النصيحة في الصدق، فقلنا لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه حدثني أو سمعت". اهـ
وهذا القول للشافعي رحمهُ اللهُ تعالى لا يوافقه عليه أئمة الحديث كما سبق ونقلت عن الإمام أحمد وابن المديني وابن معين والفسوي وغيرهم، والشافعي رحمهُ اللهُ تعالى من فقهاء الملة وعلماء الإسلام ولكنه لم يكن في معرفته للحديث كأولئك الحفاظ، كما قال هو رحمهُ اللهُ تعالى، فقد قال الإمام أحمد كما في "العلل ومعرفة الرجال" (١/ ٤٦٢): "قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث صحيحًا فأعلموني إن شاء يكون كوفيًا أو بصريًا أو شاميًا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا". اهـ
ولو أخذنا بقول الشافعي رحمهُ اللهُ تعالى لرددنا أحاديث صحيحة كثيرة لم يردها حتى من الشافعية أنفسهم فإنهم لما قسموا مراتب المدلسين جعلوا المراتب الأولى من وقع الاتفاق على قبول (عنعنتهم) مع أنهم دلسوا، فدل على أن هذا القول لم يقل به أحد حتى من أهل مذهبه.
٢ - وهناك بعض النقولات عن بعض السلف في بعض المواضع كان يقول فيها أحدهم" كنت لا أقبل منه إلا ما قال فيه حدثنا) كقول شعبة مثلًا في قتادة، وعفان بن مسلم في المقدمي، ويحيى القطان في الثوري، وغيرها، وكلها تدل على مذاهب خاصة لهؤلاء وهى الزيادة في التثبت واليقين، ولكن هذا كله لا يدل على تعميم هذه النقول في جميع المدلسين لما سبق ذكره عن أئمة الشأن، كما أنه قد فقدت العبارات المتيقنة التى أصدرها المدلس، فلا يدرى هل صرح بالتحديث في موضع العنعنة أو لم يصرح وليس أحدهما بأولى من الآخر، بل إن تصريحه بالتحديث أولى ما دام لم يغلب التدليس على مجموع مروياته فيترجح الاتصال حتى يتبين الانقطاع بدليل آخر.
وفى الجملة: فهذه النقول من أراد أن يستدل بها على عنعنة المدلس مطلقًا فإنه لا يسعفه عليه تطبيقات الأئمة كما سيأتي إن شاء الله تعالى وعمل الأئمة هو
стр. 212
الحكم في ذلك (١).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين، وزاد ابن حجر: الإمام المشهور، الفقيه العابد، الحافظ الكبير، وصفه النسائي وغيره بالتدليس، وقال البخاري: ما أقل تدليسه (٢).
٦٠ - سفيان بن عيينة
قال يعقوب بن سفيان: حدثني الفضل بن زياد، قال: قال أحمد: قد دلس قوم، ثم ذكر الأعمش، قال: كان هشيم يكثر - يعني التدليس- وسفيان بن عيينة أيضًا، ثم كان أبو حرة صاحب تدليس (٣).
قال بدر الدين الزركشي: قال الكرابيسي: دلس ابن عيينة عن مثل معمر ومسعر بن كدام ومالك بن مغول (٤).
قال ابن حبان: وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المتقنين وأهل الورع في الدين، لأنا متى قبلنا خبر مدلس لم يبين السماع فيه -وإن كان ثقة- لزمنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها، لأنه لا يدري لعل هذا المدلس دلس هذا الخبر عن ضعيف يهي الخبر بذكره إذا عرف، اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلس قط إلا عن ثقة، فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع، وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا
стр. 213
وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه، والحكم في قبول روايته لهذه العلة -وإن لم يبين السماع فيها- كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى عن النبي ﷺ ما لم يسمع منه (١).
قال الحاكم: سُئل الدارقطني عن تدليس ابن جريج، فقال: يتجنب تدليسه فإنه وحش التدليس، لا يدلس إلافيما سمعه من مجروح مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما.
فأما ابن عيينة فإنه يدلس عن الثقات (٢).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا محمد بن جعفر بن علان الوراق قال: قال لنا أبو الفتح الأزدي الحافظ: قد كره أهل العلم بالحديث مثل شعبة وغبره التدليس في الحديث، وهو قبيح ومهانة، والتدليس على ضربين: فإن كان تدليسًا عن ثقة لم يحتج أن يوقف على شيء وقبل منه، ومن كان يدلس عن غير ثقة لم يقبل منه الحديث إذا أرسله حتى يقول حدثني فلان أو سمعت، فنحن نقبل تدليس ابن عيينة ونظرائه لأنه يحيل على ملئ ثقة، ولا نقبل من الأعمش تدليسه لأنه يحيل على غير ملئ، والأعمش إذا سألته عمن هذا: قال عن موسى بن طريف وعباية بن رفاعة، وابن عيينة إذا وقفته قال: عن ابن جريج ومعمر ونظرائهما، فهذا الفرق بين التدليسين (٣).
قال أبو سعيد بن الأعرابي: نا أبو رفاعة العدوي (٤)، نا إبراهيم بن بشار، عن
стр. 214
سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، قال: كان النبي ﷺ لا يبيت مالًا ولا يقيله.
قال له رجل: يا أبا محمد (١): سماعًا من عمرو؟ قال: لا تفسده.
قال: سماعًا من عمرو؟ قال: ابن جريج عن عمرو.
قال: يا أبا محمد: سماعًا من ابن جريج؟ قال: أبو عاصم النبيل عن عن ابن جريج.
قال: يا أبا محمد: سماعًا من أبي عاصم؟ قال: قد أفسدته، حدثنيه علي بن المديني، عن أبي عاصم، عن ابن جريج (٢).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا محمد بن يوسف القطان النيسابوري، قال: أنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو الطيب محمد بن أحمد الكرابيسي، قال: ثنا إبراهيم بن محمد المروذي، قال: ثنا علي بن خشرم، قال: كنا عند سفيان بن عيينة في مجلسه، فقال: الزهري. فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري. فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري (٣).
قال ابن عبد البر: قالوا: ويُقبل تدليس ابن عيينة، لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظائرهما.
أخبرني أبو عثمان سعيد بن نصر ﵀، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن دخيم ابن خليل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا
стр. 215
أحمد بن حنبل، قال: حدثنا سفيان بن عيينة يومًا عن زيد بن أسلم، عن علي بن الحسين، قال: يجزئ الجنب أن ينغمس في الماء"، قلنا: من دون زيد بن أسلم؟ قال: معمر. قلنا: من دون معمر؟ قال: ذاك الصنعاني عبد الرزاق.
ورُوي عن ابن معين قال: كان ابن عيينة يدلس فيقول: عن الزهري، فإذا قيل له: من دون الزهري؟ فيقول لهم: أليس لكم في الزهري مقنع؟ فيُقال: بلى، فإذا استُقصى عليه يقول: معمر! اكتبوا لا بارك الله لكم (١).
قال الذهبي: سفيان بن عيينة الهلالي أحد الثقات الأعلام، أجمعت الأمة على الاحتجاج به، وكان يدلس، لكن المعهود منه أنه لا يدلس إلا عن ثقة (٢).
قال ابن العراقي: سفيان بن عيينة مشهور بالتدليس، لكن اتفقوا مع ذلك على قبول عنعنته كما حكاه غير واحد (٣).
ذكر برهان الدين ابن العجمي سفيان بن عيينة في المدلسين وقال: لكنه لم يدلس إلا عن ثقة كثقته، وحكى ابن عبد البر عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يقبل تدليس ابن عيينة لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما. وهذا ما رجحه ابن حبان وقال: وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لابن عيينة، فانه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لابن عيينة خبر دلس فيه إلا وقد بين سماعه عن ثقة مثل ثقته، ثم مثل ذلك بمراسيل كبار الصحابة وأنهم لا يرسلون إلا عن صحابي، وقد سبق ابن عبد البر أبو بكر البزار وأبو الفتح الأزدي (٤).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين، وزاد ابن حجر: الإمام المشهور، فقيه الحجاز في زمنه، كان يدلس، لكن لا يدلس إلا عن ثقة،
стр. 216
وادعى ابن حبان بأن ذلك كان خاصًا به، ووصفه النسائي وغيره بالتدليس. وذكر البرهان الحلبي سفيان بن عيينة ترجمتين:
الأول: هذا المشهور.
والثاني: سفيان بن عيينة الهلالي مولى مسعر بن كدام من أسفل، ليس بشيء، كان يدلس.
قال البرهان: هذا آخر غير الأول.
قلت: وليس كما ظن، فإن ابن عيينة مولى بني هلال، وقد ذكر الذهبي في فوائد رحلته أنه لما اجتمع بابن دقيق العيد سأله: من أبو محمد الهلالي؟ فقال: سفيان بن عيينة، فأعجبه اسحتضاره، وإنما نُسب لمسعر، لأن مسعرًا من بني هلال أصليته.
ولعل العجلي إنما قال فيه: ليس بشيء، لأمر آخر غير التدليس، لعله الاختلاط. ثم راجعت أصل "الثقات" للعجلي فوجدته قال ما نصه: سفيان بن عيينة (١).
قال الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع حفظه الله: ومن أمثلة من كانوا يدلسون عن الثقات جماعة، منهم:
١ - حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال ابن عدي: الذى رواه عن أنس البعض مما يدلسه عن أنس، وقد سمعه من ثابت.
٢ - يونس بن عُبيد، وهو من أصحاب الحسن البصري.
قال شعبة: "عامة تلك الدقائق التى حدث بها يونس عن الحسن، إنما كانت عن أشعث" يعني ابن عبد الملك. قال ابن أبي حاتم: "يعني أن يونس أخذها
стр. 217
من أشعث عن الحسن، ودلسها عن الحسن، ولم يذكر الخبر" (١).
٣ - عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد في رواية التفسير:
ذكر ابن أبي خيثمة عن علي بن المديني، أنه سمع يحيى بن سعيد وذكر تفسير مجاهد، فقال: "لم يسمعه عن مجاهد، كله يدور على القاسم بن أبي بزة" (٢).
٤ - وذكر الحاكم قتادة وأبا سفيان طلحة بن نافع فيمن يدلس عن الثقات (٣).
وفى هذه الأمثلة رد على ما ادعاه ابن حبان بقوله: "هذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يدلس، ولا يدلس إلاعن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه" (٤). (٥).
٦١ - سلمة بن بشر بن صيفي، أبو بشر الدمشقي
قال الدكتور مسفر بن غرم الله الدميني: قال ابن الحافظ ابن حجر: سلمة بن بشر بن صيفي، أبو بشر الدمشقي مقبول.
وقال الذهبي في "الميزان": روى حديث خصيلة بنت واثلة فدلسه.
قلت: لم أجد من وصفه بالتدليس غير الذهبي، وليس في ترجمته ما يدل على تدليسه، لكنه لجهالة حاله أراه من أهل المرتبة الخامسة، والله أعلم (٦).
قلت: قال المزي في "تهذيب الكمال" (٣/ ٢٤٣): سلمة بن بشر بن صيفي روى عن ابنه واثلة بن الأسقع (د)، واسمها: خصيلة، ويُقال: فُسيلة،
стр. 218
وقيل: عن عباد بن كثير عنها.
والحديث الذى أشار إليه الذهبي والمزي، هو ما رواه أبو داود (٥/ ٢١٤) (ح ٥١١٩)، قال: حدثنا محمود بن خالد الدمشقي، حدثنا الفريابي، حدثنا سلمة بن بشر الدمشقي، عن ابنه واثلة بن الأسقع، أنها سمعت أباها يقول: قلت: يا رسول الله: ما العصبية؟ قال: أن تعين قومك على الظلم.
وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٨٣): سلمة بن بشير (١) الدمشقي سمع خصيلة بنت واثلة عن أبيها في العصبية، سمع منه محمد بن يوسف.
وقال لي محمد أبو يحيى، نا داود بن رشيد، نا سلمة بن بشير، نا عباد بن كثير حدثتني خصيلة بنت واثلة، سمعت أباها: قلت للنبي ﷺ . اهـ
وداود بن رشيد ثقة كما في "التقريب".
فقد بين البخاري أن سلمة بن بشر سمع هذا الحديث من خصيلة، وسمعه من عباد بن كثير عن خصيلة.
فالراجح عندي أن سلمة بن بشر لم يدلس هذا الحديث عن خصيلة بإسقاط عباد ولكنه سمعه من خصيلة، وسمعه من عباد عن خصيلة، فهو من المزيد في متصل الإسناد والله أعلم.
٦٢ - سلمة بن تمام أبو عبد الله الشقري
ذكر الحافظ ابن ججر سلمة بن تمام الشقري في المرتبة الأولى من المدلسين وقال: من أتباع التابعين، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكر ابن أبي
стр. 219
حاتم ما يدل على أنه كان يدلس، ولذلك قال العلائي في كتاب "المراسيل" كأنه مدلس (١).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": سلمة بن تمام أبو عبد الله الشقري صدوق.
قال ابن أبي حاتم في "المراسيل" (٣١١): حدثنا صالح بن أحمد، نا علي ابن المديني قال: قلت ليحيى بن سعيد: حديث حماد بن زيد، عن أبي عبد الله الشقري، عن إبراهيم: "في العبد يتسرى".
قال: بينه -أرى- وبين إبراهيم ثلاثة - أي لم يسمع من إبراهيم.
وعند ابن أبي حاتم في مقدمة "الجرح والتعديل" (١/ ٢٣٥): أى لم يسمعه من إبراهيم.
وذكر العلائي في "جامع التحصيل" (صـ ١٨٧) قول القطان السابق ثم قال: "قلت: قد روى عن إبراهيم غير هذا، وكأنه مدلس، فينبغي أن يذكر في المدلسين". اهـ
وفي "تهذيب التهذيب": "قال أحمد: سلمة بن تمام سمع منه ابن علية حديثًا واحدًا، "ليس هو بالقوي في الحديث. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق لا بأس به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه العجلي وابن نمير. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به". اهـ
وقال علي بن المديني وابن سعد: أبو عبد الله الشقري سلمة بن تمام ثقة. ("سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة" لابن المديني (صـ ٧٥)، و "الطبقات الكبرى" (٧/ ١٨٧)).
قلت: لم يصف أحدًا من العلماء المتقدمين سلمة بن تمام بالتدليس، ولعله لم
стр. 220
يسمع من إبراهيم النخعي مطلقًا، فإن كان سمع منه فلعله دلس عنه هذا الحديث فقط والله أعلم.
٦٣ - سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر
قال البخاري: روى أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم أو غيره عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به". زاد فيه: "وإذا قرأ فأنصتوا".
وروى عبد الله عن الليث عن ابن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وعن ابن عجلان عن مصعب بن محمد والقعقاع وزيد بن أسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ولم يذكروا "فأنصتوا".
ولا يعرف هذا من صحيح حديث أبي خالد الأحمر.
قال أحمد: أراه كان يدلس.
وقال أبو السائب عن أبي هريرة: "اقرأها في نفسك".
وقال عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة: "اقرأ فيما يجهر".
وقال أبو هريرة: كان النبي ﷺ يسكت بين التكبير والقراءة.
فإذا قرأ في سكتة الإمام لم يكن مخالفًا لحديث أبي خالد، لأنه يقرأ في سكتات الإمام فإذا قرأ أنصت.
وروى سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ولم يقل ما زاد أبو خالد.
وكذلك روى أبو سلمة وهمام وأبو يونس وغير واحد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ولم يتابع أبو خالد في زيادته (١).
قلت: لعل أحمد يقصد بقوله "أراد كان يدلس" أى في هذا الحديث خاصة، ولم يقصد أحمد أن يصف سليمان بن حيان بالتدليس.
стр. 221
وقد استنكر أكثر من عالم هذه الزيادة التى في حديث أبي خالد الأحمر، فمنهم من حمل على أبي خالد، ومنهم من حمل على ابن عجلان.
قال الدوري في "تاريخه" (٤/ ٤٥٥): سمعت يحيى يقول في حديث أبي خالد الأحمر -حديث ابن عجلان "إذا قرأ فأنصتوا"- قال: ليس بشيء، ولم يثبته، ووهنه.
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ١٦٤): سمعت أبي وذكر حديث أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فانصتوا".
قال أبي: ليس هذه الكلمة بالمحفوظ، وهو من تخاليط ابن عجلان، وقد رواه خارجة بن مصعب أيضًا وتابع ابن عجلان، وخارجة ليس بالقوي.
وقال أبو داود في "السنن" (ح ٦٠٤): وهذه الزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، والوهم عندنا من أبي خالد.
وقال النسائي في "السنن الكبرى" (١/ ٣٢٠) (ح ٩٩٤): لا نعلم أن أحدًا تابع ابن عجلان على قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا".
وقال البيهقي في القراءة خلف الإمام (صـ ١٣٠): وقد روى الليث بن سعد وهو عالم من أهل مصر وفقيههم أحد علماء أهل زمانه غير مدافع صاحب حفظ وإتقان وكتاب صحيح، هذا الخبر عن ابن عجلان فذكر الرواية التى ذكرها البخاري وليس في شيء منها: "وإذا قرأ فأنصتوا".
قال ابن خزيمة: قال محمد بن يحيى الذهلي ﵀: خبر الليث أصح متنًا من رواية أبي خالد يعنى عن ابن عجلان ليس في هذه القصة غن النبي ﷺ : "وإذا قرأ فأنصتوا" بمحفوظ لأن الأخبار متواترة عن أبي هريرة بالأسانيد الصحيحة الثابتة المتصلة بهذه القصة ليس في شيء منها "وإذا قرأ فأنصتوا" إلا خبر أبي خالد ومن لا يعتد أهل الحديث بروايته.
ثم رواها ابن خزيمة من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة،
стр. 222
ومن حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، ومن حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وليس في شيء منها هذه الزيادة. وهي في الصحيح من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، ومن حديث سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، ومن حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ومن حديث همام بن منبه وأبي علقمة الهاشمي وأبي يونس مولى أبي هريرة كلهم عن أبي هريرة ليس في شيء من هذه الروايات: "وإذا قرأ فأنصتوا وهي في الصحيح من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومن حديث أبي الزبير عن جابر ليس فيها هذه الزيادة. وهي في الصحيح من حديث مالك بن أنس ومعمر بن راشد والليث بن سعد ويونس بن يزيد وسفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس ليس فيها هذه الزيادة. اهـ
ولمزيد بيان عنهذا الحديث انظر ترجمة سليمان بن طرخان التيمي من كتابي "الرواة الثقات المُتكلم فيهم".
والإمام أحمد ﵀ لم يحمل على أبي خالد الأحمر ولا على ابن عجلان، إنما ظن أن أبا خالد أخذه من ضعيف وأسقط اسمه من السند.
وقول أحمد "أراه كان يدلس" أى: "أظنه كان يدلس"، ولعل أحمد يصفه بالتدليس في هذا الحديث خاصة، فلو ثبت عند أحمد أنه دلس في أكثر من حديث، لذكر وصفه بالتدليس بصيغة الجزم. وأبو خالد الأحمر لم يصفه أحد من العلماء بالتدليس، فالذي يترجح عندي أن أحمد وصفه بالتدليس في هذا الحديث خاصة والله أعلم.
فلما استنكر الإمام أحمد الحديث ولم يرى أن هذه النكارة من قبل ابن عجلان ولا أبي خالد الأحمر، حملها على أنها من قبل راوٍ ضعيف سمع منه أبو خالد هذا الحديث وأسقطه من الإسناد. وقد وقع مثل ذلك من أبي حاتم الرازي.
قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ٣٥٣): سالت أبي عن حديث رواه أبو بكر بن أبي عتاب الأعين عن أبي صالح، عن الليث، عن سعيد المقبري، عن
стр. 223
أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من مضر وبني تميم. فقيل: من هو يا رسول الله؟ قال: أويس القرني.
قال أبي: هذا الحديث ليس هو في كتاب أبي صالح عن الليث، نظرت في أصل الليث وليس فيه هذا الحديث، ولم يذكر أيضًا الليث في هذا الحديث خبر ويحتمل أن يكون سمعه من غير ثقة ودلسه، ولم يروه غير أبي صالح. اهـ
قلت: الإمام أبو حاتم ﵀ استنكر هذا الحديث فأعله بأنه لم يكن في كتب أبي صالح، وأعله أيضًا بأنه لم يرو إلا عن أبي صالح ولم يتابعه أحد من أصحاب الليث، وقال: إن صح أن أبي صالح والليث حدثا به فلعل الليث بن سعد أخذه عن ضعيف وأسقط اسمه من الإسناد، مع أن الليث بن سعد أثبت أصحاب سعيد المقبري. (انظر كتابي "أصحاب أئمة الحديث").
وقد أشار الشيخ المعلمي ﵀ في مقدمة "الفوائد المجموعة" إلى هذا المعنى فقال: "إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا حيث وقعت، أعلوه بعلةٍ ليست بقادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر.
فمن ذلك: إعلاله بأن راويه لم يصرح بالسماع، هذا - مع أن الراوي غير مدلس.
أعل البخاري بذلك خبرًا رواه عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن عكرمة، تراه في ترجمة عمرو من "التهذيب".
ونحو ذلك: كلامه في حديث عمرو بن دينار في "القضاء بالشاهد واليمين".
ونحوه أيضًا: كلام شيخه على بن المديني في حديث: "خلق الله التربة يوم السبت -الخ"-، كما ستراه في "الأسماء والصفات" للبيهقي.
وكذلك أعل أبو حاتم خبرًا رواه الليث بن سعد عن سعيد المقبري كما تراه في "علل ابن أبي حاتم" (٢/ ٣٥٣).
ومن ذلك: إشارة البخاري إلى إعلال حديث "الجمع بين الصلاتين" بأن
стр. 224
قتيبة لما كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني، وكان خالد يُدخل على الشيوخ. يراجع: "معرفة علوم الحديث" للحاكم (صـ ١٢٠).
ومن ذلك: الإعلال بالحمل على الخطأ، وإن لم يتبين وجهه، كإعلالهم حديث عبد الملك بن أبي سليمان في "الشفعة".
ومن ذلك: إعلالهم بأن الحديث أدخل على الشيخ، كما ترى في "لسان الميزان" في ترجمة "الفضل بن الحباب" وغيرها.
وحجتهم في هذا: أن عدم القدح بتلك العلة مطلقًا إنما بنى على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا، يغلب على ظن الناقد بطلانه، فقد تحقق وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة، فالظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها.
وبهذا يتبين أن ما يقع من دونهم من التعقيب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث مع وجودها فيها، إنما هى غفلة مما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يُثبت المتعقب أن الخبر غير منكر". اهـ
٦٤ - سليمان بن داود أبو داود الطيالسي
قال برهان الدين ابن العجمي: سليمان بن داود أبو داود الطيالسي. محمد بن المنهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا شعبة فذكر حديثين.
قال يزيد: حدثت بهما أبا داود فكتبتهما عنى ثم حدث بهما عن شعبة. قال الذهبي: دلسهما فكان ماذا - انتهى.
واعلم أن الشافعي قال: إن الشخص إذا دلس مرة واحدة كان مدلسًا كما تقدم نقله عنه (١). (٢).
стр. 225
وذكره ابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين وقال: الحافظ المشهور بكنيته من الثقات المكثرين، قال يزيد بن زريع: سألته عن حديثين لشعبة، فقال: لم أسمعهما منه، قال: ثم حدث بهما عن شعبة.
قال الذهبي: دلسهما عنه فكان ماذا!
قلت: ويحتمل أن يكون تذكرهما، وإن كان دلسهما نُظر، فإن ذكر صيغة محتملة فهو تدليس الإسناد، وإن ذكر صيغة صريحة فهو تدليس الإجازة (١).
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي البصري، ثقة حافظ غلط في أحاديث.
قال ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٢٨٠ - ٢٨١): ثنا أبو يعلي، سمعت محمد بن المنهال الضرير، قلت لأبي داود صاحب الطيالسة يومًا: سمعت من ابن عون شيئًا؟ قال: لا، فتركته سنة وكنت أتهمه بشيء قبل ذلك حتى نسى ما قال، فلما كان سنة قلت له: يا أبا داود: سمعت من ابن عون شيئًا؟ قال: نعم. قلت: كم؟ قال: عشرون حديثًا ونيف. قلت: عدها لي، فعدها كلها فإذا هى أحاديث يزيد ما حلا واحدًا لم أعرفه.
قال الشيخ: أراد به يزيد بن زريع.
ثنا أبو يعلي، قال: ثنا محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، ثنا شعبة، عن أبي إسرائيل، عن جعدة بن الصمة -رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ أُتي برجل فقيل: لن تُرع ذلك لم يسلطه الله علي.
وبإسناده عن جعدة، عن النبي ﷺ : أُتي برجل سمين فوضع أصبعه في بطنه فقال: لو كان هذا في غير ذا لكان خيرًا له.
قال محمد بن المنهال: فحدثت بهذين الحديثين أبا داود فكتبهما عني ثم حدث بهما عن شعبة.
стр. 226
أنا أبو يعلي، ثنا محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، ثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم قال: كان يقول في النصرانية تحت النصراني يسلم وهو أحق بها. فكتب فيها عبد الحميد إلى عمر بن العزيز أن فرق بينهما، فكتب عمر أن فرق بينهما.
قال حماد: وكتاب عمر أحب إلي.
قال ابن المنهال: فحدثت بها أبا داود، فقال: لم أسمع هذا عن شعبة، ثم سمعت أصحابنا يروونه عن أبي داود عن شعبة.
وقد وجدت أحد الحديثين الذى ذكره ابن المنهال من حديث أبي إسرائيل عن جعدة كما ذكره ابن المنهال، ورواه أبو داود عن شعبة.
ثناه على بن الحسن بن سليمان القافلاني، ثنا إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الحلبي، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، أخبرني أبو إسرائيل الجشمي، قال: سمعت جعدة يقول: شهدت النبي جمتَ ورجل يقول: إني أريد أن أقتلك، فقال: لم تُرع لم تُرع ولو أردت قتلي لم يسلطك الله علي.
قال ابن عدي: وأبو داود الطيالسي له حديث كثير عن شعبة وعن غيره من شيوخه، وكان في أيامه أحفظ من بالبصرة، مقدم على أقرانه لحفظه ومعرفته، وما أدري لأي معنى قال فيه ابن المنهال ما قال، فهو كما قال عمرو بن علي ثقة، وإذا جاوزت في أصجاب شعبة من معاذ بن معاذ وخالد بن الحارث ويحيى القطان وغندر، فأبو داود خامسهم، وقد حدث بأصبهان كما حكى عنه بندار أحدًا وأبعين ألف حديث ابتداء، وإنما أراد به من حفظه، وله أحاديث يرفعها، وليس بعجب من يحدث بأربعين ألف حديث من حفظه أن يخطئ في أحاديث منها، يرفع أحاديث يوقفها غيره، ويوصل أحاديث يرسلها غيره، وإنما أتى ذلك من حفظه، وما أبو داود عندى وعند غيري إلا متيقظ ثبت.
وقال الذهبي في "السير" (٩/ ٣٨٣): وقد تكلم فيه محمد بن المنهال الضرير، وقال: كنت أتهمه، قال لي: لم أسمع من عبد الله بن عون، ثم سألته
стр. 227
بعد: أسمعت من عبد الله بن عون؟ قال: نعم نحو عشرين حديثا.
قلت: الجمع بين القولين أنه سمع منه شيئًا ما ضبطه ولا حفظه، فصدق أن يقول: ما سمعت منه، وإلا فأبو داود أمين صادق، وقد أخطأ في عدة أحاديث لكونه كان يتكل على حفظه، ولا يروي من أصله.
٦٥ - سليمان بن طرخان التيمي
قال البخاري: قال يحيى القطان: ما روى سليمان بن طرخان التيمي عن الحسن وابن سيرين فهو صالح إذا قال سمعت أو قلت (١).
قال ابن معين: كان سليمان التيمي يدلس (٢).
قال البخاري: ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير (٣).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين، وزاد ابن حجر: تابعي مشهور، من صغار تابعي أهل البصرة، وكان فاضلَا، وصفه النسائي وغيره بالتدليس (٤). (٥).
٦٦ - سليمان بن مهران الأعمش
قال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثني مفضل عن مغيرة قال: ما أفسد حديث أهل الكوفة إلا أبو إسحاق والأعمش (٦).
стр. 228
قال أبو داود: سمعت أحمد وسُئل عن الرجل يعرف بالتدليس، يحتج فيما لم يقل فيه سمعت؟ قال: لا أدري -فقلت: الأعمش متى تصاد له الألفاظ؟ قال: يضيق هذا- أى أنك تحتج به (١).
قال عثمان الدارمي: سمعت يحيى سُئل عن الرجل يلقى الرجل الضعيف بين ثقتين، يوصل الحديث ثقة عن ثقة، ويقول: أنقص من الحديث وأصل ثقة عن ثقة يُحَسّن الحديث بذلك، فقال: لا يفعل، لعل الحديث عن كذاب ليس بشيء فإذا هو قد حسنه وثبته، ولكن يحدث به كما روى.
قال عثمان: وكان الأعمش ربما فعل ذلك (٢).
قال ابن أبي حاتم: سُئل أبي عن الأعمش ومنصور فقال: الأعمش حافظ يخلط ويدلس، ومنصور أتقن لا يدلس ولا يخلط (٣).
قال ابن أبي حاتم: وسألت أبي وأبي زرعة عن حديث رواه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وجرير بن حازم وأبو معاوية الضرير ويحيى القطان وابن عيينة وجماعة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين.
ورواه أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش وعاصم، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي جمييه فأيهما الصحيح من حديث الأعمش؟
قال أبي: الصحيح حديث هؤلاء النفر عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، عن النبي ﷺ ، وهم في هذا الحديث أبو بكر بن عياش، إنما أراد الأعمش عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن المغيرة، ولم يميز حديث
стр. 229
أبي وائل من حديث مسلم.
قلت لأبي زرعة: فأيهما الصحيح؟ قال: أخطأ أبو بكر بن عياش في هذا الحديث، الصحيح من حديث الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة، ورواه منصور عن أبي وائل عن حذيفة، ولم يذكر المسح، وذكر أن النبي ﷺ بال قائمًا.
قلت: فالأعمش؟ قال: الأعمش ربما دلس (١).
قال يعقوب بن سفيان: أبو إسحاق رجل من التابعين، وهو ممن يعتمد عليه الناس في الحديث، هو والأعمش، إلا أنهما وسفيان مدلسون، والتدليس من قديم (٢).
وقال يعقوب بن سفيان أيضًا: وحديث سفيان -يعني الثوري- وأبي إسحاق والأعمش مالم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة (٣).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا محمد بن جعفر بن علان الوراق قال: قال لنا أبو الفتح الأزدي الحافظ: قد كره أهل العلم بالحديث مثل شعبة وغيره التدليس في الحديث، وهو قبيح ومهانة، والتدليس على ضربين: فإن كان تدليسًا عن ثقة لم يحتج أن يوقف على شيء وقبل منه، ومن كان يدلس عن غير ثقة لم يقبل منه الحديث إذا أرسله حتى يقول حدثني فلان أو سمعت، فنحن نقبل تدليس ابن عيينة ونظرائه، لأنه يحيل على ملئ ثقة، ولا نقبل من الأعمش تدليسه، لأنه يحيل على غير ملئ، والأعمش إذا سألته عمن هذا، قال: عن موسى بن طريف وعباية بن رفاعة (٤).
قال ابن عبد البر: قالوا: لا يُقبل تدليس الأعمش، لأنه إذا أوقف أحال إلى
стр. 230
غير ملئ -يعنون: على غير ثقة-، إذا سألته عمن هذا، قال: عن موسى بن طريف وعباية بن ربعي والحسن بن ذكوان (١).
قال الترمذي: حدثنا حسين بن مهدي البصري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن المبارك قال: قلت لهشيم: مالك تدلس وقد سمعت؟ قال: كان كبيران يدلسان، وذكر الأعمش والثوري، وذكر أن الأعمش لم يسمع من مجاهد إلا أربعة أحاديث (٢).
قال أبو حاتم الرازي: الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلس (٣). (٤).
стр. 231
قال مغلطاي: قال الكرابيسي في كتاب المراس تأليفه ومن أصل نقل أنه كتب عنه أنقل: لقى الأعمش أبا سفيان فكان بينهما شيء، فلم يكتب عنه، فلما فاته أبو سفيان تتبعها من الناس (١).
стр. 232
قال ابن رجب: قال الكرابيسي: حدثني علي بن المديني وسليمان الشاذكوني قالا: روى الأعمش عن أبي سفيان أكثر من مائة، لم يسمع منها إلا أربعة.
قال علي: سمعت يحيى يقول ذلك.
وذكر البزار في مسنده أن الأعمش لم يسمع من أبي سفيان، قال: وقد روى عنه نحو مائة حديث.
كذا قال وهو بعيد، وحديث الأعمش عن أبي سفيان مخرج في الصحيح (١).
قال البزار: حدثنا أحمد بن داود الكوفي، ثنا أحمد بن عبد الغفار، ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أميران وليسا بأميرين … الحديث".
قال البزار: ولا نعلمه يُروى بهذا اللفظ من وجه أحسن من هذا، على أن الأعمش لم يسمع من أبي سفيان، وقد روى عنه نحو مائة حديث، وإنما نذكر من حديثه مالا نحفظه عن غيره لهذه العلة، وهو في نفسه ثقة، ولا روى هذا عن الأعمش إلا أحمد بن عبد الغفار (٢).
وتعقب الهيثمي البزار قائلًا: عجبت من قوله: لم يسمع الأعمش من أبي سفيان.
قال ابن القطان الفاسي: قال البزار: يُقال: إن الأعمش لم يسمع من أبي سفيان، إنما هي صحيفة عُرضت (٣).
قال ابن العراقي: وذكر أبو بكر البزار أن الأعمش لم يسمع من أبي سفيان طلحة بن نافع، وهذا غريب جدًا، فإن روايته عنه في الكتب الستة، وهو معروف بالرواية عنه، كما ذكر المزي رواية الأعمش عنه قال: وهو راويته.
стр. 233
قلت: ولا يكاد الأعمش أن يكون من أقران أبي سفيان (١).
قال ابن حبان: طلحة بن نافع أبو سفيان روى عنه الأعمش، وكان الأعمش يدلس عنه (٢).
قال الحاكم: قال سليمان الشاذكوني: من أراد التدين بالحديث فلا يأخذ عن الأعمش وقتادة إلا ما قالا سمعناه (٣).
روى ابن خزيمة حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن" ثم ذكر أن له ثلاث علل، منها: أن الأعمش مدلس ولم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت (٤).
قال ابن عمار الشهيد: الأعمش كان صاحب تدليس، فربما أخذ عن غير الثقات (٥).
قال البيهقي: وروينا عن شعبة أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وأبي إسحاق وقتادة (٦).
قال ابن أبي حاتم: نا صالح بن أحمد، نا علي قال: سمعت يحيى يقول: كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا تحتاج أن تقول عن ذاك الرجل أنه سمع فلانًا، قد كفاك أمره.
نا صالح بن أحمد، نا علي بن المديني قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي
стр. 234
قال: سمعت شعبة أو حدثني رجل عن شعبة أنه قال: كل شيء حدثتكم به فذلك الرجل حدثني به أنه سمعه من فلان إلا شيئًا أبينه لكم.
قال أبو محمد: فذكرته لأبي قال: يعني أنه كان لا يدلس (١).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال: أنا محمد بن عبد الله ابن خميرويه، قال: أنا الحسين بن إدريس قال: سمعت ابن عمار يقول: كان أبو معاوية إذا ذهب في حاجة أوصى من يترك عند الأعمش أن يتحفظ عليه ما يمر بعده، قال: فجئت يومًا فذكروا لي أنه ذكر عن مجاهد: "من إيجاب المغفرة إطعام المسلم السغبان".
قال: فسألته عنه، فقال: أليس اْنت حدثتني به عن هشام عن سعيد العلاف عن مجاهد؟ قال: فقلت له فحدثني به، فحدث به.
قال ابن عمار: فألقى الأعمش أبا معاوية وهشامًا وسعيدًا وقال مجاهد.
ثم قال ابن عمار: حدثنا أبو معاوية عن هشام بن حسان عن سعيد العلاف عن مجاهد قال: من إيجاب المغفرة إطعام المسلم السغبان (٢).
قال البخاري: قال لي يحيى بن معين: قال أبو معاوية: أنا حدثت الأعمش، عن هشام، عن سعيد العلاف، عن مجاهد في إطعام المسلم السغبان فدلسه عني (٣).
قال الخطيب البغدادي: أنبأنا البرقاني، أنبأنا محمد بن عبد الله بن خميرويه الهروي، أنبأنا الحسين بن إدريس قال: قال ابن عمار: قلت لحفص بن غياث: مالكم حديثكم عن الأعمش إنما هو فلان عن فلان ليس فيه حدثنا ولا سمعت؟
стр. 235
قال: فقال: حدثنا الأعمش، قال: سمعت أبا عمار، عن حذيفة يقول لنا: "يكون أقوام يقرءون القرآن يقيمونه إقامة القدح، لا يدعون منه ألفًا ولا واوًا، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، قال: وذكر حديثًا آخر مثله، قال: وكان عامة حديث الأعمش عند حفص بن غياث على الخبر والسماع (١).
قال ابن حجر: اعتمد البخاري على حفص بن غياث في حديث الأعمش لأنه كان يميز بين ما صرح به الأعمش بالسماع وبين ما دلسه، نبه على ذلك أبو الفضل ابن طاهر، وهو كما قال (٢).
قال الذهبي: سليمان بن مهران الأعمش أحد الأئمة الثقات، عداده في صغار التابعين، ما نقموا عليه إلا التدليس.
قال الجوزجاني: قال وهب بن زمعة المروزي: سمعت ابن المبارك يقول: إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش.
وقال جرير بن عبد الحميد: سمعت مغيرة يقول: أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعمشيكم هذا -كأنه عنى الرواية عمن جاء، وإلا فالأعمش عدل صادق ثبت، صاحب سنة وقراَن، يحسن الظن بمن يحدثه، ويروى عنه، ولا يمكننا أن نقطع عليه بأنه علم ضعف ذلك الذى يدلسه، فإن هذا حرام.
قلت: وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف، ولا يدري به، فمتى قال حدثنا فلا كلام، ومتى قال عن تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال (٣).
стр. 236
وذكره العلائي في المرتبة الثانية من المدلسين.
وذكره ابن حجر في كتابه "تعريف أهل التقديس" في المرتبة الثانية وقال: مُحدث الكوفة وقارئها، وكان يدلس، وصفه بذلك الكرابيسي والنسائي والدارقطني وغيرهم (١).
وقسم ابن حجر في كتابه "النكت على كتاب ابن الصلاح" المدلسين المخرج لهم في الصحيحين إلى ثلاثة طبقات. وتقدم الكلام عن الطبقة الأولى في ترجمة أيوب بن أبي تميمة السختياني.
وقال الحافظ في الطبقة الثانية: "من أكثر الأئمة من إخراج حديثه إما لإمامته أو لكونه قليل التدليس في جنب ما روى من الحديث الكثير، أو أنه كان لا يدلس إلا عن ثقة.
وذكر سليمان بن مهران الأعمش في هذه الطبقة.
وقال في الطبقة الثالثة: "من أكثروا من التدليس وعرفوا به (٢).
٦٧ - سنيد بن داود
قال ابن رجب: تدليس التسوية هو أن يروي عن شيخ له ثقة، عن رجل ضعيف، عن ثقة، فيسقط الضعيف من الوسط.
وكان الوليد بن مسلم وسنيد بن داود وغيرهما يفعلون ذلك (٣).
قلت: لعل القصة التى استدل بها الحافظ ابن رجب على وصف سنيد بن داود بتدليس التسوية، هي ما رواها عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، قال: رأيت سنيدًا عند حجاج بن محمد وهو يسمع منه كتاب الجامع -يعني لابن جريج - فكان في الكتاب: ابن جريج قال: أخبرت عن يحيى بن سعيد، وأخبرت عن
стр. 237
الزهري، وأخبرت عن صفوان بن سليم، فجعل سنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج عن الزهري، وابن جريج عن يحيى بن سعيد، وابن جريج عن صفوان بن سليم، فكان يقول له هكذا، ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج، وذمه على ذلك.
قال أبي: وبعض هذه الأحاديث التى كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذه - يعني قوله: أخبرت وحدثت عن فلان (١).
قال المعلمي اليماني: المبحث الثاني: متى سمع سنيد من الحجاج؟
روى الأثرم وهو ثقة عن الإمام أحمد أنه قال: سنيد لزم حجاجًا قديمًا، قد رأيت حجاجًا يملي عليه، وأرجو أن لا يكون حدث إلا بالصدق. ثم ذكر قول أحمد السابق، ثم قال: وحكى الخلال عن الأثرم نحو ذلك، ثم قال الخلال: ونرى أن حجاجًا كان هذا منه وقت تغيره، ونرى أن أحاديث الناس عن حجاج صحاح إلا ما روى سنيد.
أقول: هذا حدس يرده نص الإمام أحمد كما تقدم، ومبنى هذا الحدث على توهم أن في القصة ما يخدش في تثبيت حجاج، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان إذا قيل: ابن جريج عن فلان يحمل على سماع ابن جريج عن فلان، وليس الأمر كذلك، لأن ابن جريج مشهور بالتدليس، فإذا قيل: ابن جريج عن الزهري ولم يجئ بيان السماع من وجه آخر، فإنه لا يحكم بالاتصال، بل يبنى على أوهن الاحتمالين، وهو أن بين ابن جريج وبين الزهري واسطة، وذلك لاشتهار ابن جريج بالتدليس، وعلى هذا فسيان قيل: ابن جريج أخبرت عن الزهري، وابن جريج عن الزهري. ولهذا قال ا لإمام أحمد: أرجو أن لا يكون حدث إلا بالصدق. وإنما ذكر في رواية عبد الله كراهيته لذلك، لأنه رآه خلاف الكمال في الأمانة.
стр. 238
وفى "الكفاية" (صـ ١٨٧) من طريق عبد الله بن أحمد قال: كان إذا مر بأبي لحن فاحش غيره، وإذا كان لحنًا سهلًا تركه وقال: كذا قال الشيخ.
فأنت ترى أحمد يمتنع من تغيير اللحن فما ظنك بما تقدم؟
فإن قيل فما الحامل لسنيد على التماس ذلك من حجاج؟
قلت: طلب الاختصار والتزيين الصوري (١).
٦٨ - سويد بن سعيد
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كان سويد بن سعيد الأنباري صدوقًا وكان يدلس - يكثر ذاك يعني التدليس (٢).
قال البرذعي: رأيت أبا زرعة يسيء القول في سويد بن سعيد وقال: رأيت منه شيئًا لم يعجبني. قلت: ما هو؟ قال: لما قدمت من مصر مررت به فأقمت عنده فقلت: إن عندي أحاديث لابن وهب عن ضمام ليست عندك، فقال: ذاكرني بها، فأخرجت الكتب، وأقبلت أذاكره، فلما كنت أذاكره كان يقول: حدثنا بها ضمام، وكان يدلس حديث حريز بن عثمان، وحديث نيار بن مكوم، وحديث عبد الله بن عمرو (زرغبًا).
فقلت: أبو محمد (٣) لم يسمع هذه الثلاثة أحاديث من هؤلاء؟ فغضب. فقلت لأبي زرعة: فإيش حاله؟ قال: أما كتبه فصحاح، وكنت أتتبع أصوله وأكتب منها، فأما ما حدث من حفظه فلا (٤).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا البرقاني، قال لنا أبو بكر الإسماعيلي يومًا:
стр. 239
في القلب من سويد شيء -يعني سويد بن سعيد- من جهة التدليس (١).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الرابعة من المدلسين، وزاد ابن حجر: موصوف بالتدليس، وصفه به الدارقطني والإسماعيلي وغيرهما، وقد تغير في آخر عمره بسبب العمى، فضعف بسبب ذلك، وكان سماع مسلم منه قبل ذلك في صحته (٢).
* * *
стр. 240
حرف الشين
٦٩ - شباك الضبي
ذكر الحافظ ابن حجر شباك الضبي صاحب إبراهيم النخعي في المرتبة الأولى من المدلسين وقال: صاحب إبراهيم النخعي، مشهور، من أهل الكوفة، وصفه بالتدليس الدارقطني والحاكم (١).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": شباك الضبي ثقة، له ذكر في صحيح مسلم، وكان يدلس.
قال الحاكم في معرفة علوم الحديث (صـ ١٥٥): نكتفي بما ذكرناه من أمثال هذا الجنس (هذا الجنس هو قوم يدلسون الحديث فيقولون: قال فلان، فإذا وقع إليهم من ينقر سماعاتهم ويلح ويراجعهم ذكروا فيه سماعاتهم) فقد صح مثل ذلك عن محمد بن إسحاق ويزيد بن أبي زياد وشباك وأبي إسحاق ومغيرة وهشيم بن بشير.
وقد تقدم في ترجمة "إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى" أن الدارقطني له كتاب في المدلسين.
وفى "تهذيب التهذيب": قال أحمد: شباك شيخ ثقة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: شباك أحب إلي، وحماد -يعني ابن أبي سليمان ثقة. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، قليل الحديث. وقال ابن شاهين في الثقات: قال عثمان بن أبي شيبة: شباك ثبت".
٧٠ - شريح بن عُبيد الحضرمي
قال الدكتور مسفر بن غرم الله الدميني: شريح بن عبيد بن شريح الحضرمي الحمصي، قال الحافظ: ثقة، وكان يرسل كثيرًا. وقال الهيثمي: ثقة مدلس،
стр. 241
اختلف في سماعه من الصحابة لتدليسه (١). (٢).
قلت: لا أعلم أحدًا وصف شريح بن عبيد بالتدليس، إنما وصفه العلماء بأنه يرسل عن الصحابة.
قال البخاري: شريح بن عبيد الحضرمي أبو الصلت المقرئ الشامي سمع معاوية بن أبي سفيان وعن فضالة بن عبيد (٣).
قال أبو حاتم: شريح بن عبيد الله لم يدرك أبا أمامة، ولا الحارث بن الحارث، ولا المقدام، وشريح عن أبي مالك الأشعري مرسل (٤).
قال العلائي: شريح بن عبيد الحضرمي جعل في التهذيب روايته عن سعد بن أبي وقاص وأبي ذر وأبي الدرداء وغيرهم مرسلًا (٥). (٦).
قال المزي: قال عثمان الدارمي عن دحيم: شريح بن عبيد من شيوخ حمص الكبار ثقة. وقال غيره: سُئل محمد بن عوف: هل سمع شريح بن عبيد من أبي الدرداء؟ فقال: لا. قيل له: فسمع من أحد من أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: ما أظن ذلك، وذلك أنه لا يقول في شيء من ذلك سمعت، وهو ثقة.
стр. 242
وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: لم يدرك سعد بن مالك (١).
ذكر ابن حجر قول أبي حاتم السابق، ثم قال: وإذا لم يدرك أبا أمامة الذى تأخرت وفاته فبالأولى أن لا يكون أدرك أبا الدرداء. وإني لكثير العجب من المؤلف كيف جزم بأنه لم يدرك من سمى هنا، ولم يذكر ذلك في المقداد، وقد توفي قبل سعد بن أبي وقاص، وكذا أبو الدرداء وأبو مالك الأشعري، وغير واحد ممن أطلق روايتهم عنه والله الموفق (٢).
فالذي يظهر لي أنه لا يصح وصفه بالتدليس، ولا ينبغي التوقف في عنعنته عن شيخه الذى سمع منه، أما من لم يسمع منه، فروايته عنه تُرد للإرسال والله أعلم.
٧١ - شريك بن عبد الله النخعي
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا محمد بن جعفر بن علان، قال: أنا أبو الفتح محمد بن الحسين الحافظ، قال: ثنا الحسن بن علي، قال: ثنا محمد بن يحيى الأزدي، قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: قدمت الكوفة فما رأيت بها أحدًا إلا وهو يدلس، إلا مسعر بن كدام وشريك (٣).
قال ابن القطان الفاسي: شريك مختلف فيه، وهو مدلس (٤).
وقال ابن القطان أيضًا: وقد ذكره أبو محمد في الأشربة حديث: "اشربوا في الظروف، ولا تكسروا" من رواية شريك. ثم قال: وشريك لا يحتج به، ويدلس أيضًا (٥).
стр. 243
وقال ابن القطان أيضًا: وشريك وقيس مختلف فيهما، وهم ثلاثة ولوا القضاء، فساء حفظهم بالاشتغال عن الحديث: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وشريك بن عبد الله، وقيس بن الربيع. وشريك مع ذلك مشهور بالتدليس، وهذا لم يذكر السماع فيه (١).
قال العلائي: شريك بن عبد الله النخعي ليس تدليسه بالكثير (٢).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين، وزاد ابن حجر: القاضي، مشهور، كان من الأثبات، فلما ولي القضاء تغير حفظه، وكان يتبرأ من التدليس، ونسبه عبد الحق في "الأحكام" إلى التدليس، وسبقه إلى وصفه به الدارقطني (٣).
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": شريك بن عبد الله النخعي، الكوفي، القاضي بواسط ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع.
قلت: الذي يظهر لي أنه لا يصح وصف شريك بن عبد الله النخعي بالتدليس، وقد وصف الدارقطني عددًا من الرواة بالتدليس في القلب من هذا الوصف شيء، وهؤلاء الرواة هم: حسين بن واقد، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ولاحق بن حميد أبو مجلز.
وما من عالم من العلماء المتقدمين إلا تكلم عن شريك النخعي، ولا أعلم واحدًا منهم وصف شريك بالتدليس، ولعل شريك دلس حديثًا أو حديثين، وذلك ليس بكافٍ في إطلاق الوصف بالتدليس على الراوي، فكثير من الرواة قد يقع منهم ذلك، ومع ذلك لا نجد الأئمة يطلقون الوصف بالتدليس عليهم،
стр. 244
ولعل الحديث أو الحديثان اللذان دلسهما شريك كانا من سوء حفظه، وليس عن عمدٍ منه، فلعله رواهما عن شيخ له، وكان أخذهما عن آخر عن هذا الشيخ، فأسقط اسم شيخه من الإسناد.
فالصواب عدم التوقف في عنعنة شريك عن شيوخه، إلا إذا ثبت أن شريك دلس هذا الحديث بعينه، فحينئذِ يتوقف في عنعنته، أما إعلال الحديث بعنعنة شريك فليس عليه عمل الأئمة المتقدمون والله أعلم.
قال ابن حزم: وأما المُدلس فينقسم إلى قسمين: ثم ذكر القسم الأول، ثم قال: وقسم آخر قد صح عنهم إسقاط من لا خير فيه من أسانيدهم عمدًا، وضم القوى إلى القوى تلبيسًا على من يحدث، وغرورًا لمن يأخذ منه، ونصرًا لما يريد تأييده من الأقوال، مما لو سمى من سكت عن ذكره لكان ذلك علة ومرضًا في الحديث، فهذا رجل مجروح، وهذا فسق ظاهر، واجب اطراح جميع حديثه، صح أنه دلس فيه أو لم يصح أنه دلس فيه، وسواء قال: سمعت أو أخبرنا، أو لم يقل، كل ذلك مردود غير مقبول، لأنه ساقط العدالة، غاش لأهل الإسلام باستجازته ما ذكرناه، ومن هذا النوع كان الحسن بن عمارة وشريك بن عبد الله القاضي (١).
قلت: لا أعلم أن أحدًا من العلماء قبل ابن حزم وصف شريك بتدليس التسوية، وابن حزم ﵀ لم يكن من الراسخين في هذا الفن، بل عليه مؤاخذات كثيرة في علم الحديث، فلا يعتد بقوله في شريك طالما لم يسبقه أحد إليه، وخاصة أن شريك النخعي قد تكلم عليه العلماء قاطبة، وسبروا رواياته، فلو كان يدلس تدليس التسوية لوصفوه بذلك والله أعلم.
وانظر أيضًا التعليق على قول ابن حزم في الذى في ترجمة الحسن البصري.
стр. 245
٧٢ - شعبة بن الحجاج
قال بدر الدين الزركشي: قال أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني فى المجلس الثالث والخمسين من كتاب "الجليس الصالح": قد وجدنا لشعبة مع سوء قوله فى التدليس تدليسًا فى عدة أحاديث رواها، جمعنا ذلك فى موضع هو أولى به". انتهى كلامه
ولا يخفى ما فيه من التحامل، وسيتبين أنه إنما كان يروي عن المدلس إذا صرح له بالتحديث، وإلا تركه، وهذا غير قادح، وأما نسبته إياه إلى التدليس، فإن ثبت، فليس هو من التدليس المذموم، وسنذكر في آخر الباب مقاصد الثقات بالتدليس (١).
ذكر ابن حجر قول النهراوي السابق، ثم قال: ومازلت متعجبًا من هذه الحكاية، شديد التلفت إلى الوقوت على ذلك، ولا أزداد إلا استغرابًا لها واستبعادًا، إلى أن رأيت فى "فوائد أبي عمرو بن أبي عبيد الله بن منده"، وذلك فيما قرأت على أم الحسن بنت المنجا، عن عيسى بن عبد الرحمن بن مغالى، قال: قُرئ على كريمة بنت عبد الوهاب ونحن نسمع، عن أبي الخير الباغيان، أنا أبو عمرو بن أبي عبيد الله بن منده، ثنا أبو عمر عبد الله بن محمد ابن عبد الوهاب إملاء، حدثنا أبو عبد الله أحمد بن موسى بن إسحاق، ثنا أحمد ابن محمد بن الأصفر، ثنا النفيلي، ثنا مسكين بن بكير، ثنا شعبة، قال: سألت عمرو بن دينار عن رفع الأيدي عند رؤية البيت، فقال: قال أبو قزعة: حدئني مهاجر المكي، أنه سأل جابر بن عبد الله -رضى الله عنه-: أكنتم ترفعون أيديكم عند رؤية البيت؟ فقال: قد كنا مع رسول الله ﷺ فهل فعلنا ذلك؟ قال الأصفر: ألقينه على أحمد بن حنبل فاستعادنى، فأعدته عليه، فقال: ما كنت أظن أن شعبة يدلس.
стр. 246
حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي قزعة بأربعة أحايث، هذا أحدها - يعني ليس فيه عمرو بن دينار.
قلت: هذا الذى قاله أحمد بن حنبل على سبيل الظن، وإلا فلا يلزم من مجرد هذا أن يكون شعبة دلس فى هذا الحديث، لجواز أن يكون سمعه من أبي قزعة بعد أن حدثه عمرو عنه، ثم وجدته في "السنن" لأبي داود، عن يحيى ابن معين، عن غندر، عن شعبة قال سمعت أبا قزعة فذكره. فثبت أنه ما دلسه والظاهر: الذى زعم معافى أنه جمعه كله من هذا القبيل، وإلا فشعبة من أشد الناس تنفيرًا عنه (١).
وقال ابن حجر أيضًا: وكيف يُظن بشعبة التدليس وهو القائل: لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أقول: عن فلان، ولم أسمعه منه.
وهو القائل: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس (٢).
قلت: والإسناد الذى استدل به النهراوني على تدليس شعبة فيه مقال. فاحمد ابن محمد بن الأصفر له ترجمة فى "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٩٦)، قال الخطيب البغدادي: سمعت أبا نعيم يقول: أبو بكر أحمد بن محمد بن الأصفر البغدادي صاحب غرائب عن الحفاظ، قدم أصبهان، روى عنه أسيد بن عاصم.
أخبرنا عبيد الله بن أبي الفتح، أخبرنا أبو الحسن الدَّارقُطْنِي، قال: أحمد بن محمد بن الأصفر يروي عن الكوفيين، غيره أثبت منه.
وقد ترجم الحافظ ابن حجر فى "لسان الميزان" (١/ ٤٠٧) لأحمد هذا، ونقل قول الدَّارقُطْنِي فقط.
وأبو عبد الله أحمد بن موسى بن إسحاق وثقه الخطيب البغدادي، كما في "تاريخ بغداد" (٥/ ١٤٤).
стр. 247
وأبو عمر عبد الله بن محمد بن احمد بن عبد الوهاب لم أقف له على ترجمة.
والثابت عن الإمام أحمد ما في مسائل ابن هانئ (١/ ٢٠٣)، قال ابن هانئ: قلت لأحمد: قال شعبة: سألت عمرو بن دينار عن رفع الأيدي؟ قال: قال أبو قزعة: حدثني مهاجر المكي، أنه قال: قد كنا نصلي.
قال: لا أعرفه، وليس هذا عن عمرو بن دينار.
قلت: حُدثنا عن النفيلي، عن مسكين، عن شعبة. وحدثنا أصحابنا، عن غندر، عن شعبة، عن أبي قزعة، لا يقول: عمرو بن دينار؟
قال: ليس بشيء.
قلت له: مسكين ضعيف؟ قال: كان يخطئ في حديث شعبة. ا هـ
قلت: فإدخال مسكين بن بكير عمرو بن دينار بين شعبة وأبي قزعة في هذا الحديث وهم، والصواب أن شعبة سمعه من أبي قزعة، ولم يأخذه عنه بواسطة.
فلا يصح وصف شعبة بن الحجاج بالتدليس، وإذا روى شعبة عن مدلس، فقد كفانا تصريح هذا المدلس بالسماع من شيخه، فسواء روى المدلس عن شيخه بالعنعنة أو مصرحًا بالسماع، فروايته مقبولة إذا كانت من رواية شعبة.
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٨/ ١ - ١٩): واختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه، مثل مالك عن سعيد بن المسيب، والثوري عن إبراهيم النخعي، وما أشبه هذا، فقالت فرقة: هذا تدليس، لأنهما لو شاءا لسميا من حدثهما، كما فعلا في الكثير مما بلغهما عنهما، قالوا: وسكوت المحدث عن ذكر من حدثه مع علمه به دلسة.
قال أبو عمر: فإن كان هذا تدليسًا، فما أعلم أحدًا من العُلماء سلم منه في قديم الدهر ولا في حديثه، اللهم إلا شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، فإن هذين ليس يوجد لهما شيء من هذا، لا سيما شعبة، فهو القائل: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس.
стр. 248
٧٣ - شعيب بن أيوب الصيرفيني
ذكر الحافظ ابن حجر شعيب بن أيوب الصيرفيني في المرتبة الثالثة من المدلسين وقال: من شيوخ أبي داود، وصفه بالتدليس ابن حبان والدارقطني (١).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": شعيب بن أيوب بن رزيق الصيرفيني، صدوق يدلس.
قال ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٣٥٩): شعيب بن أيوب بن رزيق، أبو بكر الصريفيني، كان على قضاء واسط، يروي عن عبيد الله بن موسى وأهل العراق حدثنا عنه محمد بن المنذر بن سعيد وغيره، يحطىه ويدلس، كل ما في حديثه من المناكير مدلسة. ا هـ
وقد تقدم في ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى أن الدارقطني له كتاب في المدلسين.
وفى "تهذيب التهذيب": "قال ابن أبي حاتم: شعيب بن أيوب كتب إلي وإلى أبي. وقال الآجري عن أبي داود: إني لأخاف الله في الرِّواية عن شعيب بن أيوب. وقال الدارقطني: ثقة ولي القضاء. وقال الحاكم: ثقة مأمون".
٧٤ - شعيب بن عبد الله
ذكر الحافظ ابن حجر شعيب بن عبد الله في المرتبة الثالثة من المدلسين وقال: قال علي بن عبد الله المديني: حدثني حسين بن الحسن الأشقر، عن شعيب بن عبد الله، عن أبي عبد الله، عن نوف، عن علي رضى الله عنه فذكر حديثًا، قال: فقلت لحسين: ممن سمعته؟ قال: من شعيب. فقلت لشعيب: من حدثك؟ قال: أبو عبد الله الجصاص عن حماد القصاب. فقلت لحماد القصاب: من حدثك؟ قال: بلغني عن فرقد عن نوف.
стр. 249
فإذا هو قد دلس عن ثلاثة أي أسقطهم (١). (٢).
٧٥ - شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو
ذكر الحافظ ابن حجر شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص في
стр. 250
المرتبة الثانية من المدلسين، وقال: يروى عن جده، روى عنه ابنه عمرو نسخة مشهورة، وروى عنه أيضًا ولد له آخر اسمه عُمير بضم العين وثابت البناني وعطاء الخراساني وغيرهم، وجُل ما يُروى عنه عن ولده عمرو، وستأتي ترجمته.
واختلفوا في سماعه من جده، فجزم أنه سمع منه ابن المديني والبخاري والدارقطني وأحمد بن سعيد الدارمي وأبو بكر بن زياد النيسابوري، وقال أحمد ابن حنبل: أراه سمع منه، وجزم أنه لم يسمع منه ابن معين، وقال: إنه وجد كتاب عبد الله بن عمرو فحدث منه، وقال ابن حبان: من قال أنه سمع من جده فليس ذلك عندي بصحيح.
قلت: وقد صرح بسماعه من جده في أحاديث قليلة، فإن كان الجميع صحيفة وجدت صورة التدليس (١).
* * *