وقال أبي: أظن أبا قتادة كان يدلس والله أعلم. ("العلل ومعرفة الرجال" رواية عبد الله (٢/ ٥٤ - ٥٥).
وفى "تهذيب التهذيب": "قال الميموني عن أحمد: ثقة إلا أنه كان ربما أخطأ، وكان من أهل الخير يشبه النساك، وكان له ذكاء. وقال عبد الله بن أحمد: قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال الدوري عن يحيى: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقلت: ضعيف الحديث؟ قال: نعم، لا يحدث عنه، قال: وسألت أبي عنه فقال: تكلموا فيه، منكرالحديث وذهب حديثه. وقال البخاري: تركوه منكر الحديث. وقال أبي في موضع آخر: سكتوا عنه. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الجوزجاني: متروك الحديث. وقال ابن سعد: كان لأبي قتادة فضل وعبادة، ولم يكن في الحديث بذاك. وقال البزار: لم يكن بالحافظ، وكان عفيفًا متفقها بقول أبي حنيفة، وكان يغلط ولا يرجع إلى الصَّواب. وقال ابن حبان: كان من عباد الجزيرة فغفل عن الإتقان، وحدث على التوهم فوقع المناكير في حديثه، فلا يجوز الاحتجاج بخبره. وقال صالح جزرة: ضعيف مهين. وقال الجريري: غيره أوثق منه. وهذه العبارة يقولها الجريري في الذى يكون شديد الضعف. وقال أبو عروبة: كان يتكل على حفظه فيغلط. وقال ابن عدي: ليس هو عندي ممن يتعمد الكذب، إنما يخطئ. وقال أبو داود: أهل حران يضعفونه، وأحمد حدثنا عنه وقال: إنما كان يؤتى من لسانه. وقال الحاكم أبو أحمد: حديثه ليس بالقائم. وقال أبو نعيم الأصبهاني: روى عن هشام وابن جريج منكرات". ا هـ وقال ابن معين: أبو قتادة الحراني ليس به باس، إلا أنه كان يغلط في الحديث. وفى رواية: لم يكن يكذب، ولكنه كان يخطئ. ("تاريخ الدوري" (٤/ ٣٨٣)، و"سؤالات ابن محرز" لابن معين (١/ ٦٧)).
قلت: عبد الله بن واقد أثنى عليه الإمام أحمد، وحمل الأخطاء والمناكير التى في رواياته على تدليسه واختلاطه، واختلف قول ابن معين فيه، أما باقي العُلماء
стр. 282
فضعفوه، وحملوا عليه في الأخطاء والمناكير التى حدث بها، ولم يفرقوا بين حديثه الذى حدث به في أول أمره وحديثه الذى حدث به في آخر أمره، وهذا هو الراجح عندي. فعبد الله بن واقد ضعيف وليس بمدلس، فلا ينبغي التوقف في عنعنته، ولا يصح وصفه بالتدليس إلا إذا صح أنه دلس حديثًا بعينه، فيقال حينئذ: أنه دلس هذا الحديث والله أعلم.
٨٩ - عبد الله بن وهب المصري
ذكر الحافظ ابن حجر عبد الله بن وهب المصري في المرتبة الأولى من المدلسين وقال: الفقيه المشهور، وصفه بذلك محمد بن سعد في "الطبقات" (١). (٢).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد.
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد حفظه الله: لا أعلم أن أحدًا وصف عبد الله بن وهب المصري بالتدليس غير ابن سعد، وقد يظن من كلام ابن سعد أنه يصفه بتدليس الإسناد - بمعنى أنه يسقط من الإسناد من حدثه، وإنما يدلس تدليس الصيغ ويسيء الأخذ أحيانًا في الرِّواية عن شيوخه.
قال ابن معين: سمعت عبد الله بن وهب قال لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد الذى عرض عليك أمس فلانًا أجزها لي، فقال: نعم.
وقال أيضًا: رأيت عبد الله بن وهب يعرض له على سَفيان بن عيينة وهو قاعد ينعس أو هو نائم. ا هـ من "تاريخ الدوري" (٢/ ٢٣٦).
وقال أحمد: عبد الله بن وهب صحيح الحديث يفصل السماع من العرض والحديث من الحديث، ما أصح حديثه وأثبته!
стр. 283
قيل لأحمد: أليس كان يسيء الأخذ؟ قال: قد يسيء الأخذ ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحًا. ا هـ من "تهذيب الكمال" وقال عبد الله بن أيوب المخرمي: كنت عند ابن عيينة وعنده ابن معين فجاءه عبد الله بن وهب ومعه جزء فقال: يا أبا محمد أحدث بما في هذا الجزء عنك؟ فقال لي يحيى بن معين: يا شيخ هذا والريح بمنزلة، ادفع إليه الجزء حتى ينظر في حديثه. ا هـ من "الكامل" (٤/ ١٥١٨).
وقال الساجي عنه: صدوق ثقة، وكان من العباد، وكان يتساهل في السماع لأن مذهب أهل بلده أن الإجازة عندهم جائزة، ويقول فيها: حدثني فلان" ا هـ من "التهذيب".
فالذي يبدو لي أن ابن سعد يقصد ما تقدم، ولا يقصد أن ابن وهب يسقط من حدثه." (١).
٩٠ - عبد الجليل بن عطية القيسي أبو صالح البصري
ذكر الحافظ ابن حجر عبد الجليل بن عطية القيسي، أبو صالح البصري، في المرتبة الثالثة من المدلسين وقال: وثقه ابن معين، وقال البخاري: يهم في الشيء، وقال ابن حبان: يعتبر حديثه إذا بين السماع (٢).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": عبد الجليل بن عطية القيسى، أبو صالح البصري، صدوق يهم.
قال ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٤٢١): عبد الجليل بن عطية القيسي يروي عن جعفر بن ميمون، كنيته أبو صالح، روى عنه عبد الصمد بن عبد الوارث، يعتبر حديثه عند بيان السماع في خبره إذا رواه عن الثقات وكان دونه ثبت.
وفى "تهذيب التهذيب": "قال الدوري عن ابن معين عبد الجليل بن عطية
стр. 284
ثقة. وقال البخاري: يهم في الشيء بعد الشيء. وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم". ا هـ
وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ١٢٣): عبد الجليل بن عطية القيسى سمع شهرًا وجعفر بن عون، سمع منه العقدي، ربما وهم.
٩١ - عبد ربه بن نافع أبو شهاب الحناط
ذكر الحافظ ابن حجر عبد ربه بن نافع أبو شهاب الحناط في المرتبة الأولى من المدلسين وقال: وثقه ابن معين، ولينه النسائي، وأشار الخطيب في مقدمة تاريخه إلى أنه دلس حديثًا (١).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": عبد ربه بن نافع الكناني الحناط أبو شهاب الأصغر، صدوق يهم.
روى الخطيب البغدادي حديث "تبنى مدينة بين دجلة ودجيل" من عدة طرق، منها طريق يرويه أبو شهاب الحناط عن عاصم عن أبي عثمان عن جرير، وقال: وأما أبو شهاب الحناط فقد كان صدوقًا، إلا أن يحيى بن سعيد لم يكن يرضى أمره، وكان يقول: لم يكن بالحافظ، وأحسب أنه وقع إليه حديث عاصم من جهة عمار ابن سيف، أو سيف بن محمد، أو محمد بن جابر، فرواه عن عاصم مرسلًا، لأن الحسن بن الربيع لم يذكر عنه الخبر فيه والله أعلم. "مقدمة تاريخ بغداد" (ص ٣١، ٣٦).
قلت: هذا الحديث قد ضعفه غير واحد من الأئمة المتقدمين، وقد نقل الخطيب أقوالهم. والخطيب يرى نكارة هذا الحديث. فلما رأى أبو شهاب حدث بهذا الحديث عن عاصم، وأبو شهاب عنده صدوقًا، ورأى أن باقي رجال الإسناد ثقات، حمل النكارة التى في هذا الحديث على أن أبا شهاب سمع هذا
стр. 285
الحديث من أحد الضعفاء الذين حدثوا بهذا الحديث عن عاصم، ثم دلسه عنه.
وانظر ترجمة "سليمان بن حيان" من هذا الكتاب.
٩٢ - عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي
قال ابن حبان: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي كان يروي الموضوعات عن الثقات، ويأتي عن الأثبات ما ليس من أحاديثهم، وكان يدلس عن محمد بن سعيد بن أبي قيس المصلوب.
قال أبو حاتم: وروى الأفريقي، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة، قال: دخلت يومًا السوق مع رسول الله ﷺ ، فجلس إلى البزار، فاشترى سراويل بأربعة داراهم، وكان لأهل السوق وزان يزن، فقال رسول الله ﷺ : "اتزن وأرجح"، قال الوزان: إن هذه الكلمة ما سمعتها من أحد. قال أبو هريرة: كفى بك من الوهن والجفاء في دينك أن لا تعرف نبيك، فطرح الميزان ووثب إلى يد النبي ﷺ يريد أن يقلبها، فجذب رسول الله ﷺ يده منه، وقال: هذا إنما يفعله الأعاجم لملوكهم، ولست بملك، إنما أنا رجل منكم، فوزن ورجح وأخذ النبي ﷺ السراويل.
قال أبو هريرة: فذهبت أحمله عنه، فقال: صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله، إلا أن يكون ضعيفًا يعجز عنه فيعينه أخوه المسلم. قال: قلت يا رسول الله: إنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم في السفر والحضر وبالليل والنهار، فإني أُمرت بالتستر، فلم أجد شيئًا أستر منه".
أخبرناه أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا عباد بن موسى الختلي، قال: حدثنا يوسف بن زياد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة (١).
стр. 286
قال ابن رجب: ومنها أحاديث يرويها عبد الرحمن بن زياد الأفريقي عن عتبة ابن حميد عن عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ عن النبي ﷺ قد قيل أنها كلها مأخوذة عن محمد بن سعيد المصلوب في الزندقة المشهور بالكذب والوضع، وأنه أسقط اسمه من الإسناد بين عتبة وعبادة، ومن جملتها حديث المنديل بعد الوضوء (١). (٢).
стр. 287
وقال ابن رجب أيضًا: ورويناه من طريق آخر، من طريق ابن لهيعة: حدثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ، قال: كان رسول الله ﷺ إذا غدا
стр. 288
إلى المصلى أمرنا أن نلبس أجود ما نقدر عليه من الثياب، وأن نخرج وعلينا السكينة وأن نجهر بالتكبير (١). (٢).
стр. 289
وذكره ابن حجر في المرتبة الخامسة من المدلسين وقال: ذكر ابن حبان في الضعفاء أنه كان مدلسًا، وكذا وصفه به الدارقطني (١).
وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي ضعيف في حفظه.
قلت: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي ترجم له الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب"، فقال: لأ قال أبو موسى: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان عنه. وقال عمرو بن علي: كان يحيى لا يحدث عنه، وما سمعت عبد الرحمن ذكره إلا مرة، قال: ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، وهو مليح الحديث، ليس مثل غيره في الضعف. وقال ابن قهزاد عن إسحاق بن راهوية: سمعت يحيى بن سعيد يقول: عبد الرحمن بن زياد ثقة. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه، فقال: سألت هشام بن عروة، فقال: دعنا منه. وقال في موضع آخر: ضعف يحيى الأفريقي. وقال يحيى بن سعيد المستملي عن ابن مهدي: أما الأفريقي فما ينبغي أن يُروى حديث عنه. وقال أبو طالب عن أحمد: ليس بشيء. وقال أحمد بن الحسن الترمذي وغيره عن أحمد: لا أكتب حديثه. وقال المروذي عن أحمد: منكر الحديث، وقد دخل على أبي جعفر فتكلم بكلام حسن، فقال له وأحسن ووعظه. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن يحيى بن معين: ضعيف يُكتب حديثه، وإنما أُنكر عليه الأحاديث الغرائب التى يحدثها. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. وقال الدوري عن ابن معين: ليس به باس، وهو ضعيف، وهو أحب إلي من أبي بكر بن أبي مريم (٢). وقال الجوزجاني: كان صادقًا خشنًا، غير محمود في
стр. 290
الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق رجل صالح. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وفي حديثه ضعف. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: سألت أبي وأبا زرعة عن الأفريقي وابن لهيعة، فقالا: ضعيفان، وأثبتهما الأفريقي، أما الأفريقي فإن أحاديثه التي تنكر عن شيوخ لا نعرفهم وعن أهل بلده، فيحتمل أن لا يكون فيهم، ويُحتمل أن يكون. وقال البرذعي: قلت لأبي زرعة: يُروى عن يحيى القطان أنه قال: الأفريقي ثقة، ورجاله لا نعرفهم؟ فقال لي أبو زرعة: حديثه عن هؤلاء لا ندري ولكنه حدث عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب فيمن أتى بهيمة، وهو منكر. قلت: فكيف محله عندك؟ قال: يُقارب يحيى بن عبيد الله ونحوه. وقال صالح بن محمد: منكر الحديث، ولكني كان رجلًا صالحًا. وقال أبو داود: قلت لأحمد ابن صالح: يُحتج بحديث الأفريقي؟ قال: نعم. قلت: صحيح الكتاب؟ قال: نعم. وقال الترمذي: ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى القطان وغيره، ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره، ويقول: هو مقارب الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن خزيمة: لا يُحتج به. وقال ابن خراش: متروك. وقال الساجي: فيه ضعف، وكان ابن وهب يطريه، وكان أحمد بن صالح يُنكر على من تكلم فيه، ويقول: هو ثقة. وقال ابن رشدين عن أحمد بن صالح: من تكلم في ابن أنعم فليس بمقبول، ابن أنعم من الثقات. وقال ابن عدي: عامة حديثه لا يُتابع عليه. وقال أبو العرب القيرواني: كان ابن أنعم من أجلة التابعين، عدلًا في قضائه، صلبًا، أنكروا عليه أحاديث ذكرها البهلول بن راشد، سمعت
стр. 291
الثوري يقول: جاءنا عبد الرحمن بستة أحاديث يرفعها إلى النبي ﷺ ، لم أسمع أحدًا من أهل العلم يرفعها: حديث: "أمهات الأولاد"، وحديث: "إذا رفع رأسه من آخر السجدة فقد تمت صلاته" وحديث: "لا خير فيمن لم يكن عالمًا أو متعلمًا"، وحديث: "اغد عالمًا أو متعلمًا"، وحديث: "العلم ثلاثة"، وحديث: "من أذن فهو يقيم". قال أبو العرب: فلهذه الغرائب ضعف ابن معين حديثه. وقال الغلابي: يضعفونه ويُكتب حديثه. وذكره ابن البرقي في باب من نُسب إلى الضعف. وقال سحنون: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ثقة. وقال الحربي: غيره أوثق منه. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال البرقاني: قال أبو بكر بن أبي داود: إنما تكلم الناس في الأفريقي وضعفوه، لأنه روى عن مسلم بن يسار، وهو لم ينزل أفريقية قط - يعنون: البصري، ولم يعلموا أن مسلم بن يسار آخر يُقال له: أبو عثمان الطنبذي، وكان الأفريقي رجلًا صالحًا. وقال أبو الحسن بن القطان: كان من أهل العلم والزهد بلا خلاف بين الناس، ومن الناس من يوثقه ويربأ به عن حضيض رد الرِّواية، والحق فيه أنه ضعيف، لكثرة رواية المنكرات، وهو أمر يعتري الصالحين". ا هـ
وقال العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٢/ ٣٣٣): حدثنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا معاوية بن صالح، قال: سممعت يحيى، قال: سألت يحيى -يعني ابن سعيد- عن عبد الرحمن الأفريقي، فقال: لا يسقط حديثه، وهو ضعيف.
وقال البخاري في "الضعفاء الكبير" (ص ٧٣): ثنا المقري، عن عبد الرحمن بن زياد، في حديثه بعض المناكير.
وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٥/ ٢٣٥): سألت أبي عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، فقال: يُكتب حديثه ولا يُحتج به.
سُئل أبو زرعة عن عبد الرحمن الأفريقي، فقال: ليس بالقوي.
وروى البزار كما في "كشف الأستار" (ح ٢٦٠١) حديثًا من طريق رشدين بن سعد عن عبد الرحمن الأفريقي، ثم قال: لا نعلمه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد،
стр. 292
ورشدين وعبد الرحمن لم يكونا بالحافظين، إذا انفرد أحد منهما بحديث لا يُحتج به، ولعبد الرحمن مناكير.
وقال الدارقطني في "السنن" (١/ ٣٧٩): ضعيف لا يُحتج به.
وقال الدارقطني في "الضعفاء والمتروكين" (ص ١٦٩): ليس بالقوي.
قلت: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي اختلف فيه العُلماء، فمنهم من قال: إنه منكر الحديث، وضعفه ضعف شديد، بحيث أنه لا يعتبر به، وأكثرهم قال: إن ضعفه ضعف يسير، وقالوا: إن المناكير التى في حديثه أتت من قبل شيوخه وتلاميذه.
وابن حبان ﵀ كان يرى أن الأفريقي شديد الضعف، واستدل على ذلك بحديث سبق ذكره.
لكن تعقبه الدارقطني في هذا الحديث، فقال: الحمل في هذا الحديث على يوسف بن زياد، لأنه شيخ مشهور بالأباطيل، ولم يحدث بهذا عن عبد الرحمن ابن زياد الأفريقي غيره، ولا روى عبد الرحمن بن زياد عن الأغر شيئًا يوجد من غير رواية يوسف بن زياد عنه. "تعليقات الدارقطني على المجروحين" لابن حبان (ص ١٥٥ - ١٥٦).
فالذي يظهر لي أن في أحاديث الأفريقي بعض المنكرات، حملها بعض العُلماء على الأفريقي، ووصفوه بالضعف الشديد، وحملها أكثرهم على شيوخه وتلاميذه، وقالوا: إن ضعفه ضعف يسير، أما وصف ابن حبان له بالتدليس عن محمد بن سعيد المصلوب ففي القلب منه.
وأما الحافظ ابن رجب فقد ذكر كلامه بصيغة التمريض، والحديثان اللذان الشدل بهما على تدليسه عن المصلوب لم يثبت أن عبد الرحمن الأفريقي حدث بهما، لضعف السند إليه.
أما وصف الدارقطني له بالتدليس، فلعل الأفريقي دلس حديثًا أو حديثين، فوصفه الدارقطني بالتدليس لذلك، ولعل صورة التدليس وقعت من الأفريقي
стр. 293
لسوء حفظه، ولم تقع على عمدٍ منه.
وقد وصف الدارقطني عددًا من الرواة بالتدليس، في القلب من وصفهم به شيء، سبق ذكرهم في ترجمة "شريك بن عبد الله النخعي".
٩٣ - عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود
ذكر الحافظ ابن حجر عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود في المرتبة الثالثة من المدلسين وقال: ثقة مشهور، قال ابن معين: لم يسمع من أبيه، وقال ابن المديني: لقى أباه وسمع منه حديثين: حديث الضب، وحديث تأخير الصلاة. وقال العجلي: يُقال: أنه لم يسمع من أبيه إلا حرفًا واحدًا "مُحرِّم الحرام".
وذكر البخاري في "التاريخ الأوسط" من طريق ابن خثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: إني مع أبي فذكر الحديث في تأخير الصلاة، قال البخاري: عن شعبة: سمعته يقول: لم يسمع من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي، وقال أحمد: كان له عند موت أبيه ست سنين، والثوري وشريك يقولان: سمع، وإسرائيل يقول في حديث الضب عنه: سمعت. وأخرج البخاري في "التاريخ الصغير" من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه: لما حضرت عبد الله الوفاة، قلت له: أوصني، قال: ابك من خطيئتك. وسنده لا بأس به.
قلت: فعلى هذا يكون الذى صرح فيه بالسماع من أبيه أربعة، أحدها موقوف وحديثه عنه كثير، ففى السنن خمسة عشر، وفى المسند زيادة على ذلك سبعة أحاديث معظمها بالعنعنة، وهذا هو التدليس، والله أعلم (١).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ثقة وقد سمع من أبيه لكن شيئًا يسيرًا.
قال ابن هانئ: سألت أبا عبد الله، قلت: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود
стр. 294
سمع من أبيه؟ قال: نعم، في حديث لإسرائيل يقول: سمعت عبد الله. "سؤالات ابن هانئ" للإمام أحمد (٢/ ٢١٤).
وقال أبو داود: قلت لأحمد: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من عبد الله؟ قال: زُعم يعني: أن عبد الله مات وهو ابن سبع سنين.
عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن عبد الله، محرم الحلال - يعني: حديثه كمستحل الحرام، قال أحمد: وزعم بعضهم: عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن سمعت عبد الله: محرم الحلال، أي قال فيه عن عبد الرحمن: سمعت عبد الله. "سؤالات أبي داود الفقهية" للإمام أحمد (صـ ٤٥٣).
وقال عبد الله بن أحمد: حكى يحيى بن معين عن بعضهم، قال: مات عبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن ست سنين أو نحوه. "العلل ومعرفة الرجال" رواية عبد الله (١/ ١٣٤).
قال المحقق: في المطبوعة "يحيى بن معين" وهو ليس بواضح في الصورة. والذى ذكره ابن حجر في "التهذيب" (٦/ ٢١٥): قال أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد: مات عبد الله وعبد الرحمن ابن ست سنين أو نحوها.
وقال البخاري: حدثني مقدام بن محمد بن يحيى، حدثني القاسم بن يحيى، قال: ثنا أبو عثمان عبد الله بن عثمان بن خثيم المكي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه: أخر الوليد بن عقبة الصلاة بالكوفة فانكفأ ابن مسعود إلى مجلسه، وأنا مع أبي.
قال محمد: شعبة يقول: عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي. "التاريخ الأوسط" (١/ ١٦٩).
قال يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٢٣٧): حدثنا سلمة عن أحمد قال: قال يحيى: مات ابن مسعود وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ابن ست أو نحو ذلك، وكانوا يفضلون أبا عبيدة.
قال أبو يوسف: أخاف أن يكون هذا غلطًا.
стр. 295
وقال ابن سعد: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قد تكلموا في روايته عن أبيه، وكان صغيرًا. "الطبقات الكبرى" (٦/ ٢١٨).
وقال أبو حاتم: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع أباه عبد الله بن مسعود. "الجرح والتعديل" (٥/ ٢٤٨).
وقال النسائي: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا، ولا عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. "المجتبى" (ح ١٤٠٣).
وقال الحاكم: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه فى أكثر الأقاويل. "المستدرك على الصحيحين" (١/ ٨٢).
وقال الحاكم أيضًا: مشايخ الحديث اتفقوا على أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه. "سؤالات السجزي" للحاكم (صـ ١٧٩).
وقال ابن حجر فى "تهذيب التهذيب": قال يعقوب بن شيبة: عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود كان ثقة قليل الحديث، وقد تكلموا فى روايته عن أبيه، وكان صغيرًا، فأما علي بن المديني فقال: قد لقى أباه، وقال ابن معين: عبد الرحمن وأبو عبيدة لم يسمعا من أبيهما. وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد: مات عبد الله وعبد الرحمن ابن ست سنين أو نحوها. وقال أحمد: أما سفيان الثوري وشريك فإنهما يقولان: سمع، وأما إسرائيل فإنه يقول فى حديث الضب: سمعت. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: سمع من أبيه، وعن علي.
قلت: سماع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود مختلف فيه، فأثبته بعضهم مطلقًا، ونفاه بعضهم مطلقًا، وأثبت له البعض السماع من أبيه لبعض الأحاديث فإن كان سمع من أبيه بعض الأحاديث، ولم يسمع الباقي، فقد دلس عن أبيه الأحاديث التى لم يسمعها، والتدليس الموصوف به عبد الرحمن خاص بروايته عن أبيه، فلا ينبغي التوقف فى عنعنته عن غير أبيه إذا صح سماعه من الشيخ الذى يروي عنه.
стр. 296
٩٤ - عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي
قال ابن العراقي: عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، قال عبد الله بن أحمد: بلغنا أنه كان يدلس (١).
وقال ابن حجر فى "تقريب التهذيب": عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبو محمد الكوفي، لا بأس به وكان يدلس - قاله أحمد.
وذكره ابن حجر فى المرتبة الثالثة من المدلسين وقال: محدث مشهور من طبقة عبد الله بن نمير، وصفه العقيلي بالتدليس (٢). (٣).
стр. 297
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد حفظه الله: العبارة التى فيها نسبة التدليس إلى عبد الرحمن بن محمد المحاربي من قول عبد الله بن أحمد، ونسبها إلى عبد الله أيضًا: العلائي في "جامع التحصيل" (صـ ١٠٨)، وسبط ابن العجمي في "التبيين لأسماء المدلسين" (صـ ١٣٥)، والذهبي كما في "تذكرة الحفاظ" (١/ ٣١٣)، و"سير أعلام النبلاء" (٩/ ١٣٧)، ولكنه نسبها إلى الإمام أحمد في "ميزان الاعتدال" (٤/ ٣١٣)، وفى "الضعفاء" للعقيلي (٢/ ٣٤٨) (٣/ ٧٥٩) طبعة السلفي، قال: "وقال أبو عبد الله: ولم نعلم أن المحاربي سمع من معمر … إلخ"، وهذا يشعر بأن القائل هو الإمام أحمد، ولا أظنه بل هو تصحيف لأمرين:
١ - أن أصل كلام عبد الله بن أحمد مذكور في كتابه "العلل" ومنسوب إليه بوضوح، ونسبه إليه العلائي والذهبي وغيرهما.
٢ - أن مخطوطة "الضعفاء" للعقيلي (الورقة ٢٠) -كما في حاشية بشار على
стр. 298
"تهذيب الكمال" (١٧/ ٣٨٩) - فيها (قال عبد الله) بدون (أبي) قبلها والله أعلم.
وذكر الشيخ ناصر النصين اللذان في "العلل ومعرفة الرجال" ثم قال: هذا مجموع ما وجدته من كلام الأئمة المتقدمين عن تدليسه وفيه أمور:
الأول: أن قول عبد الله بن أحمد "بلغنا أنه كان يدلس" يدل على أنه ليس مشهورًا عنه ولم يقف عليه بنفسه.
الثاني: أن قوله قبل ذلك (ولم نعلم أن المحاربي سمع من معمر) يدل على أن تدليسه المقصود ما اصطلح المتأخرون على أنه (المرسل الخفي).
الثالث: أن قصة حديث "دجلة ودجيل" لم يذكر عبد الله من رواها له فربما كانت لا تصح عنه. قال الذهبي في "السير" (٩/ ١٣٧) تعقيبًا على كلامه:
"قلت: لم يذكر عبد الله من حدثه بها عن المحاربي، فهو إن صح أن المحاربي حدث به قوي الإسناد على نكارته" اهـ
قلت: لا يقوى لما ذكره أحمد وابن معين وغيرهما عن هذا الحديث، وإنما الشاهد من كلام الذهبي هو تشكيكه في صحة الرواية عن المحاربي لجهالة الناقل.
وعلى كل فإن هذه الحادثة لو صحت عنه لا تجعله معروفًا أو مشهورًا بالتدليس وقد ذكره الحافظ في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين، ثم ذكر كلام الحافظ وقال: فيه أمور:
الأول: أن المحاربي لم يذكره أحد من المتقدمين بالشهرة أو الكثرة.
الثاني: لم يذكر أحد من المتقدمين أنه لا يقبل عنعنته حتى يكون فيها خلاف.
الثالث: أن العقيلي لم يصفه بالتدليس بل نقل كلام عبد الله بن أحمد فيه.
الرابع: أن ما ثبت في وصفه بالتدليس هو قول عبد الله بن أحمد (وبلغنا أنه كان يدلس) وهي مشعرة بضعف هذه الصفة.
الخامس: أن المقصود من تدليسه المشار إليه هنا هو الإرسال كما سبق (١).
стр. 299
٩٥ - عبد الرزاق بن همام الصنعاني
ذكر الحافظ ابن حجر عبد الرزاق بن همام الصنعاني في المرتبة الثانية من المدلسين وقال: الحافظ المشهور، متفق على تخريج حديثه، وقد نسبه بعضهم إلى التدليس، وقد جاء عن عبد الرزاق التبرؤ من التدليس، قال: حججت فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئنى أصحاب الحديث، فتعلقت بالكعبة، فقلت: يا رب مالي أكذاب أنا؟ أمدلس أنا؟ أبقية بن الوليد أنا؟ فرجعت إلى البيت، فجاءوني.
ويحتمل أن يكون نفى الإكثار من التدليس بقرينة ذكره بقية (١).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع.
قال الخطيب البغدادي في "الكفاية في علوم الرواية" (صـ ٥١٠): أخبرني الحسن بن أبي طالب، قال: أنا أحمد بن محمد بن عمران، قال: ثنا أحمد بن محمد بن أبي حامد صاحب بيت المال، قال: سمعت عباس الدوري يقول: حدثني بعض أصحابنا قال: قال عبد الرزاق: قدمت مكة فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئنى أصحاب الحديث فمضيت وطفت وتعلقت بأستار الكعبة، وقلت: يا رب مالي، أكذاب أنا؟. . . . أمدلس أنا؟. . . . قال: فرجعت إلى البيت فجاءوني.
وأحمد بن محمد بن عمران هو ابن الجندي، له ترجمة في "تاريخ بغداد" (٥/ ٧٧). قال الخطيب: كان يضعف في روايته، ويطعن عليه في المذهب.
سألت الأزهري عن ابن الجندي، فقال: ليس بشيء. وقال لي الأزهري
أيضًا: حضرت ابن الجندي وهو يقرأ عليه كتاب ديوان الأنواع الذى سمعه، فقال لي أبو عبد الله بن الأبنوسي: ليس هذا سماعه، وإنما رأى نسخة على
стр. 300
ترجمتها اسم وافق اسمه فادعى ذلك.
وقال الدوري في "تاريخه" (٣/ ١٨): حدثنا يحيى قال: قال بشر بن السري: قال عبد الرزاق: قدمت مكة مرة، فأتاني أصحاب الحديث، ثم انقطعوا على يومين أو ثلاثة، فقلت: يا رب، ما شأني: كذاب أنا؟ أبي شيء أنا؟ قال: فجاءونى بعد ذلك. اهـ
قلت: والقصة التى ذكرها الخطيب البغدادي لا تثبت عن عبد الرزاق، وليس فيها قوله: "أبقية بن الوليد أنا" وما أظن أنه يصح وصف عبد الرزاق بالتدليس، وقد أشبع الأئمة المتقدمون عبد الرزاق كلامًا، وما وصفه واحد منهم بالتدليس.
وقال العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٣/ ١١٠ - ١١١): حدثنا محمد ابن عبد الله الحضرمي، قال: حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: ذكر الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ولوا عليًا فهاديًا مهديًا"، فقيل لعبد الرزاق: سمعت هذا من الثوري؟ قال: لا، حدثني يحيى بن العلاء وغيره، ثم سألوه مرة ثانية، فقال: حدثنا النعمان بن أبي شيبة ويحيى بن العلاء عن سفيان الثوري. اهـ
قلت: محمد بن سهل بن عسكر ثقة كما في "التقريب". ومحمد بن عبد الله الحضرمي هو محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، المُلقب بمُطين. قال الذهبي في "السير" (١٤/ ٤١ - ٤٢): الشيخ الحافظ الصادق. ونقل توثيق الدارقطني له.
ذكر الذهبي في "الميزان" (٢/ ٦١٢ - ١٣): هذه الحكاية، ثم قال: النعمان فيه جهالة، ويحيى هالك، لكن رواه أحمد في مسنده، عن شاذان، عن عبد الحميد الفراء، عن إسرئيل، عن أبي إسحاق، ورواه زيد بن الحباب، عن فضيل بن مرزوق، عن أبي إسحاق، ورُوي من وجه آخر عن أبي إسحاق، فهو محفوظ، وزيد شيخه ما علمت فيه جرحًا، والخبر فمنكر. اهـ
стр. 301
قلت: قد ثبت أن عبد الرزاق دلس هذا الحديث، وعبد الرزاق ﵀ كان يغلو في التشيع.
قال ابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (١/ ٣٣٣): سمعت يحيى بن معين وقيل له: إن أحمد بن حنبل قال: إن عبيد الله بن موسى يرد حديثه تشيع (١)؟ قال: كان والله الذى لا إله إلا هو عبد الرزاق أغلى في ذلك منه مائة ضعف، ولقد سمعت من عبد الرزاق أضعاف وأضعاف ما سمعت من عبيد الله.
وقال ابن عدي في "الكامل" (٥/ ٣١٥): ولعبد الرزاق بن همام أصناف وحديث كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم، وكتبوا عنه، ولم يروا بحديثه بأسًا، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد روى أحاديث في الفضائل مما لا يوافقه عليها أحد من الثقات، فهذا أعظم ما رموه به من روايته لهذه الأحاديث، ولما رواه في مثالب غيرهم مما لم أذكره في كتابي هذا، وأما في باب الصدق فأرجو أنه لا باس به، إلا أنه قد سبق منه أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب آخرين مناكير. اهـ
فحمله غلوه في التشيع على رواية هذا الحديث، وإسقاط شيخاه الضعيفان من الإسناد، والصحيح أن يُوصف عبد الرزاق بالتدليس في هذا الحديث فقط، أو ما ثبت أنه دلسه، أما باقي حديثه فلا ينبغي التوقف فيه لأجل التدليس والله أعلم.
٩٦ - عبد السلام بن حرب بن سلم الملائي
قال ابن محرز: سمعت ابن نمير يقول: قال أبو نعيم: أحاديث عبد السلام -يعني الملائي- عن سالم إنما هي أحاديث شريك كلها.
قال ابن نمير: كان عبد السلام يدلس (٢).
стр. 302
قلت: عبد السلام بن حرب من صغار الثامنة، وسالم بن عبد الله من كبار الثالثة كما في "التقريب". وقول ابن نمير: "كان يدلس" أي كان يرسل أحاديث سالم التى أخذها عن شريك عنه. ورواية عبد السلام بن حرب عن سالم ليست في الكتب الستة.
والمتقدمون كانوا أحيانًا يطلقون التدليس على الإرسال الخفي، وقد بينت ذلك في آخر الكلام عن تدليس الإسناد من مقدمة هذا الكتاب.
٩٧ - عبد العزيز بن عبد الله بن وهب الكلاعي
ذكر الحافظ ابن حجر عبد العزيز بن عبد الله بن وهب (١) الكلاعي في المرتبة الخامسة من المدلسين، وقال: ضعيف، قال ابن حبان: يُعتبر حديثه إذا بين السماع (٢). (٣).
٩٨ - عبد العزيز بن عبد الله أبو وهب القرشي البصري الجدعاني
ذكر الحافظ ابن حجر عبد العزيز بن عبد الله القرشي البصري أبو وهب الجدعاني في المرتبة الثالثة من المدلسين وقال: روى عن سعيد بن أبي عروبة وخالد الحذاء وبهز بن حكيم، روى عنه الحسن بن مدرك وغيره. قال ابن حبان في الثقات: يعتبر حديثه إذا بين السماع. وتكلم فيه ابن عدي وقال: عامة ما يرويه لا يُتابع عليه (٤).
قال ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٣٩٤): عبد العزيز بن عبد الله القرشي أبو وهب يروى عن هشام بن حسان وخالد الحذاء وبهز بن حكيم وسعيد بن إياس
стр. 303
وشعبة، روى عنه الحسن بن مدرك السدوسي يغرب، يجب أن يعتبر حديثه إذا بين السماع.
وذكره ابن عدي في "الكامل" (٥/ ٢٩٣): وذكر أنه روى عن عون بن حيان وهشام بن حسان وسعيد بن أبي عروبة ثم قال: وعبد العزيز بن عبد الله هذا عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات.
وترجم له ابن حجر في "لسان الميزان" (٥/ ٣٦) ولم يذكر إلا قول ابن حبان وابن عدي.
٩٩ - عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد
ذكر العلائي عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد في المدلسين، وقال: ذكره أحمد في حديث رواه عن عبيد الله بن عمر، فقال: ينبغي أن يكون عبد المجيد دلسه، أخذه من إنسان فحدث به، ذكره الخلال في كتاب "العلل" (١).
وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين، وقال: صدوق، نُسب إلى الإرجاء، وفى حفظه شيء، ونُسب إلى التدليس، وممن ذكره فيهم العلائي (٢).
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، صدوق يخطئ وكان مرجئًا، أفرط ابن حبان فقال: متروك.
قلت: في "المنتخب من العلل" للخلال (صـ ٢٢٧): قال مهنا: قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان" فقالا جميعًا: ليس بصحيح، وليس يعرف هذا الحديث من أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي رواد من عبيد الله شيئًا، ينبغي أن يكون دلسه، سمعه من إنسان فحدث به. اهـ
стр. 304
وقول أحمد وابن معين: "ينبغي أن يكون دلسه" أى أرسله، ولا يصح وصف عبد المجيد بالتدليس، والمتقدمون كانوا أحيانًا يطلقون التدليس على الإرسال، وقد بينت ذلك في مقدمة هذا الكتاب.
وقال البرذعي: قلت لأبي زرعة: ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: "كلام القدرية كفر"؟ قال: هذا عندي باطل، إنما روى هذا نوح بن أبي مريم، ليس هذا من حديث ابن جريج، ابن أبي رواد أخاف أن يكون قد عمل في هذا عملًا، ألا ترى أنه يقول في آخره: ولا أعلم قومًا خيرًا من قوم أرجو.
قال لي أبو زرعة: ابن عباس يقول مثل هذا؟!
ثم قال لي أبو زرعة: كان ابن أبي رواد مرجئًا (١).
وقال ابن حجر: قال الدارقطني في "الأفراد": ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا علي بن مسلم، ثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كلام القدرية كفر، وكلام الحرورية ضلالة، وكلام الشيعة تلطخ بالذنوب، والعصمة من الله، واعلموا أن كلًا بقدر الله.
قال الدارقطني: تفرد به عبد المجيد.
قلت: وبقية رجاله ثقات. ("تهذيب التهذيب" ترجمة "عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد").
قلت: الذى يظهر لي أن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد دلس قول ابن عباس هذا عن نوح بن أبي مريم، وعبد المجيد كان داعية إلى الإرجاء (٢)، وكان
стр. 305
يغلو في هذه البدعة (١)، وكان لا يبالي عمن حدث (٢)، فحمله غلوه في الإرجاء على أخذ هذا الحديث عن نوح بن أبي مريم، ثم أسقط اسمه من الإسناد، لأن نوحًا حاله معلومة عند الناس، وفى قول ابن عباس هذا ثناء على المرجئة، وذم لغيرهم، ولهذا رواه عبد المجيد.
وأظن أيضًا أن عبد المجيد دلس حديث "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان" عن نوح بن أبي مريم، فإن نوحًا يروي عن عبيد الله بن عمر، وهذا الحديث فيه ذم للنواصب.
فالذي يظهر لي أن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ثقة، ولكن ربما دلس أحاديث منكرة أو موضوعة توافق بدعته، أو تذم في بدعة أخرى، فالأصل عدم التوقف في عنعنة عبد المجيد عن شيوخه، إلا إذا كان المتن منكرًا، فحينئذٍ يتطرق الاحتمال إلى تدليسه والله أعلم.
١٠٠ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج
قال الرامهرمزي: حدثنا أبو محمد الغراء، ثنا جعفر بن عبد الواحد قال: قال لنا يحيى بن سعيد القطان: كان ابن جريج صدوقًا، إذا قال: حدثني فهو سماع، وإذا قال: أخبرنا أو أخبرني فهو قراءة، وإذا قال: قال فهو
стр. 306
شبه الريح (١). (٢).
قال أبو دواد: سمعت أحمد يقول: إذا قال ابن جريج أخبرني في كل شيء فهو صحيح (٣).
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: رأيت سنيدًا عند حجاج بن محمد وهو يسمع منه كتاب الجامع -يعني لابن جريج- فكان في الكتاب: ابن جريج قال: أخبرت عن يحيى بن سعيد، وأخبرت عن الزهري، وأخبرت عن صفوان
стр. 307
ابن سليم، فجعل سنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج عن الزهري، وابن جريج عن يحيى بن سعيد، وابن جريج عن صفوان بن سليم، فكان يقول له هكذا، ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج، وذمه على ذلك.
قال أبي: وبعض هذه الأحاديث التى كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذه - يعني قوله: أخبرت وحدثت عن فلان (١).
قال الخطيب البغدادي: أخبرني بشري بن عبد الله الرومي، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا محمد بن جعفر الراشدي، وأخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن خلف الدقاق، حدثنا عمر بن محمد الجوهري قالا: حدثنا أبو بكر الأثرم قال: قال لي أبو عبد الله: إذا قال ابن جريج: قال فلان وقال فلان وأخبرت جاء بمناكير، فإذا قال أخبرني وسمعت فحسبك به.
أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، حدثنا أحمد بن محمد بن عمران، حدثنا محمد بن نوح الجنديسابوري، حدثنا محمد بن الفضل العتابي قال: كنت عند أبي عبد الله أحمد بن حنبل - وذكر ابن جريج فقال: إذا قال أخبرني وسمعت فحسبك به (٢).
قال المزي: قال أبو الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل: إذا قال ابن جريج: قال فاحذروه، وإذا قال: سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء (٣).
قال عثمان الدارمي: سمعت أحمد بن صالح يقول: ابن جريج إذا أخبر الخبر فهو جيد، وإذا لم يخبر فلا يعبأ به (٤).
стр. 308
قال الحاكم: سُئل الدارقطني عن تدليس ابن جريج، فقال: يتجنب تدليسه، فإنه وحش التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، مثل إبراهيم بن أبي يحيى، وموسى بن عبيدة، وغيرهما (١).
قال ابن حبان: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج كان يدلس (٢).
قال الخليلي: وابن جريج يدلس في أحاديث، ولا يخفى ذلك على الحفاظ (٣).
قال ابن محرز: حدثنا خالد بن خداش، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: رأيت ابن جريج جاء إلى أبان بن أبي عياش بكراسة مطبقة فقال له: أروي هذا عنك؟ فقال: نعم (٤).
قال يعقوب بن سفيان: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثني من رأى ابن جريج جاء إلى أبان بن أبي عياش بكتاب فقال: هذا حديثك فأجزه لي، قال: نعم (٥).
قال حرب بن إسماعيل الكرماني: حدثنا أبو جعفر الدارمي (٦)، قال: قال أبو داود (٧): قال همام: حديث أبان بن أبي عياش حديث عطاء عن السائب، عن عبد الله بن عبيد، عن أبيه، قال: قلت لابن عمر: إنك لتزاحم على الركنين؟ قال: فحدث به أبان ابن جريج، فرواه ابن جريج عن عبد الله بن عبيد نفسه، وألقى همام وأبان.
стр. 309
قال همام: فسألته عن ذلك، فقال: هذا أتانا من قبلكم، جاءنا به أبان من عندكم (١).
قال الحاكم: أخبرني محمد بن صالح الهاشمي قاضى القضاة، قال: ثنا أبو جعفر المستعيني قال: حدثنا عبد الله بن علي المديني، قال: حدثني أبي قال: كل ما في كتب ابن جريج أخبرت عن داود بن حصين، وأخبرت عن صالح مولى التوأمة، فهو من كتب إبراهيم بن أبي يحيى (٢).
قال الخطيب البغدادي: أخبرني على بن محمد بن الحسن الحربي، قال: أنا عبد الله بن عثمان الصفار، قال: أنا محمد بن عمران بن موسى الصيرفي، قال: ثنا عبد الله بن علي المديني، قال: سألت أبي عن حديث رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ "عرضت علي أجور أمتى حتي القذاة يخرجها الرجل من المسجد".
قال: ابن جريج لم يسمع من المطلب بن عبد الله بن حنطب، كان يأخذ أحاديثه عن ابن أبي يحيى عنه (٣).
قال ابن حبان: ياسين بن معاذ الزيات، كنيته أبو خلف، من أهل الكوفة، انتقل إلى اليمامة وأقام بها، ثم سكن الحجاز، يروي عن أبي الزبير والزهري، روى عنه عبد الرزاق، وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، وينفرد بالمعضلات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال، وكل ما وقع في نسخة ابن جريج عن أبي الزبير من المناكير كان ذلك مما سمعه ابن جريج عن ياسين الزيات عن أبي الزبير، فدلس عنه (٤).
стр. 310
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الوليد بن مسلم عن ابن جريج قال: أحسن ما سمعت في بيض النعامة حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "في بيض النعام في كل بيضة صيام يوم أو إطعام مسكين".
قال أبي: هذا حديث ليس بصحيح عندي، ولم يسمع ابن جريج من أبي الزناد شيئًا، يشبه أن يكون ابن جريج أخذه من إبراهيم بن أبي يحيى (١).
قال ابن أبي حاتم: نا محمد بن إبراهيم، نا عمرو بن علي، قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: أحاديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة كلها صحاح -وجعل يحدثني بها- ويقول: ثنا ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي مليكة، فقال في واحد منها: عن ابن أبي مليكة، فقلت: قل حدثني، قال: كلها صحاح (٢).
قال ابن أبي خيثمة: زعم علي أنه سأل يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني قال: ضعيف. قلت ليحيي: إنه يقول أخبرني، قال: لا شيء كله ضعيف، إنما هو كتاب دفعه إليه (٣).
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه عبد الرزاق وأبو قرة موسى بن طارق عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن عروة عن بسرة وزيد ابن خالد عن النبي ﷺ في مس الذكر.
قال أبي: أخشى أن يكون ابن جريج أخذ هذا الحديث من إبراهيم بن أبي يحيى لأن أبا جعفر حدثنا قال: سمعت إبراهيم بن أبي يحيى يقول: جاءني ابن جريج بكتب مثل هذا، خفض يده اليسرى ورفع يده اليمنى مقدار بضعة عشر جزءًا -
стр. 311
فقال: أروى هذا عنك؟ فقال: نعم (١).
قال البرذعي: سمعت أحمد بن الفرات أبو مسعود يقول: رأيت عند عبد الرزاق عن ابن جريج عن صفوان بن سليم أحاديث حسانًا، فسألته عنها، فقال: أي شيء تصنع بها، هي من أحاديث إبراهيم بن أبي يحيى. فقال أبو مسعود: كان ابن جريج يدلسها عن إبراهيم بن أبي يحيى.
قال أبو مسعود: فتركتها ولم أكتبها (٢).
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن صفوان بن سليم عن أبي سعيد مولى ابن عمر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "أفطر الحاجم" فقالا: أسقط من الإسناد ابن أبي يحيى بين ابن جريج وصفوان.
قال أبو زرعة: لم يسمع ابن جريج من صفوان شيئًا (٣).
قال ابن أبي حاتم: سُئل أبي عن حديث رواه سعيد بن المسيب عن نضرة بن أكثم: أنه تزوج بكرًا فإذا هي حبلى، فقال النبي ﷺ : لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فإذا ولدت فارجمها، وقال بعضهم: وفرق بينهما.
فأجاب أبي فقال: هذا حديث مرسل ليس بمتصل، ورواه يحيى بن أبي كثير عن يزيد بن نعيم عن سعيد بن المسيب لا يجاوزه مرفوع، وما رواه ابن جريج عن صفوان بن سليم عن ابن المسيب عن نضرة بن أكثم ليس هو من حديث صفوان بن سليم، ويحتمل أن يكون من حديث ابن جريج عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم، لأن ابن جريج يدلس عن ابن أبي يحيى عن صفوان بن سليم غير شيء، وهو لا يحتمل أن يكون منه (٤).
стр. 312
قال ابن أبي خيثمة: حدثنا إبراهيم بن عرعرة، قال: نا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج قال: إذا قلت: قال عطاء فأنا سمعت منه، وإن لم أقل سمعت (١).
قال ابن رجب: والحال الثاني أن يكون القائل قال فلان معروفًا بالتدليس، فحكم قوله "قال فلان" حكم قوله "عن فلان" كما سبق. وبعضهم كانت هذه عادته كابن جريج.
قال أحمد: كل شيء قال ابن جريج "قال عطاء" أو "عن عطاء" فإنه لم يسمعه من عطاء (٢).
وقال ابن رجب أيضًا: قال الجوزجاني: يروي عن ابن جريج عن عطاء غير حديث لم نجده عند الناس، أحاديث معضلة (٣).
قال الخطيب البغدادي: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: ثنا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: ثنا بشر بن موسى: قال عبد الله بن الزبير الحميدي: وإن كان رجل معروف بصحبة رجل والسماع منه، مثل: ابن جريج عن عطاء، أو هشام ابن عروة عن أبيه، وعمرو بن دينار عن عبيد بن عمير، ومن كان مثل هؤلاء في ثقتهم ممن يكون الغالب عليه السماع ممن حدث عنه فأدرك عليه أنه أدخل بينه وبينه في حديث رجلًا غير مسمى أو أسقطه، ترك ذلك الحديث الذى أدرك عليه فيه أنه لم يسمعه ولم يضره ذلك في غيره حتى يدرك عليه فيه مثل ما أدرك عليه في هذا، فيكون مثل المقطوع (٤).
стр. 313
قال الدوري: سمعت يحيى يقول: حديث "من مات مريضًا مات شهيدًا" كان ابن جريج يقول فيه: إبراهيم بن أبي عطاء، يكنى عن اسمه، وهو إبراهيم ابن أبي يحيى، وكان رافضيًا قدريًا (١).
قال البخاري: قال يحيى بن سعيد: كنا نتهم إبراهيم بالكذب، وهو ابن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني، تركه ابن المبارك والناس.
وقال ابن جريج: أُخبرت عن إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء عن موسى بن وردان، يُقال: هو ابن أبي يحيى (٢).
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه ابن جريج، عن إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من مات مريضًا مات شهيدًا ووقي فتنة القبر".
قال أبي: هذا خطأ، إنما هو "من مات مرابطًا"، غير أن ابن جريج هكذا رواه، وإبراهيم بن محمد هو عندي ابن أبي يحيى.
وسُئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: الصحيح: "من مات مرابطًا" (٣).
قال بدر الدين الزركشي: قال أبو داود: حدَّث ابن جريج عن إبراهيم بن أبي يحيى ومحمد بن سعيد، فقال: عن إبراهيم بن أبي عطاء، حكاه الآجري (٤).
стр. 314
قال ابن حبان: إبراهيم بن أبي يحيى روى عنه ابن جريج والشافعي، فأما ابن جريج فإنه يكنى عنه ويسميه إبراهيم بن محمد بن أبي عامر، وإبراهيم بن أبي عطاء، وإبراهيم بن محمد بن أبي عطاء، ولم يرو عنه إلا الشيء اليسير (١).
قال البرقاني: سُئل الدارقطني عن حديث رُوي عن موسى بن وردان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ " من مات مريضًا مات شهيدًا".
فقال: يرويه ابن جريج واختلف فيه، فرواه محمد بن ربيعة وحسن بن زياد اللؤلؤي عن ابن جريج، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة.
وكذلك قال سعيد بن سالم القداح وعبد المجيد بن أبي رواد.
وقال مخلد بن يزيد: عن ابن جريج، عن محمد بن أبي عاصم، عن موسى ابن وردان، وإنما هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى دلس ابن جريج عنه (٢).
قال الخليلي: وقد روى عن إبراهيم بن أبي يحيى: ابن جريج حديثًا مع جلالته، ودلس به، فقال: إبراهيم بن أبي عطاء، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من مات مريضًا مات شهيدًا" وهو متروك (٣).
ذكر العلائي عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج في المرتبة الثانية من المدلسين.
وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين وقال: فقيه الحجاز، مشهور بالعلم والتثبت، كثير الحديث، وصفه النسائي وغيره بالتدليس، وقال الدارقطني: شر التدليس تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح (٤).
стр. 315
١٠١ - عبد الملك بن عمير
قال العلائي: عبد الملك في عمير مشهور بالتدليس، ذكره غير واحد (١).
وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين، وزاد ابن حجر: تابعي مشهور، من الثقات، مشهور بالتدليس، وصفه الدارقطني وابن حبان وغيرهما (٢).
قال ابن حبان في "الثقات" (٥/ ١١٧): عبد الملك بن عمير القبطي القرشي كان مدلسًا. اهـ
وقد تقدم في ترجمة "إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى" أن الدارقطني له كتاب في المدلسين.
ولم أقف على عالم آخر وصف عبد الملك بالتدليس والله أعلم.
١٠٢ - عبد الوهاب بن عطاء الخفاف
قال أبو محمد عبد الله بن أحمد الخفاف: قيل لمحمد بن إسماعيل: عبد الوهاب بن عطاء، أي شيء حاله؟ قال: يكتب حديثه. قيل له: يحتج به؟ قال: أرجو، إلا أنه كان يدلس عن ثور وأقوام أحاديث مناكير (٣).
قال البرذعي: سمعت أبا زرعة ذكر عبد الوهاب الخفاف فقال: روى عن ثور بن .... (٤)، روى عن ثور، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس في فضل العباس، وهذان الحديثان ليسا من حديث ثور، وذكر ليحيى ابن معين هذان الحديثان، فقال: قال فيه حدثنا - كأنه كان لا يذكر الخبر (٥).
стр. 316
قال ابن أبي حاتم: سُئل أبو زرعة عن عبد الوهاب الخفاف فقال: روى عن ثور بن يزيد حديثين ليسا من حديث ثور، وذكر ليحيى بن معين هذين الحديثين فقال: لم يذكر فيهما الخبر (١).
قال أبو محمد بن أبي حاتم: قال أبو زرعة: روى عبد الوهاب الخفاف، عن ثور، عن خالد بن معدان: نهيق الحمار دعاء على الظلمة، وهو منكر.
وروى حديث كريب عن ابن عباس - حديث العباس، وهو منكر، ليسا من حديث ثور (٢).
قال الخطيب: أخبرنا البرقاني، قال: قال محمد بن العباس العصمي، حدثنا أبو الفضل يعقوب بن إسحاق بن محمود الحافظ، أخبرنا أبو علي صالح بن محمد بن عمرو الأسدي قال: أنكروا على الخفاف حديثًا رواه لثور بن يزيد، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ حديثًا في فضل العباس وما انكروا عليه غيره. فكان يحيى بن معين يقول: هذا موضوع، وعبد الوهاب لم يقل فيه حدثنا ثور، ولعله دلس فيه، وهو ثقة.
وقد أخبرنا بالحديث أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا يحيى بن جعفر بن أبي طالب، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لأبي: إذا كانت غداة الإثنين فائتني أنت وولدك، قال: فغدا وغدونا معه، فألبسنا كسائه ثم قال: "اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبًا، اللهم اخلفه في ولده" (٣). ذكر العلائي عبد الوهاب بن عطاء الخفاف في المدلسين وقال: قال الخطيب: كان يدلس (٤).
стр. 317
وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين وقال: صدوق معروف، من طبقة أبي أسامة، قال البخاري: كان يدلس عن ثور الحمصي وأقوام أحاديث مناكير (١).
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": عبد الوهاب بن عطاء الخفاف صدوق يهم ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثًا في فضل العباس، يُقال: دلسه عن ثور.
١٠٣ - عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر
ذكر الحافظ ابن حجر عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر في الطبقة الخامسة من المدلسين وقال: قال الحاكم: كان يدلس عن شيوخ ما سمع منهم قط، وروى عن الحسن بن محمد بن عبد الله بن أبي يزيد أنه لم يسمع من أبيه شيئًا، وإنما أخذ الكتب (٢).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر متروك وقد كذبه الثوري.
قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٦/ ٧٠): نا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلى قال: نا أبي، قال: قال وكيع: كانوا يقولون إن عبد الوهاب ابن مجاهد لم يسمع من أبيه.
نا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل فيما كتب إلى، قال: قال أبي: عبد الوهاب بن مجاهد لم يسمع من أبيه، ليس بشيء ضعيف الحديث. اهـ
قال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (صـ ١٠٩ - ١١٠): الجنس السادس من التدليس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما
стр. 318
قالوا قال فلان فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عالٍ ولا نازلٍ.
أخبرني محمد بن صالح الهاشمي قاضي القضاة، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن الحسين المستعيني، قال: حدثنا عبد الله بن علي بن المديني، قال: قال أبي: حدثني الحسن بن محمد بن عبد الله بن يزيد قال: كان الصباح إذا جاء عبد الوهاب بن مجاهد يقول: ترى هذا والله ما صدقه أبوه في شيء وما هو إلا أخذ الكتب.
قلت: عبد الوهاب بن مجاهد لم يسمع من أبيه، وذكره الحاكم في الجنس السادس من التدليس وهم: "قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم". فلا يصح وصف عبد الوهاب بالتدليس، إنما يصح وصفه بأنه أرسل عن أبيه ولم يسمع منه، ولا ينبغي التوقف في عنعنة عبد الوهاب بن مجاهد عن غير أبيه والله أعلم.
١٠٤ - عُبيدة بن الأسود بن سعيد الهمداني
ذكر الحافظ ابن حجر عُبيدة بن الأسود بن سعيد الهمداني في المرتبة الثالثة من المدلسين وقال: أشار ابن حبان في "الثقات" إلى أنه كان يدلس (١).
وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": عُبيدة بن الأسود بن سعيد الهمداني الكوفي، صدوق ربما دلس.
قال ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٤٣٧): عبيدة بن الأسود بن سعيد الهمداني، من أهل الكوفة، يروى عن القاسم بن سعيد، روى عنه يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، يُعتبر حديثه إذا بين السماع في روايته وكان فوقه ودونه ثقات.
стр. 319
وقد انفرد ابن حبان بوصف عُبيدة بالتدليس.
ففي "تهذيب التهذيب": قال أبو حاتم: عبيدة بن الأسود ما بحديثه بأس". اهـ وقال البرذعي: قلت لأبي زرعة: عبيدة بن الأسود؟ قال: ثقة.
قلت: يروى تلك الأحاديث، وذكرت حديث مجاهد، عن ابن عمر وغيره، فقال: هذا عيسى فمن دونه. قلت: من يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي؟ قال: لا يبعد. ("سؤالات البرذعي" لأبي زرعة الرازي (٢/ ٣٨٢)).
وقال الشيخ بشار عواد في تعليقه على "تهذيب الكمال" (١٩/ ٢٧٢): قال الدارقطني: عبيدة بن الأسود يعتبر به. "سؤالات البرقاني" الترجمة (٣٢٩).
١٠٥ - عثمان بن عاصم بن حصين أبو حصين الأسدي
قال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب": عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي ثقة ثبت سني ربما دلس.
قلت: في "تهذيب التهذيب": ذكر ابن حبان عثمان بن عاصم بن حصين في الثقات في أتباع التابعين وقال: مات سنة ٢٨، وقد قيل سنة ٧. فروايته عن الصحابة عند ابن حبان مرسلة، وهو الذى يظهر لي. اهـ
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سُئل أبي عن حديث أبي حصين: دخلت مع عمي على ابن عباس، فقال: كذا قال أبو بكر بن عياش، يُرى أنه وهم، رواه غيره -أظنه الثوري- قال: عن سعيد بن جبير: دخلت مع عمي على ابن عباس. "العلل ومعرفة الرجال" (٢/ ٥٢).
وقال الدوري في "تاريخه" (٣/ ٥٧٦): سألت يحيى عن حديث رواه أبو بكر بن عياش عن أبي حصين قال: دخلت أنا وعمي على ابن عباس؟ فقال: ليس بمحفوظ، لم يلق ابن عباس، أو نحو هذا الكلام. اهـ
وأثبت البخاري وأبو حاتم سماعه من ابن عباس.
قال البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ٢٤٠): عثمان بن عاصم أبو حصين الأسدي الكوفي سمع ابن عباس رضى الله عنهما وسعيد بن جبير وشريحًا والشعبي.
стр. 320
وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٦/ ١٦٠): عثمان بن عاصم أبو حصين الأسدي سمع ابن عباس وابن الزبير، سمعت أبي يقول ذلك، اهـ
وقال مسلم بن الحجاج في "الكنى والأسماء" (١/ ٢٧٤): أبو حصين عثمان بن عاصم الأسدي سمع ابن عباس والشعبي.
قلت: لم يصف أحدًا من المتقدمين عثمان بالتدليس، ولم ينقل الحافظ في كتابه "تهذيب التهذيب" أن أحدًا من العلماء وصف عثمان بالتدليس، وكتاب "تقريب التهذيب" هو ملخص لأقوال العلماء الواردة في كتاب "تهذيب التهذيب"، ولعل قول الحافظ: "ربما دلس" أي "ربما أرسل".
وانظر ترجمة أيوب بن أبي تميمة السختياني من هذا الكتاب.
١٠٦ - عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي
قال برهان الدين ابن العجمي: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي المؤدب، قال ابن حبان: يدلس عن الثقات أشياء يرونها عن قوم ضعاف، ونوقش ابن حبان في ذلك، ذكر ذلك الذهبي في "ميزانه" (١).
وذكر ابن حجر في المرتبة الخامسة من المدلسين وقال: قال ابن حبان: روى عن أقوام ضعاف أشياء فدلسها عنهم (٢).
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": عثمان بن عبد الرحمن بن مسلم الحراني المعروف بالطرائفي، صدوق أكثر الرواية عن الضعفاء والمجاهيل فضعف بسبب ذلك حتى نسبه ابن نمير إلى الكذب، وقد وثقه ابن معين.
قال ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٩٦): عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي القرشي كنيته أبو عبد الرحمن، من أهل حران، وكان معلمًا، يروي