← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 789

الكافي في علوم الحديث

أبو الحسن التبريزي

Полный текст (803 стр.). Показаны 520–559 · переход к 525.

стр. 520

مَوْجَدة، وفي الغِنى: وُجْدًا، وفي الحُبِّ: وَجْدًا. * [مثال الوجادة]: ومثال الوِجَادَة: أن يقف الرَّجُلُ على كتاب بخطِّ شخصٍ فيه أحاديثُ يرويها، ولم يَلْقَه، ولم يسْمعْ منه، ولَا له منه إجازةٌ، ولا نحوها، فله أنْ يقولَ: وَجَدْتُ بخظ فُلان (١)، أو قرأتُ بخطِّ فُلان، أو في كتاب فُلان بخطِّه: أخْبَرنا فلان ابن فلان، ويذكر شيخَه، ويسوق سائر الإسنادِ والمتنِ (٢). * [حجيتها وسببه]: وهذا هو الذي استمرَّ عليه العَمَلُ مِنْ قَديمٍ وحَديثٍ، وهو من باب المنقطع والمرسل (٣)، إلَّا أنَّه أَخَذَ شوبًا من الاتصال بقوله: "وَجَدْتُ بخطِّ فُلان".

стр. 521

قلتُ: عدُّه من باب التَّعليق أولى من المرسل والمنقطع (١)، والله أعلم. * [وقوع التدليس فيها]: وربما دلَّس بعضُهم (٢) فَذَكر الذي وَجَد بخطِّه، وقال فيه: عَن فلان، أو قال فلان، وذلك تَدليسٌ قَبيحٌ إذا أوهمَ سماعَه منه (٣)، وقد جازف بعضُهم (٤) فأطلَق في الوَجادة "أخبرنا" و"حدَّثنا"، وأنكر هذا على فاعله.

стр. 522

* [فرع فيما إذا وجد حديثًا في تأليف شخص ليس بخطه]: وإذا وَجَد حديثًا (١) في تأليفِ شخصٍ ليس بخطِّه، فلَه أنْ يقول: ذَكَر فلانٌ قال: أخْبَرنا، وهذا منقطعٌ؛ لأنَّه لم يأخذ شَوبًا من الاتِّصال. * [شروط حجية الوجادة]: هذا كلُّه إذا وَثِقَ بأنَّه الخظ المذكور، أو كتابُة، فإنْ لم يكن كَذلك فيقول: بَلَغني عن فلانٍ، أو وَجدتُ، أو قرأتُ في كتابٍ أظنُ أنّه خطُّ فلانٍ، أو أخبرني فلانٌ أنه خَطُّ فلانٍ. وإذا نَقَلَ من كتابٍ، فلا يُقال: قال فلانٌ إلَّا إذا وَثِقَ بصحَّة النُّسخةِ ومقابلتِها بأصْلِها، وإنْ لَم يكن كذلك فيقول: بَلَغني عنه. وأما إطلاقُ اللّفظ الجازم فَتَسامحٌ، وقد قيل: إنْ كان المطالِعُ عالمًا مُتْقنًا لا يَخْفَى عليه السَّاقطُ والمغيَّرُ، رُجِيَ له جوازُ الجَزْمِ، وإلى هذا اسْتَرْوحَ كثيرٌ من المصنِّفين (٢). * [العمل بالوجادة]: هذا كلُّه كلامٌ في كَيفيَّة النَّقْل بالوَجادة، وأما العملُ على اعتمادِ ما وَثِقَ به منها، فقد نُقل عن بعضِ المالكيَّة (٣) أنَّ مُعظَم المحدِّثين والفقهاءِ

стр. 523

من المالكيَّةِ وغَيرِهِم لا يَرَون العملَ بذلك، وحُكي عن الشَّافعيِّ وطائفةٍ من نُظَّار أصحابهِ (١) جوازُ العملِ به (٢). وَقَطع بعضُ المحقِّقين من الشَّافعية بوجوب العَملِ عند حُصول الثِّقة، وهو الصَّحيحُ (٣).

стр. 524

قال الشَّيخُ تقي الدين: "لا يتَّجه في هذا العَصْر غيرُه؛ لأنه لو توقَّف العملُ فيها على الرِّواية لانسدَّ بابُ العملِ بالنُّقول، لتَعَذُّرِ شَرطِ الرِّواية فيها على ما تقدَّم" (١). * * *

стр. 525

الفصل الثالث في كتابة الحديثِ وكيفيةِ (١) ضَبطِ الكتابِ وتقييده * [حكم كتابة الحديث]: ١٤٣ - اختلف الصَّدْرُ الأَوَّلُ في كِتابةِ الحديثِ، فمنهم مَنْ كَرِهَ كتابةَ الحديثِ، وأَمَروا بحفْظِه، كعمرَ (٢)

стр. 526

وابنِ مَسعود (١)، وزيدِ بن ثَابتٍ (٢)،

стр. 527

وأبي مُوسى (١)، وأبي سَعيدٍ (٢)

стр. 528

واحتجُّوا بحديث أبي سَعيدٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا تَكْتبُوا عنِّي شَيئًا إلَّا القُرآن، ومَن كَتَب عنِّي شيئًا غيرَ القرآنِ فَلْيَمْحُه". أخرجه مسلم في "صحيحه" (١). ومنهم مَنْ أجَاز ذلك وفَعَلَه، كعليٍّ (٢)، وابنه الحسن (٣)،

стр. 529

وأنس (١)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (٢) في آخرين من الصَّحابة (٣)، لقولهِ ﷺ عامَ الفَتْحِ: "اكتبوا لأبي شاة" (٤). ولعله ﷺ نهى عن الكتابةِ في الأَوَّل حين خافَ عليهم اختلاطَ ذلك بصُحُفِ القُرآن، ثم أَذِنَ في ذلك حين أمنَ من ذلك الاختلاطِ (٥).

стр. 530

وأجمع المسلمونَ على إباحةِ الكِتَابة (١)، ولولا تدوينُه لدَرَسَ في العصر الأخير (٢). * [إعجام الكتاب وتشكيله]: ١٤٤ - ثم إنَّ عَلى كَاتب الحديثِ وطالبهِ صَرْف الهمَّة إلى ضبطِ ما يكتبه أو يحصِّله بخطِّ غيرِه من مرويَّاته، شَكْلًا، ونَقْطًا يُؤمَنُ معها الالتباسُ، وكثيرًا ما يَتهاونون (٣) بذلك اعتمادًا على ذهنهِ وتيقُّظهِ، وذلك

стр. 531

وخيمُ العَاقِبة، فإنَّ الإنسانَ مُعرَّضٌ للنِّسيان، (وأَوَّلُ ناسٍ أَوَّلُ النَّاس) (١). ثم إنه يُشْكَلُ (٢) ولا يَعتني بتقييدِ الوَاضح الذي لا يَلْتبِس. ونقل صاحب (٣) كتاب "سِمَات الخَطِّ" أنَّ أهلَ العلمِ يكرَهون الإعجامَ والإعرابَ إلَّا في الملْتبِس. وحكى غيرُه عن قومٍ أنه ينبغي أن يُشْكَل الجميع، لينتفع به المبتدئ وغيرُه (٤).

стр. 532

فروع * [الاعتناء بضبط الملتبس من الأسماء] ١٤٥ - الأول: ينبغي أن يكون اعتناؤه بضَبطِ الملتَبِس مِنَ الأسْماء، لأنَّها لا تُسْتَدرك بما قبلُ وما بعدُ (١). * [ضبط المشكل وطريقته] ١٤٦ - الثاني: يستحبُّ في الألفاظِ المشْكِلَة أن يَضبطها في مَتن الكتابِ، ثم يَكتُبها قُبَالَةَ ذلك في الحاشية مُفْرَدةً مَضْبوطةً، فإنَّ ذلك أبلغُ في إبانَتِها. مثلًا: يَكْتبُ في "حنبش": ح ن ب ش. * [شر الكتابة وأجودها] ويحقِّق الخطَّ دون المَشْقِ (٢) وتعْلِيقهِ (٣).

стр. 533

قال عمر بن الخطاب ﵁: "شَرُّ الكتابةِ المَشْقُ، وشَرُّ القِرَاءةِ الهَذْرَمَة (١)، وأجودُ الخطِّ أبينُه" (٢). ويُكْرَه الخطُّ الدَّقيق (٣) إلّا مِنْ عُذرٍ، بأنْ لا يجد سَعةً في الوَرَقِ، أو رَحالًا يحتاج إلى تخفيفِ حَمْلها (٤). * [ضبط الأحرف المعجمة والمهملة] وكما تُضبطُ الحروفُ المَعجمَة بالنَّقطِ، يَنبغي أنْ تُضبطَ المهملةُ بعلامةِ الإهمال.

стр. 534

والنَّاسُ فيه (١) مُختلِفون، منهم مَن يَقْلِبُ النُّقَط، فيجعل النُّقَطَ الَّتي فوقَ المعجماتِ تحتَ ما يُشاكِلُها مِنَ المهمَلات (٢)، فَينْقُط تحت الدَّال، والرَّاء، والصَّاد، ونحوها مِنَ المهملاتِ التي لها مُشاكِلٌ من المعجمات. ومنهم مَن يجعلُ علامَة الإهمالِ فوقَ الحروفِ المهملةِ كقُلَامة الظُّفُرِ مُضجعةً على قَفَاه (٣). ومنهم مَنْ يَجعلُ تحتَ كلِّ مُهملٍ حَرفًا صَغِيرًا مِنْ جِنْسِه، كالحاءِ الصَّغيرة تحتَ الحاءِ، وغير ذلك (٤).

стр. 535

* [عدم الاصطلاح مع النفس بما لا يفهمه الغير] ١٤٧ - الثالث: يَنْبغي أن لا يصطلحَ مع نَفسِه في كتابهِ بما لا يفهمُه غيرُه، كفعل مَن يجمعُ في كتابهِ روايات، ويرمزُ إلى روايةِ كلِّ راوٍ بحرفٍ أو حَرْفَين من اسمهِ (١)، فإنْ بَيَّنَ في أول الكتابِ مرادَه فلا بأسَ به، والأولى أن يجتنبَ الرِّمزَ مُطلقًا (٢). * [الفصل بين كلّ حديثين أو كلامين وكيفيته] ١٤٨ - الرابع: أن يَجعلَ بينَ كلِّ حَديثين دَارةً تفصلُ بينهما (٣)؛

стр. 536

اقتداءً بالسَّلَف (١)، واستحبَّ الخطيب (٢) أن تكون الدارة غُفْلًا، فكلُّ حديثٍ يَفْرغُ من عَرْضِه يَنْقُط في الدَّارةِ التي تَليه نُقطةً. قال: "وقد كانَ بعضُ أهل العلم إنَّما يَعتدُّ بالسَّماعِ، إذا كَانَ كَذلك" (٣). * [كراهة فصل المتضايفين ونحوهما] ١٤٩ - الخامس: كلُّ أسماءٍ مُشْتَمِلَةٍ على تَعبيدٍ (٤) لله، كعَبد الله، وعبد الرَّحمن، وعبدِ الرَّحيم يكرهُ كتابةُ عبدٍ في آخر السَّطر، واسم اللهِ في أوّل سطرٍ آخر. وكذا يُكْرَه أن يكتبَ في قال رسولُ الله ﷺ رسولُ في آخر سَطر، والله في أول سَطر آخر (٥).

стр. 537

* [آداب النسخ والكتابة] ١٥٠ - السَّادس: يَنْبغي أن يُحافَظ على كَتْب الصَّلاةِ والتَّسليم على رسولِ الله ﷺ عند ذكره، لا يَسأَمُ مِنْ تَكريره، ومَنْ أَغْفَل ذلك حُرِم حظًّا عظيمًا (١)، وما يكتبه من ذلك فهو دعاء لنبيِّه (٢) لا كلامٌ يَروِيه، فلا يَتقيَّد بالرِّواية، ولا يقتصر فيه على ما في الأصل (٣).

стр. 538

* [اتباع لفظ الجلالة بما يعظم به] وهَكَذا في الثَّناء على ذِكْرِ الله ، نحو: سُبحانَه، أو تعالى، أو ، أو ما أشبهَ ذلك. وإذا وَجَدَ شيئًا من ذلك قد جاءتْ به الرِّواية كانت العنايةُ بإثباته وضبطهِ أكثرَ. * [التحذير من اختصار الصلاة على رسول الله ﷺ -] ولْيتجنَّب عن النَّقْصِ في الكتابِ بأن يرمزَ إلى ﷺ بمثل هذا "صلعم" (١)، وإلى الثناء على الله بمثل "تع"، وعن النَّقص في أحد اللفظين من الصَّلاة والسَّلام.

стр. 539

* [الترضي والترحم على الأكابر] قال الشَّيخ محيي الدِّين: "وكذا التَّرضِّي (١) والتَّرحُّم على الصَّحابةِ والعُلماءِ وسائر الأخيار"، فَتُثْبتهُ، ولا تُنقص، ولا ترمُز إليها (٢). * [المقابلة] ١٥١ - السَّابع: على الطَّالب أن يُقابلَ كتابَه بأصل سَماعهِ (٣)، وَإِنْ

стр. 540

كانَ إجازةً (١). * [أفضل أنواعها] وأفضلُ المقابلةِ أنْ يُمسكَ الطَّالبُ بكتابه والشَّيخُ كتابه حال السَّماع (٢)، ويستحبُّ أن ينظرَ معه مِنَ الحاضرين مَن لا نُسخةَ مَعهُ،

стр. 541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 542

لا سيِّما إنْ أراد هو أيضًا النقلَ مِنْ هذه النُّسخَةِ. [أمور لا تشترط في المقابلة] ولا يُشترطُ في صِحَّةِ السَّماع نَظَرُ الشَّيخِ في أصْله، بل يصحُّ السَّماعُ وإنْ لم ينْظُر أصلًا في الكتابِ حالَ القِراءة، خِلافًا ليحيى بن مَعين ومَن تَابَعه (١).

стр. 543

ولا يُشترطُ أيضًا أنْ يقابَله بنفسِه، بل تكفيه المقابلةُ بأصلِ الشَّيخ، وإنْ كان في غيرِ حَالِ القِراءة، لكنْ إذا قَابَلَه مَن يوثَقُ به بأصلِ الشَّيخِ أو بفَرْعٍ قُوبل بأصْله (١). [الرواية من الكتاب غير المقابل]: وأما إذا لم يُعارِض كتابَه أصلًا، فقد أجاز الرِّوايةَ منه الأستاذ أبو إسْحَاق الإسْفَرايينيّ، وأبو بكْر الإسْمَاعيليّ، والبَرْقَاني، والخَطيب (٢)، ولكن بشرط أن تكون نسخةُ الطالب منقولةً من الأصل،

стр. 544

وأنْ يبيِّن عند الرواية أنه لم يُعارِض، وأن يكون ناقلُ النُّسخةِ صحيحَ النَّقل، قليلَ السَّقْط (١). [أمور ينبغي مراعاتها في المقابلة] ثم يَنبغي أن يراعيَ في كتاب شَيخهِ بالنِّسبة إلى مَنْ فَوقه مثلَ ما ذكرناه في كتابهِ، ولا يكونُ كطائفةٍ من الطَّلبَةِ إذا رَأَوا سماعَ شيخٍ لكتابٍ قرأوه عليه من أيِّ النُّسَخ اتَّفقَتْ (٢). [اللّحَق] ١٥٢ - الثامن: إذا خُرِّجَ السَّاقِطُ في الحواشي، ويُسمَّى اللَّحَق، بفتح اللام والحاء، فيخط من مَوضِع سقوطهِ خَطًّا صاعدًا قليلًا معطوفًا بين السَّطرين عطفةً يسيرةً إلى جهة اللَّحق (٣).

стр. 545

وقيلَ: (١) يمدُّ العطفَة إلى أول اللَّحَق (٢) ثم يكتب اللَّحَقَ قِبَالَةَ العَطف.

стр. 546

وجهة اليمين إن اتَّسَعتْ أولى إلا أن يسقط في آخر السَّطر، ويكتبه صاعدًا إلى أعلى الورقةِ، ثم يكتبُ في أثناء اللَّحق "صح". وقيل: يكتبُ معها: "رَجَع" (١). وقيلَ: يكتبُ في آخر اللَّحق الكلمةَ المتَّصلة به داخل الكتاب (٢)، وليس هذا بمرضيٍّ، لأن بعض الكلمات تجيء مكررات، فيوهم أنَّ ذلك التَّكرار مِنْ ذاك (٣). [كيفية التخريج للحواشي ونحوها]: وأمّا ما يُخرجُ في الحواشي من شَرحٍ أو تَنبيهٍ على غَلَطٍ، أو اختلافِ روايةٍ، أو نُسخةٍ، أو نحوِ ذلك مما ليس من الأصلِ، فقال

стр. 547

القاضي عياض: "لا يخرجُ لذلك خطَّ تخريج، لئلا يحسبَ من الأصلِ، لكنْ على الحروفِ المقصودة علامةً، كالضَّبَّة إيذانًا به" (١). والمختارُ استحبابُ التَّخريجِ ليدلَّ على المقصودِ أكثر، ويجعل هذا التَّخريج على نفسِ الكَلمةِ المخرَّج لها، لا يكتبُ [آخرها في. . .] (٢) ما خَرَّجَه: "صَحَّ"، بخلاف التَّخريج الأوّل، فإنَّه يكون بين الكَلمتين، بينهما سَقطُ شيءٍ، ويكتبُ في اللَّحَق "صحَّ"؛ فَافْترقَا (٣). [فنّ تصحيح الكتاب] ١٥٣ - التاسع: مِنْ شَأن الحذّاق المتصيّنين (٤) العناية بالتَّصحيح والتَّضبيب والتَّمريض، فهذه ثلاثة أمور يستعملونها: [التصحيح] أما التصحيح فهو أنْ يكتبَ "صَحَّ" على كلامٍ صحيح روايةً ومعنىً،

стр. 548

إلا أنَّه عُرضةٌ للشَّك، والخلافِ، فيكتب عليه "صح"، ليُعْرَفَ أنّه لم يَغْفَلْ عنه، وأنّه قد ضُبطَ وصَحَّ على ذلك الوَجه. [التضبيب] وأما التَّضبيبُ، ويُسمَّى التَّمريض أيضًا، فيُجْعَل على ما صَحَّ وُرودُه مِنْ جهةِ النَّقل كذلك، إلا أنّه فاسد لَفظًا أو معنىً، أو ضعيفٌ، أو نَاقِصٌ، مثلَ أن يكونَ غيرَ جائزٍ من جهةِ العربيَّةِ، أو يكون شاذًّا عند أهلِها، أو مُصَحَّفًا، أو ينقُصَ من جملةِ الكلام كلمة أو أكثر، وما أشبه ذلك، يُمَدُّ خَطٌّ أوّلهُ مِثلُ الصَّاد، ولا يُلْزَقُ بكلمةٍ معلَّمة عليها لئلا يُظنَّ ضَربًا، فكأنّه صَادُ التَّصحيح (١) كُتِبَتْ كذلك ليفرِّق بين ما صَحَّ مُطلَقًا، وبينَ مَا صَحَّ روايةً فحسبُ (٢)، نحو هذا "صـ" (٣)، ويُسَمَّى ضَبَّةً لكونِ

стр. 549

الكَلِمَةِ مُقفلة بها (١)، ولأنَّها على كلامٍ محتملٍ كالضَّبِّ على الكَسْرِ (٢). قلت: ويجوز أن تكونَ هذه العلامةُ إشارةً إلى ضَبَّةٍ، ليُوافق صورتُها معناها (٣)، والله أعلم. [المواضع التي يضببون فيها] ومن المواضع التي يضببون فيها كثيرًا موضع الإرسالِ (٤) الذي وقع في الإسناد.

стр. 550

ويُوجَد في بعض أصولِ الحديثِ القَديمة في الإسناد الذي يجتمع فيه جماعةٌ معطوفًا بعضُهم على بعضِ علامةٌ تُشبه الضَّبَّةَ بينَ أسمائهم، فيتوهَّمُ مَنْ لا خبرةَ له أنَّها ضَبّةٌ، وليستْ بِضَبَّةٍ، كأنّها إعلامُ (١) وَصْلٍ فيما بينها، أثْبِتَت تأكيدًا للعطفِ (٢)، ورُبَّما تُختصر عَلامةُ التَّصحيح فتصير صورتُها تُشبهُ صُورةَ التَّضبيب، والفَطِنُ يميِّزُ بينَهما. [الضرب والمحو والحك والمفاضلة بينهم] ١٥٤ - العاشر: إذا وَقَع في الكِتَابِ ما ليسَ مِنْهُ، فَيُنْفَى عنه بالضّرْبِ أو الحَكِّ (٣)، أو المحوِ (٤)، والضَّربُ خيرٌ منهما (٥) لاحتمال صِحَّتهِ في روايةٍ أُخرى (٦).

стр. 551

[كيفية الضرب] ثم اختلفوا (١) في كيفيَّة الضَّرب، فالأكثرون على أنه يَخطُّ فوقَ المضروبِ عَليهِ خطًّا دالًّا على إبطالهِ، بحيثُ يمكنُ أنْ يُقْرَأ ما خُطَّ عليه (٢)، ويكون مختلطًا بالكلماتِ المضروبِ عليها، ويُسمَّى هذا الشَّقَّ (٣) أيضًا.

стр. 552

وقيل: لا يخلط (١) بالكتابة، بل يكون فوقَها معطوفًا على أوَّله وآخرهِ (٢). وقيل: يُحوّق على أوَّلهِ نصفَ دارةِ، وعلى آخرهِ نصفَ دَارةٍ (٣). وقيل: (لا) في أوله و (إلى) في آخره (٤)، ومثلُ هذا يَحسنُ فيما

стр. 553

صَحَّ في رواية أخرى (١). وإنْ وقع كلمةٌ مكرَّرة (٢) الضرب على الثَّاني (٣). وقيل: يبقي أحسنُهما، وأبينُهما صُورةً (٤). وقيل: إنْ كَانَا في سَطرِ، ضُرِب على الثَّاني، وإنْ كان في آخرهِ فعلى الأوّل صيانةً لأوَّلِ السُّطور وآخرها. وإنْ كان أحدُهما في أوَّل السطر والآخَر في آخِرِ السَّطرِ، ضُرب على ما في آخِرِهِ (٥). وإنْ كان المتكرِّر في المضافِ والمضَافِ إليه، أو الصِّفة والموصوف، أو نحو ذلك (٦) لم يراعَ أوّل السَّطَرِ وآخِرِه، بل يُراعي

стр. 554

الاتِّصالَ بين المضافِ والمضافِ إليه، والصِّفة والمَوصُوف، ولا يفصلُ بالضَّرب بَينهما. [مفاسد الحك والكشط] وأما الحكُّ والكَشْطُ والمحو فكرهها أهلُ العِلم، لأنَّها تُهمةٌ (١)، وربما تُفْسِدُ الورقةَ وما ينفذُ إليه والمحو مسوِّد للقرطاس (٢). [ما يراعى فيه] فإذا أصلح شيئًا قال الخطيب: "يَبْشُرُه بنحَاتَةِ السَّاج، ويتَّقي التَّتْريب" (٣). [طريقة تصحيح الكتاب] وإذا اخْتَلَفتِ الرِّواياتُ في كلمةٍ، فيجعلْ متنَ كتابهِ على روايةٍ (٤)، ثم ما كانتْ من زيادةٍ ألحقها في الحاشيةِ، أو نُقصانٍ أعلمَ عليه، ويذكرُ

стр. 555

اسمَ مَنْ رَواهُ بتمامهِ (١). ورُوي عن سُحنون بن سعيدٍ المالكيِّ أنَّه رُبَّما كَتَب الشَّيءَ، ثُمَّ لَعَقه (٢). وإلى هذا يومئ ما رُوي عن إبراهيم النَّخعي أنَّه كان يقول: "من المروءة أن يُرى في ثَوب الرَّجُل وشَفَتيه مِدَادٌ" (٣).

стр. 556

[اختصار بعض الألفاظ] ١٥٥ - الحادي عشر: غَلَب على كَتَبةِ الحديثِ الاقتصارُ على الرَّمز في "أخبرنا" و"حدثنا" وشاع، فيكتب من "حدثنا": "ثنا" الثاء والنون والألف، ومن "أخبرنا": "أنا" الهمزة والنون والألف. وقد يكتب في "أخبرنا" راء بعد الألف، وفي "حدثنا" دال في أولها، ووُجِدَ الدَّال في خطِّ الحاكم أبي عبد الله، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، والحافظ البيهقي (١). وإذا كانَ للحديثِ إسنادَان فأكثر، كَتَبوا عند انتقالِ السَّند إلى آخر: (ح) مُهْمَلة (٢)، ولم يوجد تنبيه لأمرها. ووجد بخطِّ جماعةٍ من الحفَّاظ (٣) في موضعها "صح"، وهذا يشعر بكونها رمزًا إلى "صَحَّ". وقيل: إثبات "صَحَّ" هاهنا لئلا يتوهَم أنَّ حديثَ هذا الإسنادِ سَقَط، ولئلا يُرَكَّبَ الإسنادُ الثَّاني على الأول فيُجعلا (٤) إسنادًا واحدًا.

стр. 557

وقيلَ: إنَّها حاءٌ مُهملَةٌ من التَّحويل من إسنادٍ إلى إسنادٍ آخر (١). وقيلَ غيرُ ذلك (٢). وقَالَ بعضُ العلماء: إذا انْتَهى إليها في القراءة يقول: "ح" ويمرُّها، وهذا هو المختار الأجود (٣) والأعدل. قلتُ: لم يتحقَّق معناه، فلا يُمكن أن تكونَ أعدليتُه بالنِّسبة إلى ما ذكرنا، بل مرادهُ أن يمرَّ عليها ولا يبحثُ عن معناه (٤)، والله أعلم.

стр. 558

[أمور ينبغي مراعاتها لكاتب السماع]: ١٥٦ - الثاني عشر: قال الخطيب: "ينبغي للطّالب أن يكتبَ بعدَ البَسْمَلةِ اسم شيخهِ، المسمِّع الكتاب وكنيتَه، ونسبَه، ثم يسوق ما سمعه منه، ويكتب فوقَ التَّسمية (١) أو في حاشية أول ورقةٍ تأريخَ السَّماعِ، ومَن سَمِعَه معه، ولا بأسَ بكتابةِ طبقةِ السَّماع في آخر الكتابِ، وحيثُ لا تَخفى، ولتكُنْ الطبقةُ بخطِّ ثقةٍ معروفِ الخَطِّ، وعند ذلك فلا بأس بأنْ لا يصحِّح عليه الشَّيخُ (٢)، ولا بأسَ أنْ يكونَ سماعُه بخطِّ نفسِه إذا كان ثقةً، ونَقَلَه الثِّقات" (٣). قُلتُ: ومما رأيتُه طَبقَة السَّماعِ للشَّيخ الحافظ أبي طَاهِر السِّلَفيّ بخطِّه، والشَّيخ زكيِّ الدين عَبدِ العَظِيمِ (٤)، والله أعلم. وعلى كَاتبِ السَّماعِ التَّحرِّي والاحتياطُ، وبيانُ السَّامعِ والمسمَّع والمسموعِ بلفظٍ بيِّنٍ وَاضِحٍ.

стр. 559

وعليه أن يجتنبَ التَّساهلَ في اسْمِ مَن يثبتُه، والحذَر مِنْ إسْقَاطِ بعضِ السَّامعين لغَرَضٍ فَاسدٍ (١). وإنْ كانَ مُثْبِتُ السَّماعِ غيرَ حَاضرِ (٢) فأثْبَت مُعْتَمِدًا على إخْبارِ مَن يَثقُ بخَبره مِنْ حَاضِريه (٣) فلا بأس.
следующие страницы →