حرف الزاي
٥٠ - زكريا بن أبي زائدة
قال أبو داود: قال أحمد: كان عند زكريا بن أبي زائدة كتاب فكان يقول فيه: سمعت الشعبي، ولكن زعموا كان يأخذ عن جابر وبيان ولا يسمي - يعني يروي من غير ذلك الكتاب يرسلها عن الشعبي.
قال أحمد: زعموا أن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: لو شئت أن أسمي كل من يُنبئ أبي عن الشعبي لسميت (١).
قال المروذي: قال أحمد: كان ابن أبي زائدة إذا قال: قال ابن جريج عن فلان فلم يسمعه، وكان يحدث عن ابن جريج فلا يجيء بالألفاظ والأخبار، وكذا كان حفص بميزان يحيى، كان يحيى يقول: ابن جريج سمعت أبا الزبير (٢).
قال أبو حاتم: زكريا بن أبي زائدة لين الحديث، كان يدلس، يقال أن المسائل التى يرويها زكريا لم يسمعها من عامر إنما أخذها من أبي حريز.
وقال أبو زرعة: زكريا بن أبي زائدة صويلح، يدلس كثيرًا عن الشعبي (٣).
قال المزي: قال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود وقيل له: أجلح أحب إليك أو زكريا في الشعبي؟ فقال: سبحان الله، زكريا أرفع منه بمئة درجة.
وقال: سمعت أبا داود يقول: زكريا ثقة، ولكنه يدلس (٤).
قال العلائي: قال صالح جزرة: زكريا بن أبي زائدة في روايته عن الشعبي نظر
стр. 177
لأن زكريا كان يدلس (١).
وذكره ابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين وقال: من أتباع التابعين، أكثر عن الشعبي، قال أبو حاتم: كان يدلس عن الشعبي وابن جريج. ووصفه الدارقطني بالتدليس (٢).
٥١ - زهير بن معاوية بن حديج
قال الدكتور مسفر بن غرم الله الدميني: قال الحافظ: زهير بن معاوية بن حديج ثقة ثبت، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخره.
وقال الطبراني: زهير بن معاوية مدلس، وقد ضعفه الناس (٣).
قلت: لم أجد من وصفه بالتدليس قبله، كما لم يضعفه أحد، إنما ضعفوا روايته عن أبي إسحاق خاصة، لأنه سمع منه بعد الاختلاط، وحديثه محتج به في الصحيحين وغيرهما، وأرى أنه من أهل المرتبة الأولى، والله أعلم (٤).
قلت: قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ١٥٩): وعن علي وعمار أن رسول الله ﷺ كان يجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم". رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه جابر الجعفي، وثقه شعبة والثوري وزهير بن معاوية، وهو مدلس، وضعفه الناس.
قلت: الهيثمي هنا تكلم عن جابر الجعفي، وقال أن شعبة والثوري وزهير بن معاوية وثقوه، وهو مدلس، وقد ضعف الناس جابر الجعفي. وقوله: "وهو مدلس وضعفه الناس "عائد على جابر الجعفي، وليس على زهير بن معاوية، وزهير بن معاوية ثقة ثبت، لم يضعفه الناس، إنما ضعف الناس جابر الجعفي
стр. 178
كما في ترجمته من "تهذيب التهذيب"، ولم يصف أحدًا زهير بالتدليس، وقد وثق زهير جابر الجعفي، فقال: كان إذا قال سمعت أو سألت فهو من أصدق الناس، كما في "تهذيب التهذيب".
٥٢ - زياد بن كليب أبو معشر
قال أبو داود: سمعت أحمد بن محمد بن حنبل قال: أبو معشر -يعني زياد بن كليب- يحدث عن إبراهيم أشياء يرفعها إلى ابن مسعود نحو من عشرة لا يعرف عن ابن مسعود لها أصل، يعني أنها مقصورة على إبراهيم.
قال أحمد: يقولون كان يأخذ عن حماد.
قلت لأحمد في حديث عبد الله: "لا بأس ببيع عشرة اثنا عشر" علقمة أعني عن أبي معشر عن إبراهيم، قلت: فيه علقمة؟ قال: لا، وليته لم يكن ابن مسعود، يعني ليته لم يقل: عن ابن مسعود (١).
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي أصحاب إبراهيم أحب إليك؟
قال: الحكم بن منصور، ما أقربهما.
سمعته يقول: كانوا يرون أنا عامة حديث أبي معشر إنما هو عن حماد (٢).
وفى "تهذيب التهذيب": "قال العجلي: زياد بن كليب كان ثقة في الحديث قديم الموت. وقال أبو حاتم: صالح من قدماء أصحاب إبراهيم، ليس بالمتين في حفظه، وهو أحب إلي من حماد بن أبي سليمان. وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين. وقال ابن سعد: كان قليل الحيدث. وقال ابن المديني وأبو جعفر السبتي: ثقة، نقله ابن خلفون". اهـ
وقال النسائي في "السنن الكبرى" (ح ٢٥٦٣): أبو معشر زياد بن كليب ثقة، وهو صاحب إبراهيم، روى عنه منصور ومغيرة وشعبة.
стр. 179
٥٣ - زيد بن أسلم
ذكر الحافظ ابن حجر زيد بن أسلم في المرتبة الأولى من المدلسين وقال: روى عن ابن عمر رضى الله عنهما في رد السلام بالإشارة، قال ابن عيينة: قلت لإنسان: سله أسمعه من ابن عمر، فساله فقال: أما أنا فكلمنى وكلمته، أخرجه البيهقي، وفى هذا الجواب إشعار بأنه لم يسمع هذا بخصوصه منه، مع أنه مكثر عنه، فيكون دلسه (١).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": زيد بن أسلم العدوي المدني، ثقة عالم، وكان يرسل.
قال الإمام أحمد في "مسنده" (٢/ ١٠): حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر: دخل رسول الله ﷺ مسجد بنى عمرو بن عون، مسجد قباء يصلي فيه، فدخلت عليه رجال الأنصار يسلمون عليه، ودخل معه صهيب، فسألت صهيبًا: كيف كان رسول الله ﷺ يصنع إذا سُلم عليه؟ قال: يُشير بيده. قال سفيان: قلت لرجل: سل زيدًا: أسمعته من عبد الله، وهبت أن أسأله، فقال: يا أبا أسامة، سمعته من عبد الله بن عمر؟ قال: أما أنا، فقد رأيته فكلمته.
ومن طريق ابن عيينة أخرجه الشافعي في مسنده (ح ٣٥٢)، وعبد الرزاق (٣٥٩٧)، والحميدي (١٤٨)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٢٨١)، والدارمي (١/ ٣١٦)، والنسائي في "المجتبى" (٣/ ٥)، وابن ماجه (١٠١٧)، وابن خزيمة (٨٨٨)، وابن حبان (٢٢٥٨)، والطبراني في "الكبير" (٧٢٩١)، والحاكم (٣/ ١٢)، والبيهقي في "السنن" (٢/ ٢٥٩)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٣٢ - ٣٣).
وعند الحميدي: قال زيد بن أسلم: أما أنا فقد كلمته وكلمنى، ولم يقل سمعت منه.
стр. 180
وعند ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء عن سفيان قال: قلت لزيد: سمعت هذا من ابن عمر؟ قال: نعم.
وعبد الجبار بن العلاء ترجم له ابن حجر في "تهذيب التهذيب"، فقال: "قال سلمة بن شبيب عن أحمد: رأيته عند ابن عيينة حسن الأخذ. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال مرة: شيخ. وقال النسائي: ثقة. وقال مرة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنًا، سمعت ابن خزيمة يقول: ما رأيت أسرع قراءة منه ومن بندار. وقال العجلي: بصري ثقة سكن مكة". اهـ
وأخرجه البيهقي وابن عبد البر من طريق الحميدي وأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل الأيلي. وقال زيد بن أسلم في طريق إسحاق بن إسماعيل: أما أنا فقد رأيته.
أما الباقون فرووا الحديث من طريق ابن عيينة، ولم يذكروا سؤال سفيان بن عيينة لزيد بن أسلم.
قال ابن عبد البر: جواب زيد هذا جواب حيدة عما سُئل عنه، وفيه دليل والله أعلم على أنه لم يسمع هذا الحديث من ابن عمر، ولو سمعه منه لأجاب بأنه سمعه، ولم يجب بأنه رآه، وليست الرؤية دليلًا على صحة السماع، وقد صح سماعه من ابن عمر لأحاديث، وقد ذكرنا ذلك في أول باب من هذا الكتاب، والحمد لله. اهـ
وقال ابن رجب في "فتح الباري" (٦/ ٤١٩ - ٤٢٠) (ح ١٢١٧): وخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة من رواية زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: دخل النبي ﷺ مسجد قباء ليصلي فيه … الحديث.
وقد قيل: إن زيدًا لم يسمعه من ابن عمر، وقد سُئل عن ذلك، فقال: أما أنا فقد كلمته وكلمني، ولم يقل: سمعته.
وممن قال لم يسمعه من ابن عمر: ابن المديني ويعقوب بن شيبة.
стр. 181
قلت: وسماع زيد بن أسلم من ابن عمر مختلف فيه.
قال ابن معين: قد سمع زيد بن أسلم من ابن عمر. "تاريخ الدوري" (٣/ ٢١٩).
وقال العلائي في "جامع التحصيل" (صـ ١٧٨): قال علي بن المديني: سُئل سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم فقال: ما سمع من ابن عمر إلا حديثان.
وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٣٨٧): زيد بن أسلم سمع من ابن عمر.
وقال أبو أحمد الحاكم في "الأسامى والكنى" (٢/ ٢١): أبو أسامة زيد بن أسلم القرشي العدوي سمع أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي وأبا حمزة أنس بن مالك الأنصاري.
وقال مسلم بن الحجاج في "الكنى والأسماء" (١/ ١٥٤): أبو أسامة زيد ابن أسلم مولى عمر بن الخطاب سمع ابن عمر وأباه.
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٥/ ١٢٥): ومما يدل على أن جر الإزار مذموم على كل حال ما ذكره أبو زرعة، قال: حدثنا محمد بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، أنه أخبرهم عن زيد بن أسلم، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول لابن ابنه عبد الله بن واقد: يا بني، ارفع إزارك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء".
وقد زعم أبو جعفر الطحاوي أن زيد بن أسلم لم يسمع من ابن عمر، وهذا غلط، وقد بان لك في حديث ابن عيينة هذا سماعه، ومما يدل على ذلك أيضًا ما ذكره ابن وهب في كتاب المجالس، قال: أخبرنا ابن زيد عن أبيه أنا أباه أسلم أرسله إلى ابن عمر .... الحديث. اهـ
قلت: الذى يظهر لي أن زيد بن أسلم سمع من ابن عمر، إلا أن بعض العلماء قد وصفه بأنه لم يسمع من ابن عمر حديث رد السلام بالإشارة، ودلسه. فلو سلمنا أنه لم يسمع من ابن عمر هذا الحديث، فيقال: إنه لم
стр. 182
يسمع من ابن عمر هذا الحديث خاصة، وباقي حديثه عن ابن عمر قد سمعه منه. والتدليس الموصوف به زيد بن أسلم خاص بحديث رد السلام بالإشارة فلا ينبغي التوقف في عنعنته عن ابن عمر إلا في حديث رد السلام بالإشارة، أو في حديث آخر قد ثبت أنه دلسه عن ابن عمر والله أعلم.
* * *
стр. 183
حرف السين
٥٤ - سالم بن أبي الجعد
ذكر الحافظ ابن حجر سالم بن أبي الجعد في المرتبة الثانية من المدلسين وقال: من التابعين، ذكره الذهبي في "الميزان" بذلك (١).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": سالم بن أبي الجعد ثقة، وكان يرسل كثيرًا.
قال الذهبي في "الميزان" (٢/ ١٠٩): سالم بن أبي الجعد من ثقات التابعين لكنه يدلس ويرسل.
قال أحمد: لم يسمع من ثوبان ولم يلقه.
قلت: حديثه عن النعمان بن بشير وعن جابر في الصحيحين، وحديثه في البخاري عن عبد الله بن عمرو وابن عمر، وحديثه عن علي في سنن النسائي وأبي داود. اهـ
قلت: لعل قول الذهبي "يدلس" أي: "يرسل"، وكان الذهبي كثيرًا ما يطلق التدليس على الإرسال الخفي، وقد بينت ذلك في ترجمة عبد الله بن زيد أبي قلابة الجرمي. ولم يصف أحد من العلماء سالم بن أبي الجعد بالتدليس.
أما قول الذهبي "يدلس ويرسل" فهو من باب عطف المترادفين والله أعلم.
وانظر ترجمة "خالد بن معدان" ويزيد بن عبد الرحمن بن أبى مالك.
وسالم بن أبي الجعد قد أرسل عن عدد من الصحابة.
قال أحمد وابن معين والبخاري وأبو حاتم والأثرم ويعقوب بن سفيان وابن حبان: سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان.
وقال ابن المديني: لم يلق ابن مسعود وعائشة وزياد بن لبيد.
стр. 184
وقال الترمذي: سألت محمدًا قلت له: سالم بن أبي الجعد سمع من أبي أمامة فقال: ما أرى.
وقال أبو زرعة: سالم عن عثمان وعلى مرسل.
وقال أبو حاتم: لم يدرك عمرو بن عنبسة.
وقال أبو داود: لم يسمع من شرحبيل بن السمط.
وقال الدارقطني: لم يسمع من سعيد بن زيد.
وقال البزار: لم يسمع من أبي الدرداء.
("الجرح والتعديل" (٤/ ١٨١)، و"مراسيل ابن أبي حاتم (٢٨٥ - ٢٨٨) و "تاريخ الدوري" (٤/ ١٦)، و "التاريخ الأوسط" (١/ ٢٥٥)، و "ناسخ الحديث ومنسوخه "للأثرم (صـ ٢١٣)، و"المعرفة والتاريخ" (٣/ ٢٣٦)، و "علل ابن المديني" (ص ٨٨)، و"سؤالات ابن محرز" لابن معين وغيره (١/ ١٢٥)، و"علل الترمذي الكبير" (صـ ٣٨٦)، و"سنن أبي داود (٤/ ١٧٨) (ح ٣٩٦٧)، و"علل الدارقطني" (٤/ ٤٢٠)، و"كشف الأستار" (٤/ ٥٢) (ح ٣١٧٦)).
٥٥ - سعيد بن عبد العزيز الدمشقي
قال الذهبي: زياد بن أبي سودة (د - ق) عن أخيه عثمان، عن ميمونة مولاة النبي ﷺ : ابعثوا بزيت يسرج في قناديلة - يعني بيت المقدس.
هذا حديث منكر جدًا، رواه سعيد بن عبد العزيز عن زياد عنها، فهذا منقطع، ورواه ثور بن يزيد عن زياد متصلًا.
قال عبد الحق: ليس هذا الحديث بالقوي. وقال ابن القطان: زياد وعثمان ممن يجب التوقف عن روايتهما.
قلت: وميمونة هذه يُقال: بنت سعد، ويُقال: بنت سعيد، لها في السنن أربعة أحاديث، والأربعة منكرة، فالأول قلناه. والثاني قال: ولد الزنا لا خير فيه. والثالث فيمن قبل زوجته في رمضان، قال: أفطر.
стр. 185
والرابع: مثل الرافلة في الزينة.
ثم ما أدري أهل سمع سعيد بن عبد العزيز من زياد أو دلسه بعن، وقد رواه ثور بن يزيد ومعاوية بن صالح عن زياد، وفيه: قلت: وكيف الروم فيه، بل لفظهما: قلت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه زادًا، فإن صلاة فيه كألف صلاة. هكذا أخرجه أحمد وابن ماجه (١).
قال برهان الدين ابن العجمي: سعيد بن عبد العزيز عن زياد بن أبي سودة عن ميمونة مولاة النبي ﷺ . قال الذهبي في "ميزانه" -في ترجمة زياد هذا-: ثم ما أدري أهل سمع سعيد من زياد أو دلسه بعن؟ - انتهى (٢).
وذكره ابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين، وقال: ثقة من كبار الشاميين من طبقة الأوزاعي، روى عن زياد بن أبى سودة، فقال أبو الحسن بن القطان: لا ندري (٣) سمعه منه أو دلسه عنه (٤).
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": سعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي، ثقة إمام، سواه أحمد بالأوزاعي، وقدمه أبو مسهر، لكنه اختلط في آخر أمره.
قال ابن القطان الفاسي: باب ذكر أحاديث عَرَّف ببعض رواتها فأخطأ في التعريف بهم:
من ذلك أنه ذكر من طريق أبي داود حديث عثمان بن أبي سودة عن ميمونة مولاة النبي ﷺ أنها قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال: "ائتوه فصلوا فيه" الحديث.
стр. 186
ثم قال: ليس هذا الحديث بقوي.
هذا نص ما ذكر، والخطأ فيه في جعله إياه عن عثمان بن أبي سودة، وذلك من تفسيره الخطأ، فإن الحديث عند أبي داود إنما هو هكذا: حدثنا النفيلي، حدثنا مسكين، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ابن أبي سودة، عن ميمونة.
هكذا فيه: "ابن أبي سودة" غير مُسمى، وقد رُوى عن مسكين بن بكير مفسرًا بزيادة زياد بن أبي سودة لا بعثمان.
قال أبو علي بن السكن: حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان، حدثنا أحمد ابن عبد الرحمن بن المفضل، حدثنا مسكين بن بكير، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة رسول الله ﷺ أنها قالت: يا رسول الله: أفتنا في بيت المقدس؟ قال: "ائتوا فصلوا فيه".
قالت: فإن لم نستطع؟ قال: "فابعثوا بزيت يُسرج في قناديله".
وقد رواه الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، ففسره أيضًا بأنه زياد بن أبي سودة، كذلك ذكره ابن أبي خيثمة، قال: حدثنا الحوطي -هو عبد الوهاب ابن نجدة- قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثنا زياد بن أبي سودة، أن ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: قلت يا رسول الله: أفتنا في بيت المقدس؟ قال: "أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره". قلت: أرأيت إن لم نطق أن نتحمل إليه؟ قال: "فلتهد له زيتًا يسرج فيه، فإن من أهدى له كان كمن صلى فيه".
وقال قاسم بن أصبغ في كتابه: حدثنا الحوطي، حدثنا عيسى بن يونس، عن ثور، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة رسول الله ﷺ مثله حرفًا بحرف.
ففيه أيضًا من قول ثور بن يزيد أنه زياد بن أبي سودة، كما قال سعيد بن عبد العزيز، وهما أخوان، عثمان وزياد ابنا أبي سودة، وأظن أن زيادًا لم يسمعه من ميمونة، وإنما بينه وبينها أخوه عثمان.
وقد جاء كذلك من طريق عيسى بن يونس، من غير رواية الحوطي عنه.
стр. 187
قال ابن السكن: حدثنا محمد بن يوسف بن مطر، حدثنا علي بن خشرم.
وحدثنا محمد بن بدر الباهلي، حدثنا سليمان بن عمر البرقي، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن أخيه عثمان بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة رسول الله ﷺ أنها قالت: "يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس" الحديث. مثل رواية الحوطي سواء.
ففى هذا أن رواية سعيد بن عبد العزيز التى ذكر أبو داود منقطعة، فإن سعيد بن عبد العزيز وثور بن يزيد إنما أخذاه عن زياد لا عن عثمان، وبين زياد وبين ميمونة عثمان، حسب ما في هذه الرواية عن عيسى بن يونس (١).
ذكر الدكتور مسفر بن غرم الله الدميني قول الذهبي السابق، ثم قال: قلت: فتدليسه لهذا الحديث أمر متوهم لا دليل عليه، والرجل ثقة فلا يُجرح بمثل هذا، وقد جعله الحافظ في المرتبة الثانية، وأرى أنه لم يثبت عليه التدليس، وإن ثبت فهو حديث واحد، وإذن فهو من أهل المرتبة الأولى والله أعلم (٢).
قلت: حديث ميمونة رواه أحمد في "مسنده" (٦/ ٤٦٣)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في "زوائده على المسند" (٦/ ٤٦٣)، وابن ماجه (١٤٠٧)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٦١٠)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٥/ ٥٥)، وفى "مسند الشاميين" (٤٧١) من طريق علي بن بحر وأبي موسى الهروي إسحاق بن إبراهيم وإسماعيل بن عبد الله الرقي وعلي بن معبد الرقي وأبو جعفر النفيلي عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل جميعًا عن عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن عثمان بن أبي سودة، عن ميمونة مولاة النبي ﷺ به.
وخالفهم الحوضى عبد الوهاب بن نجدة فرواه عن عيسى، عن ثور، عن زياد
стр. 188
ابن أبي سودة، عن ميمونة، بإسقاط عثمان بن أبي سودة.
رواه عن الحوطي قاسم بن أصبغ في "كتابه"، ذكر ذلك ابن القطان الفاسي.
وعبد الوهاب بن نجدة ثقة كما في "التقريب".
ورواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (ح ٣٤٤٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٥/ ٥٦) عن محمد بن عوف وأحمد بن مطير الرملي القاضي، كلاهما عن محمد بن أبي السري، عن رواد بن الجراح، عن صدقة بن صدقة، عن ثور بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن أخيه عثمان عن ميمونة به.
وصدقة بن صدقة لم أقف له على ترجمة.
ورواد بن الجراح صدوق اختلط بآخره فتُرك، وفى حديثه عن الثوري ضعف شديد، كما في "التقريب".
ومحمد بن أبي السري هو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن العسقلاني، صدوق عارف له أوهام كثيرة، كما في "التقريب".
ورواه الطبراني في "مسند الشاميين" (ح ٤٧٢) عن موسى بن أبي حسين الواسطي، عن سعيد بن عبد الحميد الواسطي، عن يزيد بن هارون، عن أصبغ بن زيد، عن ثور بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة، بإسقاط عثمان بن أبي سودة.
وأصبغ بن زيد ترجم له الحافظ في "تهذيب التهذيب"، فقال: "قال أحمد: ليس به بأس، ما أحسن رواية يزيد عنه. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: شيخ. وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث. وأورد له ابن عدي ثلاثة أحاديث غرائب من رواية يزيد بن هارون عنه، وقال: هذه غير محفوظة، وقال: لا أعلم روى عنه غير يزيد بن هارون.
قلت: بل روى عنه غيره كما تقدم.
стр. 189
وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد. وقال الدارقطني: تكلموا فيه، وهو عندي ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة.
وقال مسلمة بن قاسم: لين ليس بحجة (١).
وقال أحمد: أصبغ بن زيد الوراق كان من الثقات. وقال ابن معين: أصبغ بن زيد الوراق لا بأس به، ولكني لا أحسب حديث الفتون حق. ("سؤالات أبي داود" للإمام أحمد (صـ ٣٢٠)، و"سؤالات ابن محرز" لابن معين (١/ ٩٠)).
وموسى بن أبي حسين الواسطي وسعيد بن عبد الحميد الواسطي لم أقف لهما على ترجمة.
ورواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٦١١ - ٦١٢) عن يحيى بن عثمان وفهد وهارون بن كامل جميعًا، عن أبي صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة، بإسقاط عثمان. وأبو صالح كاتب الليث مُختلف فيه. ومعاوية بن صالح صدوق.
ورواه أبو داود في "سننه" (٤٥٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى"
(٢/ ٤٤١)، والبغوي في "شرح السنة" (ح ٤٥٦)، وأبو علي بن السكن كما ذكر ابن القطان الفاسي، من طريق مسكين بن بكير، عن سعيد بن عبد العزيز، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة، بإسقاط عثمان.
ورواه الطبراني في "مسند الشاميين" (ح ٣٤٤) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن الهيثم بن خارجة، عن الوليد بن مسلم قال: ثنا سعيد بن عبد العزيز عن ابن أبي سودة، عن ميمونة مولاة النبي ﷺ ، أنها قالت للنبي ﷺ : أفتنا في بيت المقدس، فقال: "ائتوه فصلوا فيه"، فقالت: كيف وبيننا وبينه الروم؟ قال: "فابعثوا بزيد يُسرج في قناديله".
وخالف عبد الوهاب بن نجدة الهيثم بن خارجة فصرح بسماع سعيد بن عبد العزيز
стр. 190
من زياد بن أبي سودة كما عند ابن أبي خيثمة، ذكر ذلك ابن القطان الفاسي.
قلت: حديث ميمونة السابق رواه مسكين بن بكير، عن سعيد بن عبد العزيز، عن زياد بن أبي سودة، عن ميمونة. واختُلف على الوليد، فرواه عبد الوهاب بن نجدة عنه، وذكر تصريح سعيد بن عبد العزيز بالسماع من زياد.
ورواه الهيثم بن خارجة عنه، ولم يذكر تصريح سعيد بالسماع من زياد.
وكذلك لم يذكر مسكين بن بكير تصريح سعيد بالسماع من زياد.
وعبد الوهاب بن نجدة روى عنه أبو داود وغيره. ووثقه ابن قانع. وقال يعقوب بن الحمصي: ثبت ثقة. وقال ابن أبي عاصم: ثقة ثقة. "تهذيب التهذيب".
والهيثم بن خارجة وثقة ابن معين وابن قانع. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال الخليلي: ثقة متفق عليه. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال عبد الله بن أحمد: كان أبي إذا رضى عن إنسان وكان عنده ثقة حدث عنه وهو حي، فحدثنا عن الهيثم بن خارجة وهو حي. "تهذيب التهذيب"
ومسكين بن بكير ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الأثرم: سمعت أحمد يحسن أمره. وقال مرة: قدمه أبو عبد الله على مخلد بن يزيد، وقال: حدث عن شعبة بأحاديث لم يروها أحد. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا بأس به. وكذا قال أبو حاتم، وزاد: كان صالح الحديث، يحفظ الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: كان كثير الوهم والخطا. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن عمار: يقولون إنه ثقة، لم يُسمع منه شيئًا. "تهذيب التهذيب"
وقال ابن هانئ: قلت لأبي عبد الله: نظرت في حديث مسكين عن شعبة فإذا فيها خطأ؟ فقال: من أين كان يضبط عن شعبة. وقال البزار: مسكين بن بكير ثقة. "الضعفاء الكبير" (٤/ ٢٢١)، و"مسائل ابن هانئ" للإمام أحمد (٢/ ٢٠٣)، و "كشف الأستار" (٣/ ٣٤٤) (ح ٢٨٩٩).
قلت: الذى يظهر لي أن سعيد بن عبد العزيز قد صح سماعه من زياد في هذا
стр. 191
الحديث، ولا يصح وصفه بالتدليس في هذا الحديث، وقد توقف الذهبي في سماع سعيد بن عبد العزيز من زياد بن أبي سودة في هذا الحديث، وقال: لا أدري سمعه منه أو دلسه بعن، وقد ثبت أنه سمعه منه، ولم يُوصف سعيد بالتدليس إلا في هذا الحديث، ولم يثبت أنه دلسه. ولم يصف سعيد بالتدليس في هذا الحديث إلا الذهبي، فلا يصح وصف سعيد بن عبد العزيز بالتدليس مطلقًا والله أعلم.
وقد روى هذا الحديث عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن زياد بن أبي سودة، عن أخيه عثمان بن أبي سودة، عن ميمونة. فبينت هذه الرواية أن زياد لم يأخذ الحديث عن ميمونة مباشرة، إنما أخذه عن أخيه عثمان عنها. وقد قال بذلك ابن القطان الفاسي، وتبعه على ذلك المزي (١) والذهبي والعلائي (٢).
وقد وهم الحافظ ابن حجر في نقل كلام ابن القطان الفاسي، فنقل أن ابن القطان وصف سعيد بالتدليس عن زياد بن أبي سودة، وليس في كلام ابن القطان السابق وصف سعيد بالتدليس عن زياد، ولكن الكلام الذى نسبه الحافظ إلى ابن القطان الفاسي هو كلام الذهبي، وليس كلام ابن القطان، فلعل الحافظ اشتبه عليه والله أعلم.
٥٦ - سعيد بن أبي عروبة
قال ابن أبي حاتم: نا صالح، نا علي قال: عرضت على يحيى بن سعيد حديث ابن أبي عروبة عن محمد بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب القضاء ما قضيت، فقال: هذا رواه عن البرى -يعني عثمان- عن أبي جابر البياض.
قال أبو محمد: وكان متروكي الحديث (٣).
стр. 192
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: نا صالح، نا علي قال: سألت يحيى عن حديث ابن أبي عروبة عن أبي رجاء عن أبي موسى في القنوت، فقال: لم يسمعه من أبي رجاء، إنما هذا حديث البراء الغنوي - وكأنه لم يرض البراء (١).
قال ابن سعد: أخبرنا عفان قال: كان سعيد بن أبي عروبة يروي عن قتادة مما لم يسمع شيئًا كثيرًا، ولم يكن يقول فيه حدثنا (٢).
قلت: أبو نعيم ﵀ كان من المتشددين، فقد قال الآجري: قلت لأبى داود: بلغك عن عفان أنه يكذب وهب بن جرير؟ فقال: حدثنى عباس العنبرى، قال: سمعت عليًا يقول: أبو نعيم وعفان صدوقان لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يدعون أحدًا إلا وقعوا فيه. "سؤالات الآجري" لأبى داود (٢/ ١٦).
وسعيد بن أبي عروبة كان مكثرًا عن قتادة، وكان من أثبت الناس فيه، فما الذي يجعله يكثر التدليس عنه.
قال ابن معين: سعيد بن أبى عروبة أثبت الناس في قتادة.
وقال ابن محرز: سمعت يحيى وقيل له: أيما أحب إليك في قتادة: سعيد أو هشام؟ فقال: سعيد ثقة ثبت، وهشام ثقة.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنى محمد قال: سمعت عليًا قال: أصحاب قتادة ثلاثة: سعيد وهشام وشعبة، فأما سعيد فاتقنهم، وأما هشام فأكثرهم، وأما شعبة فأعلمهم بما سمع وما لم يسمع، وقال: ليس بعد هؤلاء أحد مثل همام من كتابه.
وقال ابن أبى حاتم: نا محمد بن سعيد المقرى الرازى، قال: سمعت عبد الرحمن -يعنى ابن الحكم بن بشير- يذكر عن أبى داود قال: كان سعيد بن أبى عروبة أحفظ أصحاب قتادة.
стр. 193
نا ابن أبى خيثمة فيما كتب إلى، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: أثبت الناس في قتادة: ابن أبى عروبة وهشام الدستوائى وشعبة، فمن حدثك من هؤلاء الثلاثة الحديث فلا تبالى أن لا تسمعه من غيره.
سمعت أبى يقول: سعيد بن أبى عروبة كان أعلم الناس بحديث قتادة.
وقال أبو زرعة: أثبت أصحاب قتادة هشام وسعيد.
وقال أحمد بن حنبل: أصحاب قتادة: سعيد وهشام وشعبة، إلا أن شعبة لم يبلغ علم هؤلاء، وكان سعيد يكتب كل شئ.
وقال ابن محرز: قال ابن معين: أوثق الناس في قتادة: سعيد وشعبة وهشام. قيل له: أيما كان أوثق في قتادة: شعبة أو سعيد؟ فقال: شعبة ثقة فيما حدث به وسعيد أكثر منه في قتادة. ("سؤالات ابن الجنيد" لابن معين (صـ ٣٤٩)، و "إكمال تهذيب الكمال" لمغلطاى (٥/ ٣٣٢)، و"سؤالات ابن محرز" لابن معين (١/ ١١٨)، و"المعرفة والتاريخ" (٢/ ١٤١)، و"سؤالات ابن محرز" لابن معين (٢/ ١٩٤).
ومحمد هو ابن عبد الرحيم صاعقة، و"الجرح والتعديل" (٤/ ٦٥)، و"العلل ومعرفة الرجال رواية "المروذى وغيره (صـ ٥٢)، و"سؤالات ابن محرز" لابن معين (١/ ١١٤)، و "تاريخ الدوري" (٤/ ٢٤٦)).
فالأصل في عنعنة سعيد عن قتادة القبول، إلا إذا قام الدليل على تدليس سعيد ابن أبي عروبة، وانظر كلام شيخنا محمد عمرو بن عبد اللطيف حفظه الله في عنعنة سعيد عن قتادة الذى في ترجمة الحسن البصري من هذا الكتاب.
قال العلائي: سعيد بن أبي عروبة مشهور بالتدليس، ذكره به غير واحد (١).
وذكره ابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين وقال: البصري، رأى أنسًا -رضى الله عنه-، وأكثر عن قتادة، وهو ممن اختلط، وصفه النسائي
стр. 194
وغيره بالتدليس (١).
قلت: سعيد بن أبي عروبة قد أرسل عن كثير من الرواة ولم يسمع منهم (٢).
فينبغي قبل إعلال الحديث بعنعنة سعيد بن أبي عروبة التأكد هل سمع سعيد من الشيخ الذى يروي عنه أم لا.
٥٧ - سعيد بن المرزبان أبو سعد البقال
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ما أقرب أبا سعد البقال من أبي جناب، لا يحتج به.
سُئل أبو زرعة عن أبي سعد البقال، فقال: لين الحديث، مدلس. قلت: هو صدوق؟ قال: نعم، كان لا يكذب (٣).
وقال ابن حجر: قال أبو حاتم: فيه تدليس، ما أقربه من أبي جناب (٤).
وقال ابن حبان: ثنا محمد بن عبد الرحمن، ثنا ابن قهزاد، سمعت أبا إسحاق الطالقاني يقول: سألت عبد الله بن المبارك عن أبي سعد البقال فقال: كان قريب الإسناد.
قال أبو حاتم: يريد ابن المبارك بقوله: كان قريب الإسناد أى أنا كتبنا عنه لقرب إسناده، ولولا ذاك لم نكتب عنه شيئًا (٥).
стр. 195
قال ابن العراقي: أبو سعد البقال، واسمه سعيد بن المرزبان، مُتكلم فيه قال ابن المبارك: قلت لشريك بن عبد الله النخعي: تعرف أبا سعد البقال؟ قال: إني والله أعرفه، عالي الإسناد، أنا حدثته عن عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن معقل، عن ابن مسعود حديث "الندم توبة"، فتركني وترك عبد الكريم وزياد بن أبي مريم، وروى عن عبد الله بن معقل عن ابن مسعود الحديث (١). (٢).
стр. 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 197
وذكره العلائي في المدلسين، وساق القصة السابقة التى رواها الخطيب في "الكفاية" (١).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الخامسة من المدلسين، وزاد ابن حجر: من أتباع التابعين، ضعيف مشهور بالتدليس، وصفه به أحمد وأبو حاتم والدارقطني وغيرهم (٢).
٥٨ - سعيد بن أبي هلال
قال ابن رجب الحنبلي: ومن ذلك ما ذكره البرذعي قال: قال لي أبو زرعة: خالد بن يزيد المصري وسعيد بن أبي هلال صدوقان، وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما.
وقال لي أبو حاتم: أخاف أن بكون بعضها مراسيل عن ابن أبي فروة وابن سمعان، انتهى.
ومعنى ذلك أنه عرض حديثهما على حديث ابن أبي فروة وابن سمعان فوجده يشبه ولا يشبهه حديث الثقات الذين يحدث عنهم، فخات أن يكون أخذا حديث ابن أبي فروة وابن سمعان ودلساه عن شيوخهما (٣). (٤).
стр. 198
٥٩ - سفيان بن سعيد الثوري
سفيان بن سعيد الثوري كان مدلسًا، إلا أنه كان قليل التدليس، وذكر البخاري أنه لا يعرف لسفيان تدليسًا عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، وذكر مشايخ كثيرة، وقال: لا أعرت لسفيان عن هؤلاء تدلسيًا، ما أقل تدلسيه. وكل ما رواه يحيى القطان عن سفيان الثوري قال فيه سفيان حدثني أو حدثنا إلا حديثين، فلا يعل الحديث بتدليس سفيان الثوري إذا كان من رواية يحيى القطان عنه إلا في الحديثين اللذين ذكر يحيى أنه لم يسمع سفيان يصرح فيهما بالسماع من شيخه.
وكان الثوري يروي عن الضعفاء، إلا أنه كان كثيرًا لا يسميهم ويذكرهم بكنيتهم، وهذا يُسمى بتدليس الشيوخ.
فكان يروي عن محمد بن سالم الكوفي ويقول: أبو سهل.
وكان يروي عن عبيدة بن معتب الضبي ويقول: أبو عبد الكريم.
وكان يروي عن سليمان بن أرقم ويقول: أبو معاذ.
وكان يروي عن بحر السقاء ويقول: أبو الفضل.
وكان يروي عن محمد بن السائب الكلبي ويقول: أبو النضر.
وكان يروي عن الصلت بن دينار ويقول: أبو شعيب.
وكان يروي عن سالم بن أبي حفصة ويقول: أبو يونس.
стр. 199
وكان يروي عن عبد الله بن سعيد المقبري ويقول: أبو يونس.
وكان يروي عن الحسن بن دينار ويقول: أبو سعيد السليطي.
وكان يروي عن عبد القدوس الشامي ويقول: أبو سعيد.
وكان يروي عن سفيان بن قسيم ويقول: أبو الصباح بن قسيم.
وكان يروي عن إبراهيم بن هراسة ويقول: أبو إسحاق الشيباني.
قال الترمذي: حدثنا حسين بن مهدي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن المبارك قال: قلت لهشيم: مالك تدلس وقد سمعت؟ قال: كان كبيراك يدلسان، وذكر الأعمش والثوري، وذكر أن الأعمش لم يسمع من مجاهد إلا أربعة أحاديث (١).
قال ابن أبي حاتم: نا ابن أبي خيثمة فيما كتب إلى قال: سمعت يحيى بن معين يقول: لم يكن أحد أعلم بحديث أبي إسحاق من الثوري، وكان يدلس، ولم يكن أحد أعلم بحديث الأعمش من الثوري (٢).
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: سألت أبي عن حديث رواه الفريابي، عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: ما أنزل الله من داءٍ إلا أنزل له دواء.
قال أبي: إنما أسند هذا الحديث المسعودي والربيع بن دكين وأبو وكيع، وأما الثوري فإنه لا يسنده إلا الفريابي، ولا أظن الثوري سمعه من قيس، أراه مدلسًا (٣).
стр. 200
قال أبو زرعة الدمشقي: وسمعت أبا نعيم يقول: لم يسمع سفيان من عمرو بن مرة إلا سبعة أحاديث سمعتها كلها من سفيان غير واحد لم أضبطه، نرى أنه حديث طلق بن قيس.
فحدثنا أبو نعيم قال: وكان سفيان إذا حدث عن عمرو بن مرة بما سمع يقول: حدثنا وأخبرنا، وإذا دلس عنه يقول: قال عمرو بن مرة (١).
قال ابن محرز: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت الأشجعي يقول: قدمت من الكوفة وقد كتبت عن شبل عن ابن أبي نجيح أحاديث، فقال لى سفيان الثوري: أرني فأعطيته فنظر فيها، ثم جلس للناس فجعل يحدثهم عن ابن أبي نجيح، فجعلت أكتب مع الناس، فقال لي: هذا من ذاك - يعني من الكتاب (٢).
قال الدوري: سمعت يحيى يقول: حدثنا الأشجعي قال: حججت فقدمت، وقد كنت سمعت من شبل، فقال لي سفيان الثوري: جئني بكتاب شبل فجئته به فنظر فيه، ثم جعل يحدث به عن ابن أبي نجيح نفسه. قلت ليحيى: كان شبل يروي عن ابن أبي نجيح؟ قال: نعم، فجعل سفيان يحدث بها عن ابن أبي نجيح نفسه، فكنت ربما ذهبت أكتب إذا حدث سفيان، فيقول لي: هذا من ذيك.
قال أبو الفضل: ووجه هذا عندي أن سفيان قد سمع من ابن أبي نجيح، وإنما أخذ كتاب شبل يتذكر به حديث ابن أبي نجيح، ولم يكن ليحدث عن ابن أبي نجيح، إلا بشيء قد أتقن علمه (٣).
قال الترمذي: قال محمد: ولا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور وذكر مشايخ كثيرة، لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا ما أقل تدليسه (٤).
стр. 201
قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: قال يحيى بن سعيد: ما كتبت عن سفيان شيئًا إلا ما قال: حدثني أو حدثنا إلا حديثين، ثم قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة ومغيرة، عن إبراهيم: "وإن كان من قوم عدو لكم" قالا: هو الرجل يسلم في دار الحرب فيقتل، فليس فيه دية، فيه كفارة.
قال أبي: هذين الحديثين الذى زعم يحيى أنه لم يسمع سفيان يقول فيهما: حدثنا أو حدثني (١).
قال البخاري: قال يحيى القطان: ولم أكن أهتم أن يقول سفيان لمن فوقه سمعت فلانًا، ولكن كان يهمني أن يقول هو: حدثنا (٢).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: لم أكن أهتم لسفيان أن يقول لمن فوقه: قال سمعت فلانًا، ولكن كان يهمني أن يقول هو: سمعت فلانًا وحدثني فلان (٣).
قال الخطيب البغدادي: حدثني أبو القاسم الأزهري، قال: ثنا عبد الرحمن بن عمر الخلال، قال: ثنا محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: ثنا جدي (٤)، قال: سألت يحيى بن معين عن التدليس، فكرهه وعابه، قلت له: أفيكون المدلس حجة فيما روى، أو حتى يقول حدثنا وأخبرنا، فقال لا يكون حجة فيما دلس.
وقال جدي: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم
стр. 202
يقل حدثنا؟ قال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا.
قال علي: والناس يحتاجون في حديث سفيان إلى يحيى القطان لحال الإخبار -يعني علي- أن سفيان كان يدلس، وأن يحيى القطان كان يوقفه على ما سمع مما لم يسمع (١).
قال ابن عدي: حدثنا محمد بن عبد الله بن الجنيد، أخبرني محمد بن إسماعيل البخاري، قال: أعلم الناس بالثوري يحيى بن سعيد، لأنه عرف صحيح حديثه من تدليسه (٢).
قال يعقوب بن سفيان: أبو إسحاق رجل من التابعين، وهو ممن يعتمد عليه الناس في الحديث هو والأعمش، إلا أنهما وسفيان مدلسان، والتدليس من قديم (٣).
وقال يعقوب بن سفيان أيضًا: وحديث سفيان -يعني الثوري- وأبي إسحاق والأعمش مالم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة (٤).
قال الخطيب البغدادي: وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذى حدثه، لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلًا يكون ضعيفًا في الرواية، أو صغير السن، ويحسن الحديث بذلك، وكان سليمان الأعمش وسفيان الثوري وبقية بن الوليد يفعلون مثل هذا.
أخبرنا أبو سعيد جمحمد بن موسى الصيرفي، قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: ثنا العباس بن محمد الدوري، قال: ثنا قبيصة، قال:
стр. 203
ثنا سفيان الثوري يومًا حديثًا ترك فيه رجلًا، فقيل له: يا أبا عبد الله: فيه رجل؟ قال: هذا أسهل الطرق (١). (٢).
قال يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد بن بشار، قال: قال عبد الرحمن لم يسمع سفيان من أبي عون غير هذا الحديث، قال مروان: كيف نسأل أحدًا وفينا أزواج النبي ﷺ (٣).
قال أحمد: لم يسمع الثوري من أبي عون إلا حديثًا واحدًا عن عبد الله بن شداد (٤).
وقال أحمد أيضًا: لم يسمع سفيان من ابن أشوع سعيد غير هذا الحديث - يعني حديث شريح بن النعماء عن علي في الأضحية" لا مقابلة ولا مدابرة" (٥).
قال ابن محرز: وسمعت يحيى وقيل له: سفيان الثوري سمع من ابن أشوع؟ فقال: نعم، قد سمع من ابن أشوع (٦).
قال العلائي: سفيان بن سعيد الثوري الإمام المشهور تقدم أنه يدلس، ولكن ليس بالكثير.
من ذلك ما روي عن محمد بن عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن
стр. 204
عتبة عن عمر رضى الله عنه قال: يتزوج العبد اثنين وطلاقه اثنتان. قال أحمد: لم يسمعه الثوري من محمد بن عبد الرحمن.
وروى سفيان الثوري عن أبي معشر عن إبراهيم عن الأسود عن بلال أنه كان أذانه وإقامته مرتين. قال الدارقطني: لم يسمعه الثوري من أبي معشر.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: سألت سفيان عن حديث عمرو بن مرة عن أبي عبيدة في الوتر لأهل القرآن، قال: لم أسمعه. قال: وسُئل عن حديث عمرو ابن مرة: كان يعز على عبد الله أن يتكلم بعد طلوع الفجر، قال: حدثني رجل عن عمرو بن مرة.
وقال أبو نعيم الملائي: حديث سفيان عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء: قنت النبي ﷺ في الصبح لم يسمعه سفيان من عمرو -دلسه - كذا وجدت هذين، والظاهر أن المراد بسفيان فيهما الثوري (١).
قال ابن حجر: قال أبو بكر بن خلاد: سمعت يحيى يقول: جهد الثوري أن يدلس على رجلًا ضعيفًا فما أمكنه. وقال مرة: ثنا أبو سهل عن الشعبي، فقلت له: أبو سهل محمد بن سالم، فقال: يا يحيى ما رأيت مثلك لا يذهب عليك شيء (٢).
قال البخاري: محمد بن سالم أبو سهل الكوفي كان الثوري يروي عنه فيقول أبو سهل، وربما قال: رجل عن الشعبي، يتكلمون فيه، كان ابن المبارك ينهى عنه (٣).
قال أبو حاتم: محمد بن سالم أبو سهل الكوفي ضعيف الحديث منكر الحديث مثل عبيدة الضبي وأضعف شبه المتروك، وكان الثوري ربما كنى عن
стр. 205
اسمه يقول: رجل عن الشعبي، وربما كناه يقول: أبو سهل عن الشعبي لكيلا يفطن له (١).
قال ابن حبان: كان الثوري يحدث عن محمد بن سالم الكوفي أبو سهل ويقول: حدثني أبو سهل، وكان هذا مذهبًا للثوري، إذا حدث عن الضعفاء كناهم حتى لا يعرفوا، كان إذا حدث عن عبيدة بن معتب قال: حدثنا أبو عبد الكريم، وإذا حدث عن سليمان بن أرقم قال: حدثنا أبو معاذ، وإذا حدث عن بحر السقاء قال: حدثنا أبو الفضل، وإذا حدث عن الكلبي قال: حدثنا أبو النضر، وإذا حدث عن الصلت ابن دينار قال: حدثنا أبو شعيب ومن يشبه هؤلاء من الضعفاء ممن يكثر عددهم، ليس هذا موضع ذكرهم (٢).
قال الدوري: سمعت يحيى يقول: عبيدة بن معتب كان سفيان الثوري يحدث عنه، يقول: أبو عبد الكريم، وهو الضبي (٣).
قال يعقوب بن سفيان: وحُدثت عن سفيان عن عبيدة بن معتب الضبي، وحديثه لا يساوي شيئًا، وكان الثوري إذا حدث عنه كناه، قال: أبو عبد الكريم، ولا يكاد سفيان يكنى رجلًا إلا وفيه ضعف، يكره أن يظهر اسمه فينفر منه الناس (٤).
قال ابن حجر: قال ابن أبي خيثمة عن أحمد: أبو معاذ الذى روى الثوري عنه عن الحسن اسمه سليمان بن أرقم ليس بشيء (٥).
قال الحاكم: مذهب سفيان بن سعيد أن يكنى المجروحين من المحدثين، إذا روى عنهم مثل بحر السقاء، فيقول أبو الفضل، والصلت بن دينار، يقول:
стр. 206
حدثنا أبو النضر، وسليمان بن أرقم يقول: حدثنا أبو معاذ (١).
قال ابن حجر: وقال أبو بكر بن خلاد عن يحيى بن سعيد القطان: كان سفيان الثوري يحدثني فإذا حدثني عن الرجل يعلم أني لا أرضاه كناه لي، فحدثني يومًا قال: حدثني أبو الفضل -يعني بحر السقاء (٢) -.
قال ابن حبان: الجنس الثاني من أحاديث الثقات التى لا يجوز الاحتجاج بها: أقوام ثقات كانوا يروون عن أقوام ضعفاء كذابين، ويكنونهم حتى لا يعرفوا، فربما أشبه كنية كذاب كنية ثقة، فيتوهم المتوهم أن راوي هذا الخبر ثقة فيحملون عليه، وليس ذلك الحديث من حديثه، ومن أعملهم بمثل هذا من هذه الأمة الثوري، كان يحدث عن الكلبي ويقول: حدثنا أبو النضر فيتوهم المستمع أنه أراد به سعيد بن أبي عروبة، أو جرير بن حازم (٣).
قال الآجري: قيل لأبي داود: معتمر عن أبي شعيب عن ابن سيرين؟ قال: أبو شعيب صالح بن دينار. قال شعبةْ إذا حدثكم سفيان عن رجل لا تعرفوه فلا تكتبوا، فإنما يحدثكم عن أبي شعيب المجنون - يعني هذا (٤).
قال العقيلي: حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا عبيد الله بن سعيد، قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا سالم بن أبي حفصة، عن منذر الثوري، عن الربيع بن خثيم، قال: حرف وأيما حرف "من يطع الرسول فقد أطاع الله".
قال أبو قدامة: حدثت به يحيى بن سعيد، فقال: عمن؟ قلت: عن سالم بن أبي حفصة، فقال: سبحان الله حدثني به سفيان عن أبي يونس ولم يسمه فلم أدر أنه سالم حتى الآن.
стр. 207
حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن سالم بن أبي حفصة، فسمعت يومًا يحيى يقول: حدثني سفيان، قال: حدثني أبو يونس عن منذر الثوري، فقال له رجل من الأنصار: هذا سالم بن أبي حفصة. فقال: لا! فقال: بلى حدثناه سفيان بن عيينة، قال: حدثنا سالم بن أبي حفصة أبو يونس بهذا الحديث (١).
قال أبو داود: قلت لأحمد: سفيان عن أبي يونس؟ قال: هو سالم بن أبي حفصة، وربما كناه (٢).
قال العقيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد النيسابوري، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن سعيد، قال: جلست إلى عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وكنيته أبو عباد، وكان الثوري يروي عنه يقول: حدثني أبو عباد، والسري بن إسماعيل فاستبان لي كذبهما في مجلس (٣).
قال الدوري: سألت يحيى عن أبي عباد الذى روى عنه سفيان الثوري، هو عبد الله بن سعيد المقبري؟ قال: نعم (٤).
قال الآجري: قيل لأبي داود: الثوري عن أبي عباد؟ قال: أبو عباد عبد الله ابن سعيد (٥).
قال ابن أبي حاتم: نا علي بن الحسين بن الجنيد، قال: سمعت أبا حفص - يعني عمرو بن علي- قال: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن الحسن بن
стр. 208
دينار، وكان سفيان الثوري يقول: حدثنا أبو سعيد -السليطي- يعني حسن بن دينار (١).
قال البخاري: الحسن بن دينار هو ابن واصل أبو سعيد التميمي مولاهم.
وقال الثوري: أبو سعيد السليطي (٢).
قال الآجري: سألت أبا داود عن عبد القدوس الشامي، قال: ليس بشيء، وابنه شر منه، روى عنه سفيان الثوري فقال: ثنا أبو سعيد (٣).
قال يعقوب بن سفيان: سفيان بن قسيم أبو الصباح ضعيف، وكان سفيان يكنيه لكي يدلسه، قال: حدثني أبو الصباح بن قسيم (٤).
قال الحاكم: وقد كان الثوري يحدث عن إبراهيم بن هراسة فيقول: حدثنا أبو إسحاق الشيباني (٥).
قال ابن حبان: بحر بن كنيز السقاء أبو الفضل كان ممن فحش خطؤه وكثر وهمه حتى استحق الترك، وكان الثوري إذا روى عنه يقول حدثني أبو الفضل حتى لا يعرف (٦).
قال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، نا علي بن محمد الطنافسي قال: سألت وكيعًا عن حديث من حديث ليث بن أبي سليم فقال: كان سفيان لا يسمي ليثًا (٧).
قال ابن حبان: الجنس الثالث من أحاديث الثقات التى لا يجوز الاحتجاج بها:
стр. 209
الثقات المدلسون الذين كانوا يدلسون في الأخبار مثل قتادة، ويحيى بن أبي كثير، والأعمش، وأبو إسحاق، وابن جريج، وابن إسحاق، والثوري، وهشيم، ومن أشبههم ممن يكثر عددهم من الأئمة المرضين وأهل الورع في الدين، كانوا يكتبون عن الكل ويروون عمن سمعوا منه، فربما دلسوا عن الشيخ بعد سماعهم عنه عن أقوام ضعفاء، لا يجوز الاحتجاج بأخبارهم، فما لم يقل المدلس وإن كان ثقة حدثني أو سمعت فلا يجوز الاحتجاج بخبره.
وهذا أصل أبي عبد الله محمدبن إدريس الشافعي ﵀ ومن تبعه من شيوخنا، قد ذكرت هذه المسألة بكاملها والأسُئلة والأجوبة والعلل والحكايات في كتاب شرائط الأخبار فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب (١).
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد حفظه الله: لابد من تحديد نوع التدليس لأن كل تدليس يعامل بخلاف الآخر. فإذا حدد نوع التدليس الذى وصف به هذا الراوي فالذى ينبغي عمله هو:
١ - هل هو مكثر من هذا التدليس أو مقل؟ فمن المعلوم إذا كان مقلًا من هذا النوع من التدليس يُعامل غير ما لو كان مكثرًا.
قال يعقوب بن شيبة السدوسي: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس أيكون حجة فيما لم يقل حدثنا؟ قال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا حتى يقول: حدثنا. اهـ من "الكفاية" (صـ ٣٦٢).
وما ذهب إليه علي بن المديني ظاهر لأنه إذا كان مقلًا من التدليس فالأصل في روايته الاتصال واحتمال التدليس نادر، فلا يذهب إلى القليل النادر ويترك الأصل والغالب. ولأنه أيضًا يكثر من الرواة الوقوع في شيء من التدليس فإذا قيل لابد في قبول حديثهم من التصريح بالتحديث منهم رُدت كثير من الأحاديث الصحيحة.
ولذلك لم يجر العمل عند من تقدم من الحفاظ أنهم يردون الخبر بمجرد العنعنة
стр. 210
ممن وصف بشيء من التدليس، ودونك ما جاء في الصحيحين وتصحيح الترمذي وابن خزيمة وغيرهم من الحفاظ.
وأما ما قاله أبوعبد الله الشافعي في "الرسالة" (صـ ٣٧٩ - ٣٨٠): ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لناعورته في روايته … فقلنا لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت". اهـ
فهذا الأقرب أنه كلام نظري، بل لعل الشافعي لم يعمل به هو، فقد روى لابن جريج في مواضع من كتبه بعضاَ محتجاَ به بالعنعنة، ولم يذكر الشافعي أن ابن جريج سمع هذا الخبر ممن حدث عنه، ينظر (٤٩٨، ٨٩٠، ٩٠٣) من "الرسالة"، وأبو الزبير أيضًا ينظر (٤٩٨، ٨٨٩)، والأمثلة على هذا كثيرة لمن أراد أن يتتبعها.
وقال أبو حاتم بن حبان في مقدمة صحيحه كما في "الإحسان" (١/ ١٦١) نحوًا مما قال الشافعي، ويجاب عليه كما أجيب عن قول الشافعي.
وعمل الحفاظ على خلاف هذا كما تقدم. ولذلك قال يحيى بن معين عندما سأله يعقوب بن شيبة عن المدلس أيكون حجة فيما روى، أو حتى يقول: حدثنا وأخبرنا، فقال: لا يكون حجة فيما دلس. اهـ من "الكفاية" (صـ ٣٦٢).
يعني إذا دل الدليل على أنه دلس في هذا الخبر لا يحتج به، وليس حتى يصرح بالتحديث.
ولذلك قال يعقوب بن سفيان في "المعرفة" (٢/ ٦٣٧): (وحديث سفيان وأبي إسحاق والأعمش مالم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة) (١).
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد حفظه الله: قال الشافعي ﵀ في "الرسالة" (صـ ٣٧٩): "ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته وليس تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل
стр. 211
النصيحة في الصدق، فقلنا لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه حدثني أو سمعت". اهـ
وهذا القول للشافعي رحمهُ اللهُ تعالى لا يوافقه عليه أئمة الحديث كما سبق ونقلت عن الإمام أحمد وابن المديني وابن معين والفسوي وغيرهم، والشافعي رحمهُ اللهُ تعالى من فقهاء الملة وعلماء الإسلام ولكنه لم يكن في معرفته للحديث كأولئك الحفاظ، كما قال هو رحمهُ اللهُ تعالى، فقد قال الإمام أحمد كما في "العلل ومعرفة الرجال" (١/ ٤٦٢): "قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث صحيحًا فأعلموني إن شاء يكون كوفيًا أو بصريًا أو شاميًا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا". اهـ
ولو أخذنا بقول الشافعي رحمهُ اللهُ تعالى لرددنا أحاديث صحيحة كثيرة لم يردها حتى من الشافعية أنفسهم فإنهم لما قسموا مراتب المدلسين جعلوا المراتب الأولى من وقع الاتفاق على قبول (عنعنتهم) مع أنهم دلسوا، فدل على أن هذا القول لم يقل به أحد حتى من أهل مذهبه.
٢ - وهناك بعض النقولات عن بعض السلف في بعض المواضع كان يقول فيها أحدهم" كنت لا أقبل منه إلا ما قال فيه حدثنا) كقول شعبة مثلًا في قتادة، وعفان بن مسلم في المقدمي، ويحيى القطان في الثوري، وغيرها، وكلها تدل على مذاهب خاصة لهؤلاء وهى الزيادة في التثبت واليقين، ولكن هذا كله لا يدل على تعميم هذه النقول في جميع المدلسين لما سبق ذكره عن أئمة الشأن، كما أنه قد فقدت العبارات المتيقنة التى أصدرها المدلس، فلا يدرى هل صرح بالتحديث في موضع العنعنة أو لم يصرح وليس أحدهما بأولى من الآخر، بل إن تصريحه بالتحديث أولى ما دام لم يغلب التدليس على مجموع مروياته فيترجح الاتصال حتى يتبين الانقطاع بدليل آخر.
وفى الجملة: فهذه النقول من أراد أن يستدل بها على عنعنة المدلس مطلقًا فإنه لا يسعفه عليه تطبيقات الأئمة كما سيأتي إن شاء الله تعالى وعمل الأئمة هو
стр. 212
الحكم في ذلك (١).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين، وزاد ابن حجر: الإمام المشهور، الفقيه العابد، الحافظ الكبير، وصفه النسائي وغيره بالتدليس، وقال البخاري: ما أقل تدليسه (٢).
٦٠ - سفيان بن عيينة
قال يعقوب بن سفيان: حدثني الفضل بن زياد، قال: قال أحمد: قد دلس قوم، ثم ذكر الأعمش، قال: كان هشيم يكثر - يعني التدليس- وسفيان بن عيينة أيضًا، ثم كان أبو حرة صاحب تدليس (٣).
قال بدر الدين الزركشي: قال الكرابيسي: دلس ابن عيينة عن مثل معمر ومسعر بن كدام ومالك بن مغول (٤).
قال ابن حبان: وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المتقنين وأهل الورع في الدين، لأنا متى قبلنا خبر مدلس لم يبين السماع فيه -وإن كان ثقة- لزمنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها، لأنه لا يدري لعل هذا المدلس دلس هذا الخبر عن ضعيف يهي الخبر بذكره إذا عرف، اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلس قط إلا عن ثقة، فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع، وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا
стр. 213
وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه، والحكم في قبول روايته لهذه العلة -وإن لم يبين السماع فيها- كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى عن النبي ﷺ ما لم يسمع منه (١).
قال الحاكم: سُئل الدارقطني عن تدليس ابن جريج، فقال: يتجنب تدليسه فإنه وحش التدليس، لا يدلس إلافيما سمعه من مجروح مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما.
فأما ابن عيينة فإنه يدلس عن الثقات (٢).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا محمد بن جعفر بن علان الوراق قال: قال لنا أبو الفتح الأزدي الحافظ: قد كره أهل العلم بالحديث مثل شعبة وغبره التدليس في الحديث، وهو قبيح ومهانة، والتدليس على ضربين: فإن كان تدليسًا عن ثقة لم يحتج أن يوقف على شيء وقبل منه، ومن كان يدلس عن غير ثقة لم يقبل منه الحديث إذا أرسله حتى يقول حدثني فلان أو سمعت، فنحن نقبل تدليس ابن عيينة ونظرائه لأنه يحيل على ملئ ثقة، ولا نقبل من الأعمش تدليسه لأنه يحيل على غير ملئ، والأعمش إذا سألته عمن هذا: قال عن موسى بن طريف وعباية بن رفاعة، وابن عيينة إذا وقفته قال: عن ابن جريج ومعمر ونظرائهما، فهذا الفرق بين التدليسين (٣).
قال أبو سعيد بن الأعرابي: نا أبو رفاعة العدوي (٤)، نا إبراهيم بن بشار، عن
стр. 214
سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، قال: كان النبي ﷺ لا يبيت مالًا ولا يقيله.
قال له رجل: يا أبا محمد (١): سماعًا من عمرو؟ قال: لا تفسده.
قال: سماعًا من عمرو؟ قال: ابن جريج عن عمرو.
قال: يا أبا محمد: سماعًا من ابن جريج؟ قال: أبو عاصم النبيل عن عن ابن جريج.
قال: يا أبا محمد: سماعًا من أبي عاصم؟ قال: قد أفسدته، حدثنيه علي بن المديني، عن أبي عاصم، عن ابن جريج (٢).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا محمد بن يوسف القطان النيسابوري، قال: أنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو الطيب محمد بن أحمد الكرابيسي، قال: ثنا إبراهيم بن محمد المروذي، قال: ثنا علي بن خشرم، قال: كنا عند سفيان بن عيينة في مجلسه، فقال: الزهري. فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري. فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري (٣).
قال ابن عبد البر: قالوا: ويُقبل تدليس ابن عيينة، لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظائرهما.
أخبرني أبو عثمان سعيد بن نصر ﵀، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن دخيم ابن خليل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا
стр. 215
أحمد بن حنبل، قال: حدثنا سفيان بن عيينة يومًا عن زيد بن أسلم، عن علي بن الحسين، قال: يجزئ الجنب أن ينغمس في الماء"، قلنا: من دون زيد بن أسلم؟ قال: معمر. قلنا: من دون معمر؟ قال: ذاك الصنعاني عبد الرزاق.
ورُوي عن ابن معين قال: كان ابن عيينة يدلس فيقول: عن الزهري، فإذا قيل له: من دون الزهري؟ فيقول لهم: أليس لكم في الزهري مقنع؟ فيُقال: بلى، فإذا استُقصى عليه يقول: معمر! اكتبوا لا بارك الله لكم (١).
قال الذهبي: سفيان بن عيينة الهلالي أحد الثقات الأعلام، أجمعت الأمة على الاحتجاج به، وكان يدلس، لكن المعهود منه أنه لا يدلس إلا عن ثقة (٢).
قال ابن العراقي: سفيان بن عيينة مشهور بالتدليس، لكن اتفقوا مع ذلك على قبول عنعنته كما حكاه غير واحد (٣).
ذكر برهان الدين ابن العجمي سفيان بن عيينة في المدلسين وقال: لكنه لم يدلس إلا عن ثقة كثقته، وحكى ابن عبد البر عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يقبل تدليس ابن عيينة لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما. وهذا ما رجحه ابن حبان وقال: وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لابن عيينة، فانه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لابن عيينة خبر دلس فيه إلا وقد بين سماعه عن ثقة مثل ثقته، ثم مثل ذلك بمراسيل كبار الصحابة وأنهم لا يرسلون إلا عن صحابي، وقد سبق ابن عبد البر أبو بكر البزار وأبو الفتح الأزدي (٤).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين، وزاد ابن حجر: الإمام المشهور، فقيه الحجاز في زمنه، كان يدلس، لكن لا يدلس إلا عن ثقة،