بكون يده عليها، فلا شيء له؛ لتفريطه.
ومن وقع في مِحْبَرَتِهِ مال غيره بتفريطه، فلم يخرج كسرت مجانًا.
وإن لم يفرط ضمن رب المال كسرها، فإن بذل ربها بدله وجب/ [١٩٩/ ب] قبوله.
فصل
وإن زاد لزمه رده بزيادته، متصلة كانت كالسمن، وتعلم صنعة، أو منفصلة كالولد، والكسب.
ولو غصب جارحًا فصاد به، أو شبكةً، أو شركًا فأمسك شيئًا، أو فرسًا فصاد عليه، أو غنم فهو لمالكه، ولا أجرة له معه (١).
وإن غصب ثوبًا فقصره، أو غزلاً فنسجه، أو فضةً، أو حديدًا فضربه، أو شاةً فذبحها وشواها، أو طينا فضربه لبنًا، رد ذلك بزيادته، وأرش نقصه، ولا شيء له، لكن وإن أمكن الرد في الحالة الأُولى كحُلِيّ، ودراهم ونحوهما، فللمالك إجباره على الإعادة.
وقول المنُقِّح (٢): «وإدخال المصنف فيها بغير المغصوب عن صفته قصر الثوب، وذبح الشاة وشبههما فيه نظر» يتوجه أن النظر في تنظيره، إذ المصنف لم يذكر الضابط الذي يحصل النظير بسببه.
وإن غصب أرضًا، فحفر فيها بئرًا، أو شق نهرًا ونحوه، فلربها إلزامه
стр. 982
بطمها مطلقًا، ولو كشط ترابها فطالبه المالك برده، وفرشه لزمه ذلك.
وإن أراده الغاصب، وأبى المالك فله فعله؛ لغرضٍ صحيحٍ، مثل إن كان نقله إلى ملك نفسه فيرده؛ لينتفع بالمكان، أو طرحه في ملك غيره، أو في طريق محتاجٍ إلى تفريغه.
وإن كان لا لغرضٍ صحيحٍ مثل أن يكون قد وضع التراب في أرض مالكها، وأبْرَأَهُ من ضمان ما يتلف بها، وتصح البراءة منه، أو وضعه في مواتٍ لم يملك طمها.
وإن غصب حبًا فزرعه، أو بيضًا فصار فراخًا، أو نوى فصار غرسًا، أو غصنًا فصار شجرةً، رده ولا شيء له، وإن نقص، ضمن نقصه (١).
ونصَّ في طِيَرَة (٢) جاءت إلى قومٍ فَازْدَوَجَتْ عندهم وَفَرَّخَتْ أن الفراخ يتبعون الأم، ويرد على صاحب الطيرة فراخها.
وإن غصب شاةً، وأَنْزَى عليها/ [٢٠٠/ أ] فحله، فالولد لمالك الأم، ولا أجرة للفحل، وإن غصب فحل غيره، فأنزاه على شاته، فالولد له تبعًا للأم، ولا يلزمه أجرة الفحل، لكن إن نقص، لزمه أرش نقصه.
فصل
وإن نقص لزمه ضمان نقصه بقيمته، رقيقًا كان، أو غيره، ولو بنبات
стр. 983
لحية أمردٍ، وما ذكره في المقنع (١) من غصبه، والجناية عليه وما بعده، مبني على القول بضمانه بمقدر من قيمته.
ولو غصب عبدًا فخصاه، ولو زادت قيمته، أو قطع منه ما يجب فيه دية كاملة من حرٍ، لزمه رده، ورد قيمته، ولا يملكه الجاني، وإن نقصت قيمة العين؛ لتغيير سعرٍ، لم يضمن نصًّا (٢)، وإن نقصت القيمة؛ لمرضٍ، ثم عادت ببرئه لم يلزمه شيءٌ، ونصه يضمن (٣).
وإن زاد من جهةٍ أخرى، مثل إن تعلم صنعةً مباحةً، فعادت القيمة ضمن النقص.
وإن زادت القيمة؛ لسمنٍ، أو نحوه، ثم نقصت ضمن الزيادة، وإن عاد مثل الزيادة الأُولى من جنسها لم يضمن ما نقص.
وإن كانت من غير جنس الأُولى لم يسقط ضمانها.
وإن غصب عبدًا مفرطًا في السمن فهزل فزادت قيمته رده ولا شيء عليه.
وإن نقص المغصوب نقصًا غير مستقرٍ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ، وَعَفِنَتْ، خيِّر بين أحد مثلها، وبين تركها حتى يستقر فسادها فيأخذها، وأرش نقصها، فإن استقر كل أرشٍ، وإن جنى المغصوب فعلى الغاصب أرش جنايته، سواءٌ جنى على سيده، أو أجنبي.
стр. 984
وجنايته على غاصبٍ، وعلى ماله هدرٌ، إلا في قود، فلو قتل عبدًا لأحدهما عمدًا، فله قتله به، ثم يرجع السيد بقيمته على الغاصب فيهما.
وفي المستوعب (١) من استعان بعبد غيره، بلا إذن سيده، فحكمه حكم الغاصب حالة استخدامه، ويضمن زوائد الغصب، كالولد إذا ولدته حيًا، ثم مات،/ [٢٠٠/ ب] سواءً حملت به عنده، أو غصبها حاملاً، وإن ولدته ميتًا، من غير جنايةٍ لم يضمنه، وبها يضمنه بعشر قيمة أمه.
فصل
وإن خلط المغصوب، بماله على وجهٍ لا يتميز، مثل إن خلط حنطة، أو زيتًا، أو نقدًا بمثله لزمه مثله منه نصًّا (٢).
وإن خلطه بدونه، أو خير منه، أو بغير جنسه على وجهٍ لا يتميز، فهما شريكان بقدر قيمتهما فعليه يباع الجميع، ويدفع إلى كل واحدٍ قدر حقه، كاختلاطهما من غير غصبٍ نصًّا (٣).
وإن غصب ثوبًا فصبغه، أو سويقًا ولو بمغصوبٍ مثله لآخر فلتّه بزيتٍ، فنقصت قيمتهما، أو قيمة أحدهما، ضمن الغاصب النقص، وإن لم ينقص، ولم تزد، أو زادت قيمتهما، فهما شريكان بقدر ملكيهما، وإن زادت قيمة أحدهما، فالزيادة لصاحبه.
стр. 985
وإن أراد أحدهما قلع الصبغ لم يجبر الآخر عليه، وإن وهب الصبغ للمالك، أو تزويق الدار (١) ونحوها لزمه قبوله، كنسج غزلٍ، وقصر ثوبٍ، وعمل حديدٍ إبرًا، أو سيوفًا ونحوهما، لا مسامير، فسمَّر بها بابًا مغصوبًا.
وإن غصب صبغًا فصبغ به ثوبًا، أو زيتًا، فلتّ به سويقًا فهما شريكان بقدر حقهما، ويضمن النقص، وإن غصب ثوبًا، وصبغًا فصبغ به رده، وأرش نقصه، ولا شيء له في زيادته.
فصل
وإن وطئ الغاصب الجارية، فعليه الحد، مع العلم بالتحريم، وكذا هي إن طاوعت، والمهر، وإن كانت مطاوعة، وأرش البكارة.
وإن ولدت، فالولد رقيقٌ للسيد، ويضمن نقص الولادة (٢)، وتقدم (٣) إذا ولدته ميتًا.
وإن قتلها بوطئه فالدية نصًّا (٤).
وإن باعها، أو وهبها ونحوهما من كل قابض منه/ [٢٠١/ أ] لعالمٍ بالغصب فوطئها، فللمالك تضمين أيهما شاء نقصها، ومهرها، وأجرتها،
стр. 986
وقيمة ولدها إن تلف، فإن ضمن الغاصب رجع على الآخر، ولا يرجع الآخر عليه.
وإن لم يعلما بالغصب، فهما كالغاصب في جواز تضمينهما العين، والمنفعة، لكنهما يرجعان على الغاصب بما لم يلتزما ضمانه، وما بعده مفرع عليه.
فإذا ضمن المشتري، أو المستعير، رجعا بقيمة المنفعة، دون العين، والمستأجر عكسهما، وإن ضمن المودع، أو المتهب رجعا بهما.
وإن ضمن الغاصب، رجع الآخر بما لا يرجع به عليه لو ضمنه، ويسترد المشتري، والمستأجر من الغاصب ما دفعا إليه من المسمى بكل حالٍ.
وإن ولدت من مشترٍ، أو متهبٍ، فالولد حرٌ، ويفديه بقيمته يوم وضعه.
وعنه بمثله في صفاته تقريبًا يوم وضعه اختاره الأكثر (١)، ويرجع بالفداء على الغاصب (٢).
وإن تلفت عند مشترٍ، فعليه قيمتها، ولا يرجع بها، ولا بأرش بكارةٍ، بل بثمن، ومهر، وأجرة نفعٍ، وثمرةٍ، وكسبٍ، وقيمة ولدٍ، كما تقدم (٣)، ونقص ولادةٍ، ومنفعة فائقة.
стр. 987
وتقدم حكم غير المشتري من كل قابضٍ من الغاصب (١).
وأيضًا إذا ضمن الغاصب، لم يرجع به على القابض منه، ولدت (٢) من زوجٍ غير عالمٍ، فمات الولد ضمنه بقيمته، ويرجع بها على غاصبٍ، وإن أعارها فتلفت، ضمن مستعير غير عالم القيمة، وغاصب الأجرة، وإلا ضمنهما.
وإذا اشترى أرضًا فغرسها، أو بنى فيها فخرجت مستحقة، وَقُلِع غَرْسُه، وبناؤه، رجع المشتري على البائع بما غرمه.
وإن أطعم المغصوب لعالمٍ بالغصب، استقر الضمان على الآكل، وإن لم يعلم، فعلى الغاصب سواءٌ قال له: كله، فإنه طعامي، أولم يقل.
وإن أطعمه/ [٢٠١/ ب] لمالكه، ولم يعلم، أو لعبده، أو دابته، أو أخذه بقرضٍ، أو شراءٍ، أو هبةٍ، أو صدقةٍ نصَّ عليهما (٣)، أو أباحه، لم يبرأ.
وإن رهنه عند مالكه، أو أودعه إياه، أو أجره، أو استأجره على قصارته، وخياطته لم يبرأ، إلا أن يعلم، وإن أعاره إياه برئ علم، أولم يعلم.
ومن اشترى عبدًا فأعتقه، فادعى رجلٌ أن البائع غصبه منه فصدقه أحدهما لم يقبل على الآخر، وإن صدقاه مع العبد، لم يبطل العتق، ويستقر الضمان على المشتري.
стр. 988
فصل
وإن تلف المغصوب، أو أتلفه الغاصب، أو غيره، ولو بلا غصب ضمنه بمثله (١)، إن كان مكيلاً، أو موزونًا نصًّا (٢)، سواء تماثلت أجزاؤه،
стр. 989
أو تفاوتت (١) كالأثمان، والحبوب، والأدهان، إلا ما فيه صناعة مباحة، قاله المنُقِّح (٢).
وما يصح السلم فيه، كالمكيل، والموزون قال: ومعناه في المستوعب (٣).
وإن أعوز المثل، فعليه قيمة مثله يوم إعوازه (٤) فلو قَدرَ على المثل، قبل أداء القيمة لزمه المثل، ولم يَرُدَّ القيمة، فإن كان مصوغًا مباحًا، كمعمول ذهبٍ، وفضةٍ، وحديدٍ، ونحاسٍ، ورصاصٍ، ومغزول صوفٍ، وشعرٍ ونحوه، أو تبرًا تخالف قيمة وزنه.
قال القاضي: أو عنبًا، أو رطبًا ضمنه بقيمته، فإن كان من النقدين، أو محلى بأحدهما، قومه بغير جنسه.
وإن كان محلى بهما، قومه بما شاء منهما، وأعطاه بقيمته عرضًا، وإن كان محرم الصناعة كأواني ذهبٍ، وفضةٍ ونحوهما (٥) ضمنه بوزنه.
وتقدم أن المالك له إلزام من كسر خلخالاً، أو دراهم، أو نحوها إلى
стр. 990
حالته الأُولى، وفي الانتصار، والمفردات (١)، لو حكم حاكمٌ بغير المثل في المثلي، وبغير القيمة في التقويم لم ينفذ حكمه، ولم يلزم قبوله.
وإن لم يكن مثليًا ضمنه بقيمته يوم تلفه، في بلد غصبه، من نقده، فإن كان فيه نقودٌ فمن غالبها، وكذا متلف بلا غصب، ومقبوض بعقد فاسدٍ، وما أجرى مجراه، ممالم يدخل في ملكه، فلو دخل في ملكه بأن أخذ معلومًا بكيلٍ، أو وزنٍ/ [٢٠٢/ أ]، أو حوائج من بَقَّالٍ ونحوه في أيامٍ، ثم يحاسبه بعد، فإنه يعطيه بسعر يوم أخذه نصًّا (٢)، أو إن تلف بعض المغصوب، فنقصت قيمته باقيه كزوجي خفٍ تلف أحدهما، فعليه رد الباقي، وقيمة التالف، وأرش النقص (٣).
وإن غصب عبده فأبق، أو فرسًا فشرد، أو شيئًا تعذر رده مع بقائه، ضمن قيمته، وملكها المغصوب منه.
ولا يملك الغاصب العين المغصوبة بدفع القيمة، ولا إكسابها، فإن قدر عليه بعد، رده بنمائه المتصل، والمنفصل، وأخذ القيمة بزوائدها المتصلة فقط، إن كانت باقيةً، وإلا بدلها.
وإن غصب عصيرًا فتخمر، فعليه مثله، فإن انقلب خلاًّ رده، وما نقص من قيمة العصير (٤)، أو منه بغليانه.
стр. 991
فصل
وإن كان للمغصوب (١)، أو المقبوض بعقدٍ فاسدٍ منفعة، تصح إجارتها، لا ما لا تصح إجارته، كغنمٍ، وشجرٍ، وطيرٍ ونحوها مما لا منفعة له يستحق بها عوض، فعلى الغاصب، والقابض أجرة مثله نصًّا (٢)، مدة مقامه في يده.
وإن تلف المغصوب، فعليه أجرته إلى تلفه، ويقبل قوله إن تلف، فيطالب بالبدل.
وإن غصب شيئًا، فعجز عن رده فأدى قيمته، فعليه أجرته إلى وقت القيمة فقط.
فصل
وتصرف الغاصب الحكمية، وهي ما لها حكمٌ من صحة، أو فساد، كالحج، وسائر العبادات، والعقود كالبيع، والنكاح ونحوهما باطلة، وغير الحكمية، كإتلاف، واستعمالٍ كاملٍ، ولبسٍ ونحوهما.
وإن اتجر بعين المال، أو بثمن عينٍ مغصوبةٍ، فالربح، والسلع المشتراة، للمالك نصًّا (٣).
стр. 992
وإن اشترى في ذمته، ثم نقدها ولو من وديعةٍ عنده، أو قارض بهما، وفي المحرر (١) وغيره، بنية نقده، وهو أوجه، ولعله أظهر.
وكذلك أيضًا فالعقد صحيح، والإقباض فاسدٌ، أي غير مبرئ، ولا شيء للعامل منه، وعنه (٢) الربح للغاصب المشتري، وله الوطء نصًّا (٣).
فعلى هذا إذا أراد التخلص من/ [٢٠٢/ ب] شبهة بيده اشترى في ذمته، ثم نقدها، وقاله القاضي، وابن عقيل، وذكره عن أحمد (٤).
وإن لم يبق درهمٌ مباحٌ، أكل عادته، لا ماله عنه غنى، كحلوٍ، وفاكهةٍ، قاله في النوادر.
وإن بقيت في يده غصوبٌ، لا يعرف أربابها ونص (٥)، أو عرفهم، ويشق دفعه إليهم وهو يسير، كحبةٍ فسلمها إلى الحاكم، ويلزمه قبولها، برئ من عهدتها، وله الصدقة بها عنهم،
بشرط ضمانها كلقطة، ويسقط عنه إثم الغصب، وكذا رهون، وودائع، وسائر الأمانات، قاله الحارثي (٦)، وذكر
стр. 993
في ذلك نصوصًا، وليس لمن هي عنده، أخذ شيءٍ منها، ولو فقيراً نصًّا (١).
ولو نوى جحد ما بيده من ذلك، أو حق عليه في حياة ربه، فثوابه له، وإلا فلورثته نصًّا (٢)، ولو ندم، ورد ما غصبه على الورثة برئ من إثمه، لا من إثم الغصب، ولو رده وارث الغاصب، فللمغصوب منه مطالبته في الآخرة (٣) نصَّ عليهما (٤).
فصل
ومن أتلف مالاً محترمًا لمعصومٍ بغير إذنه، ومثله يضمنه ضمنه، عمدًا كان، أو سهوًا، وإن أُكرِه على إتلافه ضمنه مُكرِهَهُ، كدفعه مكرهًا.
وقيل: (٥) يضمن المكرَه المباشر، كمضطرٍ إن كان جاهلاً، لا عالمًا، ويرجع على مكرهه، ولربه مطالبة المكرِه بكسر الراء، فإن طالبه رجع على المتلف، إن لم يرجع عليه.
ونقل ابن رجب في طبقاته (٦) من فتاوى الزريراني (٧)، أن من أغرى
стр. 994
ظالمًا، بأخذ مال إنسانٍ، ودله عليه أنه يضمنه.
وإن فتح قفصًا عن طائرٍ، أو حل قيد عبدٍ، أو أسيرٍ فذهبوا، أو حل رباط سفينة، فغرقت؛ لعصوف ريحٍ، أو لا، أو فتح إسطبلاً/ [٢٠٣/ أ] فضاعت الدابة، وكذا لو حل رباط فرسٍ، أو كزق مائعٍ (١)، أو جامدٍ فأذابته الشمس، أو بقي بعد حله قاعدًا فألقته الريح، فاندفق ضمنه، وإن رماه إنسانٌ آخر اختص الضمان به، وكذا لو أتلف وثيقةً بمالٍ لا يثبت إلا بها.
وإن بقي الطائر، والفرس بحالهما، فنفرهما آخر ضمنهما الْمُنَفِّرُ (٢)، وإن دفع مِبْرَدًا إلى عبدٍ فَبَرَد قيده وذهب، ضمن الدافع، لا إن دفع مفتاحًا إلى لصٍ.
وإن غرم بسبب كذب عليه عند ولي الأمر، فله تغريم الكاذب، ولا يضمن غير محترمٍ كمال حربي، وصائل، وعبد حال قطعه الطريق، ولا متلف ليس من أهل الضمان، كحربيٍ أتلف مال مسلمٍ.
стр. 995
ولو حبس مالك دواب، فتلفت لم يضمن، وإن ربط دابةً، أو أوقفها، وليست يده عليها في طريقٍ، ولو واسعًا، فأتلفت شيئًا، وبنفح رِجْلٍ، أو ترك فيها طينًا، فزلق به إنسانٌ، أو خشبة، أو عمودًا، أو حجرا، أو كيس دراهم نصًّا فيها (١)، أو أسند خشبةً إلى حائطٍ فتلف به شيءٌ ضمن ما أتلفه نصًّا (٢)، أو تلف به.
وإن اقتنى كلبًا عقورًا نصًّا (٣)، أو أسدًا، أو نمرًا، أو ذئبًا، أو هرًا، يأكل الطيور، وَتَقْلِبُ الْقُدُورَ في العادة، مع علمه ونحوها من السباع المتوحشة إذا اقتناها فعقرت، أو خرقت ثوبًا ضمن، إلا أن يكون دخل منزله بغير إذنه، ولا يضمن ما أفسدت لغير ذلك كبولٍ، وولوغٍ.
قال المنُقِّح (٤): «وعلى قياسه الكلب، والكبش المعلم للنطاح».
ومثله أسود بهيم، وما لا يقتنى منها، وله قتل هرٍ بأكل لحمٍ ونحوه، كالفواسق/ [٢٠٣/ ب].
وإن أَهَّجَ نارًا في ملكه (٥)، أو سقى أرضه، فتعدى إلى ملك غيره فأتلفه، والمراد لا بطيران ريحٍ (٦)؛ لأنه ليس من فعله، قاله في
стр. 996
الفروع (١) ضمنه، إن كان قد أسرف فيه، أو فرط (٢)، وإلا فلا.
وإن حفر في فنائه بئرًا؛ لنفسه ضمن ما تلف بها نصًّا (٣)، وإن حفرها، أو بنى مسجدًا، أو خانًا (٤) ونحوه، في سابلةٍ واسعةٍ؛ لنفع المسلمين بلا ضررٍ بالمارة، لا لنفع نفسه، لم يضمن ما تلف بها، كبناء جسرٍ، وكذا لو حفرها في مواتٍ؛ لتملك، أو ارتفاقٍ (٥)، أو انتفاعٍ عامٍ نصًّا (٦)، وإن فعله فيها لنفع نفسه، أو كان يضر بالمارة، سواءً فعله؛ لمصلحةٍ عامةٍ، أو لا، بإذن الإمام، أو لا؛ لأنه ليس له أن يأذن فيه، أو في طريقٍ ضيقٍ ضمن، وفعل عبده بأمره؛ كفعل نفسه أعتقه، أو لا، وبغير إذنه، يتعلق ضمانه برقبته.
وإن فعل ما تدعو الحاجة إليه؛ لنفع الطريق، وإصلاحها كإزالة الطين، والماء منها، وتنقيتها مما يضر فيها، وَحَفْرِ هَدَفِة (٧) فيها، وقلع حجر يضر بالمارة، ووضع الحصى في حفرةٍ فيها؛ ليملأها، وتسقيف ساقيةٍ
стр. 997
فيها (١)، ووضع حجرٍ في طينٍ فيها؛ ليطأ الناس عليها، فهذا كله مباحٌ، لا يضمن ما تلف به لا نعلم فيه خلافًا قاله الشيخ (٢).
وإن بسط في مسجدٍ حصيرًا، أو بارية، أو بساطًا، أو علق فيه قنديلاً، أو أوقده، أو نصب فيه بابًا، أو عمدًا، أو سقفًا، أو جعل فيه رفًا؛ لنفع الناس، أو بنى جدارًا ونحوه، أو وضع فيه حصى، أو اضطجع، أو قام، أو قعد لم يضمن ما تلف به.
وإن جلس، أو اضطجع، أو قام في مسجدٍ، أو طريقٍ واسعٍ فعثر به حيوانٌ لم يضمن، وإن أخرج جناحًا، أو ميزابًا ونحوه إلى طريقٍ نافذٍ ولا بغير إذن أهله فسقط على شيءٍ
فأتلفه/ [٢٠٤/ أ] ضمن، ولو بعد بيعه، وقد طولب بنقصه؛ لحصوله بفعله، مالم يأذن فيه إمامٌ، أو نائبه، ولم يكن فيه ضررٌ.
وإن مال حائطه إلى غير ملكه علم به، أو لا، فلم يهدمه، حتى أتلف شيئًا لم يضمنه نصًّا (٣)، كما لو سقط من غير ميلان.
وعنه بلى (٤)، كما لو بناه مائلاً إليه من أصله، ولا عبرة بطلب
стр. 998
مستأجرٍ، ومودعٍ، ومرتهن، ومستعيرٍ، ولا ضمان عليهم.
وإن تشقق الحائط عرضًا فكميله، لا طولاً، وما أتلفت البهيمة فلا ضمان على صاحبها.
قال في الفروع (١): «سواءٌ كان صيد حرمٍ، أو غيره، أطلقه الأصحاب، ويتوجه إلا الضارية (٢) ولعله مرادهم، وقد قال شيخنا (٣) فيمن أمر رجلاً بإمساكها ضمنه، إن لم يعلمه بها».
وفي الفصول (٤): من أطلق كلبًا عقورًا، أو دابةً ضروسًا، أو عضوضًا على الناس، وخلاه في طريقهم، وَمَصَاطِبِهِمْ (٥)، ورحابهم فأتلف مالاً، أو نفسًا ضمن لتفريطه، وكذا إن كان له طائر جارح كالصقر، والبازي فأفسد طيور الناس، وحيواناتهم.
قال المنُقِّح (٦): وهو أظهر. انتهى.
ويتوجه أن المراد بالضارية إذا أرسلها قريبًا مما أفسدته، أما لو كان بعيدًا فشردت إليه، وأتلفته فلا؛ لأنها ليست في يده، ولا ينسب إليه تفريطٌ انتهى.
стр. 999
فإن كانت في يد إنسانٍ، كالسائس، والقائد، والراكب المتصرف فيها ضمن ما جنت يدها، أو فمها، أو وطؤها برجلها، لا ما نفحت بها، مالم يكبحها (١) زيادة على العادة، أو يضربها في وجهها.
ولا يضمن ما جنت بذنبها، بل بلى ما جنى ولدها، ومن نَفَّرَهَا، أو نخسها (٢) ضمن وحده دونهم؛ لأنه السبب.
وإن ركبها اثنان، ضمن الأول/ [٢٠٤/ ب] منهما، إلا أن يكون صغيرًا، أو مريضًا ونحوهما.
والثاني متولٍ تدبيرها فعليه الضمان، وإن اشتركا في التصرف، اشتركا في الضمان، وكذا لو كان معها سائقٌ، وقائدٌ، وإن كان معهما، أو مع أحدهما راكبٌ شاركهما.
والإبل، والبغال الْمُقَطَّرَةِ (٣) كالواحدة، على قائدها الضمان.
وإن كان معه سائقٌ شاركه في ضمان الأخير فقط، إن كان في آخرها، وإن كان في أولها، شارك في الكل، وإن كان فيما عدا الأَوَّل، شارك في ضمان ما باشر سوقه، وفيما بعده دون ما قبله.
стр. 1000
وإن انفرد راكب بالقطار، وكان على أوله، ضمن جنايته الجميع، قاله الحارثي (١)، ويضمن ربها، ما أفسدت من زرعٍ، وشجرِ، وغيرهما ليلاً، إن فرطوا، وإلا فلا.
ولا يضمن ما أفسدت من ذلك نهارًا.
وقيل: بلى (٢) إن أرسلها بقرب ما تتلفه.
قال المنُقِّح (٣): «وهو أظهر كالطير، وجزم في المغني أنها كالبهائم».
ويضمن غاصبها ما أفسدت ليلاً، ونهارًا، ومودعٍ، ومستعيرٍ، ومستأجرٍ كمالك.
ومن طرد دابةً من مزرعته، لم يضمن، إلا أن يدخلها مزرعة غيره.
وإن اتصلت المزارع صبر؛ ليرجع على ربها، ولو قدر أن يخرجها، وله منصرفٌ غير المزارع، فتركها فهدر، والحطب على الدابة، إذا خرق ثوب آدمي بصير عاقل يجد منحرفًا فهدر، وكذا لو كان مستدبرًا، فصاح به منبهًا له، وإلا ضمن، ذكره في الترغيب (٤).
ومن صال عليه آدميٌ، أو غيره، فقتله دفاعًا عن نفسه لم يضمنه، بخلاف ما لو قتله دفاعًا عن غيره، ويأتي (٥).
стр. 1001
وإن اصطدمت سفينتان، فغرقتا ضمن كل واحدٍ منهما سفينة الآخر، وما فيها، وقطع في المغني (١)، والشرح (٢)، والمنتخب وغيرهم، إن فرط، وإلا فلا.
قال المنُقِّح (٣): وهو/ [٢٠٥/ أ] أظهر.
وعزاه الحارثي (٤) إلى الأصحاب، ولو تعمد الصدم فشريكان في إتلاف كلٍ منهما، ومن فيهما، فإن قتل غالبًا فالقود، وإلا شبه عمد.
ولو كانت إحداهما واقفة، إن فرط، وإلا فلا، ويأتي إذا اصطدم نفسان في الديات.
وإن كانت إحداهما منحدرة، فعلى صاحبها ضمان المصعدة، إلا أن يكون عليه ريح، فلم يقدر على ضبطها نصًّا (٥).
ومن أتلف، أو كسر مزمارًا، أو طُنْبُورًا (٦)، أو صليبًا، أو إناء فضةٍ،
стр. 1002
أو ذهبٍ، أو إناء فيه خمرٌ مأمورٌ بإراقتها قدر على إراقتها بدونه، أو لا، نصًّا (١)، أو آلة لهو، ولو مع صغيرٍ نصًّا (٢) كعودٍ، أو طبلٍ، ودفٍ بِصُنُوج (٣)، أو حلق نصًّا (٤)، أو نرد، أو شِطْرَنج، أو آلة سحر، أو تعزيم، أو صور خيال (٥)، أو أوثان، أو خنزير، أو كتب مبتدعةٍ مضلة، أو كتب كفرٍ، أو حرق مخزن خمرٍ، أو كتابًا فيه أحاديث رديئة نصًّا (٦)، أو حليًا محرمًا على ذكرٍ لم يستعمله يصلح للنساء، لم يضمنه.
وإن تلف حامل، أو حملها من ريح طبيخٍ علم ربه ذلك عادة ضمن.
стр. 1003
باب الشفعة (١)
الشفعة مأخوذةٌ من الزيادة؛ لأنه يضم الشقص (٢) المبيع إلى نصيبه، كأنه كان وترًا، فصار شفعًا.
وهو: استحقاق الإنسان (٣) انتزاع حصة شريكه، المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه، إن كان مثله، أو دونه بثمنه الذي استقر عليه العقد، بعوضٍ ماليٍ (٤).
ولا يحل الاحتيال؛ لإسقاطها، ولا تسقط به نصًّا فيهما (٥).
стр. 1004
وقد ذكروا صورًا من التحيل على إسقاطها (١).
ثم قال في الفائق (٢): قلت: «ومن صور التحيل أن يقفه المشتري، أو يهبه حيلة؛ لإسقاطها، فلا تسقط بذلك عند الأئمة الأربعة، ويغلط من يحكم بهذا، ممن ينتحل مذهب أحمد».
ولا تثبت إلا بشروطٍ خمسةٍ:
أحدها: أن يكون الشقص مبيعًا، ولا شفعة فيما انتقل بغير عوض/ [٢٠٥/ ب] بحالٍ، كموهوبٍ، وموصى به، وموروثٍ (٣) ونحوه، ولا فيما عوضه غير مالٍ، كصداقٍ، أو عوض خلعٍ، وصلح عن دم عمدٍ، وما أخذه أجرة، أو ثمنًا في سلمٍ، أو عوضًا في كتابة (٤).
стр. 1005
فصل
الثاني: أن يكون شقصًا مشاعًا، مع شريكٍ ولو مكاتبًا، من عقارٍ ينقسم قسمة إجبارٍ، فأما المقسوم المحدود، فلا شفعة لجاره فيه، ولا في طريقٍ مشتركٍ لا ينفذ، كدارٍ بيعت فيه، ولو كان نصيب مشترٍ منها أكثر من حاجته، فإن كان لها بابٌ آخر، وأمكن فتح بابٍ لها إلى شارعٍ وجبت (١).
وقيل: لا (٢).
قال المنُقِّح (٣): «وهو أظهر، وكذا دِهْلِيز (٤) دارٍ، وصحنه».
ولا شفعة فيما لا يجب قسمه، كحمامٍ صغيرٍ، وبئرٍ، وطرقٍ، وغراسٍ ضيقةٍ، ولا فيما ليس بعقار، كشجر، وحيوانٍ، وبناء مفردٍ، وجوهرٍ، وسيفٍ ونحوهما، إلا أن البناء، والغراس يؤخذ تبعًا للأرض، لا ثمر وزرع (٥).
فصل
الثالث: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم نصًّا (٦)، إن لم يكن عذرٌ،
стр. 1006
فإن كان عذر، كما لو لم يعلم، أو علم ليلاً فأخره إلى الصبح، أو لشدة جوعٍ، أو عطشٍ حتى يأكل، ويشرب، أو لطهارةٍ، أو إغلاق بابٍ، أو ليخرج من الحمام، أو ليقضي حاجته، أو ليؤذن، ويقيم، وتأتي الصلاة، وليشهدها في جماعةٍ يخاف فوتها ونحوه، لم تسقط، إلا أن يكون المشتري حاضرًا عنده في هذه الأحوال، إلا الصلاة.
ويملك الشقص بالمطالبة ولولم يقبضه مع ملاءته بالثمن فيصح تصرفه فيه، ولا يلزم مشترٍ تسليمه قبل أخذ ثمنٍ، بخلاف بيعٍ، ويورث.
ولا تعتبر رؤيته قبل تملكه نصًّا (١)، وإن صحّ بيع غائبٍ، ولا رضا مشترٍ.
ولفظ الطلب: أنا أطالب، أو مطالبٌ، أو آخذٌ بالشفعة، أو قائمٌ عليها ونحوه، مما يفيد محاولة الأخذ.
فإن أخر الطلب، مع إمكانه ولو جهلاً باستحقاقها، أو جهلاً بأن التأخير/ [٢٠٦/ أ] مسقطٌ لها، ومثله لا يجهله سقطت، إلا أن يعلم وهو غائبٌ، فيشهد على الطلب بها، فلا تسقط.
ولو أخر المبادرة إلى الطلب بعد الإشهاد عند إمكانه، وتسقط إذا سافر هو، أو وكيله في طلبها ولم يشهد ولو بمضي معتاد.
وإن أخر الطلب والإشهاد؛ لعجزه عنهما، أو عن السيران كفى، كالمريض، والمحبوس ظلمًا.
стр. 1007
ومن لا يجد يشهده، أو لإظهارهم زيادة في الثمن، أو نقصًا في المبيع، أو أنه موهوبٌ له، أو أن المشتري غيره، أو أخبره من لا يقبل خبره، فلم يصدقه فهو على شفعته.
وإن أخبره من يقبل خبره ولو عدلاً واحدًا عبدًا، أو أنثى فلم يصدقه ولم يطلب، أو قال لمشترٍ: بعني ما اشتريت، أو صالحني، مع أنه لا يصح الصلح عنها، أو هبه لي، أو ائْتَمِنِّي
عليه (١)، أو بعه ممن شئت، أو وَلِّهِ إيَّاهُ، أو هبه له، أو أكرني، أو قاسمني، أو اكترى منه، أو ساقاه ونحوه.
أو قدِر معذور على التوكيل، فلم يفعله، أو نسي المطالبة، أو البيع، أو بكم اشتريت، أو اشتريت رخيصًا، أو قال له المشتري: بعتك، أو وليتك، فقبل سقطت (٢).
وإن دل في البيع: أي عمل دلالاً، وهو السفير، أو رضي به، أو ضمن ثمنه، أو سلم عليه، أو دعا له بعده ونحوه، أو توكل لأحد المبتاعين، أو جعل له الخيار، فاختار إمضاء المبيع، فعلى شفعته، وإن أسقط شفعته قبل البيع، لم تسقط نصًّا (٣).
وإن ترك وليٌ، ولو أبًا شفعة موليه صغيرًا كان، أو مجنونًا، لم تسقط، وله الأخذ بها، إذا عقل، أو رشد سواءٌ كان فيها حظٌ له، أولم يكن نصًّا (٤).
стр. 1008
وقيل: لا يأخذ بها، إلا إذا كان فيها حظٌ له، وعليه الأكثر (١).
فصل
الرابع: أن يأخذ جميع المبيع، فإن طلب أخذ البعض مع بقاء الكل، سقطت شفعته، وإن تعدد الشفعاء، فبينهم على قدر ملكهم نصًّا (٢)، فدار بين ثلاثة، نصف، وثلث، وسدس، باع صاحب الثلث، فالمسألة من ستة، الثلث بينهما على أربعةٍ: لرب النصف ثلاثة، ولرب السدس واحد، ولا يرجح أقرب، ولا قرابة.
فإن ترك أحدهم شفعته، أو طلب أخذ/ [٢٠٦/ ب] البعض سقطت، ولم يكن للباقين أن يأخذوا إلا الكل، ويتركوا كما لو كان بعضهم غائبًا، فإذا قدم الغائب، وقد أخذ شركاؤه أخذ سهمه منهم دون غلته، فإن كان المشتري شريكًا، فالشفعة بينه، وبينهم، فإن ترك شفعته؛ ليوجب الكل عليهم، لم يجب عليهم الأخذ، ولم يصح إسقاطه لملكه له بالشراء، فلا يسقط.
وإذا كانت دارٌ بين اثنين، فباع أحدهما نصيبه لأجنبيٍ، صفقتين، ثم علم شريكه، فله الأخذ بهما، وبأحدهما، فإن أخذ بالثاني، شاركه مشترٍ في شفعته، وإن أخذ بهما لم يشاركه في شفعة الأَوَّل، ولا الثاني، وإن اشترى اثنان حق واحد، فللشفيع أخذ حق أحدهما.
стр. 1009
وإن اشترى واحدٌ حق اثنين، واشترى واحدٌ شقصين من أرضين صفقة واحدة فللشفيع أخذ أحدهما (١).
وإن باع شقصًا، وسيفًا فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن، فيقسم الثاني على قيمتهما نصًّا (٢).
وإن تلف بعض المبيع، أو انهدم ولو بفعل الله تعالى، فله أخذ الباقي بحصته من الثمن.
فلو اشترى دارًا بألفٍ تساوي ألفين فباع بابها، أو هدمها، فبقيت بألف، أخذها بخمس مئة بالقيمة من الثمن نصًّا (٣).
فصل
الخامس: أن يكون للشفيع ملك للرقبة سابق، ولو مكاتبًا، لا ملك منفعة، كدارٍ موصى بنفعها فباع الورثة نصفها، فلا شفعة للموصى له، ويعتبر ثبوت الملك، فلا تكفي اليد، فإن لم يسبق أحدهما، كشراء اثنين داراً صفقة واحدة، فلا شفعة لأحدهما على صاحبه.
وإن ادعى كل واحدٍ منهما السبق فتحالفا، أو تعارضت بينتهما فلا
стр. 1010
شفعة لهما، ولا شفعة بشركة وقف، سواء قيل بملك الموقوف الوقف، أم لا (١).
فصل
وإن تصرف المشتري في المبيع قبل الطلب بوقفٍ على معينٍ، أو لا، أو هبةً، أو صدقة/ [٢٠٧/ أ] عتقٍ سقطت الشفعة نصًّا (٢)، لا برهنه، ولا يصح تصرفه بعد الطلب.
وإن باع، فللشفيع الأخذ بأي البيعين شاء، ويرجع من أخذه منه على بائعه بما أعطاه، فإن أخذ بالأَوَّل، رجع الثاني على الأَوَّل، ورجع الثالث على الثاني وهلم جرًا.
وإن فسخ البيع بعيبٍ في الشقص، أو إقالة، أو تحالف، ثم علم الشفيع فله الأخذ بها فيقض فسخه.
ويأخذ في الإقالة بالثمن، والعيب الذي وقع عليه العقد.
وفي التحالف بما حلف عليه البائع، وإن فسخ البائع؛ لعيبٍ في ثمنه المعين، فإن كان قبل الأخذ بالشفعة، فلا شفعة، وإلا استقرت.
стр. 1011
وللبائع إلزام المشتري بقيمة شقصه، ويتراجع المشتري، والشفيع بما بين القيمة، والثمن فيرجع دافع الأكثر منهما بالفضل.
وإن أخذ الشفيع الشقص، ثم ظهر على عيبٍ لم يعلماه، فله رده على المشتري، أو تعذر أرشه، والمشتري على البائع كذلك، وأيهما علم به لم يرده، لكن إذا علم الشفيع وحده، فلا رد للمشتري، وله الأرش.
وإن أجَّره أخذه شفيعٌ، وانفسخت الإجارة من وقت أخذه، وإن استغله بأن أخذ ثمرته، أو أجرته فهي له، وليس للشفيع مطالبة المشتري بردها.
وإن أخذه شفيعٌ، وفيه زرعٌ، أو ثمرةٌ ظاهرة، أو مؤبرة وما في معناه ونحوه، فهو لمشترٍ، مبقى إلى أوان أخذه؛ لحصاد، أو جذاذٍ، أو غيرهما بلا أجرةٍ.
وإن نما عنده نماءً متصلاً، كشجر كَبِرَ، وطلع لم يُؤَبَّرْ، تبعه في عقدٍ وفسخٍ.
وإن قاسم المشتري وكيل الشفيع، أو قاسم الشفيع لكونه أظهر له زيادةً في الثمن، أو أن الشقص موهوبٌ له ونحوه، ثم غرس، أو بنى لم تسقط الشفعة، وللشفيع الأخذ بها إذا علم الحال، ويدفع قيمة الغراس، والبناء حين تقويمه فيملكه، أو يقلعه/ [٢٠٧/ ب]، ويضمن نقصه من القيمة بالقلع (١).
فإن اختار الشفيع أخذه، وأراد المشتري قلعه فله ذلك، بلا ضررٍ،
стр. 1012
واختاره الشيخ وغيره (١)، وجزم به في الوجيز (٢) وغيره.
ولا يضمن بنقص الأرض، ولا يلزمه تسوية حفرها.
وصحح المنُقِّح (٣) له القلع أضر، أم لا، وقدمه في الفروع.
قال الزركشي (٤): وهو ظاهر كلام الأكثرين، ولا يلزم الشفيع إذا أخذ الغرس، والبناء دفع ما أنفقه، سواءٌ كان أقل من قيمته، أو أكثر، وصفة تقويمه، أن الأرض تقوم مغروسة، ومبنية، ثم تقوم خالية، فيكون ما بينهما قيمة الغراس، والبناء، وإن حفر فيها بئرًا أخذها، ولزمه أجرة المثل؛ لحفرها.
وإن باع شفيعٌ ملكه قبل العلم لم تسقط شفعته، وللمشتري الشفعة فيما باعه الشفيع، وإن مات شفيعٌ بطلت، وإن طالب فلا نصًّا (٥)، وتكون لورثته كلهم نصًّا (٦).
فصل
ويأخذ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بلا حكم حاكمٍ، بالثمن الذي استقر عليه العقد، قدرًا، أو جنسًا، وصفة إن قدر عليه، وإن طلب الإمهال أمهل
стр. 1013
اليومين، والثلاثة نصًّا (١)، فإذا مضت، ولم يحضره فللمشتري الفسخ، وإن كان الثمن عرضًا مُتَقَوَّمًا موجودًا قُوِّمَ، وأعطى قيمته.
وإن كان معدومًا، وتعذر معرفته، كان دعوى جهله، كدعوى جهل الثمن على ما يأتي، قاله الشيخ وغيره (٢).
فإن كان مثليًا فمثله، وإلا فبقيمته وقت لزومه، وإن عجز عنه، أو عن بعضه، سقطت شفعته كما تقدم، فلو أتى برهن، أو كفيل لم يلزم المشتري.
وإن فلَّس، والثمن في الذمة، خيِّر مشترٍ بين فسخٍ، وضربٍ مع الغرماء بالثمن، كبائعٍ، وما يزاد في الثمن، أو يحط منه في مدة الخيار يلحق به، وما كان بعد ذلك، لا يلحق به.
وإن كان مؤجلاً أخذه الشفيع بالأجل إن كان مليئًا، وإلا أقام كفيلاً مليئًا، وأخذ به نصًّا (٣)، فلو لم يعلم حتى/ [٢٠٨/ أ] حل فكالحالّ.
وإن اختلفا في قدر الثمن، فالقول قول المشتري، إلا أن يكون للشفيع بينة، ولا يقبل شهادة البائع لواحدٍ منهما، ويؤخذ بقول مشترٍ في جهله به، فيحلف أنه لا يعلم قدره، ولا شفعته، فإن اتهمه أنه فعله حيلة، حَلَّفَهُ، وإن وقع حيلة، دفع إليه ما أعطاه، أو قيمة الشقص، فإن كان مجهولاً، كصرة نقدٍ ونحوه، وجوهرة دفع مثله، أو قيمته، فإن تعذر فقيمة الشقص.
وإن قال المشتري: اشتريته بألفٍ، وأقام البائع بينةً، أنه باعه بألفين،
стр. 1014
فللشفيع أخذه بألف، فإن قال المشتري: غلطت، أو نسيت، أو كذبت، لم يقبل قوله (١).
وإن ادعى أنك اشتريته بألفٍ، قال: اتهبته، أو ورثته، فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل عنها، أو قامت للشفيع بينة فله أخذه، ويبقى الثمن في يده، إلى أن يدعيه المشتري (٢).
وإن كان الشقص عوضًا في الخلع، أو النكاح، أو عن دم عمدٍ، وقلنا تثبت فيه الشفعة أخذه بقيمته يوم خلعٍ، ونكاحٍ، وصلح، وعلى قياسه ما أخذ أجرة، أو ثمنًا في سلم، أو عوضًا في كتابة (٣).
فصل
ولا شفعة في بيع خيار مجلسٍ، أو شرطٍ قبل انقضائه نصًّا (٤).
وإن أقر بائعٌ ببيعٍ، وأنكر مشترٍ، وجبت الشفعة بما قال البائع، فيأخذ الشفيع الشقص منه، ويدفع إليه الثمن إن لم يكن قبضه، وإن كان قبضه من المشتري، ففي ذمة الشفيع، إلى أن يدعيه المشتري، وعهدة شفيعٍ على مشترٍ، وعهدة مشترٍ على بائعٍ، إلا إذا أقر البائع وحده بالبيع، وقلنا بوجوب الشفعة، فإن العهدة على البائع.
والمراد بالعهدة هنا: رجوع من انتقل الملك إليه، على من انتقل عنه
стр. 1015
بالثمن، والأرش عند استحقاق الشقص، أو عيبه (١)، فإن أبى المشتري قبض المبيع، أجبره الحاكم عليه، وإن ورث اثنان شقصًا عن أبيهما، فباع أحدهما نصيبه، فالشفعة بين أخيه، وشريك أبيه.
ولا شفعة لكافرٍ على مسلمٍ (٢)،/ [٢٠٨/ ب].
ولا لمضاربٍ على رب المال، إن ظهر ربحٌ، وإلا وجبت.
وصورته: أن يكون للمضارب شقص في دار، فيشتري من مال المضاربة بقيتها.
ولا لرب المال على مضاربٍ.
وصورته: أن يكون لرب المال شقصٌ في دارٍ، فيشتري المضارب من مال المضاربة بقيتها.
стр. 1016
باب الوديعة (١)
الوديعة: فعيلة بمعنى مفعولة من الوَدَعِ وهو الترك، فكأنما سميت وديعة أي: متروكة عند الْمُودَعِ، وهي اسمٌ للمال المودع.
والإيداع: توكيلٌ في حفظ مالٍ تبرعًا.
والاستيداع: توكل في حفظه كذلك بغير تصرفٍ.
فإن أذن المالك له فيه، ففعل صارت عاريةً مضمونةً، ويشترط فيها أركان وكالة (٢)، وتنفسخ بموتٍ، وجنونٍ، وعزل مع علمه كوكالة، وهي أمانة، لا ضمان عليه فيها (٣)، إلا أن يتعدى، وإن تلفت من بين ماله، لم
стр. 1017
يضمن، إلا أن يتعدى.
ويلزمه حفظها بنفسه، أو وكيله، أو من يحفظ ماله عادة، كزوجة، وعبد، في حرز مثلها عرفًا، كحرز سرقةٍ، فإن لم يحرزها في حرز مثلها، أو سعى بها إلى ظالمٍ، أو دل عليها لصًا فأخذها ضمنها.
وإن عيّن صاحبها حرزًا، فجعلها في دونه ضمن، سواء ردها إليه، أو لا.
وإن أحرزها بمثله، أو فوقه لم يضمن، ولو لغير حاجةٍ.
وإن نهاه عن إخراجها، فأخرجها؛ لغشيان شيء الغالب (١) منه الهلاك، ويلزمه إذًا، لم يضمن إن وضعها في حرز مثلها، أو فوقه، فإن تعذر، وأحرزها في دونه، فلا ضمان، وإلا ضمن، صرح به الشيخ وغيره (٢).
وإن تركها إذًا، ولم يخرجها فتلفت، ضمن، وإن أخرجها لغير خوفٍ ضمن.
فإن قال: لا تخرجها، وإن خفت عليها، لم يضمن، أخرجها، أم لا،/ [٢٠٩/ أ].
وإن أودعها بهيمة كانت، فلم يعلفها (٣) حتى ماتت ضمن، إلا أن
стр. 1018
ينهاه المالك عن علفها، فيحرم، ويضمن.
وإن أمره به لزمه، ومتى أودعه وأطلق، فتركها في جيبه، أو يده، أو شدها في كُمِّهِ (١)، أو عضده، أو ترك في كُمِّهِ، ثقيلاً بلا شدٍّ، أو تركها في وسطه، وأحرز عليه سراويل، لم يضمن.
وإن عين جيبه ضمن في كُمِّهِ، ويده، لا عكس.
وإن قال: اتركها في كمك، فتركها في جيبه لم يضمن، وإن تركها في يده، أو عكسه ضمن، كما لو جاءه بها في السوق، وأمره بحفظها ببيته، فتركها عنده إلى مضيه إلى منزله، وقيل: لا (٢).
قال في الفروع (٣): وهو أظهر.
وإن أودعه خاتمًا وقال: اجعله في البنصر، فجعله في الخنصر (٤) ضمن، لا عكسه.
وإن دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله، أو مال ربها عادة، كزوجته، وعبده، وخادمه لم يضمن نصًّا (٥) كوكيل ربها.
стр. 1019
وإن دفعها إلى أجنبيٍ، أو حاكم؛ لعذرٍ لم يضمن، وإلا ضمن، ولمالكٍ مطالبة الثاني أيضًا، ويستقر عليه للضمان، إن كان عالمًا، وإلا فلا.
وإن أراد سفرًا، أو خاف عليها عنده، ردها على مالكها، أو من يحفظ ماله عادة، أو وكيله في قبضها إن كان، وإن لم يجد من يردها عليه منهم، حملها معه في سفره، ونصه مطلقًا (١)، إن كان أحفظ لها، ولم ينهه، ولا ضمان، وإلا فلا.
فإن لم يسافر بها دفعها إلى الحاكم، فإن تعذر ذلك، أودعها ثقة، أو دفنها، وأعلم بها ثقة يسكن تلك الدار، فيكون كإيداعه، فإن دفنها ولم يعلم بها أحدًا، أو أعلم بها من لا يسكن الدار ضمنها.
وحكم من حضرته الوفاة، حكم من أراد سفرًا في دفعها إلى الحاكم، أو ثقة، وإن تعدى فيها بانتفاعه، فركب الدابة لغير نفعها، ولبس الثوب، أو أخرجها لا لإصلاحها كإنفاقها،/ [٢٠٩/ ب] أو شهوة إلى رؤيتها، ثم ردها، أو كَسَرَ خَتْمَ كِيسِهَا، أو حله، أو جحدها، ثم أقر بها، أو منعها بعد طلب طالبها شرعًا، والتمكن، أو خلطها بما لا تتميز منه ولو في أحد عينين فيه (٢)، بطلت، وضمن، ولا تعود وديعة، إلا بعقدٍ جديدٍ، ووجب الرد فورًا، ومتى جدد استئمانًا، أو أبرأه برئ، ولا يضمن بمجرد نية التعدي إذا
стр. 1020
تلفت، وإن خلطها بمتميز، أو ركب الدابة؛ ليسقيها، أو خوفًا عليه من عبءٍ ونحوه، لم يضمن.
وإن أخذ درهمًا؛ لينفقه ونحوها، ثم رده، أو أبدله، أو أذن له في أخذه منها، ورد بدله غير متميزٍ فيضمن الجميع، كما لولم يدر أيهما ضاع نصًّا (١).
وإن اختلطت من غير فعله، ثم ضاع البعض جعل من مال المودع.
وإن أودعه صغير مميزًا، أو لا وديعة فتلفت ضمنها، ولم يبرأ، إلا بالتسليم إلى وليه، إلا أن يكون مأذونًا له، أو يخاف هلاكها معه، فيأخذها؛ لحفظها حسبة فلا، كالمال الضائع، والموجود في مهلكة إذا أخذه لذلك وتلف.
وإن أودع الصغير، والمجنون، أو السفيه وديعة، أو أعارهم شيئًا فأتلفوه، لم يضمنوا.
وفي السفيه وجه (٢) يضمن، كعبدٍ يضمنها في رقبته.
قال المنُقِّح (٣): وهو أظهر، ولا يضمن الكل تلفهما بتفريط.
فصل
وَالْمُودَعُ أمينٌ، والقول قوله مع يمينه فيما يدعيه، من ردٍ إلى ربها ولو