَ عنِّي ما لم تَسْمَعْ، فكأنَّه يقول له: أذنتُ لَكَ أنْ تكذِبَ عَليَّ" (٢).
* [المذهب الصحيح وما عليه العمل في ذلك]:
والمذهبُ الصَّحيحُ الذي استَقَرَّ عليه العملُ، وبه قال جماهيرُ العلماءِ مِنَ المحدِّثين والفُقهاءِ والأصوليين (٣): جوازُ الإجازةِ والرِّواية
стр. 489
بها، لأنَّ المجِيزَ مجيزٌ لمروَيّاته جُملةً، فيصحَّ كما لو أخبر تفصيلًا، وإخبارهُ لا يفتقرُ إلى التَّصريح نُطْقًا كالقراءة عليه، وإنَّما الغَرَضُ حصولُ الإفهامِ، والفَهْمُ يحصلُ بها (١).
стр. 490
стр. 491
على جوازِ الرِّوايةِ بها، ووجوب العمل على ما تقدَّم.
١٣٠ - القسم الثالث: أنْ يجيز لغيرِ مُعيَّن بوصفِ العُمومِ .
أي: في مُعيَّنِ وغيرهِ، كقوله: أجَزْت للمسلمين، أو لكُلِّ أحدٍ، أو لمن أدْركَ زَمَاني، أو نحو ذلك.
* [اختلاف العلماء في العمل بها]:
فَمَن مَنَعَ ما تقدَّم فهذا أولى، ومَن جَوَّزه اختلفوا في جواز هذه، فجوَّزها الخطيب مطلقًا (١).
وروي عن الحافظِ ابنِ مَنْدَه أنه قال: "أجزتُ لمن قال لا إله إلَّا الله" (٢).
وأجاز أبو مُحمَّد بن سَعِيد الأندلُسيّ (٣) لكلِّ طالبٍ دَخَل قُرطبَة (٤)، ووافقه على ذلك عَبدُ الله بن عَتَّاب (٥).
стр. 492
стр. 493
وزاد بها ضعفُها" (١).
قال الشيخ محيي الدِّين: "الظَّاهِرُ مِنْ كلام مصححيها - يعني المذكورين - الرواية بها، وإلا فلا فائدة لها" (٢).
قلت: هذا لا ينافي كلام الشَّيخ تقيُّ الدِّين؛ لأنه لم يَدَّعِ عدمَ الجوازِ، بل ذَكَر أنه لم يسمع وقوعَ ذلك، وصحَّةُ الجواز على ما ذكرها الشيخ محيي الدِّين لا يستلزم الوقوع (٣).
стр. 494
١٣١ - القسم الرابع: إجازةُ مجهولٍ في مَجهولٍ .
كقوله: أجزْتُ محمَّدَ بن خالدٍ الدِّمشقيَّ، وهناك جماعةٌ مُسَمَّون بذلك، أو قال: أجزْتُ زيدًا كتابَ السُّنن، وهو يروي عدَّةَ كُتُبٍ تعرفُ بالسُّنن، ولم يعيِّن.
* [حكمها]:
فهذه الإجازة باطلةٌ لا فائدةَ فيها، كما إذا قال: أجزْتُ لمن يشاءُ فُلانٌ، لأنَّه تعليقٌ مع الجهالة (١).
* [الفرق بين أجزت من يشاء الإجازة وأجزت من يشاء الرواية]:
فلذا لو قال: أجزْتُ لمن يشاءُ الإجَازَة بخلافِ ما إذا قال: أجزْتُ لمن يشاءُ الروايةَ عنِّي، فإنَّه جائزٌ، لأنَّ مُقْتَضى الإجازةِ تفويضُ الرِّوايةِ بها إلى مَشيئته، فكان هذا صريحًا بما يقتضيه الإطلاق، لا تعليقًا، فهو كما لو قال: بعتهُ منكَ إنْ شئتَ (٢)، فإنَّه جائز.
وكذا إذا قال: أجزْتُ فُلانًا كذا إنْ شاء روايته عنِّي، أو لكَ إنْ شِئتَ، أو أردتَ؛ فإنّه جائزٌ على الأظهر.
стр. 495
* [إجازة المعيَّن المعروف باسمه دون عينه وغير المعروف]:
وإذا أجاز لمعيَّنين بأسمائِهم، وأنسابِهم، دون أعيانِهم (١)، أو للمسلمين في الاستجازة ولم يعرِّف لا بأنسابهم، ولا بأعيانهم، ولا عددِهم، كأولادِ زَيد؛ صحَّت الإجازةُ، كما إذا سَمِع منه جماعةٌ في مجلسهِ على هذهِ الحال (٢).
١٣٢ - القسم الخامس: إجازةُ المعدوم .
وهو على ضَرْبَين:
* [ضروب إجازة المعدوم وحكمها]:
الأول: أن لا يكون معطوفًا على موجودٍ، كقوله: أجزتُ لمن يولَدُ لفلانٍ، فجوَّزه الخطيب (٣)، وحَكَى أيضًا جوازَه عن ابن الفرَّاء الحنبلي، وابن عَمْروس المالكيِّ (٤)؛ لأنَّها إذْنٌ.
стр. 496
والصَّحيحُ بطلانُه، وعليه ابنُ الصَّبَّاغ (١)، وشيخُه أبو الطَّيِّب الطَّبري (٢)، لأنَّ الإجازَة في حكم الإخبارِ، ولا يصحُّ إخبارُ المعدومِ.
ولو فَرضْنا أنه في قوَّة الإذن فتوكيلُ المعدومِ لا يصحُّ أيضًا (٣).
الثاني: أنْ يعطفَه على مَوجودٍ، كقولهِ: أجزْتُ لفلانٍ ولمن يولَد لَه، أو لعَقِبه ما تناسَلوا، فَهُو أقربُ إلى الجواز (٤).
وقال به أبو بكر بن داود السِّجستاني (٥)، وكذلك جوَّز الشَّافعيُّ الوقْفَ على الضَّرب الثَّاني دون الأول (٦)، وأجاز مالكٌ، وأبو حَنيفةَ كلا الضَّربين (٧).
стр. 497
* [الإجازة للطفل]:
وأَمَّا الإجازة للطِّفل الذي لا يميِّز؛ فَصَحَّحه وقطَع به القاضي أبو الطَّيِّب (١).
وقال الخطيب: "وعليه عهدتُ شيوخَنا، يجيزون للأطْفال الغُيَّب، ولا يسألونَ عن أسمائِهم، وتمييزهم؛ لأنَّها إباحة، والإباحة تصحُّ من العاقلِ وغيرهِ" (٢).
١٣٣ - القسم السادس: إجازةُ ما لم يَسْمَعه المجيزُ، ولم يتحمَّلْه بوجهٍ ليرويَه المجَازُ له إذا تحمَّله المجيز بعدُ .
* [وقوع ذلك ووجه بطلانه]:
قال القَاضي عِياض: "لم نَرَ من تَكلَّم عليه من المشَايخ، وصنعه بعضُ المتأخرين (٣)، والصَّحيحُ أنه باطل" (٤).
لأنَّها إنْ كانتْ إباحَةً، فإباحةُ ما لم يكن له ممتنعة، وإنْ كانتْ
стр. 498
إذنًا، فالتوكيل بما لم يَمْلِك كإعتاقِ عبدٍ سيملكُه؛ باطلٌ على الأصحِّ (١).
فعلى هذا يجب أن يعيَّن ما تحمَّله قبلَ هذه الإجازة، إذا أراد الرِّوايةَ عنه بها؛ ليروَيه دونَ غيرهِ (٢).
* [قولُ المجيز: أجزتُ لك ما صح من مروياتي]:
وأما قول المجيز: أجَزْتُ لك ما صحَّ (٣) عندك من مرويَّاتي، فليس من ذلك، بل يصحُّ، وقد فَعَلَه الدَّارقطنيُّ، فجاز له أن يروي بها ما صحَّ
стр. 499
عنده بعد الإجازة (١) أنه من مَسمُوعات المجيز ومرويَّاتهِ قبل الإجازة.
قلت: ولا يدخلُ تحتَ الإجازةِ ما سَمِعَ المجيزُ بعد الإجازةِ (٢) ما تقدَّم، والله أعلم.
١٣٤ - القسم السَّابع: إجَازَةُ المجازِ .
مثل: أَجَزْتُ لكَ مُجازَاتي (٣)، والصَّحيحُ جَوازُها، وقَطَع به الدَّارَقطني (٤)، وأبو نُعيم (٥)، وأبو الفَتْح المقْدِسِيُّ، وكان يَروي بالإجازةِ
стр. 500
عن الإجازة، وقد تتوالى ثلاث إجازات (١).
• [ما ينبغي مراعاته لمن يروي بالإجازة عن الإجازة]:
وينبغي لمن يروي بالإجازة عن الإجازة أن يتأمَّل كيفيَّة إجازةِ شيخ شيخه، لئلا يرويَ ما لم يندرجْ تَحتَها، حتى لو كانت صورتُها أنَّه: أجزتُ له ما صحَّ عنده مِنْ مَسمُوعاتي، فليسَ لهُ أنْ يرويَ سماعَ شيخِ شيخِه، حتى يتبيَّن له أَنَّه صحَّ عند شيخِه من سماعِ شيخ المجيزِ (٢).
فروع:
• [معنى الإجازة]:
١٣٥ - الأول: قال أحمد بن فارس الأديب: "معنى الإجازة: مأخوذٌ من جواز الماء الذي يُسْقَاه (٣) الماشية والحرث، يُقالُ (٤):
стр. 501
استجزتُ فلانًا فأجازَ لي (١)، إذا أسقاك ماءَ ماشيتك أو زرعك (٢)، كذلكَ طالبُ العلم يسألُ العالمَ أنْ يُجيزَهُ علمه، فيجيزه إياه" (٣).
فعلى هذا يتعدَّى الفِعلَ بنفسهِ إلى المفْعُولين، وللمجيز أنْ يقولَ أجزتُ فلانًا مسموعاتي ومرويَّاتي (٤).
وأَمَّا مَنْ جَعلَ الإجازةَ بمعنى الإباحة، أو التَّسويغ، أو الإذن (٥)، فيُعَدِّيه إلى المفعول الثَّاني باللام، فيقول: أجزتُ لفلانٍ روايةَ مَسْمُوعَاتي.
ولو حَذَفَ الجارَّ ونصبَ، لَجَازَ أيضًا.
стр. 502
* [تستحسن الإجازة من العالم لأهل العلم]:
١٣٦ - الثاني: إنَّما تُسْتَحسن الإجازةُ إذا كانَ المجِيزُ عالمًا، والمجَاز لهُ من أهلِ العِلْمِ، لأنَّها توسُّعٌ يَحتاج إليها أهلُ العلم (١).
* [هل يشترط ذلك ؟]:
وجعل بعضهم (٢) ذلك شرطًا.
وقال ابن عبد البر: "الصَّحيح أنَّها لا تجوزُ إلَّا لماهرٍ في الصِّناعة، وفي مُعَيَّن لا يشكلُ إسنادُه" (٣).
* [اختيار المصنف ومعتمده]:
قلت: وفي هذه الشَّرط نوعُ تضييقٍ مُنافٍ لما جُوِّز (٤) له الإجازةُ، وهي التَّوسعة، وبقاءُ سِلْسلةِ الإسْنَاد، على أنَّ المجازَ له لا يَروي إلَّا عَنْ أصلِ المجيز، سواء كان إسناده مُشْكِلًا أو لا، فزيادة الشَّرط عليه لا تفيد زيادة فائدة (٥)، والله أعلم.
стр. 503
стр. 504
١٣٨ - النوع الرابع: من طُرُق تَحَمُّل الحديثِ: المناولة .
وهي على قِسْمَين:
* [أقسام المناولة]:
الأول: المناولة المقرونة بالإجازة.
وهي أَعْلى أنواعِ الإجازةِ على الإطْلاق (١)، ولها صُورٌ:
* [صور المناولة المقرونة بالإجازة]:
إحداها: أن يدفع الشَّيخُ إلى الطَّالب أصلَ سماعهِ، أو فرعًا مُقابَلًا به، ويقول: هذا سَماعي، ورِوَايتي عن فلانٍ؛ فارْوِه عنِّي، أو أجزتُ لكَ روايتَهُ عنِّي، ثم يملِّكهُ، أو يُعيرهُ لينسَخَ منه، ويُقابِلَ به.
وثانيها: أن يجيءَ الطَّالِبُ بكتاب مِنْ حَديثهِ، فيعرضَه عَليه، فيتأمل (٢) الشَّيخُ، وهو عارِفٌ مُتيقِّظٌ، ثم يعيدُه إليه، ويقول: هُوَ حَدِيثي، أو رِوَايتي عن شَيخي فارْوِهِ عنِّي.
стр. 505
وسمَّاه أئمةُ الحديث (١) عَرْضًا، وليسمَّ (عَرْضَ المناولة)، ليمتازَ عن (عَرْضِ القِراءة) كما ذكرناه (٢).
* [حجيتها ومنزلتها]:
وهذه المناولة المقترنة بالإجازة كالسَّماع في القُوَّة عند كثيرٍ من المحدِّثين، كالزُّهري، وربيعةَ الرَّأي، ويحيى بن سَعيد الأنْصارِيِّ، ومُجاهدٍ، والشَّعبي، وعَلْقَمة، وإبراهيمَ، ومَالِك، وابنِ وَهْب، وابنِ القاسم، وغيرِهم (٣).
والصَّحيحُ أنَّها منحطَّة عن درجةِ السَّماع والإخبارِ.
وقال الحاكم في هذا العرض: "أَمَّا فقهاءُ الإسلامِ الذين أفْتَوا في الحلالِ والحرام، فإنَّهم لم يروه سماعًا، وبه قال الشَّافعيُّ، والأوزاعيُّ،
стр. 506
والبويطيُّ، والمزنيُّ، وسفيانُ الثَّوريُّ، وأحمدُ بن حنبل، وابنُ المبارك، وأبو حنيفة (١) الإمام، ويحيى بن يحيى، وإسحاقُ بن راهويه" (٢).
وقال الحاكم: "وعليه عهدنا أئمَّتَنا، وإليه ذَهَبوا، وإليه نَذْهَب" (٣).
وثالثها: أنْ يُناوِلَ الشَّيخُ الطَّالبَ كتابَه، ويُجوز (٤) له روايتَه عنه (٥)، إذا ظَفر بذلكِ الكتَابِ أو بما هُو مُقابَلٌ به على وَجهٍ يَثِقُ مَعَه بموافقتهِ لما تناولَتْهُ الإجازةُ، كما هو مُعتَبرٌ في الإجازةِ المجرَّدة عن المناولة.
وقال بعضُ الفقهاءِ والأصوليين: لا تأثيرَ لهذه المناولة، ولا مَزيَّةَ لها على الإجَازة (٦).
وشيوخ الحديثِ مِنَ القَديمِ والحديثِ يرونَ لها مزيَّة (٧).
ورابعها: أن يأتيَ الطَّالبُ الشَّيخَ بكتابٍ، فيقول: هذا روايتك، فَنَاوِلْنيهِ، وأجِزْني روايته، فيجيبُه إلى ذلك من غيرِ أنْ ينظرَ فيه، ويتحقَّق
стр. 507
روايته فيه لجميعه، فهذا لا يجوزُ، ولا تصحَّ الرِّواية (١) به، نَعَم إنْ كان الطَّالِبُ مَوثوقًا بخبرهِ، ومعرفتهِ، جاز الاعتمادُ عليه، وكان ذلك إجازة جائزة (٢).
وقال الخَطيبُ: "لو قال: حَدِّثْ هَذَا الكتاب عنِّي، إنْ كان مِنْ حَديثي مع بَراءتي من الغَلَط والوهمِ، كان ذلك جائزًا حَسَنًا" (٣).
القِسمُ الثَّاني: المناولةُ الخالِيَةُ عن الإجَازَة.
كما إذا ناوله كتابًا، ويقول: هَذا سَمَاعي، ولا يقول: ارْوِهِ عنِّي، أو أجزتُ لكَ روايته.
* [حجيتها]:
فهذه مناولة مختلَّة لا تجوزُ الرواية بها.
وقال الخطيب: "جوَّز طائفةٌ ذلك (٤) وعابه الفقهاءُ
стр. 508
стр. 509
* [القول في عبارة الراوي بطريق المناولة والإجازة]:
ثم عبارة الراوي المتحمّل بطريق المناولة والإجازة أن يقول: حدَّثنا، وأخبرنا مطلقًا (١)، وهو مقتضى قولِ مَن يجعلُ المناولةَ المقرونةَ
стр. 510
بالإجازةِ سَماعًا (١).
والصَّحيحُ الذي عليه الجمهورُ وأهلُ التَّحرِّي أنَّ إطلاق ذلك لا يجوز، بل تخصيصهُ بما يُشعر بالإجازةِ أو المناولةِ، كحدَّثنا إجازةً، أو مناولةً، أو إذنًا، أو أَجَازني، أو نَاولني، وما أشبهَ ذلك (٢).
واصطَلَح قومٌ من المتأخرين على إطلاق "أنبأنا" في الإجَازة، ومال إليه الحافظ البيهقيُّ (٣).
стр. 511
وقال الحاكم: "الذي عهدتُ عليه أكثرَ مَشايخي: الذي عَرَضَ على المحدِّث فأجازه له شفاهًا يقول: (أنبأنى)، وفيما كَتَب إليه يقول: (أنبأني كتابةً)، أو (كتب إِليَّ)، أو نحو ذلك" (١).
وقال ابنُ حَمْدَان (٢): "كلُّ قولِ البُخاريِّ في "صحيحه": قال لي فلان فَهو عَرْضُ مَناولةٍ".
قلتُ: وفي هذا الكلام إيهام (٣)، لِمَا بيَّنَّا أنَّ قول الرَّاوي: قال لي فلان، أو سمعتُه منه؛ إطلاقهُ لا يستعمل إلَّا في السَّماع، فكيف يقال مُطلقًا: قال لي من غير قيدٍ، ويكون مناولةً وعرضًا؟!
وأما ما اختاره الخطَّابيُّ (٤) من أَنَّه في الإجَازة إذا قال: أخبرنا
стр. 512
فلان أَنَّ فلانًا أخبره فجائزٌ، فذلك بعيدٌ عن الإشعار بالإجازة؛ لالتباسه بوجود أصل الإخبار والتَّحديث (١).
واسْتَعملَ المتأخِّرونَ في الإجَازَةِ التي هي [في رواية مَنْ] (٢) فوق رواية الشَّيخ حرف "عن"، فيقول: "قرأت على فُلانٍ، عن فلانٍ"، وذلك قريبٌ (٣).
ولو أباح المجيزُ إطلاقَ "حدَّثنا" و "أخبرنا" كما اعتاده بعضُ المشايخ لمن يُجيزه له إن شاء قال: "حدَّثنا"، وإنْ شاء قال: "أخبرنا" لم يَجُز، ولم يرتفع المنع بهذا (٤).
стр. 513
١٣٩ - النوع الخامس من طرق نقل الحديث: المكاتبة .
وهو أن يكتبَ الشَّيخُ مسموعَه لحاضرٍ أو لغائبً، أو أمرَ لغيره أن يكتبَ له.
* [صحتها إن كانت مقرونة بالإجازة]:
فهي إنْ كانت مقرونةً بالإجازة بأن يقول: أجزتُ لكَ ما كتبتُه لكَ، أوما كُتِبَ به إليكَ، أوما أمرتُ بالكتابةِ لكَ؛ يكون كالمناولةِ المقرونةِ بالإجازةِ في الصِّحَّة والقؤَة على ما ذكرناه (١).
* [الخلاف فيها إن لم تكن مقرونة بالإجازة]:
وإنْ لم تكن مقرونةً بالإجازة فمنع القاضي الماورديّ (٢)، وغيرُه أجازَ الروايةَ بها، وعليه كثيرٌ من المتقدِّمين والمتأخِّرين (٣)، كأيوبَ
стр. 514
стр. 515
* [شروط حجيتها عند عدم اقترانها بالإجازة]:
ويكفِي فيه معرفةُ خطِّ الكَاتِب (١)، وشَرط بعضُهم البيِّنة (٢) على خطِّه، وهو ضعيفٌ (٣).
* [القول في عبارة الراوي بطريق المكاتبة]:
ثم الرَّاوي بالكتابةِ لا يُطلق: "أخبرنا" و"حدَّثنا" (٤)، بل يقولُ فيها: كَتَب إليَّ فلانٌ قال: حدَّثنا فلانٌ بكذا، أو يقول: أخبرني مكاتبةً، أو
стр. 516
كتابةً، أو نحو ذلك على الصَّحيح (١).
١٤٠ - النوع السَّادس (٢): الإعلام، بأن يقول الشَّيخُ للطَّالب: إنَّ هذا الكتابَ سَماعي مِن فُلانٍ، أو أرويه عن فُلانٍ، ولم يَزِدْ عليه، أي: ما قال: أجزْتُ لكَ روايته، أو: اروه عنِّي .
* [حجية هذا النوع]:
فجوَّز به الروايةَ كثيرٌ من أهلِ العلم، كابنِ جُريجٍ (٣)، وابن الصَّبَّاغ (٤)، وغيرِهما (٥).
وزاد بعضُ الظَّاهرية عليه، قال: "ولو قال الشَّيخُ: هذه روايتي لا تَرْوِها عنِّي، فله أنْ يرويَها كما تقدَّم في السَّماع" (٦).
стр. 517
والصَّحيحُ أنه لا تجوز الروايةُ بمجرد الإعلام، وبه قَطَع بعضُ الشَّافعية (١)، واختاره المحقِّقون (٢)؛ لأنه قد يكون سماعه ولا يأذنُ في روايته لخَلَلٍ بمعرفته، لكن إذا صحَّ سندهُ عنده يجبُ العملُ بما ذَكَره، وإنْ لم تَجُزْ له روايتُه، لأنَّ العملَ يكْفِي فيه صحَّتهُ في نفسِه (٣).
١٤١ - النَّوع السَّابع: الوصيَّة بالكُتُبِ .
بأن يوصيَ الرَّاوي بكتابٍ يَرويه عند موتهِ، أو سَفَره لشَخْص.
* [حجية هذا النوع]:
فروي عن بعض السَّلف (٤) أنه أجاز أنْ يرويَ الموصَى لَه بذلكَ عن
стр. 518
стр. 519
١٤٢ - النوع الثَّامن: الوَجَادة .
* [معنى الوجادة]:
كوَجَد يَجِدُ (١)، مولَّد غيرُ مسموعٍ من العَرَب (٢).
قال المُعَافَى النَّهروانيُّ: "إن المَولَّدين فرَّعوا قولَهم: وِجَادَة، فيما وَجَدوا من العِلْم من صَحيفةٍ، من غيرِ سَماعٍ ولا إجازةٍ، ولا مناولةٍ من تفريق العَرب بين مصادر (وَجَد)، للتَّمييز بين المعاني المختلفة" (٣).
يعني قولَهم: وَجَد ضالَّته وِجدانًا، ويطلق وُجُودًا، وفي الغَضَبِ:
стр. 520
مَوْجَدة، وفي الغِنى: وُجْدًا، وفي الحُبِّ: وَجْدًا.
* [مثال الوجادة]:
ومثال الوِجَادَة: أن يقف الرَّجُلُ على كتاب بخطِّ شخصٍ فيه أحاديثُ يرويها، ولم يَلْقَه، ولم يسْمعْ منه، ولَا له منه إجازةٌ، ولا نحوها، فله أنْ يقولَ: وَجَدْتُ بخظ فُلان (١)، أو قرأتُ بخطِّ فُلان، أو في كتاب فُلان بخطِّه: أخْبَرنا فلان ابن فلان، ويذكر شيخَه، ويسوق سائر الإسنادِ والمتنِ (٢).
* [حجيتها وسببه]:
وهذا هو الذي استمرَّ عليه العَمَلُ مِنْ قَديمٍ وحَديثٍ، وهو من باب المنقطع والمرسل (٣)، إلَّا أنَّه أَخَذَ شوبًا من الاتصال بقوله: "وَجَدْتُ بخطِّ فُلان".
стр. 521
قلتُ: عدُّه من باب التَّعليق أولى من المرسل والمنقطع (١)، والله أعلم.
* [وقوع التدليس فيها]:
وربما دلَّس بعضُهم (٢) فَذَكر الذي وَجَد بخطِّه، وقال فيه: عَن فلان، أو قال فلان، وذلك تَدليسٌ قَبيحٌ إذا أوهمَ سماعَه منه (٣)، وقد جازف بعضُهم (٤) فأطلَق في الوَجادة "أخبرنا" و"حدَّثنا"، وأنكر هذا على فاعله.
стр. 522
* [فرع فيما إذا وجد حديثًا في تأليف شخص ليس بخطه]:
وإذا وَجَد حديثًا (١) في تأليفِ شخصٍ ليس بخطِّه، فلَه أنْ يقول: ذَكَر فلانٌ قال: أخْبَرنا، وهذا منقطعٌ؛ لأنَّه لم يأخذ شَوبًا من الاتِّصال.
* [شروط حجية الوجادة]:
هذا كلُّه إذا وَثِقَ بأنَّه الخظ المذكور، أو كتابُة، فإنْ لم يكن كَذلك فيقول: بَلَغني عن فلانٍ، أو وَجدتُ، أو قرأتُ في كتابٍ أظنُ أنّه خطُّ فلانٍ، أو أخبرني فلانٌ أنه خَطُّ فلانٍ.
وإذا نَقَلَ من كتابٍ، فلا يُقال: قال فلانٌ إلَّا إذا وَثِقَ بصحَّة النُّسخةِ ومقابلتِها بأصْلِها، وإنْ لَم يكن كذلك فيقول: بَلَغني عنه.
وأما إطلاقُ اللّفظ الجازم فَتَسامحٌ، وقد قيل: إنْ كان المطالِعُ عالمًا مُتْقنًا لا يَخْفَى عليه السَّاقطُ والمغيَّرُ، رُجِيَ له جوازُ الجَزْمِ، وإلى هذا اسْتَرْوحَ كثيرٌ من المصنِّفين (٢).
* [العمل بالوجادة]:
هذا كلُّه كلامٌ في كَيفيَّة النَّقْل بالوَجادة، وأما العملُ على اعتمادِ ما وَثِقَ به منها، فقد نُقل عن بعضِ المالكيَّة (٣) أنَّ مُعظَم المحدِّثين والفقهاءِ
стр. 523
стр. 524
قال الشَّيخُ تقي الدين: "لا يتَّجه في هذا العَصْر غيرُه؛ لأنه لو توقَّف العملُ فيها على الرِّواية لانسدَّ بابُ العملِ بالنُّقول، لتَعَذُّرِ شَرطِ الرِّواية فيها على ما تقدَّم" (١).
* * *