← Тараджим

Тараджим · id 794

معجم المدلسين

محمد بن طلعت

Полный текст (520 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حرف التاء ٢١ - تليد بن سليمان المحاربي الكوفي ذكر الحافظ ابن حجر تليد بن سليمان المحاربي الكوفي في المرتبة الخامسة من المدلسين وقال: مشهور بالضعف، وقال أحمد العجلي والدارقطني: يدلس. قلت: وأوله مثناة بوزن (عظيم). وقد وهم فيه العلائي، وتبعه العراقي والحلبي، فذكروه ترجمتين، ونسبوه للعجلي، إحداهما: هكذا. والأخرى: (بكير) بالموحدة والكاف مصغرًا. وقد راجعت كلام العجلي فلم أره ذكره، إلا في موضع واحد، ونقله منه أبو العرب في كتاب "الضعفاء" وذكره بالمثناة واللام (١). وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": تليد بن سليمان المحاربي رافضي ضعيف. قال العجلي في "الثقات" (صـ ٨٨): تليد بن سليمان كوفى روى عنه أحمد ابن حنبل، لا بأس به، وكان يتشيع، ويدلس. اهـ وقد تقدم في ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى أن الدارقطني له كتاب. في المدلسين. * * *

стр. 107

حرف الثاء ٢٢ - ثور بن يزيد قال ابن العجمي: قال أبو داود في سننه في مسح الخفين: بلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء -يعني ابن حيوة- انتهى. ولفظه فيه: عن رجاء، وقد تقدم كلام الشافعي (١). (٢). قلت: الحديث الذى أشار إليه ابن العجمي رواه أحمد (٤/ ٢٥١)، وأبو داود (١٦٥)، والترمذي (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠)، وابن الجارود (٨٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٩٣٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٢٩٠)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١١/ ١٤٧ - ١٤٨) من طريق الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة، أن رسول الله ﷺ توضأ فمسح أسفل الخف وأعلاه. قال محقق "مسند أحمد": قال أبو داود: بلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء. وقال الترمذي: هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم. قلنا: علته التدليس والانقطاع والإرسال، وقد بينها ابن المبارك وعبد الرحمن

стр. 108

بن مهدي ونعيم بن حماد، ونقلها عنهم أحمد والبخاري وأبو زرعة، فيما ذكر الترمذي والدارقطني في "عللهما"، وابن عبد البر في "التمهيد"، والحافظ في "التلخيص" (١/ ١٥٩)، فقد قال الحافظ: قال الأثرم عن أحمد: إنه كان يضعفه ويقول: ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك، عن ثور، حُدثت عن رجاء، عن كاتب المغيرة، ولم يذكر المغيرة. قال أحمد: وقد كان نعيم بن حماد حدثني عن ابن المبارك كما حدثني الوليد ابن مسلم به عن ثور، فقلت له: إنما يقول هذا الوليد، فأما ابن المبارك فيقول: حُدثت عن رجاء، ولا يذكر المغيرة، فقال لي نعيم: هذا حديثي الذي أسأل عنه فأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق، فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم "عن المغيرة" فأوقفته عليه، وأخبرته أن هذه زيادة في الإسناد لا أصل لها، فجعل يقول للناس بعد وأنا أسمع: اضربوا على هذا الحديث. وقال الترمذي في "العلل" (١/ ١٨٠): سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: لا يصح هذا، روى عن ابن المبارك، عن ثور بن يزيد، قال: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ مرسلًا، وضعف هذا. وسألت أبا زرعة فقال نحو مما قال محمد بن إسماعيل. وقال مثله الدارقطني في "العلل" (١/ ١١٠)، وقال أيضًا: وحديث رجاء ابن حيوة الذى فيه ذكر أعلى الخف وأسفله لا يثبت، لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلًا. قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ١٦٠): ووقع في سنن الدارقطني ما يوهم رفع العلة، وهى حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، حدثنا رجاء بن حيوة فذكره. فهذا ظاهره أن ثورًا سمعه من رجاء، فتزول العلة، ولكن رواه أحمد بن عبيد الصفار في "مسنده" عن أحمد بن يحيى الحلواني، عن داود بن رشيد، فقال: عن رجاء، ولم يقل حدثنا رجاء، فهذا اختلاف على داود يمنع القول بصحة

стр. 109

الوصل: أن الذين رووه عن الوليد بن مسلم فقالوا عن رجاء بالعنعنة ثمانية ثقات فهم أكثر عددًا، وأضبط وأحفظ من واحد اختلف علية فيه. اهـ قلت: ثور بن يزيد لم يسمع هذا الحديث من رجاء بن حيوة، وكان أحيانًا يُبين ذلك، فيقول: حُدثت عن رجاء، وأحيانًا يقول: عن رجاء، فإن كان دلس هذا الحديث، فيُقال: إنه دلس هذا الحديث خاصة، ولم يصف أحد من العلماء ثور بن يزيد بالتدليس فلا ينبغي التوقف في عنعنته عن شيوخه إلا في هذا الحديث فقط والله أعلم. * * *

стр. 110

حرف الجيم ٢٣ - جابر بن يزيد الجعفي قال ابن أبي حاتم: نا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، قال: سمعت أبا نعيم قال: سمعت سفيان يقول: إذا قال جابر حدثنا وأخبرنا فذاك. نا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن، نا عبد الرحمن -يعني ابن الحكم بن بشير-، نا يحيى بن أبي كثير، قال: كنا عند زهير -يعني ابن معاوية- فذكروا جابرًا الجعفى، فقال زهير: كان جابر إذا قال سمعت أو سألت فهو من أصدق الناس (١). (٢). قال ابن سعد: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: سمعت سفيان يقول وذكر جابر بن يزيد الجعفي، قال: إذا قال لك: حدثني أو سمعت فذاك، وإذا قال: قال، فكأنه يدلس (٣).

стр. 111

ذكر العلائي جابر بن يزيد الجعفي في المرتبة الرابعة من المدلسين، وذكره ابن حجر في المرتبة الخامسة من المدلسين، وقال: ضعفه الجمهور، ووصفه الثوري والعجلي وابن سعد بالتدليس (١). قلت: ولم أقف على وصف العجلي له بالتدليس، ولم يصفه ابن سعد بالتدليس، إنما نقل ذلك عن سفيان الثوري. ٢٤ - جبير بن نفير قال برهان الدين ابن العجمي: قال ابن عبد الهادي الإمام شمس الدين الحنبلي في "طبقات الحفاظ": جبير بن نفير لم يخرج له البخاري، لأنه ربما دلس عن قدماء الصحابة (٢). ذكر الحافظ ابن حجر جبير بن نفير في المرتبة الثانية من المدلسين وقال: من ثقات التابعين، من أهل الشام، قال الذهبى في طبقات الحفاظ: ربما دلس عن كبار الصحابة (٣). وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": جبير بن نفير ثقة جليل، من الثانية، مخضرم، ولأبيه صحبة. قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (١/ ٥٢): جبير بن نفير ولد في حياة النبي ﷺ ، وحدث عن أبي بكر وعمر وأبي ذر وأبي الدرداء وجماعة، وعنه ابنه عبد الرحمن بن جبير وخالد بن معدان ومكحول وسليم بن عامر وآخرون، وكان من أجلة العلماء، حديثه في الكتب كلها سوى صحيح البخاري، وما ذاك للين فيه ولكنه ربما دلس عن قدماء الصحابة، والبخاري لا يقنع إلا بأن يصرح الشيخ بلقاء من روى عنه. اهـ

стр. 112

قلت: لم يصف أحد من العلماء المتقدمين جبير بن نفير بالتدليس، ولعل قول الذهبي "ربما دلس" أي ربما أرسل، والذهبي كان يطلق التدليس كثيرًا على الإرسال الخفي، انظر ترجمة (عبد الله بن زيد أبي قلابة الجرمي) من هذا الكتاب. والذهبي وابن عبد الهادي كانا أقران، وذكر الذهبي ابن عبد الهادي في كتابه "المعجم المختص"، فقال: كتب عني واستفدت منه. فلعل ابن عبد الهادي قلد الذهبي في وصف جبير بأنه ربما دلس عن كبار الصحابة. وقد تقدم أن معنى "ربما دلس" أي: "ربما أرسل". قال أبو زرعة الرازي: جبير بن نفير بن مالك الحضرمي عن أبي بكر الصديق مرسل. "مراسيل ابن أبي حاتم" (٧٤). وقال المزي في "تهذيب الكمال" (٤/ ٥١٠): جبير بن نفير روى عن عمر بن الخطاب وفى سماعه منه نظر. وذكر الدكتور مسفر بن غرم الله الدميني قول الذهبي وابن حجر، ثم قال: ما دام ثقة جليلًا ربما دلس عن قدماء الصحابة، فكان الأولى أن يكون في المرتبة الأولى من مراتب المدلسين لا الثانية، حيث وضعه الحافظ ابن حجر، ولو قارنت بين قول الذهبي فيه: "ربما دلس عن كبار الصحابة"، وقول الذهبي نفسه في لاحق بن حميد أبي مجلز: "من ثقات التابعين، لكنه يدلس"، لعرفت أنه من الأولى لا من الثانية، وفرق كبير بين "ربما دلس" وبين "يدلس ومع ذلك ذكره الحافظ في المرتبة الأولى، وعندي أن جبير بن نفير من أهل المرتبة الأولى أيضًا. ثم إن الذهبي يسمى الإرسال تدليسًا، حيث لا يشترط اللقاء ولا السماع فيه، وأخشى أن روايته عنهم مرسلة لا مدلسة والله أعلم (١).

стр. 113

٢٥ - جرير بن حازم قال ابن طهمان: قيل ليحيى: كان جرير يدلس؟ قال: ليته يحسن يحدث ما عنده، لم يكن يحسن يدلس، ليس يدلس إلا كلُّ عَنِد شيطان، وجرير صدوق ثقة (١). وذكر ابن حجر جرير بن حازم في المرتبة الأولى من المدلسين وقال: أحد الثقات، وصفه بالتدليس يحيى الحماني في حديثه عن أبي حازم عن سهل بن سعد في صفة صلاة النبي ﷺ خلف أبي بكر (٢). وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": جرير بن حازم ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه. قلت: إن صح أن جرير بن حازم دلس هذا الحديث فيُقال أن جريرًا دلس هذا الحديث فقط، ولم يصفه أحد من المتقدمين بالتدليس، فلا ينبغي التوقف في عنعنته. ٢٦ - جرير بن عبد الحميد الضبي قال الخطيب البغدادي: أخبرني الأزهري، حدثنا عبد الرحمن بن عمر، حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب، حدثني جدي (٣) قال: ذُكر لأبي خيثمة يومًا إرسال جرير الحديث وأنه لم يكن يقول حدثنا، وقيل له: تراه كان يدلس؟ فقال أبو خيثمة: لم يكن يدلس، لأنا كنا إذا أتيناه وهو في حديث الأعمش أو منصور أو مغيرة ابتدأ فأخذ الكتاب فقال: حدثنا فلان ثم يحدث به عنه مبهم في حديث واحد، ثم يقول بعد ذلك: منصور منصور، والأعمش الأعمش، لا يقول في

стр. 114

كل حديث حدثنا حتى يفرغ من المجلس. وقال جدي: حدثني عبد الرحمن بن محمد قال: سمعت سليمان بن داود الشاذكوني يقول: قدمت على جرير فأعجب بحفظي وكان له مكرمًا، قال: فقدم يحيى بن معين والبغداديون الذين معه وأنا، ثم قال: فرأوا موضعي منه، فقال له بعضهم: إن هذا إنما بعثه يحيى وعبد الرحمن ليفسد حديثك عليك، ويتتبع عليك الأحاديث، قال: وكان جرير قد حدثنا عن مغيرة عن إبراهيم في طلاق الأخرس، قال: ثم حدثنا به بعد عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم، قال: فينا أنا عند ابن أخيه يومًا إذ رأيت على ظهر كتاب لابن أخيه عن ابن المبارك عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم، قال: فقلت لابن أخيه: عمك هذا مرة يحدث بهذا عن مغيرة، ومرة عن سفيان عن مغيرة، ومرة عن ابن المبارك عن سفيان، فينبغي أن نسأله ممن سمعه. قال سليمان: وكان هذا الحديث موضوعًا، قال: فوقفت جريرًا عليه، فقلت له: حديث طلاق الأخرس ممن سمعته؟ فقال: حدثنيه رجل من أهل خراسان عن ابن المبارك، قال: قلت له: فقد حدثت به مرة عن مغيرة، ومرة عن سفيان عن مغيرة، ومرة عن رجل عن ابن المبارك عن سفيان عن مغيرة، ولست أراك تقف على شيء فمن الرجل؟ قال: رجل كان جاءنا من أصحاب الحديث، قال: فوثبوا علي وقالوا: ألم نقل لك إنما جاء ليفسد عليك حديثك؟ قال: فوثب لي البغداديون، قال: وتعصب لي قوم من أهل الري حتى كان بينهم شر شديد. قال عبد الرحمن: فقلت لعثمان بن أبي شيبة: حديث طلاق الأخرس عمن هو عندك؟ قال: عن جرير عن مغيرة قوله. قال عبد الرحمن: كان عثمان يقول لأصحابنا: إنما كتبنا عن جرير من كتبه، فأتيته فقلت: يا أبا الحسن: كتبتم علي الأمانة من النسخ، فقال: كان أمره علي الصدق، وإنما حدثنا أصحابنا أن جريرًا قال لهم حين قدموا عليه -وكانت كتبه تلفت- هذه نسخ أحدث بها على الأمانة، ولست أدرى لعل لفظًا يخالف لفظًا،

стр. 115

وإنما هي على الأمانة (١). ذكر ابن حجر هذه القصة ثم قال: قلت: إن صحت حكاية الشاذكوني فجرير كان يدلس (٢). وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": جرير بن عبد الحميد ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه. قال المعلمي اليماني: قال الكوثري: جرير بن عبد الحميد مضطرب الحديث .... وكان سيئ الحفظ، انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع. أقول: أما قوله "مضطرب الحديث" فكلمة لم يقلها أحد قبل الأستاذ، وليس هو ممن يقبل منه مثل هذا، غاية الأمر أن تعد دعوى، فما البينة؟ ليس بيده إلا قصة الأخرس وعليه في ذلك أمران: الأول: أن القصة تفرد بها سليمان بن داود الشاذكونى وليس بثقة. قال البخاري: "فيه نظر" وهذه من أشد كلمات الجرح في اصطلاح البخاري كما مر في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الحنيني، وقال أبو حاتم: "متروك الحديث" والكلام فيه كثير. وفى القصة ما ينكر، فإن الشاذكوني قال: "قدمت على جرير فأعجب بحفظي وكان لي مكرمًا، فقدم يحيى بن معين والبغداديون الذين معه وأنا ثم، فرأوا موضعي منه، فقال بعضهم: إن هذا بعثه ابن القطان وعبد الرحمن ليفسد حديثك … " وابن القطان وعبد الرحمن هما إماما عصرهما، ومن الممتنع أن يكذب يحيى بن معين ورفقته عليهما هذا الكذب الفاحش. الأمر الثاني: أن القصة لا تفيد اضطرابًا وإنما تفيد تدلسيًا. فلو صحت القصة لما كان فيها إلا التدليس، بإسقاط ثلاثة، ثم بإسقاط اثنين، ثم بإسقاط واحد،

стр. 116

ثم ذكره على وجهه، ولهذا قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": "إن صحت حكاية الشاذكوني فجرير كان يدلس"، ولم يذكره في طبقات المدلسين لأن القصة لم تصح، وقد ذكر أبو خيثمة جريرًا فقال: "لم يكن يدلس" (١). قال الترمذي: حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، أخبرنا عمر بن علي المقدمي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ قضى أن الخراج بالضمان. هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث هشام بن عروة. قال أبو عيسى: وقد روى مسلم بن خالد الزنجي هذا الحديث عن هشام بن عروة، ورواه جرير عن هشام أيضًا، وحديث جرير يُقال: تدليس، دلس فيه جرير، لم يسمعه من هشام بن عروة (٢). (٣) قلت: لعل الترمذي يعني أن جرير بن عبد الحميد أخذ هذا الحديث عن مسلم ابن خالد عن هشام بن عروة، ثم أسقط اسم مسلم بن خالد، ورواه عن جرير مباشرة، ولا نستطيع أن نصف جريرًا بالتدليس بهذا النقل، ونتوقف في عنعنة جرير بن عبد الحميد عن شيوخه، إنما يقال إن جريرًا دلس هذا الحديث فقط، فالأصل عدم التوقف في عنعنة جرير عن شيوخه إلا إذا ثبت أن جرير دلس هذا الحديث خاصة عن شيخه. ٢٧ - جعفر بن حيان أبو الأشهب العطاردي البصري قال أبو داود: سمعت أحمد قال: أبو الأشهب كانوا يرون أنه يدلس عن الحسن. قلت لأحمد وذكر أبا الأشهب، فقال: زعموا كان يأخذ عن أصحاب الحسن

стр. 117

- يعني عن الحسن. قلت لأحمد: هو أكثر من مبارك؟ قال: نعم، مبارك كان يدلس عن الحسن (١). قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي قال: حدثنا بهز بن أسد أبو الأسود العمي قال: وقفنا أبا الأشهب فوقف لنا، فقال: حدثنا الحسن، قال أبي: فقال عفان: إنما جاء معنا بهز إلى أبي الأشهب مجلسًا أو مجلسين. حدثني أبي عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا إذا وقفنا أبا الأشهب نقول له: قل سمعت الحسن، يقول: سمعت الحسن أو غيره (٢). قال يعقوب بن سفيان: حدثني الفضل بن زياد عن أحمد قال: كان مبارك يرسل إلى الحسن. قيل: تدلس؟ قال: نعم، وحدث يومًا عن الحسن بحديث فوقف عليه، قال: حدثنيه بعض أصحاب الحديث عن أبي حرب عن يونس. قلت له: فأبو الأشهب؟ قال: ثم شيء. قلت: أليس قال بهز: وقفناه فوقف لنا؟ قال: نعم كان إذا وقف وقف. ثم قال: قد دلس قوم -ثم ذكر الأعمش- قال: كان هشيم يكثر -يعني التدليس- وسفيان بن عيينة أيضًا، ثم كان أبو حرة صاحب تدليس. ثم قال: كان أبو الأشهب (٣) يدلس إلا أنه في كتاب إبراهيم بن سعد يبين إذا كان سماعًا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال أبو الزناد، ذكر أبو الزناد، قال فلان (٤).

стр. 118

٢٨ - جنيد بن العلاء بن أبي دهرة قال ابن حبان: جنيد بن العلاء بن أبي دهرة، وقد قيل: ابن أبي نمرة، كنيته أبو حازم، يروي عن ابن عمر وأبي الدرداء ولم يرهما، ويروي عن جماعة من التابعين، روى عنه عبد الرحيم بن سليمان وأبو أسامة، كان يدلس عن محمد بن أبي قيس المصلوب، ويروي ما سمع منه عن شيوخه، فاستحق مجانبة حديثه على الأحوال كلها، لأن ابن أبي القيس كان يضع الحديث، سنذكره فيما بعد في موضعه في هذا الكتاب إن شاء الله، وهو الذى روى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل سيفه على أمتي". حدثناه الحسن بن سفيان، ثنا العباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا عثمان بن عمر، ثنا مالك بن مغول، عن جنيد، عن ابن عمر (١). وقال ابن حبان في "الثقات" (٤/ ١١٥): جنيد شيخ يروي عن ابن عمر، روى عنه مالك بن مغول. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن جنيد بن العلاء بن أبي دهرة، قلت: كيف حديثه؟ قال: ما أرى به باسًا، حدث عنه أبو أسامة. ("العلل ومعرفة الرجال" (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧)) وقال الدوري في "تاريخه" (١/ ٣١٠): سمعت يحيى يقول: جنيد بن أبي دهرة ثقة، يروي عنه أبو أسامة. وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٢٣٥): جنيد، قال لي أبو حفص، حدثنا عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، عن جنيد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: لجهنم سبعة أبواب. وقال البخاري أيضًا (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦): جنيد أبو حازم عن بعض أهل

стр. 119

عبد الله بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود قال: بعث الله نوحًا فما أهلك أمته إلا الزنادقة، ثم نبي فنبي، والله لا يُهلك هذه الأمة إلا الزنادقة. قال محمد: حدثني به محمد بن صباح، عن أبي عقيل، عن جنيد، عن بعض أهل عبد الله بن مسعود، عن ابن مسعود، روى عنه يحيى بن المتوكل. وروى أبو أسامة، عن حنيد بن العلاء بن أبي حازم أو أبي حازم. قال لي ابن عبادة: حدثنا يزيد، أخبرنا أبو عقيل يحيى، عن جنيد بن أبي دهرة عن أبي حازم، عن أبي الدرداء. وقال ابن الأصبهاني: حدثنا عبد الرحيم الرازي، عن جنيد بن أبي دهرة التيمي، عن إبراهيم بن عقبة، سمع كريبًا، سمع أسامة: انطلقت مع سباق قريش إلى منى. وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٥٢٧): جنيد روى عن ابن عمر مرسل، روى عنه مالك بن مغول واْبو معاوية، سمعت أبي يقول ذلك. وقال ابن أبي حاتم أيضًا (٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨): جنيد بن العلاء بن أبي دهرة أبو خازم التيمي روى عن أبي الدرداء مرسل، روى عنه بعضهم عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أم الدرداء، وروى عن مجالد وعبد الملك بن أبي بشير وبعض أهل ابن مسعود، روى عنه عبد الرحيم بن سليمان وأبو أسامة ومحمد بن بشر العبدي، سمعت أبي يقول ذلك، وسمعته يقول: جنيد بن أبي دهرة صالح الحديث. وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (١/ ٤٢٥) جنيد بن العلاء تابعي. قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن حبان: روى عن أبي الدرداء وابن عمر ولم يرهما، وعنه عبد الرحيم بن سليمان وأبو أسامة، ينبغي مجانبة حديثه. قلت: هو جنيد بن أبي دهرة، له حديث في غسل الميت طويل منكر في ثاني حديث ابن الصواف. وقال ابن حجر في "لسان الميزان" (٢/ ٣٤٨): قال الأزدي: لين الحديث. وقال البزار: ابن أبي دهرة كوفي ليس به بأس، مات قديمًا،

стр. 120

روى عنه أبو أسامة وغيره. اهـ قلت: قد فرق البخاري وأبو حاتم بين جنيد الذى يروي عن ابن عمر، ويروي عنه مالك بن مغول، وجنيد بن العلاء بن أبي دهرة أبو حازم، الذى يرويه عن أبي الدرداء مرسلًا والتابعين، ويروي عنه أبو أسامة وعبد الرحيم بن سليمان وغيرهما. وجعلهما ابن حبان راويًا واحدًا في كتابه "المجروحين"، وتبعه على ذلك الذهبي في "الميزان"، وابن حجر في "لسان الميزان". وقد ذكر ابن حبان جنيد الذى يروي عن ابن عمر، وروى عنه مالك بن مغول في كتاب "الثقات". قلت: وقد انفرد ابن حبان بوصف جنيد بن العلاء بن أبي دهرة بالتدليس، وقد قال أحمد: ما أرى به بأسًا، ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث وقال البزار: ليس به بأس، وقال الأزدي: لين الحديث. والأزدي معروف بالتشدد، وهو نفسه ضعيف. قال الشيخ المعلمي اليماني في "التنكيل" (١/ ٤٧٦): أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي ليس في نفسه بعمدة، حتى لقد اتهموه بوضع الحديث. وقال في (١/ ٤٨٧): وقد رد ابن حجر في مواضع من مقدمة "الفتح" جرحه، وبيّن أنه لا يُعتد به. وقال الشيخ قاسم علي سعد في "مباحث علم الجرح والتعديل": قال الذهبي في ترجمة الأزدي من "تذكرة الحفاظ": "له مصنف كبير في الضعفاء وهو قوي النفس في الجرح". وقال في ترجمة أبان بن إسحاق المدني من "الميزان": قال ابن معين وغيره: ليس به بأس. وقال أبو الفتح الأدي: متروك. قلت: لا يترك، فقد وثقه أحمد العجلي، وأبو الفتح يسرف في الجرح، وله مصنف كبير إلى الغاية في المجروحين جمع فأوعى، وجرح خلقًا بنفسه لم يسبقه أحد إلى التكلم فيهم، وهو المُتكلم فيه".

стр. 121

كما تعقبه الذهبي في مواضع من "ميزانه"، منها: قوله في ترجمة إبراهيم بن محمد: "قال أبو حاتم وغيره: صدوق. وقال الأزدي وحده: ساقط. قلت: لا يُلتفت إلى قول الأزدي فإن في لسانه في الجرح رهقًا". * * *

стр. 122

حرف الحاء ٢٩ - حبيب بن أبي ثابت قال ابن خزيمة: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خُلق على صورة الرحمن". قال ابن خزيمة: في الخبر عللًا ثلاثًا: إحداهن: أن حبيب بن أبي ثابت مدلس، لم يُعلم أنه سمعه من عطاء. سمعت إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد يقول: ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش قال: قال حبيب بن أبي ثابت: لو حدثني رجل عنك لم أبال (١). قال ابن حبان: حبيب بن أبي ثابت كان مدلسًا (٢). وقال ابن حبان أيضًا: حبيب بن أبي ثابت كان من خيار الكوفيين ومتقنيهم على تدليس فيه (٣). قال البيهقي: حبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلس، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس، ويحتمل أن يكون حمله عن غير موثوق به عن طاوس (٤). قال مغلطاي: وذكر أبو جعفر النحاس في كتابه "الناسخ والمنسوخ" حبيب

стр. 123

ابن أبي ثابت وقال: محل محله لا تقوم بحديثه حجة لمذهبه، وكان مذهبه أنه قال: إذا حدثني رجل عنك بحديث، ثم حدثت به عنك كنت صادقًا. ولما ذكر ابن خزيمة حديث ابن عباس أنه بات عند ميمونة قال: في القلب من هذا الإسناد شيء، فإن حبيب يدلس (١). وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين وقال: تابعي مشهور، يكثر التدليس، وصفه بذلك ابن خزيمة والدارقطني وغيرهما، ونقل أبو بكر بن عياش عن الأعمش عنه أنه كان يقول: لو أن رجلًا حدثني عنك ما باليت أن أرويه عنك -يعني وأسقطته من الوسط- (٢). ٣٠ - حجاج بن أرطأة قال العقيلي: حدثنا عبد الله بن محمد بن سعدويه المروذي، قال: حدثنا سفيان بن عبد الملك، قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: كان حجاج بن أرطأة يدلس، وكان يحدثنا عن عمرو بن شعيب مما يحدثه محمد العزرمي، والعزرمي متروك لا تقربه (٣). قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي ﵀ قال: نا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب، نا أبو حامد محمد بن إبراهيم، سمعت أبا نعيم يقول: لم يسمع الحجاج من عمرو بن شعيب إلا أربعة أحاديث، والباقي عن محمد بن عبيد الله العزرمي (٤). وقال ابن أبي حاتم أيضًا: نا ابن أبي خيثمة فيما كتب إلي قال: سمعت يحيى بن معين يقول: الحجاج بن أرطأة كوفي صدوق ليس بالقوي، يدلس عن محمد بن عبيد الله العزرمي عن عمرو بن شعيب.

стр. 124

سمعت أبي يقول: حجاج بن أرطأة صدوق يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه وإذا قال حدثنا فهو صالح، لا يرتاب في صدقه وحفظه إذا بين السماع، ولا يحتج بحديثه. سمعت أبا زرعة يقول: الحجاج بن أرطأة صدوق مدلس (١). قال البخاري: حجاج بن أرطأة النخعي الكوفي، سمع عطاء، روى عنه الثوري وشعبة، قال ابن المبارك: وكان الحجاج مدلسًا، يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب، مما يحدثه محمد العزرمي، والعزرمي متروك الحديث لا نقر به (٢). وقال البخاري أيضًا: عن ابن المبارك (٣): كان حجاج بن أرطأة يحدثنا عن عمرو بن شعيب بما حمل عن العزرمي عن عمرو، والعزرمي متروك لا نقر به. كنيته أبو أرطاة النخعي الكوفي سمع عطاء، وما قال فيه حدثنا يحتمل، وروى عنه الثوري وشعبة (٤). قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة في حديث حجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن زينب السهمية عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه كان يتوضأ ويقبل ويصلي ولا يتوضأ. فقالا: الحجاج يدلس في حديثه عن الضعفاء ولا يحتج به (٥). قال ابن عدي: ثنا الساجي، حدثني أحمد بن محمد، حدثني الحسن بن الربيع، قال: قال ابن المبارك: رأيت الحجاج بن أرطأة يحدث في مسجد الكوفة، والناس مجتمعون عليه وهو يحدثهم بأحاديث محمد بن عبيد الله العزرمي يدلسها حجاج عن شيوخ العزرمي، والعزرمي قائم يصلي ما يقربه أحد

стр. 125

والزحام على الحجاج. ثنا ابن أبي عصمة، ثنا أبو طالب أحمد بن حميد: سألت أحمد بن حنبل عن حجاج بن ارطأة فقال: كان يدلس، كان إذا قيل له: من حدثك، من أخبرك؟ قال: لا تقولوا من أخبرك، من حدثك، قولوا: من ذكره، وروى عن الزهري ولم يره (١). قال ابن رجب: حجاج بن أرطأة مدلس، وقيل: إن أكثر رواياته عن عمرو بن شعيب سمعها من العزرمي ودلسها (٢). قال النسائي: حجاج بن أرطأة ضعيف صاحب تدليس (٣). قال الخطيب البغدادي: حجاج بن أرطأة كانت مدلسًا، يروي عمن لم يلقه (٤). قال ابن محرز: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يقول: بلغني أن أبا جرى كان عند الحجاج بن أرطأة، فقال الحجاج: مكحول، فقال له أبو جرى: يا أبا أرطأة قل: سمعت مكحول، فقال: مه، من هذا؟ ثم أشرف إليه فقال: متى أجترأت علي يا قصاب، يا قصاب ما هذا حدثني مكحول، لا تعد إلى مثلها (٥). قال يعقوب بن سفيان: حدثنا مجاهد بن موسى، قال: سمعت أبا معاوية وهو يقول: قال لنا الحجاج: لا تقولوا من حدثك، قال: فكان يسردها علينا سردًا. حدثنا أحمد بن الخليل، ثنا يحيى بن أيوب، قال: سمعت أبا عيسى يقول: كان الحجاج يقول لأصحاب الحديث: لا تقولوا من حدثك، ولكن قولوا من

стр. 126

ذكره، قال: مخافة أن يسهو (١). قال مغلطاي: وقال ابن خزيمة: لا أحتج بحجاج بن أرطأة إلا فيما قال أنبأ أو سمعت. وقال أبو جعفر النحاس في كتاب "الناسخ والمنسوخ": الحجاج يدلس عمن لقيه، فلا تقوم بحديثه حجة إلا أن يقول حدثنا أو أنبأ أو سمعت (٢). قال ابن حبان: كان الحجاج بن أرطأة مدلسًا عمن رآه وعمن لم يره، وكان يقول إذا حدثتني أنت بشيء عن شيخ لم أبال أن أرويه عن ذلك الشيخ، وكان يروي عن أقوام لم يرهم، كما حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، سمعت عبدوس ابن مالك يقول: سمعت أبا يحيى سهل بن أبي حذية سمعت ابن أبي زائدة يقول: سمعت الحجاج بن أرطأة يقول: مر أن تغلق الأبواب، وقال: لم أسمع من الزهري شيئًا، ولم أسمع من الشعبي إلا حديثًا واحدًا، ولم أسمع من فلان حتى عد سبعة عشر. ثنا السراج، ثنا حاتم بن الليث: قال يحيى بن معين: حدثنا أبو معاوية: قال لنا الحجاج بن أرطأة: لا توقفونى على السماع (٣). قال الدارقطني: الحجاج بن أرطأة رجل مشهور بالتدليس، وبأنه يحدث عن من لم يلقه ومن لم يسمع منه، قال أبو معاوية الضرير: قال لي حجاج: لا يسألني أحد عن الخبر -يعني إذا حدثتكم بشيء، فلا تسألونى من أخبرك به- وقال يحيى بن زكريا بن أبي زائدة: كنت عند الحجاج بن أرطأة يومًا فأمر بغلق الباب ثم قال: لم أسمع من الزهري شيئًا، ولم أسمع من إبراهيم، ولا من

стр. 127

الشعبي إلا حديثًا واحدًا، ولا من فلان ولا من فلان، حتى عد سبعة عشر أو بضعة عشر، كلهم قد روى عنه الحجاج، ثم زعم بعد روايته عنهم أنه لم يلقهم ولم يسمع منهم (١). قال ابن حجر: قال الساجي: الحجاج بن أرطأة كان مدلسًا صدوقًا سيء الحفظ ليس بحجة في الفروع والأحكام. وقال البزار: كان حافظًا مدلسًا، وكان معجبًا بنفسه، وكان شعبة يثني عليه، ولا أعلم أحدًا يرو عنه -يعني ممن لقيه- إلا عبد الله بن إدريس. وقال إسماعيل القاضي: مضطرب الحديث لكثرة تدليسه. وقال محمد بن نصر: الغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ (٢). قال ابن حبان: النوع الثامن عشر من أنواع جرح الضعفاء: المدلس عمن لم يره، كالحجاج بن أرطأة وذويه، كانوا يحدثون عمن لم يروه ويدلسون حتى لا يُعلم ذلك منهم. سمعت محمد بن عمر بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: الحجاج بن أرطأة لم يسمع من الزهري ولم يره. أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: سمعت هشيمًا يقول: قال لي الحجاج بن أرطأة: صف لي الزهري. أخبرني محمد بن المنذر، حدثنا عمر بن شيبة، حدثنا زيد بن يحيى الأنماطي، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي أوفى قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: "اللهم صل على آل فلان". فحدثت به الحجاج بن أرطأة، فقال: هذا أصل، ثم سمعته يحدث عن عمرو بن مرة. فقلت: سمعته منه؟ فقال: إذا حدثتني به فلا أبالي أن لا أسمعه.

стр. 128

سمعت مكحولًا يقول: سمعت جعفر بن أبان يقول: سمعت ابن نمير يقول: سمعت أبا خالد الأحمر يقول: قال لي الكلبي: قال لي عطية: كنيتك بأبي سعيد أقول: حدثني أبو سعيد (١). أخبرنا محمد بن المسيب، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: لم يلق الضحاك ابن عباس، إنما لقى سعيد بن جبير بالري فأخذ عنه التفسير. اْخبرنا ابن قتيبة، حدثنا راشد بن سعيد، حدثنا سلم بن قتيبة، عن شعبة، قال: قلت ليونس بن عبيد: سمع الحسن من أبي هريرة؟ قال: لا، ولا كلمة. قلت: الضحاك سمع من ابن عباس؟ قال: ما رآه قط (٢). قلت: وفى هذا دليل على أن ابن حبان كان يطلق التدليس على الإرسال الخفي

стр. 129

وقد بينت ذلك في ترجمة بشير بن المهاجر من هذا الكتاب. وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الرابعة من المدلسين، وزاد ابن حجر: الفقيه الكوفي المشهور، أخرج له مسلم مقرونًا، ووصفه النسائي وغيره بالتدليس عن الضعفاء، وممن أطلق عليه التدليس: ابن المبارك ويحيى القطان ويحيى بن معين وأحمد، وقال أبو حاتم: إذا قال حدثنا فهو صالح، وليس بالقوي (١). قلت: الحجاج بن أرطأة قد أرسل عن كثير من الرواة ولم يسمع منهم (٢). فينبغي قبل إعلال الحديث بعنعنة الحجاج بن أرطأة التأكد من سماع الحجاج من الشيخ الذى يروي عنه. ٣١ - الحسن بن أبي الحسن البصري قال ابن حبان: الحسن البصري كان يدلس (٣). وقال ابن حبان أيضًا: كان الحسن بن أبي الحسن معرى عما قذف به من القدر، على تدليس كان منه في الروايات (٤). قال الحاكم: أخبرني عبد الله بن محمد بن حمويه الدقيقي، قال: حدثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، قال: حدثنا خلف بن سالم، قال: سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلسين، فأخذنا في تمييز أخبارهم فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن وإبراهيم بن يزيد النخعي، لأن الحسن كثيرًا ما يدخل بينه وبين الصحابة أقوامًا مجهولين، وربما دلس عن مثل عتى بن

стр. 130

ضمرة وحنيف بن المنحب ودغفل بن حنظلة وأمثالهم، وإبراهيم أيضًا يدخل بينه وبين أصحاب عبد الله مثل هنى بن نويرة وسهم بن منجاب وخزامة الطائي، وربما دلس عنهم، وذكر تدليس أبي إسحاق فأكثر من عجائبه، وكذلك الحكم ومغيرة وابن إسحاق وهشيم (١). قال العلائي: الحسن بن أبي الحسن البصري من المشهورين بالتدليس (٢). وذكره العلائي في المرتبة الثالثة من المدلسين. وذكره ابن حجر في كتابه "تعريف أهل التقديس" في المرتبة الثانية وقال: الإمام المشهور، من سادات التابعين، رأى عثمان وسمع خطبته، ورأى عليًا ولم يثبت سماعه منه، وكان مكثرًا من الحديث، ويرسل كثيرًا عن كل أحد، وصفه بتدليس الإسناد النسائي وغيره. وذكره في كتابه "النكت على كتاب ابن الصلاح" في المرتبة الثانية من المدلسين المخرج لهم في الصحيحين (٣). وسُئل شيخنا محمد عمرو بن عبد اللطيف حفظه الله ونفع المسلمين بعلمه عن حكم عنعنة الحسن البصري؟ فقال: ليس لها قاعدة مطردة تنطبق على جميع الحالات، فالحسن عن أنس تختلف عن الحسن عن سمرة، وتختلف عن الحسن عن أبي هريرة. فتارة قد يكون سمع من بعض الصحابة أحاديث معدودة فهذه الأحاديث فقط هى التى تصحح، كالحسن عن سمرة بن جندب.

стр. 131

وقد يكون سمع من بعض الصحابة بإطلاق كأنس بن مالك. وكذلك سماعه من بعض التابعين كقيس بن عباد وغيره ثابت في الجملة، فهذا لا يتوقف في عنعنته عنهم. وقد تكون روايته عن صحابي معين منقطعة على الرغم من وجود الإدراك المقطوع به، فالحسن أدرك أبا هريرة، لأنه رأى عثمان وهو صغير، فمات أبو هريرة وللحسن بعضع وعشرون سنة، ومع ذلك فإن جمهور الأئمة على نفي السماع بإطلاق. فالقول القائل أن الحسن ﵀ كان يدلس ليس بصواب، إلا إذا قيدناه بالحسن عن سمرة، لأنه عنعن عنه كثيرًا، مع أنه لم يسمع منه إلا بضع أحاديث. ففي هذه الحالة إذا لم يصرح بالسماع من سمرة يكون قد دلس. ولكن متى سمع من صحابي فإنه لا يتفقد تصريحه بالسماع. فالتدليس الذى وصف به الحسن معناه الإرسال الخفي، والمتقدمون كثيرًا ما يطلقون التدليس على الإرسال الخفي. والذين يتساهلون ولا يتحرون عدم تحرير هذه المسألة يفضي بهم إلى تشدد نخالفهم فيه. فإذا وجدوا حديثًا من طريق الحسن عن أنس يضعفونه بإطلاق إذا لم يصرح الحسن بالسماع من أنس، ويضعفون رواية الحسن عن أي صحابي سمع منه في الجملة إذا لم يصرح الحسن بالسماع منه. والتحقيق أن الحسن ﵀ يرسل ولا يدلس إلا في حالة سمرة. وكذلك يردون ععنعنة قتادة عن الحسن، وعنعنة سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وكل هذا ليس عليه الأئمة المتثبتون. فالذي نخلص إليه أن الحسن ﵀ متى صح سماعه من صحابي في بعض الطرق فهذا كافٍ في الحكم على الحديث بالاتصال.

стр. 132

قال الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع حفظه الله: تنبيه التهمة للثقة بالتدليس دون دليل من قبيل الجرح المبهم، فيعتبر لقبوله ما يعتبر لقبول الجرح. تسليم وصف الراوي بالثقة موجب لقبول ما يخبر به، لا يستثنى من خبره إلا ما قام دليل على رده، ولا يُقبل فيه الجرح إلا أن يكون مفسرًا. ومن هذا الجرح بوصف الراوي بالتدليس، فإن إثباته في حق راوٍ معين يجب أن يكون ببرهان، فإذا وقع من إمام من أئمة الجرح والتعديل أن أطلق كون فلان مدلسًا، فهذا لا عبرة به حتى يثبت أنه دلس، فإن ثبت في خبر معين رُد ذلك بما تبين من تدليسه فيه إن كان دلسه عن غير ثقة. وإنما يُستثنى منه من كان التدليس شعارًا له، حتى كثر فأحدث الريبة في جميع ما يقول فيه (عن)، فهذا يُرد حديثه المعنعن من أجل الريبة الغالبة لا من أجل التدليس، فإن العنعنة بمجردها لا توجبه. والعلة في تنزيل مجرد الوصف بالتدليس منزلة الجرح المجمل تعود إلى أسباب أظهرها: أولًا: أننا وجدنا إطلاق اسم التدليس على صور ليست منه، فأُطلق على الإرسال الظاهر، وعلى الإرسال الخفي، كما أطلق على أعيان شهد بعض النقاد ببراءتهم منه. ومما يبين ذلك -مثلًا- أن الحسن البصري أُطلق عليه وصف التدليس، لكن الدليل عليه أنه روى عن جماعة لم يسمع منهم، أو سمع منهم شيئًا معينًا دون سائر ما يروي عنهم، وهذا لاحق بالإرسال أو الإرسال الخفي (١). قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد حفظه الله: الحسن البصري ذكره النسائي في

стр. 133

المدلسين، وذكره الحاكم في "معرفة علوم الحديث" في "الجنس السادس من المدلسين" وهم: "قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم" ومثل لذلك بقوله: "أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ولا من جابر ولا من ابن عمر ولا من ابن عباس شيئًا قط". والمتتبع لروايات الحسن في الصحاح، وحال سماعاته ممن فوقه، وطريقة الأئمة المتقدمين في تصحيحها وتضعيفها، وأقوال المتقدمين في تدليسه يرى أن غالب تدليسه المراد به "الصورة الثانية" وهو "الرواية عمن لم يسمع منه"، فهو من قبيل "المرسل" في الحقيقة، فلا ينظر فيه إلى "العنعنة" ولا" التحديث" بل ينظر فيه إلى كتب "المراسيل" فمن ثبت عدم سماعه منه فهو منقطع وإلا فمتصل. وإذا انتقلنا إلى كتب المتأخرين نجد أن العلائي ﵀ قد قسم المدلسين إلى خمسة أقسام بحسب قبول "عنعنتهم وردها" وجعل مرتبة "الحسن" في المرتبة الثالثة وهي: "من توقف فيه جماعة فلم يحتجوا بهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع وقبلهم آخرون مطلقًا". فتجد الفرق بينه وبين المتقدمين في هذا النقل من نواحي: ١ - أنه جعله تدليسًا بالمعنى الخاص "الرواية عمن سمعه مالم يسمع منه" لأنه نظر فيه إلى العنعنة وأشركه مع غيره ممن قد يدلسون عمن سمعوهم، والمرسل لا ينظر فيه إلى العنعنة بل إلى ثبوت السماع، بينما لم يذكر المتقدمون هذا، بل تدليسه بمعنى الإرسال. ٢ - أنه جعل عنعنته متوقفًا فيها عند قوم ولم يذكرهم، ولم يذكر المتقدمون أحدًا توقف في الاحتجاج بعنعنة الحسن ممن سمع منه، بل احتج المحدثون بعنعنتة عمن سمع منه -كما سيأتي في الفصل الرابع إن شاء الله تعالى-. وقال الشيخ أيضًا: (صـ ١٧٨ - ١٨٠): قال الدارقطني ﵀ في "التتبع" (صـ ٣٢٣): "وأخرج البخاري أحاديث الحسن عن أبي بكرة: منها حديث

стр. 134

"الكسوف"، ومنها "زادك الله حرصًا ولا تعد"، ومنها "لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، ومنها "ابني هذا سيد"، والحسن لا يروي إلا عن الأحنف عن أبي بكرة. اهـ وقد أخرج البخاري هذه الأحاديث كلها عن الحسن عن أبي بكرة بالعنعنة إلا حديث "إن ابني هذا سيد" فقد أخرجه (٢٥٥٧) بتصريح الحسن فيه بالسماع: "قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". ثم قال البخاري ﵀ بعد هذا الحديث: "قال لي علي بن عبد الله -هو ابن المديني: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث". اهـ وتفيد طريقة إعلال الدارقطني لأحاديث الحسن عن أبي بكرة، وطريقة احتجاج علي بن المديني والبخاري بأحاديثه هنا فوائد منها: ١ - أن الأحاديث الأخرى التى عن الحسن عن أبي بكرة كلها بالعنعنة من جميع الطرق، لأن ابن المديني قال -ونقله عنه البخاري في صحيحه-: "إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث" -يعني ثبت بحديث واحد فقط دون باقي الأحاديث- ومع ذلك احتج البخاري بها، ومثله شيخه ابن المديني، وفى هذا رد على من قال إن أحاديث المدلسين المعنعنة في الصحيحين محمولة على التصريح بالسماع من طرق أخرى. ٢ - أن عنعنة المدلس إذا كان المراد بتدليسه الإرسال" كالحسن "يكفي في إثبات اتصال حديثه عن المروي عنه وروده مصرحًا فيه بالسماع ولو في حديث واحد، كما هو واضح من تصرف ابن المديني وذكر البخاري له في صحيحه، إذ احتجا بتصريحه بالسماع في حديث "إن ابني هذا سيد" على اتصال الأحاديث الأخرى. ٣ - أن تعليل حديث المدلس "المرسل" كالحسن هو في إثبات عدم سماعه

стр. 135

لمن أرسل عنه مطلقًا، فإن الدارقطني لم يعل الحديث بمجرد العنعنة، بل قال: "لا يروى إلا عن الأحنف عن أبي بكرة"، فأثبت أن بينهما واسطة، ولو أراد الإعلال بمجرد العنعنة" لأغنى عن ذكر الواسطة (١). قال الشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني حفظه الله: الأدلة على أن تدليس الحسن هو (رواية المعاصر عمن لم يلقه). الدليل الأول: هو في الحقيقة الدراسة التطبيقية الآتية جميعها! فتلك الدراسة كلها تدور حول رواية الحسن عمن عاصرهم: ممن سمع منهم، ومن لم يسمع منهم، وهذه الدراسة كلها تثبت كثرة رواية الحسن عمن عاصرهم ولم يسمع منهم، وجُلّها فيمن قيل إنه لم يسمع منهم. والدراسة التطبيقية كلها تعلن أنه لا يُعلم في الرواة من هو مثل الحسن البصري في كثرة مباحث بابه في روايته عمن عاصرهم وقيل إنه لم يسمع منهم، ولا يكاد يقاربه راوٍ من الرواة في ذلك، وتأتي طبقة بعده، قد تنتظم أمثال: إبراهيم النخعي، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة، وسعيد بن أبي عروبة، ومكحول الشامي، ونحوهم. ألا يكفي هذا كله لإثبات أن من وصف الحسن بالتدليس إنما وصفه به لروايته عن معاصرين له لم يلقهم؟!!! فإذا كان هذا كله لا يكفي، لأن يكون وصف الحسن بالتدليس إنما هو من أجله فلن يوصف أحد من الرواة بالتدليس للرواية عن معاصر لم يلقه إذًا!! فكل من سوى الحسن أقل منه في إشكالات روايته عمن لم يلقهم من المعاصرين!!! الدليل الثاني: أن بعض الذين وصفوا الحسن بالتدليس هو أنفسهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يصفون الحسن بالتدليس لروايته عن معاصرين لم يلقهم!! فهل بعد هذا شيء؟!

стр. 136

فأقدم من وصف الحسن بالتدليس هو خلف بن سالم، كما تقدم (١). وأصرح من موقف خلف بن سالم موقف ابن حبان في وصفه الحسن بالتدليس! وقد تقدم في (الباب الأول) إثبات أن ابن حبان كان من أصرح وأوضح من أطلق التدليس على (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، هذا أولًا (٢). وهو كاف في إبطال الاحتجاج بمجرد إطلاق ابن حبان (التدليس) على الحسن، لورود احتمال قوي على ذلك الإطلاق، لا يجعل (التدليس) الذى أطلقه ابن حبان على الحسن من نوع (التدليس) الذى يوجب التوقف في قبول (العنعنة). وثانيًا: أن ابن حبان وإن كان أطلق صفة (التدليس) على الحسن، من دون تقييد التدليس بصفة أخرى، في ترجمة الحسن البصري في كتابيه: "الثقات" و"مشاهير علماء الأمصار"، إلا أنه بيّن ما أجمله في مقدمة كتابه" المجروحين"! فقد عدد ابن حبان في فصل طويل أنواعًا من أنواع الجرح، ثم قال خلال ذلك: "ومنهم المدلس عمن لم يره، كالحجاج بن أرطأة، وذويه، كانوا يحدثون عمن لم يروه، ويدلسون، حتى لا يُعلم ذلك منهم" (٣). وأتبع ابن حبان هذا (النوع) بأمثلة له، فذكر عدة أمثلة، منها: رواية الحسن البصري عن أبي هريرة، مع عدم سماعه منه، وذلك بإخراجه خبرًا عن شعبة بن الحجاج، أنه قال: "قلت ليونس بن عبيد: سمع الحسن من أبي هريرة؟ قال: لا، ولا كلمة".

стр. 137

فهذا قاطع أن ابن حبان وصف الحسن بالتدليس، لروايته عمن عاصرهم ولم يسمع منهم، كأبي هريرة رضى الله عنه. فلا يحتج أحد بعد هذا، لرد عنعنة الحسن، بأن ابن حبان أطلق (التدليس) على الحسن البصري! وبعد ابن حبان ننتقل إلى الحاكم النيسابوري، حيث إنه ذكر الحسن في سياق ذكره للتدليس والمدلسين، من كتابه "معرفة علوم الحديث". وبيان ذلك: أن الحاكم خصَّ نوعًا من (أنواع علوم الحديث) بمعرفة المدلسين، وجاء في هذا النوع كلام خلف بن سالم الذى سبق شرحه، الذى جاء في وصف الحسن بالتدليس، فأورد الحاكم كلام خلف بن سالم إبراد المُحتج، والمتخذ منه قاعدة يُؤسس عليه مع غيره من النقول (١). ثم زاد الحاكم الأمر تأكيدًا: أنه يعتبر الحسن مدلسًا، عندما قسم التدليس إلى ستة أقسام، مثَّل للقسم السادس منها بعدة أمثلة، منها قوله: "فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ولا من جابر، ولا من ابن عمر، ولا من ابن عباس شيئًا قط" (٢). ومع قوة هذا التمثيل على الدلالة بأن الحسن عند الحاكم داخل ضمن المدلسين إلا أن الأقوى من ذلك هو أن الحاكم إنما اعتبره مدلسًا لأنه (يروي عمن عاصره ولم يلقه). فلا أحسب أحدًا ينطق بالجهالة بعد ذلك!! يقول: إن الحسن مردود العنعنة عند الحاكم!! وبعد الحاكم ننتقل إلى أحد أعلام الأئمة المتأخرين، وهو الإمام الذهبي، حيث إنه ممن وصفوا الحسن بالتدليس، كما سبق (٣).

стр. 138

وقال الشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني حفظه الله أيضًا: وبما أنه قد ثبت عن بعض الأئمة المتقدمين، أن وصفهم الحسن بالتدليس إنما هو لروايته عمن عاصره ولم يسمع منهم، وجب حمل وصف النسائي بالتدليس عليه أيضًا. لأن الأئمة وخاصة المتقدمين منهم، إنما يردون -في الغالب- موردًا واحدًا، ويصدرون عن مصدر واحد، وبعضهم مرآة بعض، وكلامهم يخرج من مشكاة واحدة. فإجمال بعضهم يبينه بيان بعض، وإطلاق الواحد منهم يقيده تقييد غيره وعموم كلام الإمام يُخصصه تخصيص أخيه. وقد سبق عن ابن أبي حاتم، أنه ذكر قولين لابن معين في راوٍ واحد، فقال معقبًا على ذلك: "اختلفت الرواية عن يحيى بن معين في: المبارك بن فضالة، والربيع بن صبيح، وأولاهما أن يكون مقبولًا منهما محفوظًا عن يحيى، ما وافق أحمد وسائر نظرائه" (١). فهذه قاعدة حسنة في حمل كلام الأئمة بعضه على بعض، ما دام يحتمل ذلك. لذلك حمل وصف النسائي للحسن بالتدليس، على أنه تدليس: (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، هو المحمل الصحيح، الذى ينبغي حمل وصف النسائي عليه (٢). قلت: الذي يظهر لي أن الحسن البصري لا يصح وصفه بالتدليس إلا عن سمرة ابن جندب، فإنه لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة (٣)، ودلس عنه باقي الأحاديث. ولعل وصف النسائي له بالتدليس كان خاصًا بروايته عن سمرة. قال النسائي: الحسن عن سمرة كتابًا، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث

стр. 139

العقيقة والله تعالى أعلم (١). أما باقي شيوخ الحسن البصري، فلا أظن أن النسائي يرى أنه يدلس عنهم. وقد وصف النسائي إسماعيل بن أبي خالد بالتدليس، والتدليس الموصوف به خاص بروايته عن الشعبي، ووصف حميد الطويل بالتدليس، والتدليس الموصوف به حميد خاص بروايته عن أنس. ووصف عبد الله بن أبي نجيح بالتدليس، والتدليس الموصوف به ابن أبي نجيح خاص بروايته التفسير عن مجاهد، فإنه لم يسمع التفسير عن مجاهد، أما باقي حديثه عن مجاهد فسمعه منه. ووصف أبا الزبير المكي محمد بن مسلم بن تدرس بالتدليس، والتدليس الموصوف به أبو الزبير خاص بروايته عن جابر. ووصف الحكم بن عتيبة بالتدليس، والتدليس الموصوف به الحكم خاص بروايته التفسير عن مجاهد. ووصف يونس بن عبيد بالتدليس، والتدليس الموصوف به يونس خاص بروايته مسائل الحسن. والنسائي ﵀ وصف في كتابه "المدلسين" عددًا من الرواة بالتدليس (٢)، إلا أنه لم يبين هل كل راوٍ من هؤلاء يدلس عن جميع شيوخه أم يدلس عن البعض دون البعض، وهل كل راوٍ منهم مكثر من التدليس أم لا. فينبغي النظر في كلام باقي العلماء في الراوي الذى وصفه النسائي بالتدليس، فقد يكون تدليسه خاص بأحد شيوخه فقط والله أعلم. وقال ابن حزم: وأما المُدلس فينقسم إلى قسمين: حافظ عدل ربما أرسل حديثه، وربما أسنده، وربما حدث به على سبيل

стр. 140

المذاكرة، أو الفتيا، أو المناظرة، فلم يذكر له سندًا، وربما اقتصر على ذكر بعض رواته دون بعض، فهذا لا يضر ذلك سائر رواياته شيئًا، لأن هذا ليس جرحة ولا غفلة، لكننا نترك حديثه ما علمنا يقينًا أنه أرسله، وماعلمنا أنه أسقط بعض من في إسناده، ونأخذ من حديثه مالم نوقن فيه شيئًا من ذلك. وسواء قال: "أخبرنا"، أو قال: "عن فلان"، أو قال: "فلان عن فلان"، كل ذلك واجب قبوله، ما لم يتيقن أنه أورد حديثًا بعينه إيرادًا غير مسند فإن أيقنا ذلك تركنا ذلك الحديث وحده فقط، وأخذنا سائر رواياته، وقد روينا عن عبد الرزاق بن همام، قال: كان معمر يرسل لنا أحاديث، فلما قدم عليه عبد الله ابن المبارك أسندها له. وهذا النوع منهم كا جلة أصحاب الحديث وأئمة المسلمين: كالحسن البصري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة بن دعامة، وعمرو بن دينار، وسليمان الأعمش، وأبي الزبير، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة. وقد أدخل على عمر بن عمر الدارقطني فيهم مالك بن أنس، ولم يكن كذلك، ولا يوجد له هذا إلا في قليل من حديثه، أرسله مرة، وأسنده أخرى (١). قلت: التعريف الذى عرف به ابن حزم القسم الأول من التدليس لم أجد أحدًا وافق ابن حزم عليه، فالأشياء التى ذكرها ابن حزم لا تُعد من التدليس، والمثال الذى ذكره عن عبد الرزاق لا نستطيع من أجله وصف معمر بالتدليس، وكذلك لا نستطيع وصف مالك بالتدليس لأنه كان يرسل بعض حديثه أحيانًا، ويسنده أحيانًا. وتعريف ابن حزم السابق للتدليس مختلف عن تعريف العلماء له، وابن حزم ﵀ لم يكن من الراسخين في هذا الفن، وعليه مؤاخذات كثيرة في علم الحديث ويكفي أنه قال عن الإمام الترمذي: أنه مجهول.

стр. 141

قال ابن القطان الفاسي: والترمذي أحد الأئمة الحفاظ المتقنين، وقد جهل من جهله، كما اعترى أبا محمد بن حزم فيه، وقد شهد له بالإمامة -زيادة إلى ما يعرف الناس من حاله- جماعة ممن عرض لذكر أمثاله. وذكره في جملة الأئمة: الدارقطني وأبو عبد الله بن البيع (١) وغيرهما (٢). وانظر أيضًا التعليق على قول ابن حزم الذى في ترجمة شريك بن عبد الله النخعي. ٣٢ - الحسن بن ذكوان قال الحاكم: الجنس الخامس من المدلسين: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسونه. أخبرني أبو يحيى السمرقندي، قال: ثنا محمد بن نصر، قال: حدثني جماعة عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن على أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الميتة، وعن ثمن الخمر والحمر الأهلية وكسب البغي، وعن عسب كل ذي فحل. قال أبو عبد الله محمد بن نصر: وهذا حديث لم يسمعه الحسن بن ذكوان من حبيب بن أبي ثابت، وذلك أن محمد بن يحيى حدثنا قال: ثنا أبو معمر، قال: حدثني عبد الوارث، عن الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، وعمرو هذا منكر الحديث، فدلسه الحسن عنه (٣). قال العلائي: "الحسن بن ذكوان ذكره محمد بن نصر المروزي في حديثه عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي حديث" نهى عن ثمن الميتة" الحديث، قال محمد بن نصر: سمعه الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن

стр. 142

حبيب بن أبي ثابت فدلسه بإسقاط عمرو بن خالد، لأنه منكر الحديث، وكذلك قال يحيى بن معين في كل مارواه الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت أن بينه وبين حبيب رجلًا ليس بثقة (١). وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين وقال: مختلف في الاحتجاج به، وله في صحيح البخاري حديث واحد، وأشار ابن صاعد إلى أنه كان مدلسًا (٢). وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": الحسن بن ذكوان أبو سلمة البصري، صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس. قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (ترجمة الحسن بن ذكوان): أورد ابن عدي حديثين من طريق الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، وقال: إنما سمعها الحسن من عمرو بن خالد عن حبيب، فأسقط الحسن بن ذكوان عمرو بن خالد من الوسط، أوردهما ابن عدي في ترجمة عمرو. وقال ابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٢٥ - ١٢٧) (ترجمة عمرو بن خالد): حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، قال: ثنا علي بن مسلم قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي يقول: حدثنا الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵇، عن النبي ﷺ قال: من سأل مسألة عن ظهر غنى استكثر بها من رضخ جهنم، قال: وما ظهر غنى؟ قال: عشاء ليلة. قال لنا ابن صاعد: وهذا الحديث رواه الحسن ببن ذكوان عن عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت بهذا الإسناد. وعمرو بن خالد لا يكتب حديثه.

стр. 143

أخبرنا أبو يعلى، ثنا زهير بن حرب، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ثنا أبو بكر بن أبي النضر قالا: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثني أبي ثنا الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: نهى رسول الله ﷺ عن سبع ذي ناب، وكل ذي مخلب من الطير، وعن ثمن الميتة، وعن لحوم الحمر الأهلية، وعن كمسب البغي وعسب الفحل. زاد ابن يونس: وعن المياثر الأرجوان. زاد أبو خيثمة: وثمن الخمرة. وهذا الحديث يرويه الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد، وعمرو متروك الحديث، ويسقطه الحسن بن ذكوان من الإسناد لضعفه. حدثنا ابن صاعد، ثنا محمد بن سنان بن يزيد، ثنا مسدد، ثنا عبد الوارث، ثنا الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم ابن ضمرة، عن علي، عن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل ﵇ فلم يدخل علي فقال له النبي ﷺ : "ما منعك أن تدخل؟ قال: إنا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا بول". وهذه الأحاديث التى يرويها الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت نفسه بينهما عمرو بن خالد فلا يسميه لضعفه. حدثنا ابن صاعد، ثنا علي بن مسلم، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا أبي، ثنا الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ نهى أن ينتفض في براز حتى يتنحنح. وقال لنا ابن صاعد: والحسن بن ذكوان إنما يحدث بهذه الأحاديث عن عمرو ابن خالد عن حبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن خالد استنكرت. اهـ (كذا في المطبوع استنكرت). وقال العقيلي في "الضعفاء الكبير" (١/ ٢٢٣): حدثنا الخضر بن داود،

стр. 144

قال: حدثنا أحمد بن محمد بن هانئ، قال: قلت لأبي عبد الله: الحسن بن ذكوان ما تقول فيه؟ فقال: أحاديثه بواطيل، يروي عن حبيب بن أبي ثابت. فقلت له: نعم غير حديث عجيب عن عاصم بن ضمرة عن علي في المسألة وعسب الفحل، فقال أبو عبد الله: هو لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت، إنما هذه أحاديث عمرو بن خالد الواسطي. وقال الدوري في "تاريخه" (٤/ ٣٤١) عن ابن معين: الحسن بن ذكوان لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت شيئًا، إنما سمع من عمرو بن خالد عنه، وعمرو بن خالد لا يساوي شيئًا. وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع الحسن بن ذكوان من حبيب بن أبي ثابت؟ قال: سمع من عمرو بن خالد عنه. ("سؤالات الآجري" لأبي داود (٢/ ٩١)). قلت: الصحيح أن الحسن بن ذكوان لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت، ولذلك لا يصح وصف الحسن بن ذكوان بالتدليس، إنما يصح وصفه بأنه يرسل عن حبيب بن أبي ثابت. وقد أورد الحاكم الحسن بن ذكوان في الجنس الخامس من المدلسين، وهم قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسونه. وهذا يُبين أن الحاكم يرى أن الحسن بن ذكوان سمع من حبيب، وخالفه في ذلك أحمد وابن معين وأبو داود، والقول عندي قولهم. وابن صاعد لم يصفه بالتدليس عن حبيب بن أبي ثابت، إنما ذكر له أحاديث منكرة يرويها عن حبيب، وقال إنه أخذ هذه الأحاديث عن عمرو بن خالد، وأسقطه من الإسناد. ذكر ابن العراقي كلام العلائي السابق، ثم قال: قلت: وروى العقيلي في "الضعفاء" من رواية يحيى القطان عن الحسن بن ذكوان عن الحسن عن عبد الله بن مغفل في النهي عن البول في المغتسل، قال

стр. 145

يحيى: قيل له: سمعته من الحسن؟ قال: لا. قال العقيلي: ولعل الحسن بن ذكوان أخذه عن أشعث الحداني، انتهى (١). قال العقيلي في "الضعاء الكبير" (١/ ٢٩): أشعث بن عبد الله الأعمى، وهو الحداني، في حديثه وهم. حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر قال: أخبرني الأشعث، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه". حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا علي بن عبد الله بن جعفر المديني، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن الحسن بن ذكوان، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل قال: نهى رسول الله ﷺ عن البول في المغتسل، قال يحيى: قيل له: أسمعته من الحسن؟ قال: لا. حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة عن عقبة بن صهبان، قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: البول في المغتسل يؤخذ منه الوسواس. حديث شعبة أولى، ولعل حسن بن ذكوان أخذه عن أشعث الحداني. اهـ وأحمد بن محمد بن عاصم ترجم له ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٧٥)، فقال: كتبت عنه وهو صدوق. قلت: إن صح أن الحسن بن ذكوان دلس هذا الحديث عن الحسن وأخذه من أشعث بن عبد الله، فيقال: إنه دلس هذا الحديث فقط عن الحسن، أو ما ثبت أنه دلسه عن الحسن، فلم أر المتقدمين يذكرون الحسن بن ذكوان بالتدليس عن غير حبيب بن أبي ثابت إلا في هذا النص والله أعلم.
следующие страницы →